«جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨

الحديث رقم ٢٢٨ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الدم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٨ في صحيح البخاري

«جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي. قَالَ: وَقَالَ أَبِي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ».

بَابُ غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ

إسناد حديث رقم ٢٢٨ من صحيح البخاري

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

امْرَأَةٌ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

[الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الدَّمِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَفَاطِمَةُ هِيَ زَوْجَتُهُ بِنْتُ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ، وَأَسْمَاءُ هِيَ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اسْمَ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ) أَيْ يَصِلُ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الثَّوْبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ.

قَوْلُهُ: (تَحُتُّهُ) بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيْ تَحُكُّهُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) بِالْفَتْحِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ الضَّمُّ وَفَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ تُدَلِّكُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَنْضَحُهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلَهُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ ; لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ، بِخِلَافِ تَحُتُّهُ فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَّتْهُ بِظُفُرِهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، وَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَةُ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي بَابِ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ): تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِينِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ، فَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْفَرْعُ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي بَابِ غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قالت بريقها فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر لزادت النَّجاسة، وأُجيب بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته، أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل (١) دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يعني: ابن سلامٍ»، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ»، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد هو ابن سلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (٢) (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب،

وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١)، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل (٢) لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول (٣)، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من (٤) الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة (٥) لندور وقوعها، لا (٦) لأنَّ (٧) النَّبيَّ متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر

الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل، بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر (١) بها المرأة والحالة، أو (٢) الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي -إن شاء الله تعالى- ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية (٣): تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ، عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي (٤)) عروةُ ابنُ الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف «ذلكِ» مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٦]-إن شاء الله تعالى- وتفاصيل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

امْرَأَةٌ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

[الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الدَّمِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَفَاطِمَةُ هِيَ زَوْجَتُهُ بِنْتُ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ، وَأَسْمَاءُ هِيَ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اسْمَ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ) أَيْ يَصِلُ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الثَّوْبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ.

قَوْلُهُ: (تَحُتُّهُ) بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيْ تَحُكُّهُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) بِالْفَتْحِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ الضَّمُّ وَفَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ تُدَلِّكُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَنْضَحُهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلَهُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ ; لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ، بِخِلَافِ تَحُتُّهُ فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَّتْهُ بِظُفُرِهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، وَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَةُ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي بَابِ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ): تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِينِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ، فَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْفَرْعُ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي بَابِ غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قالت بريقها فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر لزادت النَّجاسة، وأُجيب بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته، أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل (١) دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يعني: ابن سلامٍ»، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ»، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد هو ابن سلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (٢) (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب،

وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١)، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل (٢) لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول (٣)، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من (٤) الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة (٥) لندور وقوعها، لا (٦) لأنَّ (٧) النَّبيَّ متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر

الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل، بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر (١) بها المرأة والحالة، أو (٢) الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي -إن شاء الله تعالى- ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية (٣): تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ، عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي (٤)) عروةُ ابنُ الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف «ذلكِ» مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٦]-إن شاء الله تعالى- وتفاصيل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله