«نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ»، وَالْمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٨٥

الحديث رقم ٢١٨٥ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بيع المزابنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٨٥ في صحيح البخاري

«نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ»، وَالْمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا.

إسناد حديث رقم ٢١٨٥ من صحيح البخاري

٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ.

٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا"

٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ"

٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ"

٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ) بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ، مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْحَرْبُ الزَّبُونَ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ الْمُزَابَنَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْعَ الْبَيْعِ بِفَسْخِهِ، وَأَرَادَ الْآخَرُ دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ (بِالثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرُّطَبُ خَاصَّةً.

وَقَوْلُهُ: بَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ أَيْ: بِالْعِنَبِ وَهَذَا أَصْلُ الْمُزَابَنَةِ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ كُلَّ بَيْعٍ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ، أَوْ بِمَعْلُومٍ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ، قَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ: أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مَثَلًا، فَمَا زَادَ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ، فَهُوَ مِنَ الْقِمَارِ وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ.

قُلْتُ: لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ فَثَبَتَ أَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْقِمَارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا قِمَارًا أَنْ لَا تُسَمَّى مُزَابَنَةً.

وَمِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُزَابَنَةُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْجُزَافِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ إِذَا بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنَ الْكَيْلِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ أَمْ لَا. وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْهُ مَا يَدْخُلُهُ مِنَ الْقِمَارِ وَالْغَرَرِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ لُغَةً - وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ - وَيَدْخُلُ فِيهَا الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْمُزَابَنَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ فَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ مِنْ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقِيلَ: هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْجُزْءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي تَفْسِيرِهَا أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ إِلَخْ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ سَالِمٍ

وَمِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْهُ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ. وَفِي طَرِيقِ نَافِعٍ تَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمَرْفُوعِ. وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا رِوَايَةُ سَالِمٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِذِكْرِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَعْرَفُ بِتَفْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُزَابَنَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْلٌ بِجُزَافٍ وَلَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَالِمٌ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أُفْرِدَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ مَضْمُومًا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَمْ يَفْصِلْ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا وَمُرَادُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ اسْتِثْنَاءَ الْعَرَايَا بِوَاسِطَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ مَحْفُوظَةً احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ حَمَلَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكَانَ عِنْدَهُ بَعْضُهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ مِنْهُ وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالتَّسَاوِي إِنَّمَا يَصِحُّ حَالَةَ الْكَمَالِ، وَالرُّطَبُ قَدْ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ عَنِ الْيَابِسِ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُسَاوَاةِ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذًا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ (فِي بَيْعِ الْعَرَايَا) وَهَذَا مِنْ أَصْرَحِ مَا وَرَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَمَلَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ عَلَى عُمُومِهِ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْعَرَايَا مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَرَدَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يَكُونُ بَعْدَ النَّاسِخِ.

قَوْلُهُ: (بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ) كَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَوْ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ أَوْ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا الشَّكِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا عَلَى الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بالْإِسْنَادَيْنِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ وَفَرَّقَهُمَا، وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَانَتْ فِيهَا حُجَّةٌ لِلْوَجْهِ الصَّائِرِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ أَيْضًا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ خَيْرَانَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَا نَوْعًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ جَازَ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّخْلِ وَالْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: وَمِثْلُهُ

مَا إِذَا كَانَا مَعًا عَلَى النَّخْلِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إِذَا كَانَا نَوْعَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ أُخَرُ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِإِلْحَاقِ الْبُسْرِ فِي ذَلِكَ بِالرُّطَبِ.

قَوْلُهُ: (بَيْعُ الثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَحْرِيكِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: ثَمَرِ النَّخْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّمْرَ مِنْ غَيْرِ النَّخْلِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِكَوْنِهِ مُتَفَاضِلًا مِنْ جِنْسِهِ.

