«لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٣٨

الحديث رقم ٢١٣٨ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا اشترى متاعا أو دابة فوضعه عند البائع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٣٨ في صحيح البخاري

«لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ.»

بَابٌ: لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ

إسناد حديث رقم ٢١٣٨ من صحيح البخاري

٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْهُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ: فَأَجَازَ بَيْعَ الْجُزَافِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْجُزَافَ مُرَبًّى فَتَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ.

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَكِيلِ بِالْكَيْلِ وَفِي الْمَوْزُونِ بِالْوَزْنِ، فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً فَقَبَضَهُ جُزَافًا فَقَبْضُهُ فَاسِدٌ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً فَقَبَضَهُ مُوَازَنَةً وَبِالْعَكْسِ، وَمَنِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ تَأْدِيبِ مَنْ يَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ، وَإِقَامَةُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ مَنْ يُرَاعِي أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: جُزَافًا مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا، سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَنْ مَالِكٍ التَّفْرِقَةُ، فَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِذَا جَهِلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْرَهَا، فَإِنِ اشْتَرَاهَا جُزَافًا فَفِي بَيْعِهَا قَبْلَ نَقْلِهَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَقْلُهَا قَبْضُهَا.

٥٧ - بَاب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ

٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّاقَةِ: أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَخَذْتُهَا لَمْ يَكُنْ أَخْذًا بِالْيَدِ وَلَا بِحِيَازَةِ شَخْصِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامًا مِنْهُ لِابْتِيَاعِهَا بِالثَّمَنِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِ أَبِي بَكْرٍ اهـ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَا سِيقَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ فِيهَا قَدْرُ الثَّمَنِ وَصِفَةُ الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ فِي سِيَاقِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَ صِفَةَ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ انْتِقَالَ الضَّمَانِ فِي الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه (١) هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبلُ وبعدُ، فحمله على ما بعده أَولى جمعًا بين حديثيه.

٢١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الرَّاء، و «المَغْراء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالرَّاء والمدِّ، واسمه (٢): مَعْدِيكَرِبَ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي) أي: والله، لَقلَّما ما يأتي يومٌ (عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) فاللَّام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والاستثناء مُفرَّغٌ واقعٌ بعد نفيٍ مُؤوَّلٍ؛ لأنَّ «قلَّ» في معنى النَّفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، و «بيتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، و «أحدَ» ظرفٌ بتقدير: «في» (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ) بضمِّ الهمزة وكسر

المعجمة (فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع (إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني: فاجأنا بغتةً في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه، فأفزعنا ذلك وقت الظُّهر (فَخُبِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة (بِهِ) (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما جاء النَّبيُّ» ( فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتحاتٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلَّا من حدثٍ» أي: من (١) حادثةٍ حدثت له (٢) (فَلَمَّا دَخَلَ) (عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، أمرٌ من الإخراج، و «مَنْ» -بفتح الميم- مفعول «أَخْرِج»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما عندك»، وقوله في «التَّنقيح»: والوجه «مَنْ»، أي: بالنُّون، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ «ما» قد تقع ويُراد بها من يعقل، نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و «سبحان ما سخركنَّ لنا»، قال أبو حيَّان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروفٍ ومكِّيِّ بن أبي طالبٍ، ونسبه ابن خروفٍ لسيبويه، ومن أدلَّتهم أيضًا: «سبحان ما سبَّح الرَّعد بحمده» ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] … الآيات.

(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ (١)، يعني: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، أي: أَذِنَ اللهُ (لِي فِي الخُرُوجِ) إلى المدينة (قَالَ) أبو بكرٍ: أريد (الصُّحْبَةَُ) معك عند الخروج (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) : أنا أريد أو ألتمس (الصُّحْبَةَُ) أيضًا أو نلتها، ويجوز الرَّفع فيهما خبر (٢) مبتدأٍ محذوفٍ يُقدَّر في كلٍّ ما يليق به، ففي الأوَّل: مرادي الصُّحبةُ، أو مسألتي الصُّحبةُ، وفي الثَّاني: مبذولةٌ أو حاصلةٌ لك ونحوه (قَالَ) أبو بكرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) معك إلى المدينة، قال في «اللَّامع» و «المصابيح» وغيرهما: ويُروَى: «عددتهما» بغير همزةٍ، قال ابن التِّين: وصوابه بالهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «رباعيٌّ» إنَّما هو بالنِّسبة إلى عدد حروفه، ولا يُقال في مصطلح الصَّرفيِّين إلَّا ثلاثيٌّ مزيدٌ فيه (فَخُذْ) يا رسول الله (إِحْدَاهُمَا، قَالَ) : (قَدْ أَخَذْتُهَا) أي: آخذ إحدى النَّاقتين، قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشامٍ: هي الجدعاء (٣) (بِالثَّمَنِ) قال المُهلَّب: لم يكن آخذًا (٤) باليد ولا بالحيازة، بل بالابتياع بالثَّمن وإخراجها من (٥) ملك أبي بكرٍ؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عوضٌ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ ما قاله ليس بواضحٍ؛ لأنَّ (٦) القصَّة ما سيقت لبيان ذلك؛ فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد، فيُحمَل كلُّ ذلك على أنَّ الرَّاوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم (٧) اشتراط القبض.

ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّ لها جزأين، فدلالته على الأوَّل ظاهرةٌ؛ لأنَّه لم يقبض النَّاقة بعد (٨) الأخذ بالثَّمن الذي هو كنايةٌ عن البيع وتركها عند أبي بكرٍ، وأمَّا

الثَّاني -وهو قوله: «أو مات قبل أن يقبض» - إمَّا للإشعار بأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلَّق به، وإمَّا للإعلام بأنَّ حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه، قاله الكِرمانيُّ وغيره. وأخذ ابن المُنَيِّر منه جواز بيع الغائب؛ لأنَّ قول أبي بكرٍ: - «إنَّ عندي ناقتين» بالتَّنكير- يدلُّ على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما، وهذا معارضٌ بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهابٍ عن عروة، قال أبو بكرٍ: فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتيَّ هاتين.

وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أوَّل «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] مُطوَّلًا.

(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن خيار المجلس أو خيار الشَّرط: افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأَنْقَصَ، فإنَّه حرامٌ، وكذا (١) الشِّراء على شرائه بأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ (وَلَا يَسُومُ) الرَّجل، بالرَّفع على النَّفي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا يَسُمْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اتَّفق مع غيره في بيعٍ ولم يعقداه: أنا أشتريه بأزيدَ، أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه (٢)، فيحرم بعد استقرار الثَّمن بالتَّراضي صريحًا وقبل العقد، فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عَرَّضَ بها، أو سكت، أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك يُنادَى عليه لطلب الزِّيادة، لم يحرم (حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ) أخوه البائع (أَوْ يَتْرُكَ) اتِّفاقه مع المشتري فلا تحريم؛ لأنَّ الحقَّ لهما وقد أسقطاه، هذا إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلًا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضررٌ على المالك -ذكره الأذرعيُّ- وذكر الأخ ليس للتَّقييد، بل للرِّقَّة والعطف عليه، وإلَّا (٣) فالكافر كالمسلم في ذلك.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْهُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ: فَأَجَازَ بَيْعَ الْجُزَافِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْجُزَافَ مُرَبًّى فَتَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ.

وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَكِيلِ بِالْكَيْلِ وَفِي الْمَوْزُونِ بِالْوَزْنِ، فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً فَقَبَضَهُ جُزَافًا فَقَبْضُهُ فَاسِدٌ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً فَقَبَضَهُ مُوَازَنَةً وَبِالْعَكْسِ، وَمَنِ اشْتَرَى مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ تَأْدِيبِ مَنْ يَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ، وَإِقَامَةُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ مَنْ يُرَاعِي أَحْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: جُزَافًا مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا، سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ قَدْرَهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَنْ مَالِكٍ التَّفْرِقَةُ، فَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِذَا جَهِلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي قَدْرَهَا، فَإِنِ اشْتَرَاهَا جُزَافًا فَفِي بَيْعِهَا قَبْلَ نَقْلِهَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَقْلُهَا قَبْضُهَا.

٥٧ - بَاب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ

٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّاقَةِ: أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَخَذْتُهَا لَمْ يَكُنْ أَخْذًا بِالْيَدِ وَلَا بِحِيَازَةِ شَخْصِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامًا مِنْهُ لِابْتِيَاعِهَا بِالثَّمَنِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِ أَبِي بَكْرٍ اهـ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَا سِيقَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ فِيهَا قَدْرُ الثَّمَنِ وَصِفَةُ الْعَقْدِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ فِي سِيَاقِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَ صِفَةَ الْقَبْضِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ انْتِقَالَ الضَّمَانِ فِي الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه (١) هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبلُ وبعدُ، فحمله على ما بعده أَولى جمعًا بين حديثيه.

٢١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الرَّاء، و «المَغْراء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالرَّاء والمدِّ، واسمه (٢): مَعْدِيكَرِبَ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي) أي: والله، لَقلَّما ما يأتي يومٌ (عَلَى النَّبِيِّ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) فاللَّام جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والاستثناء مُفرَّغٌ واقعٌ بعد نفيٍ مُؤوَّلٍ؛ لأنَّ «قلَّ» في معنى النَّفي، والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محلِّ نصبٍ على أنَّها خبر «كان»، و «بيتَ»: نُصِب على المفعوليَّة، و «أحدَ» ظرفٌ بتقدير: «في» (فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ) بضمِّ الهمزة وكسر

المعجمة (فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء وسكون العين المهملة، من الرَّوع، وهو الفزع (إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا) يعني: فاجأنا بغتةً في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه، فأفزعنا ذلك وقت الظُّهر (فَخُبِّرَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر المُوحَّدة المُشدَّدة (بِهِ) (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما جاء النَّبيُّ» ( فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ) بفتحاتٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلَّا من حدثٍ» أي: من (١) حادثةٍ حدثت له (٢) (فَلَمَّا دَخَلَ) (عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء، أمرٌ من الإخراج، و «مَنْ» -بفتح الميم- مفعول «أَخْرِج»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما عندك»، وقوله في «التَّنقيح»: والوجه «مَنْ»، أي: بالنُّون، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ «ما» قد تقع ويُراد بها من يعقل، نحو: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و «سبحان ما سخركنَّ لنا»، قال أبو حيَّان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروفٍ ومكِّيِّ بن أبي طالبٍ، ونسبه ابن خروفٍ لسيبويه، ومن أدلَّتهم أيضًا: «سبحان ما سبَّح الرَّعد بحمده» ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] … الآيات.

(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ (١)، يعني: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة، أي: أَذِنَ اللهُ (لِي فِي الخُرُوجِ) إلى المدينة (قَالَ) أبو بكرٍ: أريد (الصُّحْبَةَُ) معك عند الخروج (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) : أنا أريد أو ألتمس (الصُّحْبَةَُ) أيضًا أو نلتها، ويجوز الرَّفع فيهما خبر (٢) مبتدأٍ محذوفٍ يُقدَّر في كلٍّ ما يليق به، ففي الأوَّل: مرادي الصُّحبةُ، أو مسألتي الصُّحبةُ، وفي الثَّاني: مبذولةٌ أو حاصلةٌ لك ونحوه (قَالَ) أبو بكرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ) معك إلى المدينة، قال في «اللَّامع» و «المصابيح» وغيرهما: ويُروَى: «عددتهما» بغير همزةٍ، قال ابن التِّين: وصوابه بالهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «رباعيٌّ» إنَّما هو بالنِّسبة إلى عدد حروفه، ولا يُقال في مصطلح الصَّرفيِّين إلَّا ثلاثيٌّ مزيدٌ فيه (فَخُذْ) يا رسول الله (إِحْدَاهُمَا، قَالَ) : (قَدْ أَخَذْتُهَا) أي: آخذ إحدى النَّاقتين، قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشامٍ: هي الجدعاء (٣) (بِالثَّمَنِ) قال المُهلَّب: لم يكن آخذًا (٤) باليد ولا بالحيازة، بل بالابتياع بالثَّمن وإخراجها من (٥) ملك أبي بكرٍ؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عوضٌ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّ ما قاله ليس بواضحٍ؛ لأنَّ (٦) القصَّة ما سيقت لبيان ذلك؛ فلذلك اختصر فيها قدر الثَّمن وصفة العقد، فيُحمَل كلُّ ذلك على أنَّ الرَّاوي اختصره؛ لأنَّه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجَّةٌ في عدم (٧) اشتراط القبض.

ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّ لها جزأين، فدلالته على الأوَّل ظاهرةٌ؛ لأنَّه لم يقبض النَّاقة بعد (٨) الأخذ بالثَّمن الذي هو كنايةٌ عن البيع وتركها عند أبي بكرٍ، وأمَّا

الثَّاني -وهو قوله: «أو مات قبل أن يقبض» - إمَّا للإشعار بأنَّه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلَّق به، وإمَّا للإعلام بأنَّ حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه، قاله الكِرمانيُّ وغيره. وأخذ ابن المُنَيِّر منه جواز بيع الغائب؛ لأنَّ قول أبي بكرٍ: - «إنَّ عندي ناقتين» بالتَّنكير- يدلُّ على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما، وهذا معارضٌ بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهابٍ عن عروة، قال أبو بكرٍ: فخذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتيَّ هاتين.

وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أوَّل «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] مُطوَّلًا.

(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اشترى سلعةً في زمن خيار المجلس أو خيار الشَّرط: افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأَنْقَصَ، فإنَّه حرامٌ، وكذا (١) الشِّراء على شرائه بأن يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيدَ (وَلَا يَسُومُ) الرَّجل، بالرَّفع على النَّفي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا يَسُمْ» بالجزم على النَّهي (عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) بأن يقول لمن اتَّفق مع غيره في بيعٍ ولم يعقداه: أنا أشتريه بأزيدَ، أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه (٢)، فيحرم بعد استقرار الثَّمن بالتَّراضي صريحًا وقبل العقد، فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عَرَّضَ بها، أو سكت، أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك يُنادَى عليه لطلب الزِّيادة، لم يحرم (حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ) أخوه البائع (أَوْ يَتْرُكَ) اتِّفاقه مع المشتري فلا تحريم؛ لأنَّ الحقَّ لهما وقد أسقطاه، هذا إن كان الآذن مالكًا، فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلًا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضررٌ على المالك -ذكره الأذرعيُّ- وذكر الأخ ليس للتَّقييد، بل للرِّقَّة والعطف عليه، وإلَّا (٣) فالكافر كالمسلم في ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر