«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢١

الحديث رقم ٢٢١ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صب الماء على البول في المسجد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢١ في صحيح البخاري

«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهُْرِيقَ عَلَيْهِ».

بَابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ

إسناد حديث رقم ٢٢١ من صحيح البخاري

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ .

بَابٌ: يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ.

- حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ التَّارِيخِيِّ إِنَّهُ الْأَقْرَعُ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) أَيْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

فَظَهَرَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ كَانَ بِالْأَلْسِنَةِ لَا بِالْأَيْدِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ.

قَوْلُهُ: (وَهَرِيقُوا)، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَأَهْرِيقُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمُخَضَّبِ.

قَوْلُهُ: (سَجْلًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى، وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَةٌ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: السَّجْلُّ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ.

قَوْلُهُ: (أَوْ ذَنُوبًا) قَالَ الْخَلِيلُ: الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيهَا مَاءٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمِلْءِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ ذَنُوبٌ، انْتَهَى. فَعَلَى التَّرَادُفِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوبٌ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مَاءٍ مَعَ أَنَّ الذَّنُوبَ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَفْظٌ مُش تَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرَسِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) إِسْنَادُ الْبَعْثِ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَبْعُوثُ بِمَا ذَكَرَ، لَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِذْ هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قِبَلِهِ بِذَلِكَ، أَيْ مَأْمُورُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ بَعَثَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يَقُولُ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ .

بَابُ: يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ وَحَدَّثَنَا خَالِدُ. قَالَ وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ . فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا خَالِدٌ) سَقَطَتِ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْعَطْفُ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَبَانَ لِيَ الْمَتْنُ عَلَى لَفْظِ رِوَايَتِهِ ; لِأَنَّ لَفْظَ عَبْدَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِسِيَاقِهِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ.

قَوْلُهُ: (فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) أَيْ نَاحِيَتِهِ، وَالطَّائِفَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ: (فَنَهَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ فَقَالَ اتْرُكُوهُ فَتَرَكُوهُ.

قَوْلُهُ: (فَهَرِيقَ عَلَيْهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْهَاءِ وَفَتْحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْضًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنَ النَّجَاسَةِ كَانَ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَلِهَذَا بَادَرُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ، وَلِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَنْ طَلَبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخُصُوصُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّمَسُّكَ يَتَحَتَّمُ عِنْدَ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، وَلَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ لِذَلِكَ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ مَا بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنِ التَّخْصِيصِ، وَلِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا إِذْ لَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ عَلَى الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَقُلْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه تنبيهًا (١) على المُبالَغة في اليسر (٢)، وأسند البعث إلى الصَّحابة على طريق المجاز لأنَّه هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، وقد كان إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦٦٩] وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين» إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله» فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله» وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أخرج البيهقيُّ هذا الحديث من طريق عبدان هذا بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ، فلمَّا قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به النَّاس، فكفَّهم عنه (٣) رسولُ الله ، ثمَّ قال: «صبُّوا عليه دلوًا من ماءٍ»، وفي بعض

الأصول هنا: «ح» علامة التَّحويل من سندٍ إلى سندٍ (١) آخر، وفي فرع «اليونينيَّة» بدلها: «بابٌ» بالتَّنوين «يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ» بفتح الهاء، وسقط الباب والتَّرجمة في رواية الأَصيليِّ والهرويِّ وعط (٢) وابن عساكر.

(وحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: «حدَّثنا عبدان»، قال في «الفتح»: وسقطت من رواية كريمة، وفي الفرع: ثبوتها للأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ) هو «ابن مَخْلَدٍ» كما للأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح اللَّام (قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت (٣): «قال: حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ) أي: في قطعة من أرضه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) على ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ الاحتراز من النَّجاسة كان مُقرَّرًا عندهم (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ) عن زجره للمصلحة الرَّاجحة وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (فَلَمَّا قَضَى) الأعرابيُّ (بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو المملوءة ماءً أو العظيمة (فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزةٍ مضمومةٍ وسكون الهاء وضمِّها (٤)،

كذا في «اليونينيَّة» (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فهُريق» بضمِّ الهاء (عَلَيْهِ) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرض المتنجِّسة لا يطهِّرها إلَّا الماء، لا الجفاف بالرِّيح أو الشَّمس (٢) لأنَّه لو كان يكفي ذلك لَمَا حصل التَّكليف بطلب الدَّلو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوز التَّيمُّم بها، وقال الحنفيَّة غير زفر منهم: إذا أصابت (٣) الأرض نجاسةٌ فجفَّت بالشَّمس وذهب أثرها جازت (٤) الصَّلاة على مكانها لقوله : «زكاة (٥) الأرض يبسها» أي: طهارتها، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء لأنَّ الواجب هو الإزالة، والماء مزيلٌ بطبعه، فيُقَاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع، قالوا: وإنَّما لا يجوز التيمم به لأنَّ طهارة الصَّعيد ثبتت شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبت بالحديث. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ غسالة النَّجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ لأنَّ الماء المصبوب لا بدَّ أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محلٍّ لم يصبه البول ممَّا يجاوره (٦)، فلولا أنَّ الغسالة طاهرة لكان الصَّبُّ ناشرًا للنَّجاسة، وذلك خلاف مقصود التَّطهير، وسواء كانت النَّجاسة على الأرض أو غيرها، لكنَّ الحنابلة فرَّقوا بين الأرض وغيرها، والله أعلم.

(٥٩) (بابُ) حكم (بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بكسر الصَّاد ويجوز ضمُّها، جمع صبيٍّ، قاله البرماويُّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ التَّارِيخِيِّ إِنَّهُ الْأَقْرَعُ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) أَيْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

فَظَهَرَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ كَانَ بِالْأَلْسِنَةِ لَا بِالْأَيْدِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ.

قَوْلُهُ: (وَهَرِيقُوا)، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَأَهْرِيقُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمُخَضَّبِ.

قَوْلُهُ: (سَجْلًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى، وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَةٌ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: السَّجْلُّ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ.

قَوْلُهُ: (أَوْ ذَنُوبًا) قَالَ الْخَلِيلُ: الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيهَا مَاءٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمِلْءِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ ذَنُوبٌ، انْتَهَى. فَعَلَى التَّرَادُفِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوبٌ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مَاءٍ مَعَ أَنَّ الذَّنُوبَ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَفْظٌ مُش تَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرَسِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) إِسْنَادُ الْبَعْثِ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَبْعُوثُ بِمَا ذَكَرَ، لَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِذْ هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قِبَلِهِ بِذَلِكَ، أَيْ مَأْمُورُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ بَعَثَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يَقُولُ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ .

بَابُ: يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ وَحَدَّثَنَا خَالِدُ. قَالَ وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ . فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا خَالِدٌ) سَقَطَتِ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْعَطْفُ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَبَانَ لِيَ الْمَتْنُ عَلَى لَفْظِ رِوَايَتِهِ ; لِأَنَّ لَفْظَ عَبْدَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِسِيَاقِهِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ.

قَوْلُهُ: (فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) أَيْ نَاحِيَتِهِ، وَالطَّائِفَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ: (فَنَهَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدَانَ فَقَالَ اتْرُكُوهُ فَتَرَكُوهُ.

قَوْلُهُ: (فَهَرِيقَ عَلَيْهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْهَاءِ وَفَتْحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْضًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنَ النَّجَاسَةِ كَانَ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَلِهَذَا بَادَرُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِحَضْرَتِهِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ، وَلِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَنْ طَلَبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخُصُوصُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّمَسُّكَ يَتَحَتَّمُ عِنْدَ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، وَلَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ لِذَلِكَ، لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ مَا بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنِ التَّخْصِيصِ، وَلِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا إِذْ لَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ عَلَى الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَقُلْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه تنبيهًا (١) على المُبالَغة في اليسر (٢)، وأسند البعث إلى الصَّحابة على طريق المجاز لأنَّه هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، وقد كان إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦٦٩] وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين» إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله» فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله» وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أخرج البيهقيُّ هذا الحديث من طريق عبدان هذا بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ، فلمَّا قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به النَّاس، فكفَّهم عنه (٣) رسولُ الله ، ثمَّ قال: «صبُّوا عليه دلوًا من ماءٍ»، وفي بعض

الأصول هنا: «ح» علامة التَّحويل من سندٍ إلى سندٍ (١) آخر، وفي فرع «اليونينيَّة» بدلها: «بابٌ» بالتَّنوين «يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ» بفتح الهاء، وسقط الباب والتَّرجمة في رواية الأَصيليِّ والهرويِّ وعط (٢) وابن عساكر.

(وحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: «حدَّثنا عبدان»، قال في «الفتح»: وسقطت من رواية كريمة، وفي الفرع: ثبوتها للأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ) هو «ابن مَخْلَدٍ» كما للأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح اللَّام (قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت (٣): «قال: حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ) أي: في قطعة من أرضه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) على ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ الاحتراز من النَّجاسة كان مُقرَّرًا عندهم (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ) عن زجره للمصلحة الرَّاجحة وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (فَلَمَّا قَضَى) الأعرابيُّ (بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو المملوءة ماءً أو العظيمة (فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزةٍ مضمومةٍ وسكون الهاء وضمِّها (٤)،

كذا في «اليونينيَّة» (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فهُريق» بضمِّ الهاء (عَلَيْهِ) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرض المتنجِّسة لا يطهِّرها إلَّا الماء، لا الجفاف بالرِّيح أو الشَّمس (٢) لأنَّه لو كان يكفي ذلك لَمَا حصل التَّكليف بطلب الدَّلو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوز التَّيمُّم بها، وقال الحنفيَّة غير زفر منهم: إذا أصابت (٣) الأرض نجاسةٌ فجفَّت بالشَّمس وذهب أثرها جازت (٤) الصَّلاة على مكانها لقوله : «زكاة (٥) الأرض يبسها» أي: طهارتها، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء لأنَّ الواجب هو الإزالة، والماء مزيلٌ بطبعه، فيُقَاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع، قالوا: وإنَّما لا يجوز التيمم به لأنَّ طهارة الصَّعيد ثبتت شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبت بالحديث. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ غسالة النَّجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ لأنَّ الماء المصبوب لا بدَّ أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محلٍّ لم يصبه البول ممَّا يجاوره (٦)، فلولا أنَّ الغسالة طاهرة لكان الصَّبُّ ناشرًا للنَّجاسة، وذلك خلاف مقصود التَّطهير، وسواء كانت النَّجاسة على الأرض أو غيرها، لكنَّ الحنابلة فرَّقوا بين الأرض وغيرها، والله أعلم.

(٥٩) (بابُ) حكم (بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بكسر الصَّاد ويجوز ضمُّها، جمع صبيٍّ، قاله البرماويُّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده