الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2348
الحديث رقم 2348 من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا محمد بن سنان.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ: حَدَّثَنَا هِلَالٌ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحدث يومًا، وكان في المجلس رجلٌ من البدو يستمع لحديث رسول الله، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن رجلًا من أهل الجنة سأل الله تعالى أن يزرع في الجنة، فقال عز وجل: أولست كائنًا فيما شئت من التشهيات، فكل ما تريده وتشهيه لديك، فقال: بلى، الأمر كذلك، ولكن أحب الزرع، فأذن له بالزرع، فعند ذلك قام ورمى البذر على أرض الجنة فنبت في الحال واستوى، وأدرك حصاده ولما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد والتذرية والجمع إلا قدر لمحة البصر، فكان كل حبة مثل الجبل، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم أي خذه، فإنه لا يشبعك شيء. فقال الرجل الذي من أهل البادية: والله لا تجد هذا الذي سأل الزرع إلا قُرشيًّا، أي من قريش أو من الأنصار، لأنهم أصحاب زرع ويحبون الزرع، أما نحن أصحاب البادية والأعراب فلا نحب الزرع، ولسنا بأصحاب زرع، لأنهم يرتحلون ويحبون رعي البهائم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
[٢٠ - باب]
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ ح. وَحَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِن أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ.
[الحديث ٢٣٤٨ طرفه في: ٧٥١٩]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةِ وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَطَّالٍ لَفْظَ بَابٌ وكأن مُنَاسَبَتُهُ لَهُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُهُ أَنَّهُ نُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيمَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ ابْنُ آدَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اسْتِمْرَارَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَبَقَاءُ حِرْصِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى الزَّرْعِ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ كِرَاءِ الْأَرْضِ لَفَطَمَ نَفْسَهُ عَنِ الْحِرْصِ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَثْبُتَ هَذَا الْقَدْرُ فِي ذِهْنِهِ هَذَا الثُّبُوتَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُسَامَةَ، وَالْإِسْنَادُ الْعَالِي كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الْإِسْنَادِ الثَّانِي، وَسَاقَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ) أَيْ فِي أَنْ يُبَاشِرَ الزِّرَاعَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ أَوَلَسْتَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ.
قَوْلُهُ: (فَبَذَرَ) أَيْ أَلْقَى الْبَذْرَ فَنَبَتَ فِي الْحَالِ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأُذِنَ لَهُ فَبَذَرَ (فَبَادَرَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَأَسْرَعَ فَتَبَادَرَ.
قَوْلُهُ: (الطَّرْفَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ امْتِدَادُ لَحْظِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَقْصَى مَا يَرَاهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى حَرَكَةِ جَفْنِ الْعَيْنِ وَكَأَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِحْصَادُهُ) زَادَ فِي التَّوْحِيدِ: وَتَكْوِيرُهُ أَيْ جَمْعُهُ، وَأَصْلُ الْكُورِ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمَّا بَذَرَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ اسْتِوَاءِ الزَّرْعِ وَنَجَازِ أَمْرِهِ كُلِّهِ مِنَ الْقَلْعِ وَالْحَصْدِ وَالتَّذْرِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّكْوِيمِ إِلَّا قَدْرَ لَمْحَةِ الْبَصَرِ. وَقَوْلُهُ: (دُونَكَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ خُذْهُ.
قَوْلُهُ (لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ لَا يَسَعُكَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ مُتَّحِدُ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتُهِيَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مُمْكِنٌ فِيهَا قَالَهُ الْمُهَلَّبُ. وَفِيهِ وَصْفُ النَّاسِ بِغَالِبِ عَادَاتِهِمْ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَفِيهِ أَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الدُّنْيَا. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَذَمِّ الشَّره، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأَمْرِ الْمُحَقَّقِ الْآتِي بِلَفْظِ الْمَاضِي.
٢١ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا كُنَّا لنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عبد الله»، أي: البخاريُّ من ههنا (١): «قال اللَّيث: أُراه» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ شيخي ربيعة المذكور (وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ) بضمِّ النُّون وكسر الهاء (عَنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «من» (ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ) وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «ذو الفهم بالحلال والحرام لم يُجزِه» بالإفراد فيهما (لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ) وهي الإشراف على الهلاك، وهذا موافقٌ لما عليه الجمهور من حمل النَّهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقًا بالذَّهب والفضَّة، وقد سقطت هذه المقالة المذكورة عن اللَّيث جميعها عند النَّسفيِّ وابن شبُّويه فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، فتكون مُدرَجةً عندهما في نفس الحديث، ولم يذكر النَّسائيُّ (٢) ولا الإسماعيليُّ في روايتهما لهذا الحديث من طريق اللَّيث هذه الزِّيادة، قال التُّوربشتيُّ: لم يظهر لي (٣) هذه الزِّيادة من الرُّواة أم من قول البخاريِّ، وقال البيضاويُّ: الظَّاهر من السِّياق أنَّها من كلام رافعٍ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد تبيَّن برواية أكثر الطُّرق في «البخاريِّ» أنَّها من كلام اللَّيث.
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما ربيعة وحنظلة، ورواية صحابيٍّ عن صحابيَّين (٤).
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
٢٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون وبعد الألف نونٌ
أخرى (١)، قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ المعروف بابن أسامة. قال المؤلِّف بالسَّند «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ (٣) اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك (٤) بن عمرو بن قيسٍ العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ، والواو للحال: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) بفتح همزة «أنَّ» لأنَّه في موضع المفعول (اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ) ﷿، أي: يستأذن ربَّه، فأخبر عن الأمر المُحقَّق الآتي بلفظ الماضي (فِي) أن يباشر (الزَّرْعِ) يعني: سأله تعالى أن يزرع (فَقَالَ) ربُّه تعالى (لَهُ: أَلَسْتَ) وفي رواية محمَّد بن سنانٍ [خ¦٧٥١٩]: «أولست» بزيادة واو استفهامٍ تقريريٍّ، يعني: أولست كائنًا (فِيمَا شِئْتَ) من المشتهيات؟ (قَالَ: بَلَى) الأمر كذلك (وَلَكِنِّي) بالياء بعد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (قَالَ (٥): فَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة، أي: ألقى البذر على (٦) أرض الجنَّة (فَبَادَرَ) بالدَّال المهملة، وفي رواية محمَّد بن سنانٍ: «فأسرع وبذر فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء وسكون الرَّاء، نُصِب على المفعوليَّة لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ) من الحصد، وهو قلع الزَّرع (فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: أنَّه لمَّا بذر لم يكن بين ذلك وبين
استواء الزَّرع ونَجَازِ أمرِه كلِّه من الحصد والتَّذرية والجمع إلَّا كلمح (١) البصر، وكأنَّ كلَّ حبَّةٍ منه مثلُ الجبل، وفيه: أنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنَّة فيها عن تعب الدُّنيا ونصبها (فَيَقُولُ اللهُ تَعالَى: دُونَكَ) بالنَّصب على الإغراء، أي: خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ) أي: فإنَّ الشَّأن (لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ) أي: ذلك الرَّجل الذي من أهل البادية: (وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ) أي: قريشًا والأنصار (أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ) أي: أهل (٢) البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ) فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث هنا؟ أجاب ابن المنيِّر (٣): للتَّنبيه (٤) على أنَّ أحاديث المنع من الكراء إنَّما جاءت على النَّدب لا على الإيجاب؛ لأنَّ العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أشدَّ الحرص ألَّا يُمنَع من الاستمتاع به، وبقاء حرص هذا الحريص من أهل الجنَّة على الزَّرع، وطلب الانتفاع به حتَّى في الجنَّة دليلٌ على أنَّه مات على ذلك؛ لأنَّ المرء يموت على ما عاش عليه، ويُبعَث على ما مات عليه (٥)، فدلَّ ذلك على أنَّ آخر عهدهم من الدُّنيا جواز الانتفاع بالأرض واستثمارها (٦)، ولو كان كراؤها مُحرَّمًا عليه لفطم نفسه عن الحرص عليها حتَّى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثُّبوت. انتهى.
وهذا الحديث هو لفظ الإسناد الثَّاني، ومتن السَّند الأوَّل يأتي في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٩] إن شاء الله تعالى.
(٢١) (باب مَا جَاءَ فِي الغَرْسِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي الْغَرْسِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ فِي غرس مَا يغْرس من أصُول النباتات.
٩٤٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقوبُ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قالَ إنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ كانَتْ لَنا عَجُوزٌ تأخُذُ مِنْ أصُولِ سِلْقٍ لَنا كُنَّا نَغرُسُهُ فِي أرْبِعَائِنَا فتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ لَا أعْلَمُ إلَاّ أنَّهُ قَالَ لَيسَ فِيهِ شَحْمٌ ولَا ودَكٌ فإذَا صلَّيْنَا الجُمُعَةُ زُرْنَاهَا فقَرَّبَتْهُ إلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نتَغَدَّى ولَا نَقِيلُ إلَاّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: كُنَّا نغرسه فِي أربعائنا، وإدخاله هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْمُزَارعَة من حَيْثُ إِن الْغَرْس وَالزَّرْع من بَاب وَاحِد، وَقد مضى الحَدِيث فِي آخر الْجُمُعَة فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله} (الْجُمُعَة: ٠١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مقطعاً بطريقين، وَفِيهِمَا اخْتِلَاف بِبَعْض زِيَادَة ونقصان. الطَّرِيق الأول: عَن سعيد ابْن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن مسلمة عَن ابْن أبي حَازِم عَن سهل، وَهَهُنَا أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَارِي من قارة، حَيّ من الْعَرَب، أَصله مدنِي سكن الاسكندرية، عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج الْمدنِي، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي أربعائنا) ، قد مر عَن قريب أَن الْأَرْبَعَاء جمع: ربيع، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير، وَمَعْنَاهُ كُنَّا نغرسه على الْأَنْهَار والسلق، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: والودك، بِفتْحَتَيْنِ، دسم اللَّحْم. قَوْله: (لَا أعلم إِلَّا أَنه قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحم وَلَا ودك) ، من قَول يَعْقُوب الرَّاوِي.
٠٥٣٢ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يَقُولُونَ إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ وَالله المَوْعِدُ ويَقولُونَ مَا لِلْمُهَاجرينَ والأنْصارَ لَا يُحدِّثونَ مِثْلَ أحادِيثِهِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كانَ يَشْغَلهمْ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءًا مِسْكِيناً ألْزَمُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى ملءِ بَطْنِي فأحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وأعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْماً لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أقْضِي مقَالَتي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أبدا فبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُها حتَّى قَضَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إلَى صَدْرِي فَوالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقالَتِهِ تِلْكَ إلَى يَوْمِي هَذا وَالله لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً أبَداً {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ} إِلَى قوْلِه: {الرَّحِيمُ} (الْبَقَرَة: ٩٥١) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن إخْوَانِي من الْأَنْصَار كَانَ يشغلهم عمل أَمْوَالهم) ، فَإِن المُرَاد من ذَلِك عَمَلهم فِي الْأَرَاضِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
[٢٠ - باب]
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ ح. وَحَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِن أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ.
[الحديث ٢٣٤٨ طرفه في: ٧٥١٩]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةِ وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَطَّالٍ لَفْظَ بَابٌ وكأن مُنَاسَبَتُهُ لَهُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُهُ أَنَّهُ نُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيمَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ ابْنُ آدَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اسْتِمْرَارَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَبَقَاءُ حِرْصِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى الزَّرْعِ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ كِرَاءِ الْأَرْضِ لَفَطَمَ نَفْسَهُ عَنِ الْحِرْصِ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَثْبُتَ هَذَا الْقَدْرُ فِي ذِهْنِهِ هَذَا الثُّبُوتَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أُسَامَةَ، وَالْإِسْنَادُ الْعَالِي كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الْإِسْنَادِ الثَّانِي، وَسَاقَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ عَلَى لَفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ) أَيْ فِي أَنْ يُبَاشِرَ الزِّرَاعَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ أَوَلَسْتَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ.
قَوْلُهُ: (فَبَذَرَ) أَيْ أَلْقَى الْبَذْرَ فَنَبَتَ فِي الْحَالِ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأُذِنَ لَهُ فَبَذَرَ (فَبَادَرَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ فَأَسْرَعَ فَتَبَادَرَ.
قَوْلُهُ: (الطَّرْفَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ امْتِدَادُ لَحْظِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَقْصَى مَا يَرَاهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى حَرَكَةِ جَفْنِ الْعَيْنِ وَكَأَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِحْصَادُهُ) زَادَ فِي التَّوْحِيدِ: وَتَكْوِيرُهُ أَيْ جَمْعُهُ، وَأَصْلُ الْكُورِ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمَّا بَذَرَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ اسْتِوَاءِ الزَّرْعِ وَنَجَازِ أَمْرِهِ كُلِّهِ مِنَ الْقَلْعِ وَالْحَصْدِ وَالتَّذْرِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّكْوِيمِ إِلَّا قَدْرَ لَمْحَةِ الْبَصَرِ. وَقَوْلُهُ: (دُونَكَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَيْ خُذْهُ.
قَوْلُهُ (لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ لَا يَسَعُكَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ مُتَّحِدُ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتُهِيَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مُمْكِنٌ فِيهَا قَالَهُ الْمُهَلَّبُ. وَفِيهِ وَصْفُ النَّاسِ بِغَالِبِ عَادَاتِهِمْ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَفِيهِ أَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الدُّنْيَا. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَذَمِّ الشَّره، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأَمْرِ الْمُحَقَّقِ الْآتِي بِلَفْظِ الْمَاضِي.
٢١ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا كُنَّا لنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عبد الله»، أي: البخاريُّ من ههنا (١): «قال اللَّيث: أُراه» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ شيخي ربيعة المذكور (وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ) بضمِّ النُّون وكسر الهاء (عَنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «من» (ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ) وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «ذو الفهم بالحلال والحرام لم يُجزِه» بالإفراد فيهما (لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ) وهي الإشراف على الهلاك، وهذا موافقٌ لما عليه الجمهور من حمل النَّهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقًا بالذَّهب والفضَّة، وقد سقطت هذه المقالة المذكورة عن اللَّيث جميعها عند النَّسفيِّ وابن شبُّويه فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، فتكون مُدرَجةً عندهما في نفس الحديث، ولم يذكر النَّسائيُّ (٢) ولا الإسماعيليُّ في روايتهما لهذا الحديث من طريق اللَّيث هذه الزِّيادة، قال التُّوربشتيُّ: لم يظهر لي (٣) هذه الزِّيادة من الرُّواة أم من قول البخاريِّ، وقال البيضاويُّ: الظَّاهر من السِّياق أنَّها من كلام رافعٍ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد تبيَّن برواية أكثر الطُّرق في «البخاريِّ» أنَّها من كلام اللَّيث.
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما ربيعة وحنظلة، ورواية صحابيٍّ عن صحابيَّين (٤).
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
٢٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون وبعد الألف نونٌ
أخرى (١)، قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مُهمَلةٌ، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ المعروف بابن أسامة. قال المؤلِّف بالسَّند «ح» (٢): (وحَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ (٣) اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك (٤) بن عمرو بن قيسٍ العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ، والواو للحال: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) بفتح همزة «أنَّ» لأنَّه في موضع المفعول (اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ) ﷿، أي: يستأذن ربَّه، فأخبر عن الأمر المُحقَّق الآتي بلفظ الماضي (فِي) أن يباشر (الزَّرْعِ) يعني: سأله تعالى أن يزرع (فَقَالَ) ربُّه تعالى (لَهُ: أَلَسْتَ) وفي رواية محمَّد بن سنانٍ [خ¦٧٥١٩]: «أولست» بزيادة واو استفهامٍ تقريريٍّ، يعني: أولست كائنًا (فِيمَا شِئْتَ) من المشتهيات؟ (قَالَ: بَلَى) الأمر كذلك (وَلَكِنِّي) بالياء بعد النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (قَالَ (٥): فَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة، أي: ألقى البذر على (٦) أرض الجنَّة (فَبَادَرَ) بالدَّال المهملة، وفي رواية محمَّد بن سنانٍ: «فأسرع وبذر فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء وسكون الرَّاء، نُصِب على المفعوليَّة لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ) من الحصد، وهو قلع الزَّرع (فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: أنَّه لمَّا بذر لم يكن بين ذلك وبين
استواء الزَّرع ونَجَازِ أمرِه كلِّه من الحصد والتَّذرية والجمع إلَّا كلمح (١) البصر، وكأنَّ كلَّ حبَّةٍ منه مثلُ الجبل، وفيه: أنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنَّة فيها عن تعب الدُّنيا ونصبها (فَيَقُولُ اللهُ تَعالَى: دُونَكَ) بالنَّصب على الإغراء، أي: خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ) أي: فإنَّ الشَّأن (لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ) أي: ذلك الرَّجل الذي من أهل البادية: (وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ) أي: قريشًا والأنصار (أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ) أي: أهل (٢) البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ) فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث هنا؟ أجاب ابن المنيِّر (٣): للتَّنبيه (٤) على أنَّ أحاديث المنع من الكراء إنَّما جاءت على النَّدب لا على الإيجاب؛ لأنَّ العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أشدَّ الحرص ألَّا يُمنَع من الاستمتاع به، وبقاء حرص هذا الحريص من أهل الجنَّة على الزَّرع، وطلب الانتفاع به حتَّى في الجنَّة دليلٌ على أنَّه مات على ذلك؛ لأنَّ المرء يموت على ما عاش عليه، ويُبعَث على ما مات عليه (٥)، فدلَّ ذلك على أنَّ آخر عهدهم من الدُّنيا جواز الانتفاع بالأرض واستثمارها (٦)، ولو كان كراؤها مُحرَّمًا عليه لفطم نفسه عن الحرص عليها حتَّى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثُّبوت. انتهى.
وهذا الحديث هو لفظ الإسناد الثَّاني، ومتن السَّند الأوَّل يأتي في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٩] إن شاء الله تعالى.
(٢١) (باب مَا جَاءَ فِي الغَرْسِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي الْغَرْسِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ فِي غرس مَا يغْرس من أصُول النباتات.
٩٤٣٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا يَعْقوبُ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ قالَ إنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ كانَتْ لَنا عَجُوزٌ تأخُذُ مِنْ أصُولِ سِلْقٍ لَنا كُنَّا نَغرُسُهُ فِي أرْبِعَائِنَا فتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ لَا أعْلَمُ إلَاّ أنَّهُ قَالَ لَيسَ فِيهِ شَحْمٌ ولَا ودَكٌ فإذَا صلَّيْنَا الجُمُعَةُ زُرْنَاهَا فقَرَّبَتْهُ إلَيْنَا فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ وَمَا كُنَّا نتَغَدَّى ولَا نَقِيلُ إلَاّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: كُنَّا نغرسه فِي أربعائنا، وإدخاله هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْمُزَارعَة من حَيْثُ إِن الْغَرْس وَالزَّرْع من بَاب وَاحِد، وَقد مضى الحَدِيث فِي آخر الْجُمُعَة فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله} (الْجُمُعَة: ٠١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مقطعاً بطريقين، وَفِيهِمَا اخْتِلَاف بِبَعْض زِيَادَة ونقصان. الطَّرِيق الأول: عَن سعيد ابْن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن مسلمة عَن ابْن أبي حَازِم عَن سهل، وَهَهُنَا أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَارِي من قارة، حَيّ من الْعَرَب، أَصله مدنِي سكن الاسكندرية، عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج الْمدنِي، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي أربعائنا) ، قد مر عَن قريب أَن الْأَرْبَعَاء جمع: ربيع، وَهُوَ النَّهر الصَّغِير، وَمَعْنَاهُ كُنَّا نغرسه على الْأَنْهَار والسلق، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: والودك، بِفتْحَتَيْنِ، دسم اللَّحْم. قَوْله: (لَا أعلم إِلَّا أَنه قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحم وَلَا ودك) ، من قَول يَعْقُوب الرَّاوِي.
٠٥٣٢ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ يَقُولُونَ إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ وَالله المَوْعِدُ ويَقولُونَ مَا لِلْمُهَاجرينَ والأنْصارَ لَا يُحدِّثونَ مِثْلَ أحادِيثِهِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كانَ يَشْغَلهمْ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ وكُنْتُ امْرَءًا مِسْكِيناً ألْزَمُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى ملءِ بَطْنِي فأحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وأعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْماً لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أقْضِي مقَالَتي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أبدا فبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُها حتَّى قَضَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إلَى صَدْرِي فَوالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقالَتِهِ تِلْكَ إلَى يَوْمِي هَذا وَالله لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً أبَداً {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ} إِلَى قوْلِه: {الرَّحِيمُ} (الْبَقَرَة: ٩٥١) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن إخْوَانِي من الْأَنْصَار كَانَ يشغلهم عمل أَمْوَالهم) ، فَإِن المُرَاد من ذَلِك عَمَلهم فِي الْأَرَاضِي
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56