قَوْلُهُ: (كَيْلًا) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا وَالْكَرْمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ شَجَرُ الْعِنَبِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا نَفْسُ الْعِنَبِ كَمَا أَوْضَحَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُزَابَنَةِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا فَلَا حُجَّةَ عَلَى الْجَوَازِ، فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ: هَلْ يَلْحَقُ الْعِنَبُ أَوْ غَيْرُهُ بِالرُّطَبِ فِي الْعَرَايَا؟ فَقِيلَ: لَا. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ الْعِنَبَ خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ كُلَّ مَا يُدَّخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ كُلَّ ثَمَرَةٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) هُوَ الْمَدَنِيُّ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ لِدَاوُدَ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَشَيْخُهُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبُو سُفْيَانَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَسَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، لَكِنْ حَكَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِهِ فِيهِ أَنَّ اسْمَهُ قَزْمَانُ، وَابْنُ أَبِي أَحْمَدَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ ابْنُ أَخِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مَوْلًى لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَكَانَ يُجَالِسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَحْمَدَ فَنُسِبَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ) زَادَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَيْلًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَذِكْرُ الْكَيْلِ لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ إِذْ ذَاكَ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ أَوَّلُهُ مَفْهُومٌ، لَكِنَّهُ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَنْطُوقِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مِعْيَارَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ الْكَيْلُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُهُ، وَالْمُزَابَنَةُ فِي النَّخْلِ وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ: (أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْجَمْعُ عَرَايَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَهَا لُغَةً.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَيْلًا وَمِثْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، وَنَحْوُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ: رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ: رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمْرَ النَّخَلَاتِ بِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ إِدْرَاجًا، وَأَخْرَجَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما يؤيِّد أنَّ «أو» للتَّخيير لا للشَّكِّ، ولفظه: بالرُّطب وبالتَّمر، وقيس العنب بالرُّطب بجامع أنَّ كلًّا منهما زكويٌّ يمكن خرصه ويُدَّخَر يابسُه، وكالرُّطب البُسْر (١) بعد بدوِّ صلاحه؛ لأنَّ الحاجة إليه كهي إلى الرُّطب، ذكره الماورديُّ والرُّويانيُّ، وأمَّا غير الرُّطب والعنب من الثِّمار التي تُجَفَّف كالمشمش وغيره فلا يجوز؛ لأنَّها متفرِّقةٌ مستورةٌ بالأوراق، فلا يتأتَّى الخرص فيها، بخلاف ثمرة النَّخل والكرم فإنَّها متدلِّيةٌ ظاهرةٌ.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

٢١٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ) قال ابن عمر: (وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم، وفي رواية مسلم: ثمر النَّخل، وهو المراد هنا (بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة وسكون الميم (كَيْلًا) بالنَّصب على التَّمييز وليس قيدًا (وَبَيْعُ الكَرْمِ) العنب (بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) وفي رواية مسلمٌ: وبيع العنب بالزَّبيب كيلًا.

وفي الحديث: جواز تسمية العنب كَرْمًا، وحديث النَّهي عن تسميته به محمولٌ على التَّنزيه، وذكره هنا لبيان الجواز، وهذا على تقدير أنَّ تفسير المزابنة صادرٌ عن الشَّارع صلوات الله وسلامه عليه، أمَّا على القول بأنَّه من الصَّحابيِّ فلا حجَّة على الجواز، ويُحمَل النَّهي على الحقيقة.

وهذا الحديث سبق في «باب بيع الزَّبيب بالزَّبيب» (٢) [خ¦٢١٧١].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ.

٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا"

٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ"

٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ"

٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ) بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ، مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْحَرْبُ الزَّبُونَ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ الْمُزَابَنَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْعَ الْبَيْعِ بِفَسْخِهِ، وَأَرَادَ الْآخَرُ دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ (بِالثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرُّطَبُ خَاصَّةً.

وَقَوْلُهُ: بَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ أَيْ: بِالْعِنَبِ وَهَذَا أَصْلُ الْمُزَابَنَةِ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ كُلَّ بَيْعٍ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ، أَوْ بِمَعْلُومٍ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ، قَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ: أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مَثَلًا، فَمَا زَادَ فَلِي وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ، فَهُوَ مِنَ الْقِمَارِ وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ.

قُلْتُ: لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ فَثَبَتَ أَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْقِمَارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا قِمَارًا أَنْ لَا تُسَمَّى مُزَابَنَةً.

وَمِنْ صُوَرِ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُزَابَنَةُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْجُزَافِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ إِذَا بِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنَ الْكَيْلِ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ يَجْرِي الرِّبَا فِي نَقْدِهِ أَمْ لَا. وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْهُ مَا يَدْخُلُهُ مِنَ الْقِمَارِ وَالْغَرَرِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ لُغَةً - وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ - وَيَدْخُلُ فِيهَا الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْمُزَابَنَةَ بِأَنَّهَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ فَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ مِنْ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقِيلَ: هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْجُزْءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي تَفْسِيرِهَا أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ إِلَخْ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْمُحَاقَلَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ سَالِمٍ

وَمِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْهُ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ. وَفِي طَرِيقِ نَافِعٍ تَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مِنَ الْمَرْفُوعِ. وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا رِوَايَةُ سَالِمٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِذِكْرِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَعْرَفُ بِتَفْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُزَابَنَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْلٌ بِجُزَافٍ وَلَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سَالِمٌ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أُفْرِدَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ مَضْمُومًا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَمْ يَفْصِلْ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا وَمُرَادُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ اسْتِثْنَاءَ الْعَرَايَا بِوَاسِطَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ مَحْفُوظَةً احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ حَمَلَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكَانَ عِنْدَهُ بَعْضُهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ مِنْهُ وَلَوْ تَسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالتَّسَاوِي إِنَّمَا يَصِحُّ حَالَةَ الْكَمَالِ، وَالرُّطَبُ قَدْ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ عَنِ الْيَابِسِ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُسَاوَاةِ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذًا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالثَّمَرِ (فِي بَيْعِ الْعَرَايَا) وَهَذَا مِنْ أَصْرَحِ مَا وَرَدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَمَلَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ عَلَى عُمُومِهِ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الْعَرَايَا مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَزَعَمَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَرَدَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يَكُونُ بَعْدَ النَّاسِخِ.

