«وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٥٨

الحديث رقم ٢٢٥٨ من كتاب «كتاب الشفعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن…

«وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ:

⦗٨٨⦘

وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةًٍ، أَوْ مُقَطَّعَةًٍ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ.»

سند حديث: ٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ…

٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن…

كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه.
فزنا عتبة بن أبي وقاص في الجاهلية بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه سعد بأن يلحق هذا الغلام بنسبه.
فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه.
فاختصم عليه هو وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه.
فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي.
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة.
ولكن قضى به لزمعه لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، وقال: الولد منسوب للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد.
ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع صلى الله عليه وسلم أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش.فالحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم.
  • أن الزوجة تكون فراشاً بعقد النكاح والدخول المحقق، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك.
  • أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.
  • أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش.
  • أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع لما رأى الشبه قوياً بينه وبين عتبة بن أبي وقاص.
  • تنفيذ الأحكام اللازمة، والعمل بالحيطة في مسائل الاشتباه وأمهات المؤمنين لهن شأن في وجوب الحفاظ على حرمتهن، وبعدهن عن أسباب الرِّيب وعن كل ما قد يتنزه عنه؛ لأنهن خير النساء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سِوَى ذَلِكَ شُذُوذٌ مِمَّنْ رَوَاهُ. وَيُقَوِّي طَرِيقَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ.

الثَّانِي: حَكَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ. . . إِلَخْ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ نَقَلَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَجَّحَ رَفْعَهَا.

٢ - بَاب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا سَعْدُ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ. وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ.

[الحديث ٢٢٥٨ - أطرافه في: ٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ) أَيْ: هَلْ تَبْطُلُ بِذَلِكَ شُفْعَتُهُ أَمْ لَا؟ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أُذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) أَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: إِذَا أَذِنَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا بِنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ وَالشَّرِيدُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ طَوِيلٍ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ، وَوَلَدُهُ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيْ) في رِوَايَةُ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةُ مُخَالِفَةٌ ل هَذَا يَأْتِي بَيَانُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ) أَيِ: الْكَائِنَيْنِ فِي دَارِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمِسْوَرُ: وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا) بَيَّنَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَأَلَ الْمِسْوَرَ أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةِ آلَافٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ إِذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ.

قَوْلُهُ: (مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ مُؤَجَّلَةً عَلَى أَقْسَاطٍ مَعْلُومَةٍ.

قَوْلُهُ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في كلام أحدٍ من أصحابنا، وهذا الخبر لا محيد عنه وقد صحَّ، وقد قال الشَّافعيُّ: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط. انتهى.

٢٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقدٍ الحنظليُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين وسكون الميم، و «الشَّريد» بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء المُخفَّفة آخره دالٌ مهملةٌ، ابن سُويدٍ التَّابعيِّ الثِّقة، وأبوه صحابيٌّ، أنَّه (قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر ميم «مِسْورٍ» وسكون السِّين، وفتح ميمَي «مَخْرمَة» وسكون الخاء المعجمة بينهما (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ) بتأنيث «إحدى»، وأنكره بعضهم لأنَّ المنكب مُذكَّرٌ، وفي نسخة الميدوميِّ: «أحد» بالتَّذكير، وهو بخطِّ الحافظ الدِّمياطيِّ كذلك (إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ) أسلمُ القبطيُّ (مَوْلَى النَّبِيِّ ) وكان للعبَّاس فوهبه له ، فلمَّا بشَّر النَّبيَّ بإسلام العبَّاس أعتقه، و «إذ» للمفاجأة مضافةٌ للجملة، وجوابها قوله: (فَقَالَ) أبو رافعٍ: (يَا سَعْدُ ابْتَعْ) أي (١): اشترِ (مِنِّي بَيْتَيَّ) الكائنين (فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا) أي: ما أشتريهما (فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا) بفتح اللَّام المُؤكَّدة ونون التَّوكيد المُثقَّلة (٢)، ووقع في رواية سفيان [خ¦٦٩٧٧] أنَّ أبا رافعٍ سأل المِسْور أن يساعده على ذلك (فَقَالَ سَعْدٌ) لأبي رافعٍ: (وَاللهِ (٣) لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ أَوْ) قال: (مُقَطَّعَةٍ) وهما بمعنًى، أي: مُؤجَّلةٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي رواية سفيان الآتية -إن شاء الله تعالى-

في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٨]: أربع مئة مثقالٍ (قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ) بضمِّ همزة «أُعطيت» على صيغة المجهول (وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) بفتح السِّين المهملة والقاف وبعدها مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين صادًا: القرب والملاصقة، أو الشَّريك (مَا أَعْطَيْتُكَهَا) أي: البقعة الجامعة للبيتين (بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى) بضمِّ الهمزة وفتح الطَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإنَّما أعطى» (بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ) قال في «معالم السُّنن»: وقد احتجَّ بهذا من يرى الشُّفعة بالجوار، وأوَّله غيره على أنَّ المراد: أنَّ الجار أحقُّ بسقبه إذا كان شريكًا، فيكون معنى لحديثين على الوفاق دون الاختلاف، واسم الجار قد يقع على الشَّريك؛ لأنَّه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدَّار المشتركة بينهما، كالمرأة تُسمَّى جارةً لهذا المعنى، قال: ويحتمل أنَّه أراد: أحقُّ بالبرِّ والمعونة وما في معناهما، وكذا قال ابن بطَّالٍ وزاد: أنَّ قولهم المراد به: الشَّريك بناءً على أنَّ أبا رافعٍ كان شريك سعدٍ في البيتين، وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ ظاهر الحديث أنَّ أبا رافعٍ كان يملك بيتين من جملة دار سعدٍ، لا شقصًا شائعًا من منزل سعدٍ. انتهى. وإنَّما عدل عن الحقيقة في تفسير السَّقب إلى المجاز؛ لأنَّ لفظ «أحقُّ» في الحديث يقتضي شركةً في نفس الشُّفعة، والذي له حقُّ الشُّفعة الشَّريكُ والجار على مذهب القائل به، ولا ريبَ أنَّ الشَّريك أحقُّ من غيره، فكيف يُرجَّح الجار عليه مع ورود تلك النُّصوص الصَّحيحة، فيُحمَل الجار على الشَّريك جمعًا بين حديث جابرٍ [خ¦٢٢٥٧] المصرِّح باختصاص الشُّفعة بالشَّريك، وحديث أبي رافعٍ إذ هو (١) مصروف الظَّاهر اتِّفاقًا؛ لأنَّ الذين قالوا بشفعة الجوار قدَّموا الشَّريك مطلقًا، ثمَّ المشارك في الطَّريق، ثمَّ الجار على من ليس بمجاورٍ، ومن ثمَّ تعيَّن التَّأويل، وقال أبو سليمان، -أي: الخطَّابيُّ (٢) - بعد أن ساق حديث أبي داود: حدَّثنا عبد الله بن محمَّدٍ النُّفيليُّ قال: حدَّثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة: سمع عمرو

ابن الشَّريد: سمع أبا رافعٍ: سمع النَّبيَّ يقول: «الجارُّ أحقُّ بسقبه» تكلَّم بعضهم في إسناد هذا الحديث، واضطراب الرُّواة (١) فيه، فقال بعضهم: عن (٢) عمرو بن الشَّريد عن أبي رافعٍ: سمع النَّبيَّ (٣)، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافعٍ، وأرسله بعضهم، وقال فيه قتادة عن عمرو بن شُعَيبٍ عن الشَّريد، قال: والأحاديث التي جاءت في «أن لا شفعة إلَّا للشَّريك» أسانيدها جيادٌ، وليس في شيءٍ منها اضطرابٌ. انتهى (٤).

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٧] عن عليِّ بن عبد الله، عن سفيان (٥) بن عيينة، وعن محمَّد بن يوسف وأبي نُعيمٍ، كلاهما عن (٦) سفيان الثَّوريِّ [خ¦٦٩٧٨] [خ¦٦٩٨٠] وعن مُسدَّدٍ عن يحيى عن الثَّوريِّ [خ¦٦٩٨١]، وأخرجه أبو داود في «البيوع» عن العقيليِّ (٧) عن سفيان بن عيينة به (٨)، وعن محمود (٩) بن غيلان عن أبي نُعَيمٍ به، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام» من طريق ابن عيينة.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الجُِوَارِ أَقْرَبُ) بكسر الجيم وتُضمُّ، فيه إشعارٌ إلى أنَّ المؤلِّف يختار مذهب الكوفيِّين في استحقاق الشُّفعة بالجوار، لكنَّه لم يترجم له، وإنَّما ذكر الحديث في التَّرجمة الأولى، وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدلَّ بذلك على أنَّ الأقرب جوارًا أحقُّ من الأبعد، لكنَّه لم يصرِّح في التَّرجمة بأنَّ غرضه الشُّفعة، واستدلَّ التُّوربشتيُّ بإيراد البخاريِّ حديث [خ¦٢٢٥٨]: «الجار أحقُّ بسقبه» على تقوية شفعة الجار، وإبطال ما تأوَّله

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢ - (بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ على صاحِبِهَا قِبلَ الْبَيْعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: إِن عرض الشَّرِيك فِيمَا يشفع فِيهِ الشُّفْعَة على من لَهُ الشُّفْعَة قبل صُدُور البيع: هَل يبطل الشُّفْعَة أم لَا؟ وَفِيه خلاف على مَا نذكرهُ.

وَقَالَ الحَكَمُ إذَا أذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فلَا شُفْعَةَ لَهُ

الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو عبد الله الْكُوفِي التَّابِعِيّ. قَوْله: (إِذا أذن لَهُ) أَي: إِذا أذن الشَّرِيك لصَاحبه فِي البيع قبل البيع سقط حَقه فِي الشُّفْعَة، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: (إِذا أذن المُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرى فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَرَوَاهُ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَشْعَث عَن الحكم: (إِذا أذن الشَّفِيع للْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاء فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَقَالَ ابْن التِّين: قَول الحكم بن عتيبة هَذَا قَالَ بِهِ سُفْيَان، وَخَالَفَهُمَا مَالك، وَقَالَ: لَا يلْزمه إِذْنه بذلك، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الْعرض مَنْدُوب إِلَيْهِ كَمَا فعل أَبُو رَافع على مَا يَأْتِي حَدِيثه عَن قريب وَفِي (التَّوْضِيح) : وَإِذا أذن لَهُ شَرِيكه فِي بيع نصِيبه ثمَّ رَجَعَ فطالبه بِالشُّفْعَة؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا شُفْعَة لَهُ، وَهَذَا قَول الْحسن وَالثَّوْري وَأبي عبيد وَطَائِفَة من أهل الحَدِيث، وَقَالَت طَائِفَة: إِن عرض عَلَيْهِ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة قبل البيع فَأبى أَن يَأْخُذ، ثمَّ بَاعَ فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بشفعه، فَذَلِك لَهُ، هَذَا قَول مَالك والكوفيين، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُشبه مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ مذْهبه، وَحكى أَيْضا عَن عُثْمَان البتي وَابْن أبي ليلى، وَاحْتج أَحْمد، فَقَالَ: لَا تجب لَهُ الشُّفْعَة حَتَّى يَقع البيع، فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك. وَقد احْتج بِمثلِهِ ابْن أبي ليلى، وَذكر الرَّافِعِيّ، قَالَ مَالك: إِذا بَاعَ المُشْتَرِي نصِيبه من أَجْنَبِي وشريكه حَاضر يعلم بَيْعه فَلهُ الْمُطَالبَة بِالشُّفْعَة مَتى شَاءَ، وَلَا تَنْقَطِع شفعته إلَاّ بِمُضِيِّ مُدَّة يعلم أَنه فِي مثلهَا تَارِك، وَاخْتلف فِي الْمدَّة، فَقيل: سنة، وَقيل: فَوْقهَا، وقييل: فَوق ثَلَاث، وَقيل: فَوق خمس، حَكَاهَا ابْن الْحَاجِب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا وَقع البيع فَعلم الشَّفِيع بِهِ، فَإِن أشهد فِي مَكَانَهُ أَنه على شفعته وَإِلَّا بِطَلَب شفعته، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: إلَاّ أَن يكون لَهُ عذر مَانع من طلبَهَا من حبس أَو غَيره فَهُوَ على شفعته.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ منْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وهْوَ شاهِدٌ لَا يُغَيِّرُها فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

الشّعبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير، قَالَ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الفداني عَن الشّعبِيّ: إِنَّه قَالَ: أدْركْت خَمْسمِائَة من أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَتَعْلِيق الشّعبِيّ وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع حَدثنَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ يَقُول بِهِ. وَفِيه: لَا ينكرها، بدل: لَا يغيرها.

٨٥٢٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي إبْرَاهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ عنْ عَمْرٍ وبنِ الشَّرِيدِ قَالَ وقَفْتُ علَى سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ فَجاءَ المِسْوَرُ بنُ مَحْرَمَةَ فوَضَعَ يَدَهُ عَلى إحْدَى مَنْكِبَيَّ إذْ جاءَ أبُو رَافِعٍ مَوْلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ فَقَالَ سعْدٌ وَالله مَا أبْتَاعُهُمَا فَقَالَ المِسْوَرُ وَالله لتَبْتَاعَنَّهُما فَقَالَ سَعْدٌ وَالله لَا أزِيدُكَ عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ. قَالَ أبُو رَافِعٍ لَقَدْ أعْطَيْتُ بِها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ ولَوْلَا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أعْطَيْتُكَها بأرْبَعَةِ آلافٍ وَأَنا أَعْطَى بِها خَمْسَمائَةِ دِينَارٍ فأعْطَاها إيَّاهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ابتع مني بَيْتِي الَّذِي فِي دَارك) فَفِي ذَلِك عرض الشَّرِيك بِالْبيعِ شَرِيكه لأجل شفعته قبل صُدُور البيع.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد أَبُو السكن الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي.

الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة وَقد مر فِي: بَاب الدّهن للْجُمُعَة. الرَّابِع: عَمْرو بن الشريد، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: أَبُو الْوَلِيد، قَالَ الْعجلِيّ: حجازي تَابِعِيّ ثِقَة. وَأَبوهُ الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ صَحَابِيّ شهد الْحُدَيْبِيَة. الْخَامِس: سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا، تقدم فِي آخر كتاب الْوضُوء. السَّابِع: أَبُو رَافع، واسْمه أسلم، بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل: القبطي، كَانَ للْعَبَّاس فوهبه لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا بشر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْلَام الْعَبَّاس أعْتقهُ، مَاتَ فِي أول خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، واحدهم صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ، وَهُوَ الْمسور بن مخرمَة، فَإِن مخرمَة: من مسلمة الْفَتْح، وَمن الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَشهد حنينا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن عَم سعد بن أبي وَقاص. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي، كَمَا ذكرنَا، وَأَن ابْن جريج وَإِبْرَاهِيم مكيان وَعَمْرو بن شريد طائفي وَهُوَ من أوساط التَّابِعين وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث وَفِيه: إِبْرَاهِيم عَن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان على مَا يَأْتِي فِي ترك الْحِيَل عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة سَمِعت عَمْرو بن الشريد.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأبي نعيم: كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الثَّوْريّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن النُّفَيْلِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي نعيم بيه، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَعلي بن مُحَمَّد وَعبد الله بن الْجراح، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِحْدَى مَنْكِبي) ذكره ابْن التِّين هَكَذَا بِلَفْظ إِحْدَى، وَأنْكرهُ بَعضهم، وَقَالَ: الْمنْكب مُذَكّر، وبخط الْحَافِظ الدمياطي: أحد مَنْكِبي. قَوْله: (إِذْ جَاءَ) كلمة: إِذْ، للمفاجأة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وجوابها قَوْله: فَقَالَ: يَا سعد. قَوْله: (إبتعْ مني) أَي: إشترِ مني. قَوْله: (بَيْتِي فِي دَارك) أَي: بَيْتِي الكائنين فِي دَارك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَيْتِي، بِلَفْظ الْمُفْرد والتثنية، وَلِهَذَا جَاءَت الضمائر الَّتِي بعده مثنى ومفردا مؤنثا بِتَأْوِيل الْبَيْت بالبقعة. قَوْله: (مَا ابتاعهما) ، أَي: مَا اشتريهما. قَوْله: (لتبتاعنهما) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَكَذَلِكَ نون التَّأْكِيد، إِمَّا مُخَفّفَة وَإِمَّا مثقلة. قَوْله: (منجمة) ، أَي: موظفة، والنجم: الْوَقْت الْمَضْرُوب. قَوْله: (أَو مقطعَة) ، شكّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد: مُؤَجّلَة يُعْطي شَيْئا فَشَيْئًا. قَوْله: (أَرْبَعَة آلَاف) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ فِي ترك الْحِيَل: أَرْبَعمِائَة مِثْقَال، وَهُوَ يدل على أَن المثقال إِذْ ذَاك عشرَة دَرَاهِم. قَوْله: (لقد أَعْطَيْت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا أعطي بهَا) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار، وأوله الْخصم على أَن المُرَاد بِهِ الشَّرِيك بِنَاء على أَن أَبَا رَافع كَانَ شريك سعد فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلذَلِك دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاء مِنْهُ، ورد هَذَا بِأَن ظَاهر الحَدِيث أَن أَبَا رَافع كَانَ يملك بَيْتَيْنِ من جملَة دَار سعد لَا شِقْصا شَائِعا من دَار سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر عمر بن شبة أَن سَعْدا كَانَ اتخذ دارين بالبلاط مُتَقَابلين بَينهمَا عشرَة أَذْرع، وَكَانَت الَّتِي عَن يَمِين الْمَسْجِد مِنْهُمَا لأبي رَافع، فاشتراها سعد مِنْهُ، ثمَّ سَاق حَدِيث الْبَاب، فَاقْتضى كَلَامه أَن سَعْدا كَانَ جارا لأبي رَافع قبل أَن يَشْتَرِي مِنْهُ دَاره لَا شَرِيكا. وَقيل: الْجَار، لما احْتمل مَعَاني كَثِيرَة: مِنْهَا: أَن كل من قَارب بدنه بدن صَاحبه قيل لَهُ جَار فِي لِسَان الْعَرَب. وَمِنْهَا: يُقَال لامْرَأَة الرجل جارته لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالزَّوْجِيَّةِ. وَمِنْهَا: أَنه يُسمى الشَّرِيك جارا لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالشّركَةِ وَغير ذَلِك من الْمعَانِي، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون لفظ الْحَار فِي الحَدِيث مُجملا. وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِذا وَقعت الْحَد فَلَا شُفْعَة) كَانَ مُفَسرًا فَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالمجمل. قلت: دَعْوَى الْإِجْمَال هُنَا دَعْوَى فَاسِدَة لعدم الدَّلِيل على ذَلِك، وَفِي (مُصَنف) عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن شُرَيْح: الخليط أَحَق من غَيره. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شبة: عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: الشَّرِيك أَحَق بِالشُّفْعَة، فَإِن لم يكن شريك فالجار، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الشَّرِيك غير الْجَار، فَإِن المُرَاد بالجار هُوَ صَاحب

الدَّار الملاصقة بدار غَيره. وَفِيه: ثُبُوت الشُّفْعَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة حَاضرا أَو غَائِبا، وَسَوَاء كَانَ بدويا أَو قرويا، مُسلما أَو ذِمِّيا، صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو مَجْنُونا إِذا أَفَاق. وَقَالَ قوم من السّلف: لَا شُفْعَة لمن لم يسكن فِي الْمصر وَلَا للذِّمِّيّ، قَالَه الشّعبِيّ والْحَارث العكلي والبتي، وَزَاد الشّعبِيّ: وَلَا لغَائِب، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَلَا شُفْعَة لصغير، وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا تبَاع الشُّفْعَة وَلَا توهب وَلَا تعار، هِيَ لصَاحِبهَا الَّذِي وَقعت لَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم فِيمَا نَقله الْأَثْرَم: لَا تورث، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْحسن بن حَيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تورث. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الشُّفْعَة تبطل بِمَوْت الشَّفِيع قبل الْأَخْذ بعد الطّلب أَو قبله، فَلَا تورث عَنهُ وَلَا تبطل بِمَوْت المُشْتَرِي لوُجُود الْمُسْتَحق. وَفِيه: مَا يدل على مَكَارِم الْأَخْلَاق لِأَن أَبَا رَافع بَاعَ من سعد بِأَقَلّ مِمَّا أعطَاهُ غَيره، فَهُوَ من بَاب الْإِحْسَان وَالْكَرم، وَإِذا اخْتلف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنكر، وَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الشَّفِيع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: الْبَيِّنَة بَيِّنَة المُشْتَرِي، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: تهاترتا وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وعنهما: يقرع، وَعند مَالك: يحكم للأعدل وإلَاّ فباليمين.

٣ - (بابٌ أيُّ الجِوَارِ أقْرَبُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي الْجوَار أقرب إِذا كَانَ ثمَّة جيران، وَقد ذكرنَا أَن الْجَار الَّذِي يسْتَحق الشُّفْعَة هُوَ الْجَار الملاصق، وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ، والجوار بِضَم الْجِيم وَكسرهَا.

٩٥٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا شبَابَةُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أيِّهِما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقرَبِهِما منْكِ بَابا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح أَي الْجوَار أقرب.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: حجاج هُوَ ابْن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي، وَلَيْسَ هُوَ حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد روى عَن شُعْبَة، لِأَن البُخَارِيّ سمع من حجاج ابْن منهال وَلم يسمع من حجاج بن مُحَمَّد، وَلَكِن روى لَهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَليّ بن عبد الله، كَذَا وَقع فِي النِّسْبَة فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع غير مَنْسُوب حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عَليّ فَقَط، وَعَن هَذَا اخْتلفُوا فِيهِ من هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ عَليّ بن سَلمَة اللبقي، بِفَتْح اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف: النييسابوري، وَبِه جزم الكلاباذي، وَابْن طَاهِر، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن شبويه: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ الْأَظْهر، لِأَن فِي كثير من الْمَوَاضِع يُطلق البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن عَليّ، وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَلِأَن الْعَادة أَنه إِذا أطلق ينْصَرف إِلَى من يكون أشهر، وَلَا شكّ أَن ابْن الْمَدِينِيّ أشهر من اللبقي. الرَّابِع: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف البائين الموحدتين بَينهمَا ألف: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء. الْخَامِس: أَبُو عمرَان، واسْمه: عبد الْملك بن حبيب ضد الْعَدو الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: طَلْحَة بن عبد الله، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ طَلْحَة ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْمزي، لِأَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: طَلْحَة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرّة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: عَن شُعْبَة عَن طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله: عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن طَلْحَة، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن الْأَشْعَث: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: عَن طَلْحَة، رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ يحيى بن يُونُس عَن شُعْبَة: أَخْبرنِي أَبُو عمرَان أَنه سمع طَلْحَة عَن عَائِشَة، قَالَ شُعْبَة: وَأَظنهُ سَمعه من عَائِشَة وَلم يقل سمعته مِنْهَا. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي

موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي وَعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني، وَأَن أَبَا عمرَان بَصرِي. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لطلْحَة بن عبد الله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده لم يُخرجهُ مُسلم، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حجاج، وَفِي الْهِبَة عَن ابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهدي) ، بِضَم الْهمزَة من الإهداء، وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا الحَدِيث دَال على أَن اسْم الْجَار يَقع على غير الملاصق، لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ جَار ملاصق وبابه من سكَّة غير سكته، وَله جَار بَينه وَبَين بَابه قدر ذراعين وَلَيْسَ بملاصق، وَهُوَ أدناهما بَابا. وَقد خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، فَقَالَ: إِن الْجَار الملاصق إِذا ترك الشُّفْعَة وطلبها الَّذِي يَلِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حد وَلَا طَرِيق فَلَا شُفْعَة لَهُ، وعوام الْعلمَاء يَقُولُونَ: إِذا أوصى رجل لجيرانه أعْطى اللزيق وَغَيره إلَاّ أَبَا حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعْطى إلَاّ اللزيق وَحده. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَ: خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، خرج عَن ظَاهر الْأَدَب، وَلَا ينْقل عَن إِمَام مثل أبي حنيفَة شَيْء مِمَّا قَالَه إلَاّ بمراعاة الْأَدَب، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ شَيْئا من بعده لَا يُسَاوِي مِقْدَاره وَلَا يدانيه لَا فِي الدّين وَلَا فِي الْعلم، وَأَبُو حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء إلَاّ بعد أَن يُحَقّق مدركه والسر فِيهِ، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل، وَلَا يدْرِي هَذَا إلَاّ من يقف على مداركها، والسر فِي وجوب الشُّفْعَة دفع الْأَذَى من الْخَارِج، وَلِهَذَا قدم الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ من بعده الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَلَا يحصل الضَّرَر فِي منع الشُّفْعَة إلَاّ للْجَار الملاصق لاتصال الجدران، وَوضع الأخشاب بَينه وَبَين صَاحب الْملك، وَلَا مُنَاسبَة بَين الْجَار الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة وَبَين الْجَار الَّذِي أوصى إِلَيْهِ بشء، لِأَن أَمر الشُّفْعَة مَبْنِيّ على الْقَهْر، بِخِلَاف الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّة لجيرانه الملاصقين لأَنهم الْجِيرَان تَسْمِيَة وَعرفا، وَفِي مَذْهَب عوام الْعلمَاء عسر عَظِيم، بل لَا يحصل فِيهِ فَائِدَة على قَول من يَقُول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَفِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد: عَن ابْن شهَاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَرْبَعُونَ دَارا جَار. قَالَ يُونُس: قلت لِابْنِ شهَاب: وَكَيف أَرْبَعُونَ دَارا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَخَلفه وَبَين يَدَيْهِ. وَعَن الْحسن أَرْبَعُونَ من هُنَا وَأَرْبَعُونَ من جوانبها الْأَرْبَع أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ، وَلَو فَرضنَا أَن شخصا من أهل مصر أوصى بِثلث مَاله لجيرانه، فَخرج ثلث مَاله عشرَة دَرَاهِم مثلا، فعلى قَول الْحسن يعْطى هَذِه الْعشْرَة لمِائَة وَعشْرين نفسا، فَيحصل لكل وَاحِد مَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَأما على قَول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، فَحكمه حكم الْعَدَم، فَلَا يحصل مَقْصُود الْمُوصي وَلَا مَقْصُود الْمُوصى لَهُم. فَإِذا قُلْنَا: الْجِيرَان هم الملاصقون لَا يفوت شَيْء من ذَلِك وَيحصل مَقْصُود الْمُوصي من ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لمن أوجب الشُّفْعَة بالجوار، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلت عَمَّن تبدأ بِهِ من جِيرَانهَا بالهدية، فَأَخْبرهَا بِأَن من قرب أولى من غَيره. انْتهى. قلت: إِنَّمَا كَانَ مُرَاد ابْن بطال من هَذَا الْكَلَام التسميع للحنفية فهم مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَئِن سلمنَا أَنهم احْتَجُّوا بِهِ فَلهم ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَى أَن الْأَقْرَب أولى، فالجار الملاصق أقرب من غَيره فَيكون أَحَق من غَيره، وَلَا سِيمَا بِأَنَّهُ بَاب الْإِكْرَام وَبَاب الإهداء على التعهد والتفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (قَالَ إِلَى أقربهما مِنْك بَابا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِلَى أقرب الجارين من حَيْثُ الْبَاب، وَهنا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل بِوَجْهَيْنِ، مَعَ أَنه لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْإِضَافَة. وَأما كلمة: من، فَهِيَ من صلَة الْقرب، كَمَا يُقَال: قرب من كَذَا.

وَفِيه: افتقاد الْجِيرَان بإرسال شَيْء إِلَيْهِم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَفِيهِمْ أَغْنِيَاء، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن أحدكُم بِبَيْت شبعان وجاره طاوٍ) وَقد أوصى الله تَعَالَى بالجار. فَقَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سِوَى ذَلِكَ شُذُوذٌ مِمَّنْ رَوَاهُ. وَيُقَوِّي طَرِيقَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ.

الثَّانِي: حَكَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ. . . إِلَخْ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ نَقَلَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَجَّحَ رَفْعَهَا.

٢ - بَاب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا سَعْدُ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ. وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ.

[الحديث ٢٢٥٨ - أطرافه في: ٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ) أَيْ: هَلْ تَبْطُلُ بِذَلِكَ شُفْعَتُهُ أَمْ لَا؟ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أُذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) أَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: إِذَا أَذِنَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا بِنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ وَالشَّرِيدُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَزْنُ طَوِيلٍ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ، وَوَلَدُهُ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَوَهَمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمِنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيْ) في رِوَايَةُ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةُ مُخَالِفَةٌ ل هَذَا يَأْتِي بَيَانُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ) أَيِ: الْكَائِنَيْنِ فِي دَارِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمِسْوَرُ: وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا) بَيَّنَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَأَلَ الْمِسْوَرَ أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةِ آلَافٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ أَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ إِذْ ذَاكَ كَانَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ.

قَوْلُهُ: (مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ مُؤَجَّلَةً عَلَى أَقْسَاطٍ مَعْلُومَةٍ.

قَوْلُهُ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في كلام أحدٍ من أصحابنا، وهذا الخبر لا محيد عنه وقد صحَّ، وقد قال الشَّافعيُّ: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط. انتهى.

٢٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقدٍ الحنظليُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين وسكون الميم، و «الشَّريد» بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء المُخفَّفة آخره دالٌ مهملةٌ، ابن سُويدٍ التَّابعيِّ الثِّقة، وأبوه صحابيٌّ، أنَّه (قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر ميم «مِسْورٍ» وسكون السِّين، وفتح ميمَي «مَخْرمَة» وسكون الخاء المعجمة بينهما (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ) بتأنيث «إحدى»، وأنكره بعضهم لأنَّ المنكب مُذكَّرٌ، وفي نسخة الميدوميِّ: «أحد» بالتَّذكير، وهو بخطِّ الحافظ الدِّمياطيِّ كذلك (إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ) أسلمُ القبطيُّ (مَوْلَى النَّبِيِّ ) وكان للعبَّاس فوهبه له ، فلمَّا بشَّر النَّبيَّ بإسلام العبَّاس أعتقه، و «إذ» للمفاجأة مضافةٌ للجملة، وجوابها قوله: (فَقَالَ) أبو رافعٍ: (يَا سَعْدُ ابْتَعْ) أي (١): اشترِ (مِنِّي بَيْتَيَّ) الكائنين (فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا) أي: ما أشتريهما (فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا) بفتح اللَّام المُؤكَّدة ونون التَّوكيد المُثقَّلة (٢)، ووقع في رواية سفيان [خ¦٦٩٧٧] أنَّ أبا رافعٍ سأل المِسْور أن يساعده على ذلك (فَقَالَ سَعْدٌ) لأبي رافعٍ: (وَاللهِ (٣) لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ أَوْ) قال: (مُقَطَّعَةٍ) وهما بمعنًى، أي: مُؤجَّلةٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي رواية سفيان الآتية -إن شاء الله تعالى-

في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٨]: أربع مئة مثقالٍ (قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ) بضمِّ همزة «أُعطيت» على صيغة المجهول (وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) بفتح السِّين المهملة والقاف وبعدها مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين صادًا: القرب والملاصقة، أو الشَّريك (مَا أَعْطَيْتُكَهَا) أي: البقعة الجامعة للبيتين (بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى) بضمِّ الهمزة وفتح الطَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإنَّما أعطى» (بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ) قال في «معالم السُّنن»: وقد احتجَّ بهذا من يرى الشُّفعة بالجوار، وأوَّله غيره على أنَّ المراد: أنَّ الجار أحقُّ بسقبه إذا كان شريكًا، فيكون معنى لحديثين على الوفاق دون الاختلاف، واسم الجار قد يقع على الشَّريك؛ لأنَّه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدَّار المشتركة بينهما، كالمرأة تُسمَّى جارةً لهذا المعنى، قال: ويحتمل أنَّه أراد: أحقُّ بالبرِّ والمعونة وما في معناهما، وكذا قال ابن بطَّالٍ وزاد: أنَّ قولهم المراد به: الشَّريك بناءً على أنَّ أبا رافعٍ كان شريك سعدٍ في البيتين، وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ ظاهر الحديث أنَّ أبا رافعٍ كان يملك بيتين من جملة دار سعدٍ، لا شقصًا شائعًا من منزل سعدٍ. انتهى. وإنَّما عدل عن الحقيقة في تفسير السَّقب إلى المجاز؛ لأنَّ لفظ «أحقُّ» في الحديث يقتضي شركةً في نفس الشُّفعة، والذي له حقُّ الشُّفعة الشَّريكُ والجار على مذهب القائل به، ولا ريبَ أنَّ الشَّريك أحقُّ من غيره، فكيف يُرجَّح الجار عليه مع ورود تلك النُّصوص الصَّحيحة، فيُحمَل الجار على الشَّريك جمعًا بين حديث جابرٍ [خ¦٢٢٥٧] المصرِّح باختصاص الشُّفعة بالشَّريك، وحديث أبي رافعٍ إذ هو (١) مصروف الظَّاهر اتِّفاقًا؛ لأنَّ الذين قالوا بشفعة الجوار قدَّموا الشَّريك مطلقًا، ثمَّ المشارك في الطَّريق، ثمَّ الجار على من ليس بمجاورٍ، ومن ثمَّ تعيَّن التَّأويل، وقال أبو سليمان، -أي: الخطَّابيُّ (٢) - بعد أن ساق حديث أبي داود: حدَّثنا عبد الله بن محمَّدٍ النُّفيليُّ قال: حدَّثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة: سمع عمرو

ابن الشَّريد: سمع أبا رافعٍ: سمع النَّبيَّ يقول: «الجارُّ أحقُّ بسقبه» تكلَّم بعضهم في إسناد هذا الحديث، واضطراب الرُّواة (١) فيه، فقال بعضهم: عن (٢) عمرو بن الشَّريد عن أبي رافعٍ: سمع النَّبيَّ (٣)، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافعٍ، وأرسله بعضهم، وقال فيه قتادة عن عمرو بن شُعَيبٍ عن الشَّريد، قال: والأحاديث التي جاءت في «أن لا شفعة إلَّا للشَّريك» أسانيدها جيادٌ، وليس في شيءٍ منها اضطرابٌ. انتهى (٤).

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٧٧] عن عليِّ بن عبد الله، عن سفيان (٥) بن عيينة، وعن محمَّد بن يوسف وأبي نُعيمٍ، كلاهما عن (٦) سفيان الثَّوريِّ [خ¦٦٩٧٨] [خ¦٦٩٨٠] وعن مُسدَّدٍ عن يحيى عن الثَّوريِّ [خ¦٦٩٨١]، وأخرجه أبو داود في «البيوع» عن العقيليِّ (٧) عن سفيان بن عيينة به (٨)، وعن محمود (٩) بن غيلان عن أبي نُعَيمٍ به، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام» من طريق ابن عيينة.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الجُِوَارِ أَقْرَبُ) بكسر الجيم وتُضمُّ، فيه إشعارٌ إلى أنَّ المؤلِّف يختار مذهب الكوفيِّين في استحقاق الشُّفعة بالجوار، لكنَّه لم يترجم له، وإنَّما ذكر الحديث في التَّرجمة الأولى، وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدلَّ بذلك على أنَّ الأقرب جوارًا أحقُّ من الأبعد، لكنَّه لم يصرِّح في التَّرجمة بأنَّ غرضه الشُّفعة، واستدلَّ التُّوربشتيُّ بإيراد البخاريِّ حديث [خ¦٢٢٥٨]: «الجار أحقُّ بسقبه» على تقوية شفعة الجار، وإبطال ما تأوَّله

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢ - (بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ على صاحِبِهَا قِبلَ الْبَيْعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: إِن عرض الشَّرِيك فِيمَا يشفع فِيهِ الشُّفْعَة على من لَهُ الشُّفْعَة قبل صُدُور البيع: هَل يبطل الشُّفْعَة أم لَا؟ وَفِيه خلاف على مَا نذكرهُ.

وَقَالَ الحَكَمُ إذَا أذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فلَا شُفْعَةَ لَهُ

الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن عتيبة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو عبد الله الْكُوفِي التَّابِعِيّ. قَوْله: (إِذا أذن لَهُ) أَي: إِذا أذن الشَّرِيك لصَاحبه فِي البيع قبل البيع سقط حَقه فِي الشُّفْعَة، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ: (إِذا أذن المُشْتَرِي فِي الْمُشْتَرى فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَرَوَاهُ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَشْعَث عَن الحكم: (إِذا أذن الشَّفِيع للْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاء فَلَا شُفْعَة لَهُ) . وَقَالَ ابْن التِّين: قَول الحكم بن عتيبة هَذَا قَالَ بِهِ سُفْيَان، وَخَالَفَهُمَا مَالك، وَقَالَ: لَا يلْزمه إِذْنه بذلك، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الْعرض مَنْدُوب إِلَيْهِ كَمَا فعل أَبُو رَافع على مَا يَأْتِي حَدِيثه عَن قريب وَفِي (التَّوْضِيح) : وَإِذا أذن لَهُ شَرِيكه فِي بيع نصِيبه ثمَّ رَجَعَ فطالبه بِالشُّفْعَة؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا شُفْعَة لَهُ، وَهَذَا قَول الْحسن وَالثَّوْري وَأبي عبيد وَطَائِفَة من أهل الحَدِيث، وَقَالَت طَائِفَة: إِن عرض عَلَيْهِ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة قبل البيع فَأبى أَن يَأْخُذ، ثمَّ بَاعَ فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بشفعه، فَذَلِك لَهُ، هَذَا قَول مَالك والكوفيين، وَرِوَايَة عَن أَحْمد. وَقَالَ ابْن بطال: وَيُشبه مَذْهَب الشَّافِعِي. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهُوَ مذْهبه، وَحكى أَيْضا عَن عُثْمَان البتي وَابْن أبي ليلى، وَاحْتج أَحْمد، فَقَالَ: لَا تجب لَهُ الشُّفْعَة حَتَّى يَقع البيع، فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك. وَقد احْتج بِمثلِهِ ابْن أبي ليلى، وَذكر الرَّافِعِيّ، قَالَ مَالك: إِذا بَاعَ المُشْتَرِي نصِيبه من أَجْنَبِي وشريكه حَاضر يعلم بَيْعه فَلهُ الْمُطَالبَة بِالشُّفْعَة مَتى شَاءَ، وَلَا تَنْقَطِع شفعته إلَاّ بِمُضِيِّ مُدَّة يعلم أَنه فِي مثلهَا تَارِك، وَاخْتلف فِي الْمدَّة، فَقيل: سنة، وَقيل: فَوْقهَا، وقييل: فَوق ثَلَاث، وَقيل: فَوق خمس، حَكَاهَا ابْن الْحَاجِب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا وَقع البيع فَعلم الشَّفِيع بِهِ، فَإِن أشهد فِي مَكَانَهُ أَنه على شفعته وَإِلَّا بِطَلَب شفعته، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي: إلَاّ أَن يكون لَهُ عذر مَانع من طلبَهَا من حبس أَو غَيره فَهُوَ على شفعته.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ منْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وهْوَ شاهِدٌ لَا يُغَيِّرُها فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

الشّعبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير، قَالَ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الفداني عَن الشّعبِيّ: إِنَّه قَالَ: أدْركْت خَمْسمِائَة من أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَتَعْلِيق الشّعبِيّ وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع حَدثنَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ يَقُول بِهِ. وَفِيه: لَا ينكرها، بدل: لَا يغيرها.

٨٥٢٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي إبْرَاهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ عنْ عَمْرٍ وبنِ الشَّرِيدِ قَالَ وقَفْتُ علَى سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ فَجاءَ المِسْوَرُ بنُ مَحْرَمَةَ فوَضَعَ يَدَهُ عَلى إحْدَى مَنْكِبَيَّ إذْ جاءَ أبُو رَافِعٍ مَوْلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتِي فِي دَارِكَ فَقَالَ سعْدٌ وَالله مَا أبْتَاعُهُمَا فَقَالَ المِسْوَرُ وَالله لتَبْتَاعَنَّهُما فَقَالَ سَعْدٌ وَالله لَا أزِيدُكَ عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ. قَالَ أبُو رَافِعٍ لَقَدْ أعْطَيْتُ بِها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ ولَوْلَا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقولُ الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أعْطَيْتُكَها بأرْبَعَةِ آلافٍ وَأَنا أَعْطَى بِها خَمْسَمائَةِ دِينَارٍ فأعْطَاها إيَّاهُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ابتع مني بَيْتِي الَّذِي فِي دَارك) فَفِي ذَلِك عرض الشَّرِيك بِالْبيعِ شَرِيكه لأجل شفعته قبل صُدُور البيع.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد أَبُو السكن الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي.

الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة وَقد مر فِي: بَاب الدّهن للْجُمُعَة. الرَّابِع: عَمْرو بن الشريد، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: أَبُو الْوَلِيد، قَالَ الْعجلِيّ: حجازي تَابِعِيّ ثِقَة. وَأَبوهُ الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ صَحَابِيّ شهد الْحُدَيْبِيَة. الْخَامِس: سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا، تقدم فِي آخر كتاب الْوضُوء. السَّابِع: أَبُو رَافع، واسْمه أسلم، بِلَفْظ أفعل التَّفْضِيل: القبطي، كَانَ للْعَبَّاس فوهبه لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا بشر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْلَام الْعَبَّاس أعْتقهُ، مَاتَ فِي أول خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَفِيه: ثَلَاثَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، واحدهم صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ، وَهُوَ الْمسور بن مخرمَة، فَإِن مخرمَة: من مسلمة الْفَتْح، وَمن الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَشهد حنينا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن عَم سعد بن أبي وَقاص. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي، كَمَا ذكرنَا، وَأَن ابْن جريج وَإِبْرَاهِيم مكيان وَعَمْرو بن شريد طائفي وَهُوَ من أوساط التَّابِعين وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث وَفِيه: إِبْرَاهِيم عَن عَمْرو، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان على مَا يَأْتِي فِي ترك الْحِيَل عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة سَمِعت عَمْرو بن الشريد.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأبي نعيم: كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الثَّوْريّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن النُّفَيْلِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي نعيم بيه، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة، وَعلي بن مُحَمَّد وَعبد الله بن الْجراح، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِحْدَى مَنْكِبي) ذكره ابْن التِّين هَكَذَا بِلَفْظ إِحْدَى، وَأنْكرهُ بَعضهم، وَقَالَ: الْمنْكب مُذَكّر، وبخط الْحَافِظ الدمياطي: أحد مَنْكِبي. قَوْله: (إِذْ جَاءَ) كلمة: إِذْ، للمفاجأة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وجوابها قَوْله: فَقَالَ: يَا سعد. قَوْله: (إبتعْ مني) أَي: إشترِ مني. قَوْله: (بَيْتِي فِي دَارك) أَي: بَيْتِي الكائنين فِي دَارك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَيْتِي، بِلَفْظ الْمُفْرد والتثنية، وَلِهَذَا جَاءَت الضمائر الَّتِي بعده مثنى ومفردا مؤنثا بِتَأْوِيل الْبَيْت بالبقعة. قَوْله: (مَا ابتاعهما) ، أَي: مَا اشتريهما. قَوْله: (لتبتاعنهما) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَكَذَلِكَ نون التَّأْكِيد، إِمَّا مُخَفّفَة وَإِمَّا مثقلة. قَوْله: (منجمة) ، أَي: موظفة، والنجم: الْوَقْت الْمَضْرُوب. قَوْله: (أَو مقطعَة) ، شكّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد: مُؤَجّلَة يُعْطي شَيْئا فَشَيْئًا. قَوْله: (أَرْبَعَة آلَاف) ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ فِي ترك الْحِيَل: أَرْبَعمِائَة مِثْقَال، وَهُوَ يدل على أَن المثقال إِذْ ذَاك عشرَة دَرَاهِم. قَوْله: (لقد أَعْطَيْت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا أعطي بهَا) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه على إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار، وأوله الْخصم على أَن المُرَاد بِهِ الشَّرِيك بِنَاء على أَن أَبَا رَافع كَانَ شريك سعد فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلذَلِك دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاء مِنْهُ، ورد هَذَا بِأَن ظَاهر الحَدِيث أَن أَبَا رَافع كَانَ يملك بَيْتَيْنِ من جملَة دَار سعد لَا شِقْصا شَائِعا من دَار سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكر عمر بن شبة أَن سَعْدا كَانَ اتخذ دارين بالبلاط مُتَقَابلين بَينهمَا عشرَة أَذْرع، وَكَانَت الَّتِي عَن يَمِين الْمَسْجِد مِنْهُمَا لأبي رَافع، فاشتراها سعد مِنْهُ، ثمَّ سَاق حَدِيث الْبَاب، فَاقْتضى كَلَامه أَن سَعْدا كَانَ جارا لأبي رَافع قبل أَن يَشْتَرِي مِنْهُ دَاره لَا شَرِيكا. وَقيل: الْجَار، لما احْتمل مَعَاني كَثِيرَة: مِنْهَا: أَن كل من قَارب بدنه بدن صَاحبه قيل لَهُ جَار فِي لِسَان الْعَرَب. وَمِنْهَا: يُقَال لامْرَأَة الرجل جارته لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالزَّوْجِيَّةِ. وَمِنْهَا: أَنه يُسمى الشَّرِيك جارا لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاط بِالشّركَةِ وَغير ذَلِك من الْمعَانِي، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون لفظ الْحَار فِي الحَدِيث مُجملا. وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِذا وَقعت الْحَد فَلَا شُفْعَة) كَانَ مُفَسرًا فَالْعَمَل بِهِ أولى من الْعَمَل بالمجمل. قلت: دَعْوَى الْإِجْمَال هُنَا دَعْوَى فَاسِدَة لعدم الدَّلِيل على ذَلِك، وَفِي (مُصَنف) عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن شُرَيْح: الخليط أَحَق من غَيره. وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شبة: عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: الشَّرِيك أَحَق بِالشُّفْعَة، فَإِن لم يكن شريك فالجار، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الشَّرِيك غير الْجَار، فَإِن المُرَاد بالجار هُوَ صَاحب

الدَّار الملاصقة بدار غَيره. وَفِيه: ثُبُوت الشُّفْعَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة حَاضرا أَو غَائِبا، وَسَوَاء كَانَ بدويا أَو قرويا، مُسلما أَو ذِمِّيا، صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو مَجْنُونا إِذا أَفَاق. وَقَالَ قوم من السّلف: لَا شُفْعَة لمن لم يسكن فِي الْمصر وَلَا للذِّمِّيّ، قَالَه الشّعبِيّ والْحَارث العكلي والبتي، وَزَاد الشّعبِيّ: وَلَا لغَائِب، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَلَا شُفْعَة لصغير، وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا تبَاع الشُّفْعَة وَلَا توهب وَلَا تعار، هِيَ لصَاحِبهَا الَّذِي وَقعت لَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم فِيمَا نَقله الْأَثْرَم: لَا تورث، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْحسن بن حَيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تورث. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الشُّفْعَة تبطل بِمَوْت الشَّفِيع قبل الْأَخْذ بعد الطّلب أَو قبله، فَلَا تورث عَنهُ وَلَا تبطل بِمَوْت المُشْتَرِي لوُجُود الْمُسْتَحق. وَفِيه: مَا يدل على مَكَارِم الْأَخْلَاق لِأَن أَبَا رَافع بَاعَ من سعد بِأَقَلّ مِمَّا أعطَاهُ غَيره، فَهُوَ من بَاب الْإِحْسَان وَالْكَرم، وَإِذا اخْتلف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنكر، وَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الشَّفِيع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: الْبَيِّنَة بَيِّنَة المُشْتَرِي، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: تهاترتا وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وعنهما: يقرع، وَعند مَالك: يحكم للأعدل وإلَاّ فباليمين.

٣ - (بابٌ أيُّ الجِوَارِ أقْرَبُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي الْجوَار أقرب إِذا كَانَ ثمَّة جيران، وَقد ذكرنَا أَن الْجَار الَّذِي يسْتَحق الشُّفْعَة هُوَ الْجَار الملاصق، وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ، والجوار بِضَم الْجِيم وَكسرهَا.

٩٥٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا شبَابَةُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أيِّهِما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقرَبِهِما منْكِ بَابا.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح أَي الْجوَار أقرب.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: حجاج هُوَ ابْن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي، وَلَيْسَ هُوَ حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد روى عَن شُعْبَة، لِأَن البُخَارِيّ سمع من حجاج ابْن منهال وَلم يسمع من حجاج بن مُحَمَّد، وَلَكِن روى لَهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَليّ بن عبد الله، كَذَا وَقع فِي النِّسْبَة فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع غير مَنْسُوب حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عَليّ فَقَط، وَعَن هَذَا اخْتلفُوا فِيهِ من هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ عَليّ بن سَلمَة اللبقي، بِفَتْح اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف: النييسابوري، وَبِه جزم الكلاباذي، وَابْن طَاهِر، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن شبويه: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ الْأَظْهر، لِأَن فِي كثير من الْمَوَاضِع يُطلق البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن عَليّ، وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَلِأَن الْعَادة أَنه إِذا أطلق ينْصَرف إِلَى من يكون أشهر، وَلَا شكّ أَن ابْن الْمَدِينِيّ أشهر من اللبقي. الرَّابِع: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف البائين الموحدتين بَينهمَا ألف: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء. الْخَامِس: أَبُو عمرَان، واسْمه: عبد الْملك بن حبيب ضد الْعَدو الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: طَلْحَة بن عبد الله، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ طَلْحَة ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْمزي، لِأَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: طَلْحَة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرّة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: عَن شُعْبَة عَن طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله: عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن طَلْحَة، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن الْأَشْعَث: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: عَن طَلْحَة، رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ يحيى بن يُونُس عَن شُعْبَة: أَخْبرنِي أَبُو عمرَان أَنه سمع طَلْحَة عَن عَائِشَة، قَالَ شُعْبَة: وَأَظنهُ سَمعه من عَائِشَة وَلم يقل سمعته مِنْهَا. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي

موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي وَعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني، وَأَن أَبَا عمرَان بَصرِي. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لطلْحَة بن عبد الله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.

وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده لم يُخرجهُ مُسلم، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حجاج، وَفِي الْهِبَة عَن ابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهدي) ، بِضَم الْهمزَة من الإهداء، وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا الحَدِيث دَال على أَن اسْم الْجَار يَقع على غير الملاصق، لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ جَار ملاصق وبابه من سكَّة غير سكته، وَله جَار بَينه وَبَين بَابه قدر ذراعين وَلَيْسَ بملاصق، وَهُوَ أدناهما بَابا. وَقد خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، فَقَالَ: إِن الْجَار الملاصق إِذا ترك الشُّفْعَة وطلبها الَّذِي يَلِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حد وَلَا طَرِيق فَلَا شُفْعَة لَهُ، وعوام الْعلمَاء يَقُولُونَ: إِذا أوصى رجل لجيرانه أعْطى اللزيق وَغَيره إلَاّ أَبَا حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعْطى إلَاّ اللزيق وَحده. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَ: خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، خرج عَن ظَاهر الْأَدَب، وَلَا ينْقل عَن إِمَام مثل أبي حنيفَة شَيْء مِمَّا قَالَه إلَاّ بمراعاة الْأَدَب، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ شَيْئا من بعده لَا يُسَاوِي مِقْدَاره وَلَا يدانيه لَا فِي الدّين وَلَا فِي الْعلم، وَأَبُو حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء إلَاّ بعد أَن يُحَقّق مدركه والسر فِيهِ، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل، وَلَا يدْرِي هَذَا إلَاّ من يقف على مداركها، والسر فِي وجوب الشُّفْعَة دفع الْأَذَى من الْخَارِج، وَلِهَذَا قدم الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ من بعده الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَلَا يحصل الضَّرَر فِي منع الشُّفْعَة إلَاّ للْجَار الملاصق لاتصال الجدران، وَوضع الأخشاب بَينه وَبَين صَاحب الْملك، وَلَا مُنَاسبَة بَين الْجَار الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة وَبَين الْجَار الَّذِي أوصى إِلَيْهِ بشء، لِأَن أَمر الشُّفْعَة مَبْنِيّ على الْقَهْر، بِخِلَاف الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّة لجيرانه الملاصقين لأَنهم الْجِيرَان تَسْمِيَة وَعرفا، وَفِي مَذْهَب عوام الْعلمَاء عسر عَظِيم، بل لَا يحصل فِيهِ فَائِدَة على قَول من يَقُول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَفِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد: عَن ابْن شهَاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَرْبَعُونَ دَارا جَار. قَالَ يُونُس: قلت لِابْنِ شهَاب: وَكَيف أَرْبَعُونَ دَارا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَخَلفه وَبَين يَدَيْهِ. وَعَن الْحسن أَرْبَعُونَ من هُنَا وَأَرْبَعُونَ من جوانبها الْأَرْبَع أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ، وَلَو فَرضنَا أَن شخصا من أهل مصر أوصى بِثلث مَاله لجيرانه، فَخرج ثلث مَاله عشرَة دَرَاهِم مثلا، فعلى قَول الْحسن يعْطى هَذِه الْعشْرَة لمِائَة وَعشْرين نفسا، فَيحصل لكل وَاحِد مَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَأما على قَول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، فَحكمه حكم الْعَدَم، فَلَا يحصل مَقْصُود الْمُوصي وَلَا مَقْصُود الْمُوصى لَهُم. فَإِذا قُلْنَا: الْجِيرَان هم الملاصقون لَا يفوت شَيْء من ذَلِك وَيحصل مَقْصُود الْمُوصي من ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لمن أوجب الشُّفْعَة بالجوار، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلت عَمَّن تبدأ بِهِ من جِيرَانهَا بالهدية، فَأَخْبرهَا بِأَن من قرب أولى من غَيره. انْتهى. قلت: إِنَّمَا كَانَ مُرَاد ابْن بطال من هَذَا الْكَلَام التسميع للحنفية فهم مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَئِن سلمنَا أَنهم احْتَجُّوا بِهِ فَلهم ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَى أَن الْأَقْرَب أولى، فالجار الملاصق أقرب من غَيره فَيكون أَحَق من غَيره، وَلَا سِيمَا بِأَنَّهُ بَاب الْإِكْرَام وَبَاب الإهداء على التعهد والتفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (قَالَ إِلَى أقربهما مِنْك بَابا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِلَى أقرب الجارين من حَيْثُ الْبَاب، وَهنا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل بِوَجْهَيْنِ، مَعَ أَنه لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْإِضَافَة. وَأما كلمة: من، فَهِيَ من صلَة الْقرب، كَمَا يُقَال: قرب من كَذَا.

وَفِيه: افتقاد الْجِيرَان بإرسال شَيْء إِلَيْهِم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَفِيهِمْ أَغْنِيَاء، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن أحدكُم بِبَيْت شبعان وجاره طاوٍ) وَقد أوصى الله تَعَالَى بالجار. فَقَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) .

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل