الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٥١
الحديث رقم ٢١٥١ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِي وَقَالَ شُرَيْحٌ إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ: أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.
وَمِنْهَا لَوِ اشْتَرَى غَيْرَ الْمُصَرَّاةِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا بَعْدَ حَلْبِهَا، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ غَيْرُ مُعْتَنًى بِجَمْعِهِ، وَقِيلَ: يُرَدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ كَالْمُصَرَّاةِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ مُسَدَّدٍ عَنْ شَيْخَيْنِ، فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَسِيَاقُهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ أَتَمُّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ بَصْرِيُّونَ سِوَى الصَّحَابِيِّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ) هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مُعْتَمِرٍ مَرْفُوعًا، وَذَكَرَ أَنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ كَمَا هُنَا: حَدِيثُ الْمُحَفَّلَةِ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّلَقِّي مَرْفُوعٌ. وَخَالَفَهُمْ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَرَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَشَارَ إِلَى وَهْمِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّهَا) أَيْ: أَرَادَ رَدَّهَا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَلْيَرُدَّ مَعَهَا عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْمَعِيَّةِ، أَوْ تُحْمَلُ الْمَعِيَّةُ عَلَى الْبَعْدِيَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ الرَّدُّ إِلَى تَأْوِيلٍ. وَقَدْ وَرَدَتْ مَعَ بِمَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ (لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَعَلَى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي قَرِيبًا، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى النَّجْشِ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى التَّصْرِيَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
٦٥ - بَاب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ، وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ وَفِي حَلْبَتِهَا) بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَحْلُوبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّمْرَ مُقَابِلٌ لِلْحَلْبَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ التَّمْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْحَلْبِ لَا فِي مُقَابَلَةِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ الْحَلْبَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَلْبِ مَجَازٌ فِي اللَّبَنِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، فَلِذَلِكَ قَالَ: يَجِبُ رَدُّ التَّمْرِ وَاللَّبَنِ مَعًا، وَشَذَّ بِذَلِكَ عَنِ الْجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ وَكَذَا قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو يَعْنِي: ابْنَ جَبَلَةَ وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ الْمَعْرُوفُ بِزُنَيْجٍ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ، وَالْكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ الْبَلْخِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَسَتَأْتِي رِوَايَتُهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي بَابِ لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي زِيَادٌ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْخُرَاسَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ثَابِتًا) هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَاهُ مِنْ فَوْقَ أَيْ: ابْنُ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْحَلْبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ فِي مُقَابِلِ الْمُصَرَّاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ: مَنِ اشْتَرَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«رَدَّ»، والجملة جواب الشَّرط (وَ) عليه (فِي حَلَْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) بسكون اللَّام في «اليونينيَّة» (١) وغيرها (٢) على أنَّه اسم الفعل، ويجوز الفتح على أنَّه بمعنى: المحلوب، قاله العينيُّ كـ «فتح الباري»، وقال في «القاموس»: الحَلْبُ، ويُحرَّك: استخراج ما في الضَّرع من اللَّبن؛ كالحِلاب والاحتلاب، والحَلَب مُحرَّكة، والحليب (٣): اللَّبن المحلوب، أو الحليب (٤): ما لم يتغيَّر طعمه. وقال الجوهريُّ: الحَلَب -بالتَّحريك-: اللَّبن المحلوب، والحَلَبُ أيضًا: مصدر حلب النَّاقة يحلبها حَلَبًا، واحتلبها، فهو حالبٌ، وحاصله: إن أُريد بالحلب اللَّبن؛ فلامه مفتوحةٌ فقط، وإن أُريد به المصدر فيجوز السُّكون والفتح، وعلى هذا فمفهوم قول البخاريِّ: وعليه في حلْبتها -بسكون اللَّام- صاعٌ من (٥) تمرٍ أنَّ الصَّاع في مقابلة الفعل، وهو موافقٌ لقول ابن حزمٍ: يجب ردُّ التَّمر واللَّبن معًا؛ لأنَّ التَّمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللَّبن، وهذا مخالفٌ لما عليه الجمهور: من أنَّ التَّمر في مقابلة اللَّبن، وقد كان (٦) القياس ردَّ عين اللَّبن أو مثله، لكن لمَّا تعذَّر ذلك باختلاط ما حدث بعد البيع في مِلْكِ المشتري بالموجود حال العقد وإفضائه إلى الجهل بقدره، عيَّن الشَّارع له بدلًا يناسبه؛ قطعًا للخصومة، ودفعًا للتَّنازع في القدر الموجود عند العقد.
٢١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين المهملة (٧)، وللمُستملي في رواية عبد الرَّحمن الهَمْدانيِّ زيادة: «ابن جبلة»، وكذا قال أبو أحمد الجرجانيُّ في روايته عن الفَِرَبْريِّ، وفي رواية
أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ: «حدَّثنا محمَّد بن عمرٍو، يعني (١) ابن جبلة»، وأهمله الباقون، وجزم الدَّارقُطنيُّ بأنَّه محمَّد بن عمرٍو أبو غسَّان الرَّازي، المعروف بزُنَيجٍ -بزايٍ ونونٍ وجيمٍ مُصغَّرًا- وجزم الحاكم والكلاباذيُّ بأنَّه محمَّد بن عمرٍو السَّوَّاق البلخيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ في المقدِّمة: ويؤيِّده أنَّ المكِّيَّ شيخه بلخيٌّ، وقال في الشَّرح: والأوَّل أولى، قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) بن إبراهيم، وهو من مشايخ المؤلِّف قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زِيَادٌ) بزايٍ مكسورةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُخفَّفةٍ، ابن سعد بن عبد الرَّحمن الخراسانيُّ: (أَنَّ ثَابِتًا) هو ابن عياض بن الأحنف (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا) بسكون اللَّام (صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) ظاهره: أنَّ الصَّاع في مقابلة المُصرَّاة، سواءٌ كانت واحدةً أو أكثر؛ لقوله: «من اشترى غنمًا» لأنَّه اسمٌ مُؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس، ثمَّ قال: «ففي حلبتها صاعٌ من تمرٍ»، ونقل ابن عبد البرِّ عمَّن استعمل الحديث، وابن بطَّالٍ عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشَّافعيَّة والحنابلة وعن أكثر المالكيَّة: يردُّ عن كلِّ واحدةٍ صاعًا، وقال المازريُّ: ومن المُستبشَع أن يَغْرَم متلفُ لبنِ ألفِ شاةٍ كما يَغْرَم متلفُ لبنِ شاةٍ واحدةٍ، وأُجيب بأنَّ ذلك مُغتفَرٌ بالنِّسبة إلى ما تقدَّم من أنَّ الحكمةَ في اعتبار الصَّاع قطعُ النِّزاع، فجُعل حدًّا يرجع إليه عند التَّخاصم فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أنَّ لبن الشَّاة الواحدة أو النَّاقة الواحدة يختلف اختلافًا متباينًا، ومع ذلك فالمُعتبَر الصَّاعُ، سواءٌ (٢) قلَّ اللَّبن أم كَثُر، فكذلك هو مُعتَبٌر، سواءٌ قلَّت المُصرَّاة أم كَثُرت. انتهى. وقال الحنفيَّة: لا نجيز (٣) للمشتري أن يردَّ ما اشتراه إذا وجدها مُصرَّاةً مع لبنها، ولا مع صاع تمرٍ لفقده؛ لأنَّ الزِّيادة المنفصلة المتولِّدة عن المُصرَّاة -وهو اللَّبن- مانعةٌ عن (٤)
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.
وَمِنْهَا لَوِ اشْتَرَى غَيْرَ الْمُصَرَّاةِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا بَعْدَ حَلْبِهَا، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ الرَّدِّ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ غَيْرُ مُعْتَنًى بِجَمْعِهِ، وَقِيلَ: يُرَدُّ بَدَلَ اللَّبَنِ كَالْمُصَرَّاةِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ مُسَدَّدٍ عَنْ شَيْخَيْنِ، فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَسِيَاقُهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ أَتَمُّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبِي) هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ بَصْرِيُّونَ سِوَى الصَّحَابِيِّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ) هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مُعْتَمِرٍ مَرْفُوعًا، وَذَكَرَ أَنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ كَمَا هُنَا: حَدِيثُ الْمُحَفَّلَةِ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّلَقِّي مَرْفُوعٌ. وَخَالَفَهُمْ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَرَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَشَارَ إِلَى وَهْمِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّهَا) أَيْ: أَرَادَ رَدَّهَا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَلْيَرُدَّ مَعَهَا عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْمَعِيَّةِ، أَوْ تُحْمَلُ الْمَعِيَّةُ عَلَى الْبَعْدِيَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ الرَّدُّ إِلَى تَأْوِيلٍ. وَقَدْ وَرَدَتْ مَعَ بِمَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ (لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَعَلَى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي قَرِيبًا، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى النَّجْشِ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى التَّصْرِيَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
٦٥ - بَاب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ، وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ وَفِي حَلْبَتِهَا) بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَحْلُوبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّمْرَ مُقَابِلٌ لِلْحَلْبَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ التَّمْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْحَلْبِ لَا فِي مُقَابَلَةِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ الْحَلْبَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَلْبِ مَجَازٌ فِي اللَّبَنِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، فَلِذَلِكَ قَالَ: يَجِبُ رَدُّ التَّمْرِ وَاللَّبَنِ مَعًا، وَشَذَّ بِذَلِكَ عَنِ الْجُمْهُورِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ وَكَذَا قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو يَعْنِي: ابْنَ جَبَلَةَ وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ الْمَعْرُوفُ بِزُنَيْجٍ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ، وَالْكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ الْبَلْخِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَسَتَأْتِي رِوَايَتُهُ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي بَابِ لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي زِيَادٌ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْخُرَاسَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ثَابِتًا) هُوَ ابْنُ عِيَاضٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَاهُ مِنْ فَوْقَ أَيْ: ابْنُ الْخَطَّابِ.
قَوْلُهُ: (مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْحَلْبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ فِي مُقَابِلِ الْمُصَرَّاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ: مَنِ اشْتَرَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«رَدَّ»، والجملة جواب الشَّرط (وَ) عليه (فِي حَلَْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) بسكون اللَّام في «اليونينيَّة» (١) وغيرها (٢) على أنَّه اسم الفعل، ويجوز الفتح على أنَّه بمعنى: المحلوب، قاله العينيُّ كـ «فتح الباري»، وقال في «القاموس»: الحَلْبُ، ويُحرَّك: استخراج ما في الضَّرع من اللَّبن؛ كالحِلاب والاحتلاب، والحَلَب مُحرَّكة، والحليب (٣): اللَّبن المحلوب، أو الحليب (٤): ما لم يتغيَّر طعمه. وقال الجوهريُّ: الحَلَب -بالتَّحريك-: اللَّبن المحلوب، والحَلَبُ أيضًا: مصدر حلب النَّاقة يحلبها حَلَبًا، واحتلبها، فهو حالبٌ، وحاصله: إن أُريد بالحلب اللَّبن؛ فلامه مفتوحةٌ فقط، وإن أُريد به المصدر فيجوز السُّكون والفتح، وعلى هذا فمفهوم قول البخاريِّ: وعليه في حلْبتها -بسكون اللَّام- صاعٌ من (٥) تمرٍ أنَّ الصَّاع في مقابلة الفعل، وهو موافقٌ لقول ابن حزمٍ: يجب ردُّ التَّمر واللَّبن معًا؛ لأنَّ التَّمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللَّبن، وهذا مخالفٌ لما عليه الجمهور: من أنَّ التَّمر في مقابلة اللَّبن، وقد كان (٦) القياس ردَّ عين اللَّبن أو مثله، لكن لمَّا تعذَّر ذلك باختلاط ما حدث بعد البيع في مِلْكِ المشتري بالموجود حال العقد وإفضائه إلى الجهل بقدره، عيَّن الشَّارع له بدلًا يناسبه؛ قطعًا للخصومة، ودفعًا للتَّنازع في القدر الموجود عند العقد.
٢١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين المهملة (٧)، وللمُستملي في رواية عبد الرَّحمن الهَمْدانيِّ زيادة: «ابن جبلة»، وكذا قال أبو أحمد الجرجانيُّ في روايته عن الفَِرَبْريِّ، وفي رواية
أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ: «حدَّثنا محمَّد بن عمرٍو، يعني (١) ابن جبلة»، وأهمله الباقون، وجزم الدَّارقُطنيُّ بأنَّه محمَّد بن عمرٍو أبو غسَّان الرَّازي، المعروف بزُنَيجٍ -بزايٍ ونونٍ وجيمٍ مُصغَّرًا- وجزم الحاكم والكلاباذيُّ بأنَّه محمَّد بن عمرٍو السَّوَّاق البلخيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ في المقدِّمة: ويؤيِّده أنَّ المكِّيَّ شيخه بلخيٌّ، وقال في الشَّرح: والأوَّل أولى، قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) بن إبراهيم، وهو من مشايخ المؤلِّف قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زِيَادٌ) بزايٍ مكسورةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُخفَّفةٍ، ابن سعد بن عبد الرَّحمن الخراسانيُّ: (أَنَّ ثَابِتًا) هو ابن عياض بن الأحنف (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا) بسكون اللَّام (صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ) ظاهره: أنَّ الصَّاع في مقابلة المُصرَّاة، سواءٌ كانت واحدةً أو أكثر؛ لقوله: «من اشترى غنمًا» لأنَّه اسمٌ مُؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس، ثمَّ قال: «ففي حلبتها صاعٌ من تمرٍ»، ونقل ابن عبد البرِّ عمَّن استعمل الحديث، وابن بطَّالٍ عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشَّافعيَّة والحنابلة وعن أكثر المالكيَّة: يردُّ عن كلِّ واحدةٍ صاعًا، وقال المازريُّ: ومن المُستبشَع أن يَغْرَم متلفُ لبنِ ألفِ شاةٍ كما يَغْرَم متلفُ لبنِ شاةٍ واحدةٍ، وأُجيب بأنَّ ذلك مُغتفَرٌ بالنِّسبة إلى ما تقدَّم من أنَّ الحكمةَ في اعتبار الصَّاع قطعُ النِّزاع، فجُعل حدًّا يرجع إليه عند التَّخاصم فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أنَّ لبن الشَّاة الواحدة أو النَّاقة الواحدة يختلف اختلافًا متباينًا، ومع ذلك فالمُعتبَر الصَّاعُ، سواءٌ (٢) قلَّ اللَّبن أم كَثُر، فكذلك هو مُعتَبٌر، سواءٌ قلَّت المُصرَّاة أم كَثُرت. انتهى. وقال الحنفيَّة: لا نجيز (٣) للمشتري أن يردَّ ما اشتراه إذا وجدها مُصرَّاةً مع لبنها، ولا مع صاع تمرٍ لفقده؛ لأنَّ الزِّيادة المنفصلة المتولِّدة عن المُصرَّاة -وهو اللَّبن- مانعةٌ عن (٤)