«لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٣٧

الحديث رقم ٢١٣٧ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٣٧ في صحيح البخاري

«لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا، يَعْنِي الطَّعَامَ، يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.»

بَابٌ: إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهْوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ

إسناد حديث رقم ٢١٣٧ من صحيح البخاري

٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ :

⦗٦٩⦘

حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَثَلًا، وَدَفَعَهَا لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ الطَّعَامَ، ثُمَّ بَاعَ الطَّعَامَ لِآخَرَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا وَالطَّعَامُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِالطَّعَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ عَلَى عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ، حَيْثُ أَجَازَ بَيْعَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِكٌ فَحَمَلَ الطَّعَامَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَلْحَقَ بِالشِّرَاءِ جَمِيعَ الْمُعَاوَضَاتِ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ حَبِيبٍ، وَسَحْنُونٌ بِالطَّعَامِ كُلَّ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فَعَدَّيَاهُ إِلَى كُلِّ مُشْتَرًى، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَثْنَى الْعَقَارَ وَمَا لَا يُنْقَلُ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

قُلْتُ: وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ. وَفِي صِفَةِ الْقَبْضِ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَفْصِيلٌ: فَمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُلِ، وَمَا لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَمَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ كَالْأَخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ فَقَبْضُهُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ: إِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ.

قَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (زَادَ إِسْمَاعِيلُ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ) يَعْنِي: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: حَتَّى يَقْبِضَهُ بَدَلَ قَوْلِهِ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ وَقُتَيْبَةُ، قُلْتُ: وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ زَادَ إِسْمَاعِيلُ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ زِيَادَةً فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْفِيهِ بِالْكَيْلِ بِأَنْ يَكِيلَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَقْبِضَهُ لِلْمُشْتَرِي، بَلْ يَحْبِسُهُ عِنْدَهُ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ مِثْلًا، وَعُرِفَ بِهَذَا جَوَابُ مَنِ اعْتَرَضَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةٌ، وَجَوَابُ مَنْ حَمَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ زَادَ لَفْظًا آخَرَ وَهُوَ يَقْبِضُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ بِمَعْنَى يَسْتَوْفِيهِ، وَيُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْبَائِعِ وَتَبْقِيَتَهُ فِي مَنْزِلِ الْبَائِعِ لَا يَكُونُ قَبْضًا شَرْعِيًّا حَتَّى يَنْقُلَهُ الْمُشْتَرِي إِلَى مَكَانٍ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ الْآتِيَةِ.

٥٦ - بَاب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْأَدَبِ فِي ذَلِكَ

٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جُزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْأَدَبِ فِي ذَلِكَ) أَيْ: تَعْزِيرُ مَنْ يَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَخُصُّوهُ بِالْجُزَافِ، وَلَا قَيَّدُوهُ بِالْإِيوَاءِ إِلَى الرِّحَالِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَدَخَلَ فِيهِ الْمَكِيلُ، وَوَرَدَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْمَكِيلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِيوَاءَ إِلَى الرِّحَالِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإقباض في الجملة، ولا يُقال له استوفاه حتَّى يقبض الكلَّ، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: معناه: (١) زاد رواية أخرى، وهي: «يقبضه» إذ الرِّواية الأخرى: «يستوفيه»، وإلَّا فهو عين السَّابق، إذ معنى الاستيفاء (٢): القبضُ، والرِّجال أربعةٌ، وهذه الطَّريق قد وصلها البيهقيُّ، ولم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنَّه لم يثبت على شرطه، فاستُنبِط (٣) من النَّهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النَّهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السُّنن من حديث حكيم بن حزامٍ بلفظ: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرَّجل فيسألني من المبيع (٤) ما ليس عندي، أبتاع له من السُّوق، ثمَّ أبيعه منه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك».

(٥٦) (باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جَُِزَافًا) بتثليث الجيم، وهو البيع بلا كيلٍ ونحوه (أَلَّا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ) أي: ينقله (إِلَى رَحْلِهِ) منزله، وفي نسخةٍ: «رحاله» بلفظ الجمع (وَ) بيان (الأَدَبِ فِي ذَلِكَ).

٢١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) وفي نسخةٍ: «أنَّ عبد الله بن عمر» ( قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (٥) يَبْتَاعُونَ) بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ قبل المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر:

«يتبايعون» بتأخير المُوحَّدة وبعد الألف تحتيَّة (جَُِزَافًا) بكسر الجيم وتُفتَح وتُضَمُّ (-يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (أَنْ يَبِيعُوهُ) أي: كراهية أن يبيعوه، أو فيه «لا» مُقدَّرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] (فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ) منازلهم، وهذا قد خرج مخرج الغالب، والمراد: القبض، وفي بعض طرق مسلمٍ عن ابن عمر: كنَّا نبتاع الطَّعام فيبعث علينا رسول الله مَن يأمرنا (١) بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه، وفرَّق مالكٌ في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه؛ لأنَّه مرئيٌّ فيكفي فيه التَّخلية، والاستيفاء إنَّما يكون في مكيلٍ أو موزونٍ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من اشترى بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبيعه حتَّى يقبضه».

وفي الحديث مشروعيَّة تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة.

(٥٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) شخصٌ (مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ) أي: ترك المبيع (عِنْدَ البَائِعِ) فتلف أو تعيَّب (أَوْ مَاتَ) الحيوان (قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ البيع في التَّالف والميت، وسقط الثَّمن عن المشتري لتعذُّر القبض المستحقِّ سواءٌ عرضه البائع عليه فلم يقبله أم لا، قاله الشَّيخ أبو حامدٍ وغيره، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرًّا بيد البائع، فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله، فالأصحُّ عند الرَّافعيِّ وغيره: أنَّه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع، وإذا أبرأه المشتري عن (٢) ضمان المبيع لو تلف أو أتلفه لم يبرأ؛ لأنَّه إبراءٌ عمَّا لا يجب، وانفساخه بتلف المبيع مُقدَّرٌ (٣) به انتقال الملك إلى البائع قبيل التَّلف، لا من العقد، كالفسخ بالعيب (٤)، فتجهيزه

على البائع لانتقال الملك فيه إليه، وزوائده المنفصلة الحادثة عنده؛ كثمرةٍ ولبنٍ وبيضٍ وصوفٍ وكسبٍ للمشتري؛ لأنَّها حدثت في ملكه، وهي أمانةٌ في يد (١) البائع، وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلًا به قبضٌ له، ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبيِّ لقيام بدله مقامه، بل يتخيَّر المشتري بين الفسخ والرُّجوع عليه بالقيمة أو المثل، وإذا اختار الفسخ رجع البائع على الأجنبيِّ بالبدل، ولو تعيَّب المبيع قبل القبض بآفةٍ -كحمَّى وشللٍ- ثبت للمشتري الخيار من غير أرشٍ له؛ لقدرته على الفسخ، ومذهب الحنفيَّة كالشَّافعيَّة: في (٢) أنَّ المبيع قبل قبضه من ضمان البائع، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وعبارة المرداويِّ في «الإنصاف»: إذا تلف المبيع كلُّه بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ العقد، وكان من ضمان بائعه، وكذا إن تلف بعضه، لكن هل يُخيَّر المشتري في باقيه أو يُفسَخ؟ فيه روايتا تفريق الصَّفقة، إلَّا أن يُتلفه (٣) آدميٌّ، فيُخيَّر المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة، هذا المذهب مطلقًا نُصَّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثيرٌ منهم. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله الطَّحاويُّ والدَّارقُطنيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: (مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا) أي: ما كان عند العقد غير ميتٍ، أي (٤): أو موجودًا (مَجْمُوعًا) صفةٌ لـ «حيًّا» أي (٥): وغير منفصلٍ عن المبيع، فهلك بعد ذلك عند البائع (فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ) أي: من ضمان المشتري، وليس عندهما لفظُ «مجموعًا»، وإسناد (٦) الإدراك إلى العقد مجازٌ، و «ما» شرطيَّةٌ، فلذا دخلت الفاء في جوابها، واستدلَّ به الطَّحاويُّ: على أنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ البيع (٧) يتمُّ بالأقوال قبل التَّفرُّق بالأبدان، وليس ذلك بلازمٍ، وكيف (٨) يحتجُّ بأمرٍ محتملٍ في معارضة أمرٍ مُصرَّحٍ به، فقد تقدَّم عن ابن عمر التَّصريح (٩) بأنَّه كان

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَثَلًا، وَدَفَعَهَا لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ الطَّعَامَ، ثُمَّ بَاعَ الطَّعَامَ لِآخَرَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا وَالطَّعَامُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِالطَّعَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ عَلَى عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ، حَيْثُ أَجَازَ بَيْعَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهَا مَالِكٌ فَحَمَلَ الطَّعَامَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَلْحَقَ بِالشِّرَاءِ جَمِيعَ الْمُعَاوَضَاتِ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ حَبِيبٍ، وَسَحْنُونٌ بِالطَّعَامِ كُلَّ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فَعَدَّيَاهُ إِلَى كُلِّ مُشْتَرًى، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتَثْنَى الْعَقَارَ وَمَا لَا يُنْقَلُ.

وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

قُلْتُ: وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ. وَفِي صِفَةِ الْقَبْضِ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَفْصِيلٌ: فَمَا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُلِ، وَمَا لَا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ فَقَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَمَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ كَالْأَخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ فَقَبْضُهُ بِالنَّقْلِ إِلَى مَكَانٍ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ: إِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ.

قَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (زَادَ إِسْمَاعِيلُ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ) يَعْنِي: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: حَتَّى يَقْبِضَهُ بَدَلَ قَوْلِهِ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ وَقُتَيْبَةُ، قُلْتُ: وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ زَادَ إِسْمَاعِيلُ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ زِيَادَةً فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْفِيهِ بِالْكَيْلِ بِأَنْ يَكِيلَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَقْبِضَهُ لِلْمُشْتَرِي، بَلْ يَحْبِسُهُ عِنْدَهُ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ مِثْلًا، وَعُرِفَ بِهَذَا جَوَابُ مَنِ اعْتَرَضَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةٌ، وَجَوَابُ مَنْ حَمَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ زَادَ لَفْظًا آخَرَ وَهُوَ يَقْبِضُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ بِمَعْنَى يَسْتَوْفِيهِ، وَيُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْبَائِعِ وَتَبْقِيَتَهُ فِي مَنْزِلِ الْبَائِعِ لَا يَكُونُ قَبْضًا شَرْعِيًّا حَتَّى يَنْقُلَهُ الْمُشْتَرِي إِلَى مَكَانٍ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا هُوَ النُّكْتَةُ فِي تَعْقِيبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ الْآتِيَةِ.

٥٦ - بَاب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْأَدَبِ فِي ذَلِكَ

٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جُزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْأَدَبِ فِي ذَلِكَ) أَيْ: تَعْزِيرُ مَنْ يَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَخُصُّوهُ بِالْجُزَافِ، وَلَا قَيَّدُوهُ بِالْإِيوَاءِ إِلَى الرِّحَالِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَدَخَلَ فِيهِ الْمَكِيلُ، وَوَرَدَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْمَكِيلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِيوَاءَ إِلَى الرِّحَالِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإقباض في الجملة، ولا يُقال له استوفاه حتَّى يقبض الكلَّ، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: معناه: (١) زاد رواية أخرى، وهي: «يقبضه» إذ الرِّواية الأخرى: «يستوفيه»، وإلَّا فهو عين السَّابق، إذ معنى الاستيفاء (٢): القبضُ، والرِّجال أربعةٌ، وهذه الطَّريق قد وصلها البيهقيُّ، ولم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنَّه لم يثبت على شرطه، فاستُنبِط (٣) من النَّهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى، وحديث النَّهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السُّنن من حديث حكيم بن حزامٍ بلفظ: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرَّجل فيسألني من المبيع (٤) ما ليس عندي، أبتاع له من السُّوق، ثمَّ أبيعه منه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك».

(٥٦) (باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جَُِزَافًا) بتثليث الجيم، وهو البيع بلا كيلٍ ونحوه (أَلَّا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ) أي: ينقله (إِلَى رَحْلِهِ) منزله، وفي نسخةٍ: «رحاله» بلفظ الجمع (وَ) بيان (الأَدَبِ فِي ذَلِكَ).

٢١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) وفي نسخةٍ: «أنَّ عبد الله بن عمر» ( قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ (٥) يَبْتَاعُونَ) بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ قبل المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر:

«يتبايعون» بتأخير المُوحَّدة وبعد الألف تحتيَّة (جَُِزَافًا) بكسر الجيم وتُفتَح وتُضَمُّ (-يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (أَنْ يَبِيعُوهُ) أي: كراهية أن يبيعوه، أو فيه «لا» مُقدَّرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] (فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ) منازلهم، وهذا قد خرج مخرج الغالب، والمراد: القبض، وفي بعض طرق مسلمٍ عن ابن عمر: كنَّا نبتاع الطَّعام فيبعث علينا رسول الله مَن يأمرنا (١) بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه، وفرَّق مالكٌ في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه؛ لأنَّه مرئيٌّ فيكفي فيه التَّخلية، والاستيفاء إنَّما يكون في مكيلٍ أو موزونٍ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من اشترى بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبيعه حتَّى يقبضه».

وفي الحديث مشروعيَّة تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة.

(٥٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) شخصٌ (مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ) أي: ترك المبيع (عِنْدَ البَائِعِ) فتلف أو تعيَّب (أَوْ مَاتَ) الحيوان (قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ البيع في التَّالف والميت، وسقط الثَّمن عن المشتري لتعذُّر القبض المستحقِّ سواءٌ عرضه البائع عليه فلم يقبله أم لا، قاله الشَّيخ أبو حامدٍ وغيره، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرًّا بيد البائع، فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله، فالأصحُّ عند الرَّافعيِّ وغيره: أنَّه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع، وإذا أبرأه المشتري عن (٢) ضمان المبيع لو تلف أو أتلفه لم يبرأ؛ لأنَّه إبراءٌ عمَّا لا يجب، وانفساخه بتلف المبيع مُقدَّرٌ (٣) به انتقال الملك إلى البائع قبيل التَّلف، لا من العقد، كالفسخ بالعيب (٤)، فتجهيزه

على البائع لانتقال الملك فيه إليه، وزوائده المنفصلة الحادثة عنده؛ كثمرةٍ ولبنٍ وبيضٍ وصوفٍ وكسبٍ للمشتري؛ لأنَّها حدثت في ملكه، وهي أمانةٌ في يد (١) البائع، وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلًا به قبضٌ له، ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبيِّ لقيام بدله مقامه، بل يتخيَّر المشتري بين الفسخ والرُّجوع عليه بالقيمة أو المثل، وإذا اختار الفسخ رجع البائع على الأجنبيِّ بالبدل، ولو تعيَّب المبيع قبل القبض بآفةٍ -كحمَّى وشللٍ- ثبت للمشتري الخيار من غير أرشٍ له؛ لقدرته على الفسخ، ومذهب الحنفيَّة كالشَّافعيَّة: في (٢) أنَّ المبيع قبل قبضه من ضمان البائع، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وعبارة المرداويِّ في «الإنصاف»: إذا تلف المبيع كلُّه بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ العقد، وكان من ضمان بائعه، وكذا إن تلف بعضه، لكن هل يُخيَّر المشتري في باقيه أو يُفسَخ؟ فيه روايتا تفريق الصَّفقة، إلَّا أن يُتلفه (٣) آدميٌّ، فيُخيَّر المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة، هذا المذهب مطلقًا نُصَّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثيرٌ منهم. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله الطَّحاويُّ والدَّارقُطنيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: (مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا) أي: ما كان عند العقد غير ميتٍ، أي (٤): أو موجودًا (مَجْمُوعًا) صفةٌ لـ «حيًّا» أي (٥): وغير منفصلٍ عن المبيع، فهلك بعد ذلك عند البائع (فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ) أي: من ضمان المشتري، وليس عندهما لفظُ «مجموعًا»، وإسناد (٦) الإدراك إلى العقد مجازٌ، و «ما» شرطيَّةٌ، فلذا دخلت الفاء في جوابها، واستدلَّ به الطَّحاويُّ: على أنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ البيع (٧) يتمُّ بالأقوال قبل التَّفرُّق بالأبدان، وليس ذلك بلازمٍ، وكيف (٨) يحتجُّ بأمرٍ محتملٍ في معارضة أمرٍ مُصرَّحٍ به، فقد تقدَّم عن ابن عمر التَّصريح (٩) بأنَّه كان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله