«رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:⦗٦٠⦘نَهَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٨٦

الحديث رقم ٢٠٨٦ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب موكل الربا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٨٦ في صحيح البخاري

«رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:

⦗٦٠⦘

نَهَى النَّبِيُّ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ.»

بَابٌ ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾

إسناد حديث رقم ٢٠٨٦ من صحيح البخاري

٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قَالَ: ذَاكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تِلْكَ عَلَامَةُ أَهْلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُبْعَثُونَ وَبِهِمْ خَبَلٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا، لَكِنَّ آكِلَ الرِّبَا يَرْبُو الرِّبَا فِي بَطْنِهِ فَيُرِيدُ الْإِسْرَاعَ فَيَسْقُطُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَخَبِّطِ مِنَ الْجُنُونِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أَنَّهُمْ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ.

قَالُوا: لَا فَرْقَ إِنْ زِدْنَا الثَّمَنَ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحَلِّهِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى -.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا خُصَّ الْآكِلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ طُعْمَتُهُمْ مِنَ الرِّبَا، وَإِلَّا فَالْوَعِيدُ حَاصِلٌ لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَوَاءٌ أَكَلَ مِنْهُ أَمْ لَا. ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: لِمَا نَزَلَتْ آخِرُ الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ.

ثَانِيهُمَا حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى قِصَّةِ آكِلِ الرِّبَا.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ذِكْرٌ لِكَاتِبِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْحَاقِ لِإِعَانَتِهِمَا لِلْآكِلِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ وَاطَأَ صَاحِبَ الرِّبَا عَلَيْهِ فَأَمَّا مَنْ كَتَبَهُ أَوْ شَهِدَ الْقِصَّةَ لِيَشْهَدَ بِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِالْحَقِّ فَهَذَا جَمِيلُ الْقَصْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ الرِّبَا بِكِتَابَتِهِ وَشَهَادَتِهِ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَنْ قَالَ: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وَأَيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَ حَدِيثُ عَائِشَةَ نُزُولَ آخِرِ الْبَقَرَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وَفِيهِ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ وَفِيهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فَأَمَرَ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي أَحَلَّهُ، فَأَفْهَمَ النَّهْيَ عَنْ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ فِي الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ صَرِيحًا، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبُهُ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

٢٥ - بَاب مُوكِلِ الرِّبَا، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ .

٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنْ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ.

[الحديث ٢٠٨٦ - أطرافه فك: ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مُوَكِّلُ الرِّبَا) أَيْ: مُطْعِمُهُ وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾) بقلوبكم، فإنَّ دليله امتثال ما أُمرتم به (١)، ورُوِيَ: أنَّه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريش، فطالبوهم عند المحلِّ بالمال والرِّبا، فنزلت: (﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: فاعلموا بها (﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾) من الارتباء واعتقاد حلِّه (﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالزِّيادة (﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالمطل والنُّقصان (﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾) وإن وقع غريمٌ ذو عسرةٍ (﴿فَنَظِرَةٌ﴾) فالحكم نَظِرَةٌ، أو (٢) فعليكم نَظِرَةٌ، أو فلتكن نَظِرَةٌ، وهي الإنظار (﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾) يسارٍ (﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾) بالإبراء (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أكثر ثوابًا من الإنظار، أو خيرٌ مما تأخذون؛ لمضاعفة ثوابه (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) ما فيه من الذِّكر الجميل، والأجر الجزيل (﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾) يوم القيامة، أو يوم الموت، فتأهَّبوا لمصيركم إليه (﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾) أي: جزاء ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ (﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]) بنقص ثوابٍ و (٣) تضعيف عقابٍ، ولفظ رواية ابن عساكر بعد قوله: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إلى ﴿مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله المؤلِّف (٤) في «التفسير» [خ¦٤٥٤٤] من طريق الشَّعبيِّ عنه: (هَذِهِ) الآية من ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ (آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ).

٢٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء مصغَّرًا، وفي آخر أبواب «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] من رواية آدم عن شعبة: حدَّثنا عونٌ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي) أبا جُحيفة وهب بن عبد الله (اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا) لم يُسمَّ، زاد المؤلِّف في آخر «البيع» [خ¦٢٢٣٨] من وجهٍ آخرَ عن شعبة: «فأمر بمحاجمه فكُسِرت» زاد في نسخة الصَّغاني: «فأمر بمحاجمه فكُسِرَت» كما في «البيع»

[خ¦٢٢٣٨] (١) (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك، أي: عن كسر المحاجم، وهي الآلة التي يُحجَم بها (فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) ولو معلَّمًا لنجاسته، فلا يصحُّ بيعه، كخنزيرٍ وميتةٍ ونحوهما، وجوَّز أبو حنيفة بيعَ الكلاب وأكلَ ثمنها، وأنَّها تُضمَن بالقيمة عند الإتلاف، وعن مالكٍ روايتان، وقال الحنابلة: لا يجوز بيعه مطلقًا (وَ) عن (٢) (ثَمَنِ الدَّمِ) أي: أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثَّمن تجوُّزًا، وقد احتجم وأعطى الحجَّام أجره (٣)، ولو كان حرامًا لم يعطه، كما ثبت في «الصَّحيحين» [خ¦٢١٠٢] فالنَّهي عنه للتَّنزيه؛ لخبثه من جهة كونه عوضًا في مقابلة مخامرة النَّجاسة، ويطَّرد ذلك في كلِّ ما يشبهه من كنَّاسٍ (٤) وغيره (وَنَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الوَاشِمَةِ) الفاعِلة للوشَمْ (وَالمَوْشُومَةِ) أي: عن فعلهما، والوشم: أن يُغرَز الجلد بإبرةٍ، ثم يُحشى بكحلٍ أو نيلٍ، فيزرقَّ أثره أو يخضرَّ، ولفظ «نهى» ساقطٌ لابن عساكر، وإنَّما نهى عن الوشم لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، قال في «الرَّوضة»: لو شقَّ موضعًا في بدنه وجعل فيه دمًا أو وشم يده أو غيرها فإنَّه ينجس عند الغرز، وفي «تعليق الفرَّاء»: أنَّه يُزال الوشم بالعلاج، فإن (٥) كان لا يمكن إلَّا بالجرح جَرَحَ (٦)، ولا إثم عليه بعدُ (وَ) نهى أيضًا (٧) عن فعل (آكِلِ الرِّبَا وَ) عن فعل (مُوكِلِهِ) لأنَّهما شريكان في الفعل (وَلَعَنَ المُصَوِّرَ) للحيوان لا للشَّجر، فإنَّ الفتنة فيه أعظم، وهو حرامٌ بالإجماع.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٢٣٨] و «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] و «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٥] وهو من أفراده.

(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾) يُذْهِبُ بركته ويُهْلِكُ المال

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قَالَ: ذَاكَ حِينَ يُبْعَثُ مِنْ قَبْرِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تِلْكَ عَلَامَةُ أَهْلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُبْعَثُونَ وَبِهِمْ خَبَلٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا، لَكِنَّ آكِلَ الرِّبَا يَرْبُو الرِّبَا فِي بَطْنِهِ فَيُرِيدُ الْإِسْرَاعَ فَيَسْقُطُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَخَبِّطِ مِنَ الْجُنُونِ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أَنَّهُمْ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا رِبًا لَا يَحِلُّ.

قَالُوا: لَا فَرْقَ إِنْ زِدْنَا الثَّمَنَ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ أَوْ عِنْدَ مَحَلِّهِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى -.

قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا خُصَّ الْآكِلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ كَانَتْ طُعْمَتُهُمْ مِنَ الرِّبَا، وَإِلَّا فَالْوَعِيدُ حَاصِلٌ لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَوَاءٌ أَكَلَ مِنْهُ أَمْ لَا. ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: لِمَا نَزَلَتْ آخِرُ الْبَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ.

ثَانِيهُمَا حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ هُنَا عَلَى قِصَّةِ آكِلِ الرِّبَا.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ذِكْرٌ لِكَاتِبِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْإِلْحَاقِ لِإِعَانَتِهِمَا لِلْآكِلِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ وَاطَأَ صَاحِبَ الرِّبَا عَلَيْهِ فَأَمَّا مَنْ كَتَبَهُ أَوْ شَهِدَ الْقِصَّةَ لِيَشْهَدَ بِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِالْحَقِّ فَهَذَا جَمِيلُ الْقَصْدِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ الرِّبَا بِكِتَابَتِهِ وَشَهَادَتِهِ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَنْ قَالَ: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وَأَيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَ حَدِيثُ عَائِشَةَ نُزُولَ آخِرِ الْبَقَرَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وَفِيهِ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ وَفِيهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فَأَمَرَ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي أَحَلَّهُ، فَأَفْهَمَ النَّهْيَ عَنْ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ فِي الرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ صَرِيحًا، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: هُمْ فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبُهُ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

٢٥ - بَاب مُوكِلِ الرِّبَا، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ .

٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنْ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ.

[الحديث ٢٠٨٦ - أطرافه فك: ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مُوَكِّلُ الرِّبَا) أَيْ: مُطْعِمُهُ وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾) بقلوبكم، فإنَّ دليله امتثال ما أُمرتم به (١)، ورُوِيَ: أنَّه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريش، فطالبوهم عند المحلِّ بالمال والرِّبا، فنزلت: (﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: فاعلموا بها (﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾) من الارتباء واعتقاد حلِّه (﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالزِّيادة (﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾) بالمطل والنُّقصان (﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾) وإن وقع غريمٌ ذو عسرةٍ (﴿فَنَظِرَةٌ﴾) فالحكم نَظِرَةٌ، أو (٢) فعليكم نَظِرَةٌ، أو فلتكن نَظِرَةٌ، وهي الإنظار (﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾) يسارٍ (﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾) بالإبراء (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) أكثر ثوابًا من الإنظار، أو خيرٌ مما تأخذون؛ لمضاعفة ثوابه (﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) ما فيه من الذِّكر الجميل، والأجر الجزيل (﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾) يوم القيامة، أو يوم الموت، فتأهَّبوا لمصيركم إليه (﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾) أي: جزاء ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ (﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]) بنقص ثوابٍ و (٣) تضعيف عقابٍ، ولفظ رواية ابن عساكر بعد قوله: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» ولأبوي ذرٍّ والوقت: «إلى ﴿مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾» (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله المؤلِّف (٤) في «التفسير» [خ¦٤٥٤٤] من طريق الشَّعبيِّ عنه: (هَذِهِ) الآية من ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ (آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ).

٢٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء مصغَّرًا، وفي آخر أبواب «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] من رواية آدم عن شعبة: حدَّثنا عونٌ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي) أبا جُحيفة وهب بن عبد الله (اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا) لم يُسمَّ، زاد المؤلِّف في آخر «البيع» [خ¦٢٢٣٨] من وجهٍ آخرَ عن شعبة: «فأمر بمحاجمه فكُسِرت» زاد في نسخة الصَّغاني: «فأمر بمحاجمه فكُسِرَت» كما في «البيع»

[خ¦٢٢٣٨] (١) (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك، أي: عن كسر المحاجم، وهي الآلة التي يُحجَم بها (فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) ولو معلَّمًا لنجاسته، فلا يصحُّ بيعه، كخنزيرٍ وميتةٍ ونحوهما، وجوَّز أبو حنيفة بيعَ الكلاب وأكلَ ثمنها، وأنَّها تُضمَن بالقيمة عند الإتلاف، وعن مالكٍ روايتان، وقال الحنابلة: لا يجوز بيعه مطلقًا (وَ) عن (٢) (ثَمَنِ الدَّمِ) أي: أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثَّمن تجوُّزًا، وقد احتجم وأعطى الحجَّام أجره (٣)، ولو كان حرامًا لم يعطه، كما ثبت في «الصَّحيحين» [خ¦٢١٠٢] فالنَّهي عنه للتَّنزيه؛ لخبثه من جهة كونه عوضًا في مقابلة مخامرة النَّجاسة، ويطَّرد ذلك في كلِّ ما يشبهه من كنَّاسٍ (٤) وغيره (وَنَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الوَاشِمَةِ) الفاعِلة للوشَمْ (وَالمَوْشُومَةِ) أي: عن فعلهما، والوشم: أن يُغرَز الجلد بإبرةٍ، ثم يُحشى بكحلٍ أو نيلٍ، فيزرقَّ أثره أو يخضرَّ، ولفظ «نهى» ساقطٌ لابن عساكر، وإنَّما نهى عن الوشم لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، قال في «الرَّوضة»: لو شقَّ موضعًا في بدنه وجعل فيه دمًا أو وشم يده أو غيرها فإنَّه ينجس عند الغرز، وفي «تعليق الفرَّاء»: أنَّه يُزال الوشم بالعلاج، فإن (٥) كان لا يمكن إلَّا بالجرح جَرَحَ (٦)، ولا إثم عليه بعدُ (وَ) نهى أيضًا (٧) عن فعل (آكِلِ الرِّبَا وَ) عن فعل (مُوكِلِهِ) لأنَّهما شريكان في الفعل (وَلَعَنَ المُصَوِّرَ) للحيوان لا للشَّجر، فإنَّ الفتنة فيه أعظم، وهو حرامٌ بالإجماع.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٢٣٨] و «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤٧] و «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٥] وهو من أفراده.

(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا﴾) يُذْهِبُ بركته ويُهْلِكُ المال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده