«أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٣٥

الحديث رقم ٢٠٣٥ من كتاب «أبواب الاعتكاف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٣٥ في صحيح البخاري

«أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ : عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا.»

بَابُ الِاعْتِكَافِ وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠٣٥

٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٣٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَجَزَمَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ مَوْصُولًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَحْيَى مُرْسَلًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَرَوَاهُ إِلْيَاسُ، عَنْ يَحْيَى مَوْصُولًا; وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: تَابَعَ مَالِكًا، أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا، فَحَصَلْنَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَصَلُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٨ - هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ؟

٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ ابن آدم مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا.

[الحديث ٢٠٣٥ - أطرافه في: ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لِاحْتِمَالِ الْقَضِيَّةِ مَا تَرْجَمَ لَهُ، لَكِنَّ تَقْيِيدَهُ ذَلِكَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَنْ بَتِّ الْحُكْمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاشْتِغَالِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ) عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُصَغَّرًا، ابْنِ أَخْطَبَ، كَانَ أَبُوهَا رَئِيسَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ تَكَنَّى أُمَّ يَحْيَى، وَسَيَأْتِي شَرْحُ تَزْوِيجِهَا فِي الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي تَصْرِيحِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِأَنَّهَا حَدَّثَتْهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ أَوْ نَحْوَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حِينَ سَمِعَ مِنْهَا صَغِيرًا، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي وَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ الطَّرِيقَ الْمَوْصُولَةَ وَحَمَلَ الطَّرِيقَ الْمُرْسَلَةَ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَ عَلِيٍّ عَنْ صَفِيَّةَ فَلَمْ يَجْعَلْهَا عِلَّةً لِلْمَوْصُولِ كَمَا صَنَعَ فِي طَرِيقِ مَالِكٍ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ، وَقَالَ لِصَفِيَّةَ: لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اخْتِصَاصَ صَفِيَّةَ بِذَلِكَ لِكَوْنِ مَجِيئِهَا تَأَخَّرَ عَنْ رُفْقَتِهَا، فَأَمَرَهَا بِتَأْخِيرِ التَّوَجُّهِ لِيَحْصُلَ لَهَا التَّسَاوِي فِي مُدَّةِ جُلُوسِهِنَّ عِنْدَهُ، أَوْ أَنَّ بُيُوتَ رُفْقَتِهَا كَانَتْ أَقْرَبَ مِنْ مَنْزِلِهَا فَخَشِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَ مَشْغُولًا فَأَمَرَهَا بِالتَّأَخُّرِ لِيَفْرُغَ مِنْ شُغْلِهِ وَيُشَيِّعَهَا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ

طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ: أَقْلِبُكِ إِلَى بَيْتكِ. فَذَهَبَ مَعَهَا حَتَّى أَدْخَلَهَا بَيْتَهَا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ: وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَيِ: الدَّارِ الَّتِي صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ أُسَامَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحَيْثُ تَسْكُنُ فِيهَا صَفِيَّةُ، وَكَانَتْ بُيُوتُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ حَوَالَيْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ تَرْجَمَةِ الْمُصَنِّفِ.

قَوْلُهُ: (فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً) زَادَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ) أَيْ: تَرُدُّ إِلَى بَيْتِهَا (فَقَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ: يَرُدُّهَا إِلَى مَنْزِلِهَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي لَقِيَهُ الرَّجُلَانِ فِيهِ لِإِتْيَانِ مَكَانِ بَيْتِ صَفِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ زَعَمَ أَنَّهُمَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْإِفْرَادِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ إِنَّهُ وَهَمٌ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ. قُلْتُ: وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ، أَوْ خُصَّ أَحَدُهُمَا بِخِطَابِ الْمُشَافَهَةِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ فَيَقُولُ تَارَةً: رَجُلٌ وَتَارَةً: رَجُلَانِ، فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَقِيَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِالشَّكِّ، وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ رَجُلٌ مَفْهُومٌ، نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِالْإِفْرَادِ، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ، فَحَيْثُ أَفْرَدَ ذَكَرَ الْأَصْلَ، وَحَيْثُ ثَنَّى ذَكَرَ الصُّورَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ثُمَّ أَجَازَا أَيْ: مَضَيَا، يُقَالُ: جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنًى، وَيُقَالُ جَازَ الْمَوْضِعَ إِذَا سَارَ فِيهِ وَأَجَازَهُ إِذَا قَطَعَهُ وَخَلَّفَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: ثُمَّ نَفَذَا وَهُوَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيْ: خَلَّفَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ أَسْرَعَا أَيْ: فِي الْمَشْيِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: فَلَمَّا رَأَيَاهُ اسْتَحْيَيَا فَرَجَعَا فَأَفَادَ سَبَبَ رُجُوعِهِمَا وَكَأَنَّهُمَا لَوِ اسْتَمَرَّا ذَاهِبَيْنِ إِلَى مَقْصِدِهِمَا مَا رَدَّهُمَا بَلْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُمَا تَرَكَا مَقْصِدَهُمَا وَرَجَعَا رَدَّهُمَا.

قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكُمَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ: عَلَى هِينَتِكُمَا فِي الْمَشْيِ فَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ تَكْرَهَانِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْشِيَا عَلَى هِينَتِكُمَا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ : تَعَالَيَا وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ: قِفَا، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ: تَعَالَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: هَذِهِ صَفِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ الْآتِيَةِ فِي الْخَمْسِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ: وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَظُنُّ بِكَ إِلَّا خَيْرًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ القدم) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ; وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَكَذَا لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، زَادَ عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالَ: إِنِّي خِفْتُ أَنْ تَظُنَّا ظَنًّا، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي، إِلَخْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ: مَا أَقُولُ لَكُمَا هَذَا أَنْ تَكُونَا تَظُنَّانِ شَرًّا، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.

قَوْلُهُ: (ابْنِ آدَمَ) الْمُرَادُ جِنْسُ أَوْلَادِ آدَمَ فَيَدْخُلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ) من معتكفه (لِحَوَائِجِهِ إِلى بَابِ المَسْجِدِ)؟

٢٠٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن عليِّ بن أبي طالبٍ القرشيُّ زين العابدين () ولابن عساكر: «ابن حسين» (أَنَّ صَفِيَّةَ) بنت حييٍّ (زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «جاءت إلى رسول الله» ( تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ) من الأحوال المُقدَّرة، وفي رواية مَعْمَرٍ عند المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١]: «فأتيته أزوره ليلًا» (فِي المَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً) زاد في «الأدب» [خ¦٦٢١٩] «من العشاء» (ثُمَّ قَامَتْ) أي: صفيَّة (تَنْقَلِبُ) أي: تردُّ إلى منزلها (فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا) بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللَّام، أي: يردُّها إلى منزلها (حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن العطَّار في «شرح العمدة»: هما أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بشرٍ (١)، ولم يذكر لذلك مستندًا، وفي رواية هشامٍ الآتية [خ¦٢٠٣٨] «وكان بيتُها في دار أسامة، فخرج النَّبيُّ معها، فلقيه رجلان من الأنصار» وظاهره: أنَّه خرج من باب المسجد، وإلَّا فلا فائدة في قوله لها في حديث هشامٍ هذا: «لا تعجلي حتَّى أنصرف معك»، ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط لأنَّ قلبها إنَّما كان لبُعْد بيتها، وفي رواية عبد الرَّزَّاق من طريق مروان بن سعيد بن المُعلَّى: «فذهب معها حتَّى أدخلها (٢) بيتها».

(فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ) وفي رواية مَعْمَرٍ المذكورة [خ¦٢٠٣٨] «فنظرا إلى النَّبيِّ ثمَّ أجازا» أي: مضيا، وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند ابن حبَّان: «فلمَّا رأيا (١) استحييا فرجعا» (فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ): امشيا (عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: على هينتكما، فليس شيءٌ تكرهانه (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) بمهملةٍ ثمَّ مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُصغَّرًا ابن أخطب، وكان أبوها رئيس خيبر (فَقَالَا) أي (٢): الرَّجلان: (سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: تنزَّه اللهُ عن أن يكون رسولُه مُتَّهَمًا بما لا ينبغي، أو كنايةٌ عن التَّعجُّب من هذا القول (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضمِّ المُوحَّدة، أي: عَظُم وشقَّ عليهما ما قال ، وفي رواية هُشَيمٍ: «فقالا: يا رسول الله، وهل نظنُّ بك إلَّا خيرًا؟» (فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ) الرِّجال والنِّساء، فالمرادُ الجنسُ (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه الشَّبه: شدَّة الاتِّصال وعدم المفارقة، وهو كنايةٌ عن الوسوسة (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) ولمسلمٍ وأبي داود من حديث مَعْمَرٍ: «شرًّا»، ولم يكن النَّبيُّ نسبهما أنَّهما يظنَّان به سوءًا لما تقرَّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشَّيطان ذلك لأنَّهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادَّة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك، وقد روى الحاكم: أنَّ الشَّافعيَّ كان في مجلس ابن عُيَيْنة، فسأله عن هذا الحديث، فقال الشَّافعيُّ: إنَّما قال لهما ذلك لأنَّه خاف عليهما الكفر إن ظنَّا به التُّهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحةً لهما قبل أن يقذف الشَّيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به، وفي «طبقات العباديِّ»: أنَّ الشَّافعيَّ سُئِل عن

