«كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٧٨

الحديث رقم ٢٠٧٨ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أنظر معسرا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٧٨ في صحيح البخاري

«كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ.»

بَابٌ: إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ وَقَالَ قَتَادَةُ الْغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالْإِبَاقُ.

وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ فَيَقُولُ جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ

إسناد حديث رقم ٢٠٧٨ من صحيح البخاري

٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الذَّهَبِ فَهُوَ مُوسِرٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ بِالدِّرْهَمِ غَنِيًّا مَعَ كَسْبِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْأَلِفِ فَقِيرًا مَعَ ضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُوسِرُ وَالْمُعْسِرُ يَرْجِعَانِ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ يَسَارًا فَهُوَ مُوسِرٌ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا قَبْلَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ مَنْ تَجُوزُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَالْأَخْذُ مِنَ الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْصُورٌ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيٍّ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ) أَيِ: اسْتَقْبَلَتْ رُوحَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ.

قَوْلُهُ: (أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا)؟ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ: انْظُرْ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي فَذَكَرَهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْمُعَلَّقةِ هُنَا وَوَصَلَهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَتَى اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ - قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا - قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ خُلُقِي الْجَوَازَ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا عَمِلْتُ لَكَ شَيْئًا أَرْجُو بِهِ كَثِيرًا. إِلَّا أَنَّكَ كُنْتَ أَعْطَيْتَنِي فَضْلًا مِنْ مَالٍ ; فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فِتْيَانِي) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ فَتًى وَهُوَ الْخَادِمُ حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْظُرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ لَا يُخَالِفُ التَّرْجَمَةَ، وَلِلْبَاقِينَ: أَنْ يَنْظُرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرَّ فِي إِيرَادِ التَّعَالِيقِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ) وَهَذِهِ الطَّرِيقُ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) يَعْنِي: ابْنَ عُمَيْرٍ (عَنْ رِبْعِيٍّ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَأَتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرِ وَأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ وَفِي آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُطَوَّلًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ: أُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ وَفِي آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَفِيهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: وَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى: وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ لِأَنَّ إِنْظَارَ الْمُعْسِرِ وَاجِبٌ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّ لَا يُؤْجَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُكَفَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي الْوُجُوبِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

١٨ - بَاب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا

٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٨) (باب) فضل (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) وهو الذي لم يجد وفاءً.

٢٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) السلميُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى (١) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحضرميُّ قاضي دمشق، قال (٢): (حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد بن عامر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يحدِّثُ (٣) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ) وفي رواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: «إنَّ رجلًا لم يعمل خيرًا قطُّ، وكان يُداين الناس» (فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ) لخدمه: (تَجَاوَزُوا عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر، واترك ما عسر وتجاوز» (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فلمَّا هلك قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قطُّ؟ قال: لا إلَّا أنَّه كان لي غلامٌ، وكنت أداين النَّاس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسَّر واترك ما عسر، وتجاوز لعلَّ الله يتجاوز عنَّا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك»، وفي حديث أبي اليسر: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّ عرشه»، وقد أمر الله تعالى بالصَّبر على المعسر، فقال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: فعليكم تأخيرٌ إلى ميسرةٍ، لا كفعل الجاهليَّة إذا حلَّ الدَّين يطالب إمَّا بالقضاء وإمَّا بالرِّبا، فمتى علم صاحب الحق عُسْرَ المديان حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافيُّ وغيره: أنَّ إبراءه أفضل من إنظاره، وجعلوا ذلك ممَّا استُثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النَّافلة، وذلك أنَّ إنظاره واجبٌ وإبراءه مستحبٌّ، وقد انفصل عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: بأنَّ الإبراء يشتمل على الإنظار

اشتمال الأخصِّ على الأعمِّ؛ لكونه تأخيرًا للمطالبة، فلم يفضل ندبٌ (١) واجبًا، وإنَّما فضل واجبٌ -وهو الإنظار الذي تضمَّنه الإبراء وزيادة؛ وهو خصوص الإبراء- واجبًا آخر، وهو مجرد الإنظار، ونازعه ولده التَّاج في «الأشباه والنظائر» في ذلك فقال: وقد يُقال: الإنظار: هو تأخير الطَّلب مع بقاء العلقة، والإبراء: زوال العلقة، فهما قسمان لا يشتمل أحدهما على الآخر، فينبغي أنَّ يقال: إن الإبراء يحصِّل مقصود الإنظار (٢) وزيادة، قال: وهذا كلُّه بتقدير تسليم (٣) أنَّ الإبراء أفضل، وغاية ما استدلَّ به عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا (٤) يحتمل أن يكون افتتاح كلام، فلا يكون دليلًا على أنَّ الإبراء أفضل، ويتطرَّق من هذا إلى أنَّ الإنظار أفضل؛ لشدَّة ما يقاسيه المُنْظِر من ألم الصَّبر (٥) مع تشوُّف القلب، وهذا فضلٌ ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس، فحصلت فيه راحةٌ من هذه الحيثيَّة ليست في الإنظار، ومن ثَمَّ قال : «من أنظر معسرًا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ» رواه أحمد، فانظر كيف وزَّع أجره على الأيَّام، يكثر بكثرتها، ويقلُّ بقلَّتها، ولعلَّ سرَّه ما أبديناه، فالمُنظِر ينال كلَّ يومٍ عوضًا جديدًا، ولا يخفى أنَّ هذا لا يقع بالإبراء، فإنَّ أجره وإن كان وافرًا (٦) لكنَّه ينتهي بنهايته. انتهى.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ) بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتانيَّة (٧) المكسورة، أي: إذا

أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب (وَلَمْ يَكْتُمَا) ما فيه من العيب (وَنَصَحَا) من عطف العامِّ على الخاصِّ، وجواب «إذا» محذوف للعلم به، وتقديره: بورك لهما في بيعهما. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ العَدَّاءِ) بفتح العين والدَّال المشدَّدة المهملتين ممدودًا (بْنِ خَالِدٍ) واسم جدِّه: هَوْذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة الصحابيِّ، أسلم بعد حنين، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ : هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ) قال القاضي عياضٌ: هذا مقلوبٌ، والصَّواب -كما في التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه وابن منده موصولًا-: أنَّ المشتريَ العدَّاءُ من محمَّدٍ رسول الله ، أو الذي في «البخاريِّ» صوابٌ غير منافٍ لباقي الرِّوايات؛ لأنَّ «اشترى» يكون بمعنى: باع، وحمله في «المصابيح» على تعدُّد الواقعة، وحينئذٍ فلا تعارض (بَيْعَُ المُسْلِمِ المُسْلِمَ) برفع «بيع» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو بيع المسلم (١)، وبالنَّصب على أنَّه مصدرٌ من غير فعله؛ لأنَّ معنى البيع والشراء متقاربان، أو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: كبيع المسلم، و «المسلمَ» الثَّاني: منصوبٌ بالمصدر، وهو «بيع»، وليس المراد به أنَّه إذا بايع ذِمِّيًّا يغشُّه، بل هذا مبايعة المسلمين مطلقًا، لا يغشُّ مسلمًا ولا غيره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من المسلم» (لَا دَاءَ) أي: لا عيب، والمراد به: العيب الباطن، سواءٌ ظهر منه شيءٌ أم لا، كوجع الكبد والسُّعال، وقال ابن المُنَيِّر: قوله: «لا داء» أي: يكتمه البائع، وإلَّا فلو كان بالعبد داءٌ وبيَّنه البائع لكان من بيع المسلمِ المسلمَ، ومحصَّله (٢) -كما قاله (٣) في «الفتح» -: أنَّه لم يرد بقوله: «لا داء» نفي الدَّاء مطلقًا، بل نفي داءٍ مخصوصٍ، وهو ما لم يُطَّلع عليه (وَلَا خِبْثَةَ) بكسر الخاء المعجمة وضمِّها وإسكان الموحَّدة، ثم مثلَّثةٍ مفتوحةٍ، أي: لا مَسبيًّا من قومٍ لهم عهدٌ، أو المراد: الأخلاق الخبيثة كالإباق، أو الحرام كما عبَّر عن الحلال بـ «الطَّيِّب»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا خَبِيْئَة» (وَلَا غَائِلَةَ) بالغين المعجمة والهمزة، أي: لا فجور، وأصله من الغول، أي: الهلاك. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن منده من طريق الأصمعيِّ عن سعيد بن أبي عَروبة عنه: (الغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ) قال ابن قُرْقُول

في «المطالع»: الظَّاهر أنَّ تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معًا.

(وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ) بفتح النُّون والخاء المعجمة المشدَّدة، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ: الدَّلَّالين (يُسَمِّي) بكسر الميم المشدَّدة، وفاعله ضميرٌ يعود على البعض المتقدِّم، ومفعوله الأوَّل قوله (١): (آرِيَّ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التَّحتيَّة على المشهور، وفي «اليونينيَّة»: رفع الياء (٢)، وهو مربط الدَّابَّة، أو حبلٌ يدفن في الأرض ويبرز طرفهَ تُشدُّ (٣) به الدَّابَّة، قال القاضي عياضٌ: وأظنُّ أنَّه سقط من الأصل لفظة «دوابِّه» يعني: أنَّه كان الأصل: يُسمِّي آريَّ دوابِّه، ووجَّهه في «المصابيح»: بأنَّه من حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله، أو على حذف الألف واللام، أي: يسمِّي الآريَّ، أي: الإصطبل، كأنَّه كان فيه: يسمِّي آريَّه، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «يسمِّي (٤) أرَى» بفتح الهمزة والرَّاء من غير مدٍّ مع قصر آخره، كدعا، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، ولأبي ذرٍّ الهرويِّ: «أُرَى» بضمِّ الهمزة وفتح الراء، بمعنى أظنُّ، والصَّواب الأوَّل، وهو الذي في الفرع وأصله (٥) لا غير، وقد بيَّن الصَّواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هُشَيمٍ عن مغيرة عن إبراهيم قال: «قيل له: إنَّ ناسًا من النَّخَّاسين وأصحاب الدَّوابِّ يُسمِّي أحدهم إصطبل دوابِّه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الذَّهَبِ فَهُوَ مُوسِرٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ بِالدِّرْهَمِ غَنِيًّا مَعَ كَسْبِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْأَلِفِ فَقِيرًا مَعَ ضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُوسِرُ وَالْمُعْسِرُ يَرْجِعَانِ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ يَسَارًا فَهُوَ مُوسِرٌ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا قَبْلَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ مَنْ تَجُوزُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَالْأَخْذُ مِنَ الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْصُورٌ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيٍّ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ) أَيِ: اسْتَقْبَلَتْ رُوحَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ.

قَوْلُهُ: (أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا)؟ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ: انْظُرْ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي فَذَكَرَهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْمُعَلَّقةِ هُنَا وَوَصَلَهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَتَى اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ - قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا - قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ خُلُقِي الْجَوَازَ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا عَمِلْتُ لَكَ شَيْئًا أَرْجُو بِهِ كَثِيرًا. إِلَّا أَنَّكَ كُنْتَ أَعْطَيْتَنِي فَضْلًا مِنْ مَالٍ ; فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فِتْيَانِي) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ فَتًى وَهُوَ الْخَادِمُ حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْظُرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ لَا يُخَالِفُ التَّرْجَمَةَ، وَلِلْبَاقِينَ: أَنْ يَنْظُرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرَّ فِي إِيرَادِ التَّعَالِيقِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ) وَهَذِهِ الطَّرِيقُ عَنْ حُذَيْفَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) يَعْنِي: ابْنَ عُمَيْرٍ (عَنْ رِبْعِيٍّ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَأَتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرِ وَأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ وَفِي آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُطَوَّلًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ: أُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ وَفِي آخِرِهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ هَكَذَا سَمِعْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَفِيهِ قَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: وَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى: وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ لِأَنَّ إِنْظَارَ الْمُعْسِرِ وَاجِبٌ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّ لَا يُؤْجَرَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ أَوْ يُكَفَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي الْوُجُوبِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

١٨ - بَاب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا

٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٨) (باب) فضل (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) وهو الذي لم يجد وفاءً.

٢٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) السلميُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى (١) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحضرميُّ قاضي دمشق، قال (٢): (حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد بن عامر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يحدِّثُ (٣) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ) وفي رواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: «إنَّ رجلًا لم يعمل خيرًا قطُّ، وكان يُداين الناس» (فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ) لخدمه: (تَجَاوَزُوا عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر، واترك ما عسر وتجاوز» (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فلمَّا هلك قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قطُّ؟ قال: لا إلَّا أنَّه كان لي غلامٌ، وكنت أداين النَّاس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسَّر واترك ما عسر، وتجاوز لعلَّ الله يتجاوز عنَّا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك»، وفي حديث أبي اليسر: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّ عرشه»، وقد أمر الله تعالى بالصَّبر على المعسر، فقال: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: فعليكم تأخيرٌ إلى ميسرةٍ، لا كفعل الجاهليَّة إذا حلَّ الدَّين يطالب إمَّا بالقضاء وإمَّا بالرِّبا، فمتى علم صاحب الحق عُسْرَ المديان حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافيُّ وغيره: أنَّ إبراءه أفضل من إنظاره، وجعلوا ذلك ممَّا استُثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النَّافلة، وذلك أنَّ إنظاره واجبٌ وإبراءه مستحبٌّ، وقد انفصل عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: بأنَّ الإبراء يشتمل على الإنظار

اشتمال الأخصِّ على الأعمِّ؛ لكونه تأخيرًا للمطالبة، فلم يفضل ندبٌ (١) واجبًا، وإنَّما فضل واجبٌ -وهو الإنظار الذي تضمَّنه الإبراء وزيادة؛ وهو خصوص الإبراء- واجبًا آخر، وهو مجرد الإنظار، ونازعه ولده التَّاج في «الأشباه والنظائر» في ذلك فقال: وقد يُقال: الإنظار: هو تأخير الطَّلب مع بقاء العلقة، والإبراء: زوال العلقة، فهما قسمان لا يشتمل أحدهما على الآخر، فينبغي أنَّ يقال: إن الإبراء يحصِّل مقصود الإنظار (٢) وزيادة، قال: وهذا كلُّه بتقدير تسليم (٣) أنَّ الإبراء أفضل، وغاية ما استدلَّ به عليه بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهذا (٤) يحتمل أن يكون افتتاح كلام، فلا يكون دليلًا على أنَّ الإبراء أفضل، ويتطرَّق من هذا إلى أنَّ الإنظار أفضل؛ لشدَّة ما يقاسيه المُنْظِر من ألم الصَّبر (٥) مع تشوُّف القلب، وهذا فضلٌ ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس، فحصلت فيه راحةٌ من هذه الحيثيَّة ليست في الإنظار، ومن ثَمَّ قال : «من أنظر معسرًا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ» رواه أحمد، فانظر كيف وزَّع أجره على الأيَّام، يكثر بكثرتها، ويقلُّ بقلَّتها، ولعلَّ سرَّه ما أبديناه، فالمُنظِر ينال كلَّ يومٍ عوضًا جديدًا، ولا يخفى أنَّ هذا لا يقع بالإبراء، فإنَّ أجره وإن كان وافرًا (٦) لكنَّه ينتهي بنهايته. انتهى.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ) بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتانيَّة (٧) المكسورة، أي: إذا

أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب (وَلَمْ يَكْتُمَا) ما فيه من العيب (وَنَصَحَا) من عطف العامِّ على الخاصِّ، وجواب «إذا» محذوف للعلم به، وتقديره: بورك لهما في بيعهما. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ العَدَّاءِ) بفتح العين والدَّال المشدَّدة المهملتين ممدودًا (بْنِ خَالِدٍ) واسم جدِّه: هَوْذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة الصحابيِّ، أسلم بعد حنين، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ : هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ) قال القاضي عياضٌ: هذا مقلوبٌ، والصَّواب -كما في التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه وابن منده موصولًا-: أنَّ المشتريَ العدَّاءُ من محمَّدٍ رسول الله ، أو الذي في «البخاريِّ» صوابٌ غير منافٍ لباقي الرِّوايات؛ لأنَّ «اشترى» يكون بمعنى: باع، وحمله في «المصابيح» على تعدُّد الواقعة، وحينئذٍ فلا تعارض (بَيْعَُ المُسْلِمِ المُسْلِمَ) برفع «بيع» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو بيع المسلم (١)، وبالنَّصب على أنَّه مصدرٌ من غير فعله؛ لأنَّ معنى البيع والشراء متقاربان، أو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: كبيع المسلم، و «المسلمَ» الثَّاني: منصوبٌ بالمصدر، وهو «بيع»، وليس المراد به أنَّه إذا بايع ذِمِّيًّا يغشُّه، بل هذا مبايعة المسلمين مطلقًا، لا يغشُّ مسلمًا ولا غيره، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من المسلم» (لَا دَاءَ) أي: لا عيب، والمراد به: العيب الباطن، سواءٌ ظهر منه شيءٌ أم لا، كوجع الكبد والسُّعال، وقال ابن المُنَيِّر: قوله: «لا داء» أي: يكتمه البائع، وإلَّا فلو كان بالعبد داءٌ وبيَّنه البائع لكان من بيع المسلمِ المسلمَ، ومحصَّله (٢) -كما قاله (٣) في «الفتح» -: أنَّه لم يرد بقوله: «لا داء» نفي الدَّاء مطلقًا، بل نفي داءٍ مخصوصٍ، وهو ما لم يُطَّلع عليه (وَلَا خِبْثَةَ) بكسر الخاء المعجمة وضمِّها وإسكان الموحَّدة، ثم مثلَّثةٍ مفتوحةٍ، أي: لا مَسبيًّا من قومٍ لهم عهدٌ، أو المراد: الأخلاق الخبيثة كالإباق، أو الحرام كما عبَّر عن الحلال بـ «الطَّيِّب»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا خَبِيْئَة» (وَلَا غَائِلَةَ) بالغين المعجمة والهمزة، أي: لا فجور، وأصله من الغول، أي: الهلاك. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصله ابن منده من طريق الأصمعيِّ عن سعيد بن أبي عَروبة عنه: (الغَائِلَةُ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ) قال ابن قُرْقُول

في «المطالع»: الظَّاهر أنَّ تفسير قتادة يرجع إلى الخبثة والغائلة معًا.

(وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ: (إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ) بفتح النُّون والخاء المعجمة المشدَّدة، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ: الدَّلَّالين (يُسَمِّي) بكسر الميم المشدَّدة، وفاعله ضميرٌ يعود على البعض المتقدِّم، ومفعوله الأوَّل قوله (١): (آرِيَّ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراء وتشديد التَّحتيَّة على المشهور، وفي «اليونينيَّة»: رفع الياء (٢)، وهو مربط الدَّابَّة، أو حبلٌ يدفن في الأرض ويبرز طرفهَ تُشدُّ (٣) به الدَّابَّة، قال القاضي عياضٌ: وأظنُّ أنَّه سقط من الأصل لفظة «دوابِّه» يعني: أنَّه كان الأصل: يُسمِّي آريَّ دوابِّه، ووجَّهه في «المصابيح»: بأنَّه من حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله، أو على حذف الألف واللام، أي: يسمِّي الآريَّ، أي: الإصطبل، كأنَّه كان فيه: يسمِّي آريَّه، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «يسمِّي (٤) أرَى» بفتح الهمزة والرَّاء من غير مدٍّ مع قصر آخره، كدعا، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ، ولأبي ذرٍّ الهرويِّ: «أُرَى» بضمِّ الهمزة وفتح الراء، بمعنى أظنُّ، والصَّواب الأوَّل، وهو الذي في الفرع وأصله (٥) لا غير، وقد بيَّن الصَّواب في ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن هُشَيمٍ عن مغيرة عن إبراهيم قال: «قيل له: إنَّ ناسًا من النَّخَّاسين وأصحاب الدَّوابِّ يُسمِّي أحدهم إصطبل دوابِّه

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد