وموضع التَّرجمة قوله: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على غير الأوضاع الشرعيَّة، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ … إلى قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾».
٢٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ بِسَارَةَ) بتخفيف الرَّاء، وقيل: بتشديدها، أي: سافر بها (فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً) هي مصر، وقال ابن قتيبة: الأردنّ (فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ) هو صاروق، وقيل: سفيان (١) بن علوان، وقيل: عمرو، وفي العينيِّ: سنان بن علوان بن امرئ
القيس بن سبأ (١)، وكان على مصر (أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ) شكٌّ من الرَّاوي (فَقِيلَ) له: (دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ) وقال ابن هشامٍ: وشى به حنَّاطٌ كان إبراهيم يمتار منه (فَأَرْسَلَ) الملك (إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ) المرأة (الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي) يعني: في الدِّين (ثُمَّ رَجَعَ) إبراهيم ﵊ (إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي) اختُلف في السَّبب الَّذي حمل إبراهيم على هذه التَّوصية مع أنَّ ذلك الجبَّار كان يريد اغتصابها على نفسها أختًا كانت أو زوجةً، فقيل: كان من دين ذلك الجبَّار ألَّا يُتَعرَّض إلَّا لذوات الأزواج، أي: فيقتلهم (٢)، فأراد إبراهيم ﵊ دفع أعظم الضَّررين بارتكاب أخفِّهما، وذلك أنَّ اغتصابه إيَّاها واقعٌ لا محالة، لكن إنْ عَلِمَ أن لها زوجًا في الحياة حملته الغَيرة على قتله وإعدامه، أو حبسه وإضراره، بخلاف ما إذا علم أنَّ لها أخًا فإنَّ الغيرة حينئذٍ تكون من قِبَل الأخ خاصَّةً، لا من قبل الجبَّار فلا يبالي به، وقيل (٣): المراد: إن علم أنَّكِ امرأتي ألزمني بالطَّلاق (٤) (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون، نافيةٌ، أي: ما (عَلَى الأَرْضِ) هذه الَّتي نحن فيها (مُؤْمِنٌ) ولأبي ذرٍّ: «من مؤمنٍ» (غَيْرِي وَغَيْرُِكِ) بالرَّفع بدلًا عطفًا (٥) على محلِّ «غيري»، ويجوز الجرُّ عطفًا عليه، والَّذي في «اليونينيَّة»: الرَّفع والنَّصب، لا الجرُّ (٦)،
واستُشكل بكون لوطٍ كان معه كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وأُجيب بأنَّ المراد بـ «الأرض» الَّتي وقع له فيها (١) ما وقع، كما قدَّرتُه بـ «هذه الَّتي نحن فيها»، ولم يكن معه لوطٌ إذ ذاك (فَأَرْسَلَ) الخليل ﵊ (بِهَا إِلَيْهِ) أي: بسارة إلى الجبَّار (فَقَامَ إِلَيْهَا) بعد أن دخلت عليه (فَقَامَتْ) سارة حال كونها (تَوَضَّأُ) أصله: تَتَوضَّأ، فحُذِفَت إحدى التَّاءين تخفيفًا، والهمزة مرفوعةٌ، ففيه: أنَّ الوضوء ليس من خصائص هذه الأمَّة (وَتُصَلِّي) عطفٌ على سابقه (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ) إبراهيم، ولم تكن شاكَّةً في الإيمان بل كانت قاطعةً به، وإنَّما ذكرته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها، وقال في «اللَّامع»: الأحسن أنَّ هذا ترحُّمٌ وتوسُّلٌ بإيمانها لقضاء سؤلها (وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي) إبراهيم (فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ) هذا (الكَافِرَ (٢)، فَغُطَّ) بضمِّ الغين المعجَمة وتشديد الطَّاء المهمَلة، أي: أُخِذَ بمجاري نَفَسه حتى سُمِعَ له غطيطٌ (حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) أي: حرَّكها وضرب بها الأرض، وفي رواية مسلمٍ: فقام إبراهيم إلى الصَّلاة فلمَّا دخلت عليه، أي: على الملك، لم يتمالك أن بسط يده إليها (٣)، فقبضت يده قبضةً شديدةً، وقد رُويَ: أنَّه كُشِفَ لإبراهيم ﵊ حتَّى رأى حالهما لئلَّا يخامر قلبه أمرٌ، وقيل: صار قصر الجبَّار لإبراهيم (٤) كالقارورة الصَّافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما.
(قَالَ الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ بالسَّند المذكور: (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ) ممَّا ظاهره أنَّه موقوفٌ عليه، ولعلَّ أبا الزِّناد روى السَّابق مرفوعًا، وهذه موقوفةً: (قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ) هذا الجبَّار (يُقَالُ) كذا للحَمُّويي والمُستملي بالألف، واستُشكِل: بأنَّ جواب الشَّرط يجب جزمُه، وأُجيب بأنَّ الجواب محذوفٌ، تقديره: أُعذَّبْ، ويقال: (هِيَ قَتَلَتْهُ) والجملة لا محلَّ لها من الإعراب، دالَّةٌ على المحذوف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ:
«يُقَلْ» بالجزم وحذف الألف على الأصل، أي: فقد يُقَال: قتلته، وذلك موجبٌ لتوقُّعها مساءة خاصَّة الملك وأهله (فَأُرْسِلَ) الجبَّار، أي: أُطلق ممَّا عرض له، والهمزة مضمومةٌ (ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا) ثانيًا (فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي (١)) بالواو، وهي مكشوطةٌ في الفرع مكتوبٌ مكانها همزة «توضَّأ»، وكذا هي ساقطةٌ في «اليونينيَّة» أيضًا (٢) (وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ) إبراهيم (وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي) إبراهيم (فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ) بإثبات اسم الإشارة هنا وإسقاطه في السَّابقة (فَغُطَّ) الجبَّار، يعني: اختنق حتى صار كالمصروع (حَتَّى رَكَضَ) ضرب (بِرِجْلِهِ) الأرض (قَالَ) وفي نسخةٍ: «فقال» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أي: ابن هُرْمُزٍ الأعرج، وفي نسخةٍ: «قال الأعرج» (٣) ووقع في بعض الأصول: «قال أبو عبد الرَّحمن»، والَّذي يظهر لي أنَّ ذلك سهوٌ من النَّاسخ، فإنَّ كنية عبد الرَّحمن أبو داود (٤) لا أبو عبد الرَّحمن، والعلم عند الله تعالى (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرَّحمن: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ) هذا الجبَّار (فَيُقَالُ) بالفاء والألف فهو كالفاء المقدَّرة (٥) في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]
على قراءة الرَّفع في ﴿يُدْرِككُّمُ﴾ أي: فيدركُكُم، وللمُستملي: «يُقال» بحذف (١) الفاء فهي مقدَّرةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يُقَلْ» بالجزم جوابًا للشَّرط (هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ) بضمِّ الهمزة في جميع ما وقفتُ عليه من الأصول، أي: أُطلق الجبَّار (فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) شكَّ (٢) الراوي، وفي نسخةٍ: «وفي الثَّالثة» بإسقاط الألف من غير شكٍّ (فَقَالَ) الجبَّار عقب إطلاقه في المرَّة الثَّانية أو الثَّالثة لجماعته: (وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ (٣) إِلَّا شَيْطَانًا) أي (٤): متمرِّدًا من الجنِّ، وكانوا قبل الإسلام يعظِّمون أمر الجنِّ جدًّا، ويَرَون كلَّ ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرُّفهم، وهذا يناسب ما وقع له من الخنق الشَّبيه بالصَّرَع (اِرْجِعُوهَا) بكسر الهمزة، أي: ردُّوها (إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ ورجع يأتي لازمًا ومتعدِّيًا، يقال: رجع زيدٌ رجوعًا، ورجعته أنا رَجْعًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ﴾ (٥) [التوبة: ٨٣] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (وَأَعْطُوهَا) بهمزة قطعٍ فِعْل أمرٍ، أي: أعطوا سارة (آجَرَ) بهمزةٍ ممدودةٍ بدل الهاء وجيمٍ مفتوحةٍ فراءٍ، وكان أبو آجر (٦) من ملوك القبط من حَفْن -بفتح الحاء المهملة وسكون القاف (٧) - قريةٍ بمصر (فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ زاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨] فأتته -أي: إبراهيم- وهو قائمٌ يصلِّي، فأومأ بيده: مَهْيم؟ أي: ما الخبر؟ (فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ) أي: أعلمت (أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ) بفتح الكاف