خبر صفيَّة، فقال: إنَّه على سبيل (١) التَّعليم، علَّمنا إذا حدَّثنا محارمنا أو نساءنا على الطَّريق أن نقول: هي مَحْرَمي؛ حتَّى لا نُتَّهَم، وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التَّحرُّز ممَّا يقع في الوهم (٢) نسبة الإنسان إليه ممَّا لا ينبغي، وهذا متأكِّدٌ في حقِّ العلماء ومَن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السُّوء بهم وإن كان لهم فيه مخلصٌ لأنَّ ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فقام النَّبيُّ يقلبها»، وفي رواية هشامٍ المذكورة: الدَّلالة على جواز خروج المعتكف لحاجته من أكلٍ وشربٍ، وبولٍ وغائطٍ، وأذانٍ على منارة المسجد إذا كان راتبًا، ومرضٍ تشقُّ الإقامة معه في المسجد، وخوف سلطانٍ، وصلاة جمعةٍ، لكنَّ الأظهر بطلانه بخروجه لها لأنَّه كان يمكنه الاعتكاف في الجامع، ودفن ميتٍ تعيَّن عليه كغسله، وأداء شهادةٍ تعيَّن أداؤها عليه، وخوف عدوٍّ قاهرٍ، وغسلٍ من احتلام.

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٨] وفي «الأدب» [خ¦٦٢١٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الأحكام» [خ¦٧١٧١]، وأخرجه مسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الصوم» وفي «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الاعتكاف»، وابن ماجه في «الصَّوم». انتهى.

(٩) (بابُ الاعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ) بفتحاتٍ، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ كذا في الفرع وغيره، وفي بعض الأصول: «وخُرُوج النَّبيِّ » (٣) بضمِّ الخاء والرَّاء ثمَّ واو، و «النَّبيِّ» مجرورٌ بالإضافة، أي: خروجه من اعتكافه (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من شهر رمضان.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَجَزَمَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ مَوْصُولًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَحْيَى مُرْسَلًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَرَوَاهُ إِلْيَاسُ، عَنْ يَحْيَى مَوْصُولًا; وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: تَابَعَ مَالِكًا، أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا، فَحَصَلْنَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَصَلُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٨ - هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ؟

٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ ابن آدم مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا.

[الحديث ٢٠٣٥ - أطرافه في: ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ لِاحْتِمَالِ الْقَضِيَّةِ مَا تَرْجَمَ لَهُ، لَكِنَّ تَقْيِيدَهُ ذَلِكَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَنْ بَتِّ الْحُكْمِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاشْتِغَالِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ) عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُصَغَّرًا، ابْنِ أَخْطَبَ، كَانَ أَبُوهَا رَئِيسَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ تَكَنَّى أُمَّ يَحْيَى، وَسَيَأْتِي شَرْحُ تَزْوِيجِهَا فِي الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي تَصْرِيحِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِأَنَّهَا حَدَّثَتْهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ أَوْ نَحْوَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حِينَ سَمِعَ مِنْهَا صَغِيرًا، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي وَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ الطَّرِيقَ الْمَوْصُولَةَ وَحَمَلَ الطَّرِيقَ الْمُرْسَلَةَ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَ عَلِيٍّ عَنْ صَفِيَّةَ فَلَمْ يَجْعَلْهَا عِلَّةً لِلْمَوْصُولِ كَمَا صَنَعَ فِي طَرِيقِ مَالِكٍ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ النَّبِيُّ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ، وَقَالَ لِصَفِيَّةَ: لَا تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اخْتِصَاصَ صَفِيَّةَ بِذَلِكَ لِكَوْنِ مَجِيئِهَا تَأَخَّرَ عَنْ رُفْقَتِهَا، فَأَمَرَهَا بِتَأْخِيرِ التَّوَجُّهِ لِيَحْصُلَ لَهَا التَّسَاوِي فِي مُدَّةِ جُلُوسِهِنَّ عِنْدَهُ، أَوْ أَنَّ بُيُوتَ رُفْقَتِهَا كَانَتْ أَقْرَبَ مِنْ مَنْزِلِهَا فَخَشِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَ مَشْغُولًا فَأَمَرَهَا بِالتَّأَخُّرِ لِيَفْرُغَ مِنْ شُغْلِهِ وَيُشَيِّعَهَا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ

طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ: أَقْلِبُكِ إِلَى بَيْتكِ. فَذَهَبَ مَعَهَا حَتَّى أَدْخَلَهَا بَيْتَهَا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ: وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَيِ: الدَّارِ الَّتِي صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ أُسَامَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحَيْثُ تَسْكُنُ فِيهَا صَفِيَّةُ، وَكَانَتْ بُيُوتُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ حَوَالَيْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ تَرْجَمَةِ الْمُصَنِّفِ.

قَوْلُهُ: (فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً) زَادَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ) أَيْ: تَرُدُّ إِلَى بَيْتِهَا (فَقَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ: يَرُدُّهَا إِلَى مَنْزِلِهَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي لَقِيَهُ الرَّجُلَانِ فِيهِ لِإِتْيَانِ مَكَانِ بَيْتِ صَفِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ زَعَمَ أَنَّهُمَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْإِفْرَادِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ إِنَّهُ وَهَمٌ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ. قُلْتُ: وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ، أَوْ خُصَّ أَحَدُهُمَا بِخِطَابِ الْمُشَافَهَةِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ فَيَقُولُ تَارَةً: رَجُلٌ وَتَارَةً: رَجُلَانِ، فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَقِيَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِالشَّكِّ، وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ رَجُلٌ مَفْهُومٌ، نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِالْإِفْرَادِ، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ تَبَعًا لِلْآخَرِ، فَحَيْثُ أَفْرَدَ ذَكَرَ الْأَصْلَ، وَحَيْثُ ثَنَّى ذَكَرَ الصُّورَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ثُمَّ أَجَازَا أَيْ: مَضَيَا، يُقَالُ: جَازَ وَأَجَازَ بِمَعْنًى، وَيُقَالُ جَازَ الْمَوْضِعَ إِذَا سَارَ فِيهِ وَأَجَازَهُ إِذَا قَطَعَهُ وَخَلَّفَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: ثُمَّ نَفَذَا وَهُوَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيْ: خَلَّفَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ أَسْرَعَا أَيْ: فِي الْمَشْيِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: فَلَمَّا رَأَيَاهُ اسْتَحْيَيَا فَرَجَعَا فَأَفَادَ سَبَبَ رُجُوعِهِمَا وَكَأَنَّهُمَا لَوِ اسْتَمَرَّا ذَاهِبَيْنِ إِلَى مَقْصِدِهِمَا مَا رَدَّهُمَا بَلْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُمَا تَرَكَا مَقْصِدَهُمَا وَرَجَعَا رَدَّهُمَا.

قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكُمَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْ: عَلَى هِينَتِكُمَا فِي الْمَشْيِ فَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ تَكْرَهَانِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْشِيَا عَلَى هِينَتِكُمَا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ : تَعَالَيَا وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ أَيْ: قِفَا، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ: تَعَالَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: هَذِهِ صَفِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ الْآتِيَةِ فِي الْخَمْسِ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ: وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَظُنُّ بِكَ إِلَّا خَيْرًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ القدم) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ; وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَكَذَا لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، زَادَ عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالَ: إِنِّي خِفْتُ أَنْ تَظُنَّا ظَنًّا، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي، إِلَخْ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ: مَا أَقُولُ لَكُمَا هَذَا أَنْ تَكُونَا تَظُنَّانِ شَرًّا، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.

قَوْلُهُ: (ابْنِ آدَمَ) الْمُرَادُ جِنْسُ أَوْلَادِ آدَمَ فَيَدْخُلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ) من معتكفه (لِحَوَائِجِهِ إِلى بَابِ المَسْجِدِ)؟

٢٠٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ) بن عليِّ بن أبي طالبٍ القرشيُّ زين العابدين () ولابن عساكر: «ابن حسين» (أَنَّ صَفِيَّةَ) بنت حييٍّ (زَوْجَ النَّبِيِّ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «جاءت إلى رسول الله» ( تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ) من الأحوال المُقدَّرة، وفي رواية مَعْمَرٍ عند المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١]: «فأتيته أزوره ليلًا» (فِي المَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً) زاد في «الأدب» [خ¦٦٢١٩] «من العشاء» (ثُمَّ قَامَتْ) أي: صفيَّة (تَنْقَلِبُ) أي: تردُّ إلى منزلها (فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا) بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللَّام، أي: يردُّها إلى منزلها (حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن العطَّار في «شرح العمدة»: هما أُسَيد بن حُضَيرٍ وعبَّاد بن بشرٍ (١)، ولم يذكر لذلك مستندًا، وفي رواية هشامٍ الآتية [خ¦٢٠٣٨] «وكان بيتُها في دار أسامة، فخرج النَّبيُّ معها، فلقيه رجلان من الأنصار» وظاهره: أنَّه خرج من باب المسجد، وإلَّا فلا فائدة في قوله لها في حديث هشامٍ هذا: «لا تعجلي حتَّى أنصرف معك»، ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط لأنَّ قلبها إنَّما كان لبُعْد بيتها، وفي رواية عبد الرَّزَّاق من طريق مروان بن سعيد بن المُعلَّى: «فذهب معها حتَّى أدخلها (٢) بيتها».

(فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ) وفي رواية مَعْمَرٍ المذكورة [خ¦٢٠٣٨] «فنظرا إلى النَّبيِّ ثمَّ أجازا» أي: مضيا، وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهريِّ عند ابن حبَّان: «فلمَّا رأيا (١) استحييا فرجعا» (فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ): امشيا (عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: على هينتكما، فليس شيءٌ تكرهانه (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) بمهملةٍ ثمَّ مثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُصغَّرًا ابن أخطب، وكان أبوها رئيس خيبر (فَقَالَا) أي (٢): الرَّجلان: (سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ!) أي: تنزَّه اللهُ عن أن يكون رسولُه مُتَّهَمًا بما لا ينبغي، أو كنايةٌ عن التَّعجُّب من هذا القول (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضمِّ المُوحَّدة، أي: عَظُم وشقَّ عليهما ما قال ، وفي رواية هُشَيمٍ: «فقالا: يا رسول الله، وهل نظنُّ بك إلَّا خيرًا؟» (فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ) الرِّجال والنِّساء، فالمرادُ الجنسُ (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه الشَّبه: شدَّة الاتِّصال وعدم المفارقة، وهو كنايةٌ عن الوسوسة (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) ولمسلمٍ وأبي داود من حديث مَعْمَرٍ: «شرًّا»، ولم يكن النَّبيُّ نسبهما أنَّهما يظنَّان به سوءًا لما تقرَّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشَّيطان ذلك لأنَّهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادَّة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك، وقد روى الحاكم: أنَّ الشَّافعيَّ كان في مجلس ابن عُيَيْنة، فسأله عن هذا الحديث، فقال الشَّافعيُّ: إنَّما قال لهما ذلك لأنَّه خاف عليهما الكفر إن ظنَّا به التُّهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحةً لهما قبل أن يقذف الشَّيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به، وفي «طبقات العباديِّ»: أنَّ الشَّافعيَّ سُئِل عن

خبر صفيَّة، فقال: إنَّه على سبيل (١) التَّعليم، علَّمنا إذا حدَّثنا محارمنا أو نساءنا على الطَّريق أن نقول: هي مَحْرَمي؛ حتَّى لا نُتَّهَم، وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التَّحرُّز ممَّا يقع في الوهم (٢) نسبة الإنسان إليه ممَّا لا ينبغي، وهذا متأكِّدٌ في حقِّ العلماء ومَن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب ظنَّ السُّوء بهم وإن كان لهم فيه مخلصٌ لأنَّ ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فقام النَّبيُّ يقلبها»، وفي رواية هشامٍ المذكورة: الدَّلالة على جواز خروج المعتكف لحاجته من أكلٍ وشربٍ، وبولٍ وغائطٍ، وأذانٍ على منارة المسجد إذا كان راتبًا، ومرضٍ تشقُّ الإقامة معه في المسجد، وخوف سلطانٍ، وصلاة جمعةٍ، لكنَّ الأظهر بطلانه بخروجه لها لأنَّه كان يمكنه الاعتكاف في الجامع، ودفن ميتٍ تعيَّن عليه كغسله، وأداء شهادةٍ تعيَّن أداؤها عليه، وخوف عدوٍّ قاهرٍ، وغسلٍ من احتلام.

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٨] وفي «الأدب» [خ¦٦٢١٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الأحكام» [خ¦٧١٧١]، وأخرجه مسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الصوم» وفي «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الاعتكاف»، وابن ماجه في «الصَّوم». انتهى.

(٩) (بابُ الاعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ) بفتحاتٍ، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ كذا في الفرع وغيره، وفي بعض الأصول: «وخُرُوج النَّبيِّ » (٣) بضمِّ الخاء والرَّاء ثمَّ واو، و «النَّبيِّ» مجرورٌ بالإضافة، أي: خروجه من اعتكافه (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من شهر رمضان.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد