«لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٥٣

الحديث رقم ٢٣٥٣ من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٥٣ في صحيح البخاري

«لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ.»

إسناد حديث رقم ٢٣٥٣ من صحيح البخاري

٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٥٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثِ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيُّ، وَالْإِسْنَادُ مِصْرِيُّونَ (١) إِلَّا شَيْخَهُ. وَقَوْلُهُ: وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقِيلَ: أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ قِيلَ: إِنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ لَهُ: أَعْرَابِيٌّ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عَلَى شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: الشَّرْبَةُ لَكَ فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أُوثِرُ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَدًا فَظَنَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَقِصَّةَ أَنَسٍ فِي دَارِ أَنَسٍ فَافْتَرَقَا.

نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ خَالِدٌ مِنَ الْأَشْيَاخِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَالْغُلَامُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا: مَا كُنْتُ أُوثِرُ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ غَيْرُهُ، بَلْ قَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ذِكْرَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِيمَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَخَطَّأَهُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامُ وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْأَعْرَابِيُّ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ فَاسْتَأْلَفَهُ بِتَرْكِ اسْتِئْذَانِهِ بِخِلَافِ الْغُلَامِ.

(تَنْبِيهٌ): أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ فِي الْمَشْرُوبِ تَقْدِيمَهُ فِي الْمَأْكُولِ، وَنُسِبَ لِمَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ عَنْهُ.

٢ - بَاب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ

٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ.

[الحديث ٢٣٥٣ - طرفاه في: ٢٣٥٤، ٦٩٦٢]

٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِمَائِهِ حَتَّى يَرْوَى، قُلْتُ: وَمَا نَفَاهُ مِنَ الْخِلَافِ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - هُمُ الَّذِينَ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَا يُمْنَعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَبِالرَّفْعِ عَل ى أَنَّهُ خَبَرٌ وَالْمُرَادُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ النَّهْيُ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْجَزْمِ بِلَفْظِ النَّهْيِ. وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي إِيرَادِ

الْبُخَارِيِّ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ كَوْنُهَا وَرَدَتْ بِصَرِيحِ النَّهْيِ وَهُوَ لَا تَمْنَعُوا وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلَ مَاءٍ بَعْدَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَهُوَ، مَحْمُولٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى مَاءِ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَوَاتِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَحَرْمَلَةَ أَنَّ الْحَافِرَ يَمْلِكُ مَاءَهَا، وَأَمَّا الْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْمَوَاتِ لِقَصْدِ الِارْتِفَاقِ لَا التَّمَلُّكِ فَإِنَّ الْحَافِرَ لَا يَمْلِكُ مَاءَهَا بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إِلَى أَنْ يَرْتَحِلَ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْمُرَادُ حَاجَةُ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَزَرْعِهِ وَمَاشِيَتِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَخَّصَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِالْمَوَاتِ، وَقَالُوا فِي الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْمِلْكِ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلَ فَضْلِهَا، وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْرَزُ فِي الْإِنَاءِ فَلَا يَجِبُ بَذْلَ فَضْلِهِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فَضْلَ الْمَاءِ) فِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَنْعُ الْفَضْلِ لَا مَنْعُ الْأَصْلِ، وَفِيهِ أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ مَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَأْمُورَ بِالْبَذْلِ لَهُ مَاءً غَيْرَهُ، وَالْمُرَادُ تَمْكِينُ أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ مُبَاشَرَةُ سَقْيِ مَاشِيَةِ غَيْرِهِ مَعَ قُدْرَةِ الْمَالِكِ.

قَوْلُهُ: (لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورٌ هُوَ النَّبَاتُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ حَوْلَ الْبِئْرِ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ غَيْرُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابَ الْمَوَاشِي رَعْيُهُ إِلَّا إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ سَقْيِ بَهَائِمِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالْعَطَشِ بَعْدَ الرَّعْيِ فَيَسْتَلْزِمُ مَنْعُهُمْ مِنَ الْمَاءِ مَنْعَهُمْ مِنَ الرَّعْيِ، وَإِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ الْبَذْلِ بِمَنْ لَهُ مَاشِيَةٌ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الرُّعَاةُ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ لِأَنَّهُمْ إِذَا مُنِعُوا مِنَ الشُّرْبِ امْتَنَعُوا مِنَ الرَّعْيِ هُنَاكَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُهُمْ حَمْلُ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ لِقِلَّةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الزَّرْعُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ الِاخْتِصَاصُ بِالْمَاشِيَةِ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ - فِيمَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ - بَيْنَ الْمَوَاشِي وَالزَّرْعِ بِأَنَّ الْمَاشِيَةَ ذَاتُ أَرْوَاحٍ يُخْشَى مِنْ عَطَشِهَا مَوْتُهَا بِخِلَافِ الزَّرْعِ، وَبِهَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَلَأٌ يُرْعَى فَلَا مَانِعَ مِنَ الْمَنْعِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالنَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلتَّنْزِيهِ فَيُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ صَرْفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا وُجُوبُ بَذْلِهِ مَجَّانًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ.

وَقِيلَ: لِصَاحِبِهِ طَلَبُ الْقِيمَةِ مِنَ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ كَمَا فِي إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَنْعِ حَالَةَ امْتِنَاعِ الْمُحْتَاجِ مِنْ بَذْلِ الْقِيمَةِ، وَرُدَّ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ وَتَتَرَتَّبُ لَهُ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَبْذُولِ لَهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْهُ مَتَى أَمْكَنَ ذَلِكَ، نَعَمْ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ، فَلَوْ وَجَبَ لَهُ الْعِوَضُ لَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبِئْرَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فِيهَا مَاءٌ فَاسْتَغْنَى أَحَدُهُمَا فِي نَوْبَتِهِ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَاءٌ فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لَهُ وَإِنْ خَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ مَنْعِ الْمَاءِ لِئَلَّا يُتَذَرَّعَ بِهِ إِلَى مَنْعِ الْكَلَأِ، لَكِنْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ بِالنَّهْيِ عَنْ مَنْعِ الْكَلَأِ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ وَلَا تَمْنَعُوا الْكَلَأَ فَيَهْزِلُ الْمَالُ وَتَجُوعُ الْعِيَالُ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَأِ هُنَا النَّابِتُ فِي الْمَوَاتِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِيهِ سَوَاءٌ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ثَلَاثَةٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ الْكَلَأُ يَنْبُتُ فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ) مبنيٌّ للمفعول أيضًا (بِهِ الكَلأُ) بفتح الكاف والرَّفع: العشب يابسه ورطبه، واللَّام في «ليُمنَع» لام العاقبة كهي في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ومعنى الحديث: أنَّ من شقَّ ماءً بفلاةٍ وكان حول ذلك الماء كلأٌ ليس حوله ماءٌ غيره، ولا يُوصَل إلى رعيه إلَّا إذا كانت المواشي ترد ذلك، فنُهِي صاحب الماء أن يمنع فضله (١)؛ لأنَّه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يُمنَع لما في منعه من الإضرار بالنَّاس، ويلتحق به الرِّعاء إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتنعوا من الرَّعي هناك، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وبه قال الحنفيَّة: الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشَّافعيُّ فيما حكاه المزنيُّ عنه بين المواشي والزُّروع: بأنَّ (٢) الماشية ذات أرواحٍ يُخشَى من عطشها موتُها بخلاف الزَّرع، وهذا محمولٌ عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك، أو في الموات بقصد التَّملُّك أو الارتفاق خاصَّةً، فالأولى: وهي التي في ملكه، أو في مواتٍ بقصد التَّملُّك يملك ماؤها على الصَّحيح عند أصحابنا، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في القديم، والثَّانية: -وهي المحفورة في مواتٍ بقصد الارتفاق- لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك، وفي كلا الحالتين (٣) يجب عليه بذل ما يفضُل عن حاجته، والمراد بحاجته: نفسُه وعيالُه وماشيتُه وزرعُه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزَّرع (٤) احتمالٌ على بُعْدٍ، أمَّا البئر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثِ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيُّ، وَالْإِسْنَادُ مِصْرِيُّونَ (١) إِلَّا شَيْخَهُ. وَقَوْلُهُ: وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقِيلَ: أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ قِيلَ: إِنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ لَهُ: أَعْرَابِيٌّ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عَلَى شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: الشَّرْبَةُ لَكَ فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أُوثِرُ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَدًا فَظَنَّ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَقِصَّةَ أَنَسٍ فِي دَارِ أَنَسٍ فَافْتَرَقَا.

نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ خَالِدٌ مِنَ الْأَشْيَاخِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَالْغُلَامُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا: مَا كُنْتُ أُوثِرُ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ غَيْرُهُ، بَلْ قَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ذِكْرَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِيمَنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَخَطَّأَهُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامُ وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْأَعْرَابِيُّ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ فَاسْتَأْلَفَهُ بِتَرْكِ اسْتِئْذَانِهِ بِخِلَافِ الْغُلَامِ.

(تَنْبِيهٌ): أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ فِي الْمَشْرُوبِ تَقْدِيمَهُ فِي الْمَأْكُولِ، وَنُسِبَ لِمَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ عَنْهُ.

٢ - بَاب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ

٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ.

[الحديث ٢٣٥٣ - طرفاه في: ٢٣٥٤، ٦٩٦٢]

٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِمَائِهِ حَتَّى يَرْوَى، قُلْتُ: وَمَا نَفَاهُ مِنَ الْخِلَافِ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَاءَ يُمْلَكُ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - هُمُ الَّذِينَ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَا يُمْنَعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَبِالرَّفْعِ عَل ى أَنَّهُ خَبَرٌ وَالْمُرَادُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ النَّهْيُ. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْجَزْمِ بِلَفْظِ النَّهْيِ. وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي إِيرَادِ

الْبُخَارِيِّ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ كَوْنُهَا وَرَدَتْ بِصَرِيحِ النَّهْيِ وَهُوَ لَا تَمْنَعُوا وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ.

وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلَ مَاءٍ بَعْدَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَهُوَ، مَحْمُولٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى مَاءِ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَوَاتِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَحَرْمَلَةَ أَنَّ الْحَافِرَ يَمْلِكُ مَاءَهَا، وَأَمَّا الْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْمَوَاتِ لِقَصْدِ الِارْتِفَاقِ لَا التَّمَلُّكِ فَإِنَّ الْحَافِرَ لَا يَمْلِكُ مَاءَهَا بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إِلَى أَنْ يَرْتَحِلَ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْمُرَادُ حَاجَةُ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَزَرْعِهِ وَمَاشِيَتِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَخَّصَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِالْمَوَاتِ، وَقَالُوا فِي الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْمِلْكِ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلَ فَضْلِهَا، وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْرَزُ فِي الْإِنَاءِ فَلَا يَجِبُ بَذْلَ فَضْلِهِ لِغَيْرِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فَضْلَ الْمَاءِ) فِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمَاءِ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَنْعُ الْفَضْلِ لَا مَنْعُ الْأَصْلِ، وَفِيهِ أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ مَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَأْمُورَ بِالْبَذْلِ لَهُ مَاءً غَيْرَهُ، وَالْمُرَادُ تَمْكِينُ أَصْحَابِ الْمَاشِيَةِ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ مُبَاشَرَةُ سَقْيِ مَاشِيَةِ غَيْرِهِ مَعَ قُدْرَةِ الْمَالِكِ.

قَوْلُهُ: (لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورٌ هُوَ النَّبَاتُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ حَوْلَ الْبِئْرِ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ غَيْرُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابَ الْمَوَاشِي رَعْيُهُ إِلَّا إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ سَقْيِ بَهَائِمِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالْعَطَشِ بَعْدَ الرَّعْيِ فَيَسْتَلْزِمُ مَنْعُهُمْ مِنَ الْمَاءِ مَنْعَهُمْ مِنَ الرَّعْيِ، وَإِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ الْبَذْلِ بِمَنْ لَهُ مَاشِيَةٌ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الرُّعَاةُ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ لِأَنَّهُمْ إِذَا مُنِعُوا مِنَ الشُّرْبِ امْتَنَعُوا مِنَ الرَّعْيِ هُنَاكَ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُهُمْ حَمْلُ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ لِقِلَّةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الزَّرْعُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ الِاخْتِصَاصُ بِالْمَاشِيَةِ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ - فِيمَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ - بَيْنَ الْمَوَاشِي وَالزَّرْعِ بِأَنَّ الْمَاشِيَةَ ذَاتُ أَرْوَاحٍ يُخْشَى مِنْ عَطَشِهَا مَوْتُهَا بِخِلَافِ الزَّرْعِ، وَبِهَذَا أَجَابَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كَلَأٌ يُرْعَى فَلَا مَانِعَ مِنَ الْمَنْعِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالنَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلتَّنْزِيهِ فَيُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ صَرْفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا وُجُوبُ بَذْلِهِ مَجَّانًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ.

وَقِيلَ: لِصَاحِبِهِ طَلَبُ الْقِيمَةِ مِنَ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ كَمَا فِي إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمَنْعِ حَالَةَ امْتِنَاعِ الْمُحْتَاجِ مِنْ بَذْلِ الْقِيمَةِ، وَرُدَّ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ وَتَتَرَتَّبُ لَهُ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَبْذُولِ لَهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْهُ مَتَى أَمْكَنَ ذَلِكَ، نَعَمْ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ، فَلَوْ وَجَبَ لَهُ الْعِوَضُ لَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبِئْرَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فِيهَا مَاءٌ فَاسْتَغْنَى أَحَدُهُمَا فِي نَوْبَتِهِ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَاءٌ فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لَهُ وَإِنْ خَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ مَنْعِ الْمَاءِ لِئَلَّا يُتَذَرَّعَ بِهِ إِلَى مَنْعِ الْكَلَأِ، لَكِنْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ بِالنَّهْيِ عَنْ مَنْعِ الْكَلَأِ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ وَلَا تَمْنَعُوا الْكَلَأَ فَيَهْزِلُ الْمَالُ وَتَجُوعُ الْعِيَالُ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَأِ هُنَا النَّابِتُ فِي الْمَوَاتِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِيهِ سَوَاءٌ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ثَلَاثَةٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ الْكَلَأُ يَنْبُتُ فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يُمْنَعُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ) مبنيٌّ للمفعول أيضًا (بِهِ الكَلأُ) بفتح الكاف والرَّفع: العشب يابسه ورطبه، واللَّام في «ليُمنَع» لام العاقبة كهي في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ومعنى الحديث: أنَّ من شقَّ ماءً بفلاةٍ وكان حول ذلك الماء كلأٌ ليس حوله ماءٌ غيره، ولا يُوصَل إلى رعيه إلَّا إذا كانت المواشي ترد ذلك، فنُهِي صاحب الماء أن يمنع فضله (١)؛ لأنَّه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يُمنَع لما في منعه من الإضرار بالنَّاس، ويلتحق به الرِّعاء إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنِعوا من الشُّرب امتنعوا من الرَّعي هناك، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة وبه قال الحنفيَّة: الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشَّافعيُّ فيما حكاه المزنيُّ عنه بين المواشي والزُّروع: بأنَّ (٢) الماشية ذات أرواحٍ يُخشَى من عطشها موتُها بخلاف الزَّرع، وهذا محمولٌ عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك، أو في الموات بقصد التَّملُّك أو الارتفاق خاصَّةً، فالأولى: وهي التي في ملكه، أو في مواتٍ بقصد التَّملُّك يملك ماؤها على الصَّحيح عند أصحابنا، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في القديم، والثَّانية: -وهي المحفورة في مواتٍ بقصد الارتفاق- لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك، وفي كلا الحالتين (٣) يجب عليه بذل ما يفضُل عن حاجته، والمراد بحاجته: نفسُه وعيالُه وماشيتُه وزرعُه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزَّرع (٤) احتمالٌ على بُعْدٍ، أمَّا البئر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله