الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٦٦
الحديث رقم ٢٤٦٦ من كتاب «كتاب المظالم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٣٣⦘
مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.»
بَابُ إِمَاطَةِ الْأَذَى وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
بَابُ الْغُرْفَةِ وَالْعُلِّيَّةِ الْمُشْرِفَةِ وَغَيْرِ الْمُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، وَالْجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ) أَمَّا الْأَفْنِيَةُ فَهِيَ جَمْعُ فِنَاءٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ وَقَدْ تُقْصَرُ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الدُّورِ، وَالتَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِجَوَازِ تَحْجِيرِهِ بِالْبِنَاءِ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَلُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاطِبِ فِي أَبْوَابِ الدُّورِ، وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الضَّرَرِ لِلْجَارِ وَالْمَارِّ، وَالصُّعُدَاتُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ صُعُدٍ بِضَمَّتَيْنِ أَيْضًا وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ، وَهُوَ جَمْعُ صَعِيدٍ كَطَرِيقٍ وَطُرُقَاتٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُرَادُ مِنَ الْفِنَاءِ. وَزَعَمَ ثَعْلَبٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّعُدَاتِ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْحَوَانِيتِ وَفِي الشَّبَابِيكِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْمَارِّ حَيْثُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْعُلُوِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا. . . الْحَدِيثَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْهِجْرَةِ بِطُولِهِ، وَمَضَى فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَتَرْجَمَ لَهُ: الْمَسْجِدُ يَكُونُ بِالطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ.
قَوْلُهُ: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ.
قَوْلُهُ: (والطُّرُقَاتِ) تُرْجِمَ بِالصُّعُدَاتِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ: الطُّرُقَاتِ إِشَارَةٌ إِلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ: الصُّعُدَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: الطُّرُقَاتِ، وَزَادَ فِي الْمَتْنِ: وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ. وَمِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَزَادَ فِي الْمَتْنِ: وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِإِلَى الَّتِي لِلْغَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَقَالَ: إلَّا بِالتَّشْدِيدِ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَإِلَّا الَّتِي هِيَ حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْمَجَالِسُ فِيهَا اسْتِعْمَالُ الْمَجَالِسِ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ الْجَالِسُ عَنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَأَشَارَ بِغَضِّ الْبَصَرِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِمَنْ يَمُرُّ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ، وَبِكَفِّ الْأَذَى إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ الِاحْتِقَارِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا، وَبِرَدِّ السَّلَامِ إِلَى إِكْرَامِ الْمَارِّ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَى اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا يُشْرَعُ وَتَرْكِ جَمِيعِ مَا لَا يُشْرَعُ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا عَلَى الْحَتْمِ لِأَنَّهُ نَهَى أَوَّلًا عَنِ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَمَّا قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا بُدٌّ ذَكَرَ لَهُمُ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْمَنْعِ، فَعُرِفَ أَنَّ النَّهْيَ الْأَوَّلَ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِنَدْبِهِ أَوَّلًا إِلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ لِمَنْ عَمِلَ بِحَقِّ الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِطَلَبِ السَّلَامَةِ آكَدُ مِنَ الطَّمَعِ فِي الزِّيَادَةِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى بَقِيَّةِ الْخِصَالِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٣ - باب الْآبَارِ التي عَلَى الطريقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَيْنَما رَجُلٌ بِطَرِيقٍ فاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُوحَّدةٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ، قال في «الصِّحاح»: ومن العرب من يقلب الهمزة (١)، فيقول: آبَارٌ، بمدِّ الهمزة وفتح الموحَّدة، وبه ضُبِط في «البخاريِّ»، وهذا جمعُ قلَّةٍ، كأبؤرٍ وأبورٍ، بالهمز وتركه، فإذا كَثُرت جُمِعت على «بِئَارٍ»، والأبَّار: حافرها.
٢٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» (ﷺ قَالَ: بَيْنَا) ولأبي ذرٍّ: «بينما» بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (بِطَرِيقٍ) وفي رواية الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «فاشتدَّ» بزيادة الفاء (عَلَيْهِ العَطَشُ) والفاء في موضع «إذا» (فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) أي: بالمُثلَّثة، أي: يرتفع (٢) نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرِج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة: الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) ويجوز أن يكون قوله: «يأكل الثَّرى» خبرًا ثانيًا (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب مفعولٌ (٣) به (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي) برفع «مثلُ» فاعل «بَلَغَ» (فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً) ولابن حبَّان: خفَّيه -بالتَّثنية- (فَسَقَى الكَلْبَ) بعد أن خرج من البئر حتَّى روي (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عملَه (فَغَفَرَ لَهُ) الفاء للسَّببيَّة، أي: بسبب قبول عمله غَفَرَ اللهُ له
(قَالُوا) أي: الصَّحابة، ومنهم: سراقة بن مالك بن جعشمٍ، كما عند أحمد وغيره: (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما قلت: (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات المحترمة (أَجْرٌ) أي: أجرٌ حاصلٌ في الإرواء المذكور، فـ «أجرٌ» مبتدأٌ قُدِّم خبره، وفي الحديث: جواز حفر الآبار في الصَّحراء لانتفاع عطشانٍ وغيره بها، فإن قلت: كيف ساغ مع مظنَّة الاستضرار بها بساقطٍ بليلٍ، أو وقوع بهيمةٍ، أو نحوها فيها؟ أُجيب: بأنَّه لمَّا كانت المنفعة أكثر ومتحقِّقةً، والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع، وسقط الضَّمان، فكانت جُبَارًا، فلو تحقَّقت المضرَّة لم يجز، وضمن الحافر.
وهذا الحديث قد سبق في «باب سقي الماء» من «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣].
(٢٤) (باب إِمَاطَةِ الأَذَى) أي: إزالته عن المسلمين (وَقَالَ هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبِّه، أخو وهبٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «باب من أخذ بالرِّكاب» من «الجهاد» [خ¦٢٩٨٩] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يُمِيطَ الأَذَى) هو على حدِّ قوله: «تسمعَ بالمعيديِّ» أي: «أن تسمعَ» و «أن يميطَ الأذى»، فـ «أن» مصدريَّةٌ، أي: إماطة الرَّجل الأذى كتنحية حجرٍ أو شوكٍ (عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) على أخيه المسلم؛ لأنَّه لمَّا تسبَّب إلى (١) سلامته عند المرور بالطَّريق من ذلك الأذى فكأنَّه تصدَّق عليه بذلك، فحصل له أجر الصَّدقة.
(٢٥) (باب) جواز سكنى (الغُرْفَةِ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح الفاء: المكان المرتفع في البيت (وَ) سكنى (العُِلِّيَّةِ) بضمِّ العين المهملة وكسرها وتشديد اللَّام المكسورة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا، وَالْجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ) أَمَّا الْأَفْنِيَةُ فَهِيَ جَمْعُ فِنَاءٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ وَقَدْ تُقْصَرُ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الدُّورِ، وَالتَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِجَوَازِ تَحْجِيرِهِ بِالْبِنَاءِ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَلُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاطِبِ فِي أَبْوَابِ الدُّورِ، وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الضَّرَرِ لِلْجَارِ وَالْمَارِّ، وَالصُّعُدَاتُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ صُعُدٍ بِضَمَّتَيْنِ أَيْضًا وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ، وَهُوَ جَمْعُ صَعِيدٍ كَطَرِيقٍ وَطُرُقَاتٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُرَادُ مِنَ الْفِنَاءِ. وَزَعَمَ ثَعْلَبٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّعُدَاتِ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْحَوَانِيتِ وَفِي الشَّبَابِيكِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْمَارِّ حَيْثُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْعُلُوِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا. . . الْحَدِيثَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْهِجْرَةِ بِطُولِهِ، وَمَضَى فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَتَرْجَمَ لَهُ: الْمَسْجِدُ يَكُونُ بِالطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ.
قَوْلُهُ: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ.
قَوْلُهُ: (والطُّرُقَاتِ) تُرْجِمَ بِالصُّعُدَاتِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ: الطُّرُقَاتِ إِشَارَةٌ إِلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ: الصُّعُدَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: الطُّرُقَاتِ، وَزَادَ فِي الْمَتْنِ: وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ. وَمِنْ حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَزَادَ فِي الْمَتْنِ: وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِإِلَى الَّتِي لِلْغَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَقَالَ: إلَّا بِالتَّشْدِيدِ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَإِلَّا الَّتِي هِيَ حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْمَجَالِسُ فِيهَا اسْتِعْمَالُ الْمَجَالِسِ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ الْجَالِسُ عَنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَأَشَارَ بِغَضِّ الْبَصَرِ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ بِمَنْ يَمُرُّ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ، وَبِكَفِّ الْأَذَى إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ الِاحْتِقَارِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا، وَبِرَدِّ السَّلَامِ إِلَى إِكْرَامِ الْمَارِّ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَى اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا يُشْرَعُ وَتَرْكِ جَمِيعِ مَا لَا يُشْرَعُ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا عَلَى الْحَتْمِ لِأَنَّهُ نَهَى أَوَّلًا عَنِ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَمَّا قَالُوا: مَا لَنَا مِنْهَا بُدٌّ ذَكَرَ لَهُمُ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ لِلْمَنْعِ، فَعُرِفَ أَنَّ النَّهْيَ الْأَوَّلَ لِلْإِرْشَادِ إِلَى الْأَصْلَحِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِنَدْبِهِ أَوَّلًا إِلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ لِمَنْ عَمِلَ بِحَقِّ الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لِطَلَبِ السَّلَامَةِ آكَدُ مِنَ الطَّمَعِ فِي الزِّيَادَةِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى بَقِيَّةِ الْخِصَالِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٣ - باب الْآبَارِ التي عَلَى الطريقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَيْنَما رَجُلٌ بِطَرِيقٍ فاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأ خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُوحَّدةٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ، قال في «الصِّحاح»: ومن العرب من يقلب الهمزة (١)، فيقول: آبَارٌ، بمدِّ الهمزة وفتح الموحَّدة، وبه ضُبِط في «البخاريِّ»، وهذا جمعُ قلَّةٍ، كأبؤرٍ وأبورٍ، بالهمز وتركه، فإذا كَثُرت جُمِعت على «بِئَارٍ»، والأبَّار: حافرها.
٢٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» (ﷺ قَالَ: بَيْنَا) ولأبي ذرٍّ: «بينما» بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (بِطَرِيقٍ) وفي رواية الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «فاشتدَّ» بزيادة الفاء (عَلَيْهِ العَطَشُ) والفاء في موضع «إذا» (فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) أي: بالمُثلَّثة، أي: يرتفع (٢) نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرِج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمُثلَّثة المفتوحة: الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) ويجوز أن يكون قوله: «يأكل الثَّرى» خبرًا ثانيًا (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب مفعولٌ (٣) به (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي) برفع «مثلُ» فاعل «بَلَغَ» (فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً) ولابن حبَّان: خفَّيه -بالتَّثنية- (فَسَقَى الكَلْبَ) بعد أن خرج من البئر حتَّى روي (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عملَه (فَغَفَرَ لَهُ) الفاء للسَّببيَّة، أي: بسبب قبول عمله غَفَرَ اللهُ له
(قَالُوا) أي: الصَّحابة، ومنهم: سراقة بن مالك بن جعشمٍ، كما عند أحمد وغيره: (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما قلت: (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات المحترمة (أَجْرٌ) أي: أجرٌ حاصلٌ في الإرواء المذكور، فـ «أجرٌ» مبتدأٌ قُدِّم خبره، وفي الحديث: جواز حفر الآبار في الصَّحراء لانتفاع عطشانٍ وغيره بها، فإن قلت: كيف ساغ مع مظنَّة الاستضرار بها بساقطٍ بليلٍ، أو وقوع بهيمةٍ، أو نحوها فيها؟ أُجيب: بأنَّه لمَّا كانت المنفعة أكثر ومتحقِّقةً، والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع، وسقط الضَّمان، فكانت جُبَارًا، فلو تحقَّقت المضرَّة لم يجز، وضمن الحافر.
وهذا الحديث قد سبق في «باب سقي الماء» من «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣].
(٢٤) (باب إِمَاطَةِ الأَذَى) أي: إزالته عن المسلمين (وَقَالَ هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبِّه، أخو وهبٍ، ممَّا وصله المؤلِّف في «باب من أخذ بالرِّكاب» من «الجهاد» [خ¦٢٩٨٩] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يُمِيطَ الأَذَى) هو على حدِّ قوله: «تسمعَ بالمعيديِّ» أي: «أن تسمعَ» و «أن يميطَ الأذى»، فـ «أن» مصدريَّةٌ، أي: إماطة الرَّجل الأذى كتنحية حجرٍ أو شوكٍ (عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) على أخيه المسلم؛ لأنَّه لمَّا تسبَّب إلى (١) سلامته عند المرور بالطَّريق من ذلك الأذى فكأنَّه تصدَّق عليه بذلك، فحصل له أجر الصَّدقة.
(٢٥) (باب) جواز سكنى (الغُرْفَةِ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح الفاء: المكان المرتفع في البيت (وَ) سكنى (العُِلِّيَّةِ) بضمِّ العين المهملة وكسرها وتشديد اللَّام المكسورة