قَوْلُهُ: (بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ) كَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَوْ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ أَوْ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ لَا الشَّكِّ بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا عَلَى الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بالْإِسْنَادَيْنِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ وَفَرَّقَهُمَا، وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَانَتْ فِيهَا حُجَّةٌ لِلْوَجْهِ الصَّائِرِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالرُّطَبِ الْمَخْرُوصِ أَيْضًا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ خَيْرَانَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَا نَوْعًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ إِذْ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ نَوْعَيْنِ جَازَ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّخْلِ وَالْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: وَمِثْلُهُ

مَا إِذَا كَانَا مَعًا عَلَى النَّخْلِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا إِذَا كَانَا نَوْعَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ أُخَرُ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِإِلْحَاقِ الْبُسْرِ فِي ذَلِكَ بِالرُّطَبِ.

قَوْلُهُ: (بَيْعُ الثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَحْرِيكِ الْمِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: ثَمَرِ النَّخْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّمْرَ مِنْ غَيْرِ النَّخْلِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَالسُّكُونِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِكَوْنِهِ مُتَفَاضِلًا مِنْ جِنْسِهِ.

قَوْلُهُ: (كَيْلًا) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا وَالْكَرْمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ شَجَرُ الْعِنَبِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا نَفْسُ الْعِنَبِ كَمَا أَوْضَحَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُزَابَنَةِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا فَلَا حُجَّةَ عَلَى الْجَوَازِ، فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ: هَلْ يَلْحَقُ الْعِنَبُ أَوْ غَيْرُهُ بِالرُّطَبِ فِي الْعَرَايَا؟ فَقِيلَ: لَا. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ الْعِنَبَ خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ كُلَّ مَا يُدَّخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيلَ: يَلْحَقُ كُلَّ ثَمَرَةٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) هُوَ الْمَدَنِيُّ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ لِدَاوُدَ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَشَيْخُهُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبُو سُفْيَانَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَسَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، لَكِنْ حَكَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِهِ فِيهِ أَنَّ اسْمَهُ قَزْمَانُ، وَابْنُ أَبِي أَحْمَدَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ ابْنُ أَخِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مَوْلًى لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَكَانَ يُجَالِسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَحْمَدَ فَنُسِبَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ) زَادَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَيْلًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَذِكْرُ الْكَيْلِ لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ إِذْ ذَاكَ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ أَوَّلُهُ مَفْهُومٌ، لَكِنَّهُ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَنْطُوقِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مِعْيَارَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ الْكَيْلُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُهُ، وَالْمُزَابَنَةُ فِي النَّخْلِ وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ: (أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْجَمْعُ عَرَايَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَهَا لُغَةً.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَيْلًا وَمِثْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، وَنَحْوُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ: رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ: رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمْرَ النَّخَلَاتِ بِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ إِدْرَاجًا، وَأَخْرَجَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما يؤيِّد أنَّ «أو» للتَّخيير لا للشَّكِّ، ولفظه: بالرُّطب وبالتَّمر، وقيس العنب بالرُّطب بجامع أنَّ كلًّا منهما زكويٌّ يمكن خرصه ويُدَّخَر يابسُه، وكالرُّطب البُسْر (١) بعد بدوِّ صلاحه؛ لأنَّ الحاجة إليه كهي إلى الرُّطب، ذكره الماورديُّ والرُّويانيُّ، وأمَّا غير الرُّطب والعنب من الثِّمار التي تُجَفَّف كالمشمش وغيره فلا يجوز؛ لأنَّها متفرِّقةٌ مستورةٌ بالأوراق، فلا يتأتَّى الخرص فيها، بخلاف ثمرة النَّخل والكرم فإنَّها متدلِّيةٌ ظاهرةٌ.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

٢١٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ) قال ابن عمر: (وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة وفتح الميم، وفي رواية مسلم: ثمر النَّخل، وهو المراد هنا (بِالتَّمْرِ) بالمثنَّاة وسكون الميم (كَيْلًا) بالنَّصب على التَّمييز وليس قيدًا (وَبَيْعُ الكَرْمِ) العنب (بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) وفي رواية مسلمٌ: وبيع العنب بالزَّبيب كيلًا.

وفي الحديث: جواز تسمية العنب كَرْمًا، وحديث النَّهي عن تسميته به محمولٌ على التَّنزيه، وذكره هنا لبيان الجواز، وهذا على تقدير أنَّ تفسير المزابنة صادرٌ عن الشَّارع صلوات الله وسلامه عليه، أمَّا على القول بأنَّه من الصَّحابيِّ فلا حجَّة على الجواز، ويُحمَل النَّهي على الحقيقة.

وهذا الحديث سبق في «باب بيع الزَّبيب بالزَّبيب» (٢) [خ¦٢١٧١].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل