٢٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة وضمِّ العين وفتح المُوحَّدة في العبد الأوَّل، المدنيُّ مولى بني (٢) نوفلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵁ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ) ﷿ (لَهُمَا (٣): ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ مَعَهُ) ولابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن ابن عبَّاسٍ: أردت أن أسأل عمر فكنت أهابه، حتَّى حججنا معه، فلمَّا قضينا حجَّنا (فَعَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكة إلى طريقٍ لا تُسلَك غالبًا ليقضي حاجته (وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة: إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ يُتَّخَذ للماء كالسَّطيحة (فَتَبَرَّزَ) أي: خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة (١) (حَتَّى) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ» (جَاءَ) أي: من البراز (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ) ماءً (مِنَ الإِدَاوَةِ، فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ) له عقب وضوئه: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «قال الله ﷿ لهما»: (﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾) أي: من التَّعاون والتَّظاهر (٢) على رسول الله ﷺ (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْقُلُوبُكُمَا﴾ فقال» أي: عمر: (وَا عَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ!) بكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «واعجبًا» بالتَّنوين نحو: يا رجلًا، وفي نسخةٍ مُقابَلةٍ على «اليونينيَّة» أيضًا بالألف في آخره من غير تنوينٍ، نحو: وازيدا (٣)، قال الكِرمانيُّ: يُندَب على التَّعجُّب، وهو إمَّا تعجُّبٌ من ابن عبَّاسٍ كيف خفي عليه هذا الأمر (٤) مع شهرته بينهم بعلم التَّفسير، وإمَّا من جهة حرصه على سؤاله عمَّا لا يتنبَّه له إلَّا الحريص على العلم من تفسير ما أُبهِم في (٥) القرآن، وقال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: «وا» في قوله: «وا عجبًا» اسم فعل إذا نُوِّن «عجبًا» بمعنى: أعجب، ومثله: «وي»، وجيء بعده بقوله: «عجبًا» توكيدًا، وإذا لم يُنوَّن فالأصل فيه: «وا عجبي»، فأُبدِلت (٦) المُثنَّاة التَّحتيَّة ألفًا، وفيه استعمال «وا» في غير النُّدبة كما هو رأي المبرِّد، قال الزَّمخشريُّ: قاله تعجُّبًا (٧)، كأنَّه كره ما سأله عنه (عَائِشَةُ
وَحَفْصَةُ) هما المرأتان اللَّتان قال الله تعالى لهما: ﴿تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾.
(ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ) ﵁ (الحَدِيثَ) حال كونه (يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ) هو عتبان بن مالك بن عمرٍو العجلانيُّ الخزرجيُّ، كما عند ابن بشكوال، والصَّحيح أنَّه أوس بن خوليِّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريُّ، كما سمَّاه ابن سعدٍ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في حديثٍ، ولفظه: فكان عمر مواخيًا أوس بن خوليٍّ لا يسمع شيئًا إلَّا حدَّثه، ولا يسمع عمر شيئًا إلَّا حدَّثه، فهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ﷺ آخى بين عِتْبان وبين عمر أن يتجاورا، فالأخذ بالنَّصِّ مُقدَّمٌ على الأخذ بالاستنباط، وقوله: «وجارٌ» بالرَّفع عطفًا على الضَّمير المرفوع المتَّصل الذي في «كنت» بدون فاصلٍ على مذهب الكوفيِّين وهو قليلٌ، وفي (١) روايةٍ (٢) في «باب التَّناوب» في «كتاب العلم» [خ¦٨٩]: «كنت أنا وجارٌ لي» وهذا على مذهب البصريِّين؛ لأنَّ عندهم لا يصحُّ العطف بدون إظهار «أنا»، حتَّى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، والكوفيُّون لا يشترطون ذلك، وجوَّز الزَّركشيُّ والبرماويُّ النَّصب، وقال الكِرمانيُّ: إنَّه الصَّحيح عطفًا على الضَّمير في قوله: «إنِّي»، قال في «المصابيح»: لكنَّ الشَّأن في الرِّواية وأيضًا فالظَّاهر أنَّ قوله: (فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ) بضمِّ الهمزة، خبر «كان»، وجملة «كان» ومعموليها خبر «إنَّ»، فإذا جعلت «جارًا» معطوفًا على اسم «إنَّ» لم يصحَّ كون الجملة المذكورة
خبرًا لها إلَّا بتكلُّف حذفٍ لا داعيَ له. انتهى. وقوله: «في بني أميَّة» في موضع جرٍّ، صفةٌ لسابقه، أي: وجارٌ لي من الأنصار كائنين في بني أميَّة بن زيدٍ (وَهْيَ) أي: أمكنتهم (مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ) القرى التي بقربها وأدناها منها على أربعة أميالٍ، وأقصاها من جهة نجدٍ ثمانيةٌ (وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَنْزِلُ) هُوَ (يَوْمًا وَ) أنا (أَنْزِلُ يَوْمًا) والفاء تفسيريَّةٌ للتَّناوب المذكور (فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ) أي: الوحي؛ إذ اللَّام للأمر المعهود عندهم (١)، أو الأوامر الشَّرعيَّة (وَغَيْرِهِ) من الحوادث الكائنة عنده ﷺ (وَإِذَا نَزَلَ) أي: جاري (فَعَلَ مِثْلَهُ) أي: مثل الذي أفعله معه من الإخبار بأمر الوحي وغيره (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- نَغْلِبُ النِّسَاءَ) أي: نحكم عليهنَّ (٢) ولا يحكمن علينا (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ) أي (٣): المدينة (إِذَا هُمْ) أي: فاجأناهم (قَوْمٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذْ هم» -بسكون الذَّال- «قومٌ» (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ) فليس لهم شدَّة وطأةٍ عليهنَّ (فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا) أي: أخذن (٤) (يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ) بالدَّال المُهمَلة، أي: من سيرتهنَّ وطريقتهنَّ، كذا وجدته في جميع ما وقفت عليه من الأصول المُعتمَدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه بالرَّاء، قال: وهو العقل (فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أي: رفعت صوتي عليها (فَرَاجَعَتْنِي) ردَّت عليَّ الجواب (فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي) أي: تراددني في القول (فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ) بسكون العين (وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ) بجرِّ «اللَّيل» بـ «حتَّى»، وفي رواية عُبَيد بن حُنَينٍ عند المؤلِّف في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣]: وإنَّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتَّى يظلَّ يومه غضبان (فَأَفْزَعَنِي) كلامها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفزعتني» أي:
المرأة (فَقُلْتُ: خَابَتْ) بتاء التَّأنيث السَّاكنة، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «خاب» (مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ) ذلك (بِعَظِيمٍ) أي: بأمرٍ عظيمٍ، وفي نسخةٍ: «لَعظيم» بلامٍ مفتوحةٍ بدل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «جاءت» من المجيء «مَنْ فعل منهنَّ بعظيمٍ» (ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستها جميعًا (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني: ابنته (فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ (١)) أي: يا حَفْصَةُ (أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟) بالجرِّ (فَقَالَتْ: نَعَمْ) إنَّا لَنراجعه (فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ) أي: مَنْ غاضبته (أَفَتَأْمَنُ) التي (٢) تغاضبه منكنَّ (أَنْ يَغْضَبَ اللهُ) عليها (لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِينَ) بكسر اللَّام، وفي آخره نونٌ، قال أبو عليٍّ الصَّدفيُّ (٣): والصَّواب: «أفتأمنين»، وفي آخره: «فَتَهْلَكي» أي: بحذف النُّون، كذا قال، وليس بخطأٍ لإمكان توجيهه، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: القياس فيه حذف النُّون، فتأويله: فأنت تهلكين، وقال في «المصابيح»: بكسر اللَّام وفتح الكاف، وفاعله ضمير الأوَّل (لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: لا تطلبي منه الكثير (وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ) أي: لا ترادديه في الكلام (وَلَا تَهْجُرِيهِ) ولو هجرك (وَاسْأَلِينِي) بسكون السِّين وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ، ولأبي ذرٍّ: «وسَليني» بفتح السِّين وإسقاط الهمزة (مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك من الضَّرورات (وَلَا يَغُرَّنَّكِ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَنْ كَانَتْ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، أي: بأن كانت (جَارَتُكِ) أي: ضرَّتُك، والعرب تطلق على الضَّرَّة جارةً، لتجاورهما المعنويِّ، ولكونهما عند شخصٍ واحدٍ وإن لم يكن حسِّيًّا (هِيَ أَوْضَأَ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعد الضَّاد المعجمة المفتوحة همزةٌ، من الوضاءة، أي: ولا يغرنَّك كون ضرَّتك أجمل وأنظف (مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) ولغير أبي ذرٍّ: «أوضأَ وأحبَّ» بالنَّصب فيهما، خبر «كان» ومعطوفًا عليه (يُرِيدُ) عمر ﵁ بجارتها الموصوفة بالوضاءة (عَائِشَةَ) ﵂، والمعنى: لا تغترِّي بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك،
فإنَّها تُدِلُّ بجمالها ومحبَّة النَّبيِّ ﷺ فيها، فلا تغترِّي أنت بذلك لاحتمال ألَّا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها.
(وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا) وفي نسخةٍ عليها علامة السُّقوط في «اليونينيَّة» (١): «حُدِّثنا» بإسقاط المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الحاء وكسر الدَّال المُهمَلة (٢) المُشدَّدة (أَنَّ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السِّين المهملة وبعد الألف نونٌ: رهطًا من قحطان، نزلوا حين تفرَّقوا من مأرب بماءٍ يُقال له: غسَّان، فسُمُّوا بذلك، وسكنوا بطرف الشَّام (تُنْعِلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وبعد النُّون السَّاكنة عينٌ مُهمَلةٌ مكسورةٌ، الدَّوابَّ (النِّعَالَ) بكسر النُّون، وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به، وللحَمُّويي والمُستملي: «تَنْتَعل (٣)» بمُثنَّاتين فوقيتيَّن مفتوحتين (٤)، بينهما نونٌ ساكنةٌ، وفي «باب موعظة الرَّجل ابنته» من «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: تُنْعِلُ الخيلَ (لِغَزْوِنَا) معشرَ المسلمين (فَنَزَلَ صَاحِبِي) الأنصاريُّ المُسمَّى عِتْبان بن مالكٍ على النَّبيِّ ﷺ (يَوْمَ نَوْبَتِهِ) فسمع اعتزال رسول الله ﷺ عن زوجاته (فَرَجَعَ) إلى العوالي (عِشَاءً) نُصِب على الظَّرفيَّة (٥)، أي: في عشاءٍ، فجاء (٦) إليَّ (فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «أَثَمَّ هو» بفتح المُثلَّثة، أي: في البيت وذلك لبطء إجابتهم له، فظنَّ أنَّه خرج من البيت، قال عمر ﵁: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزَّاي، أي: خفت لأجل الضَّرب الشَّديد (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وفي رواية عُبيد بن حنينٍ [خ¦٤٩١٣]: جاء الغسَّانيُّ، واسمه -كما في «تاريخ ابن أبي خيثمة» و «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ- جبلة بن الأيهم (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ) وعند ابن سعدٍ من حديث عائشة: فقال الأنصاريُّ: أعظم من ذلك،
ما أرى رسول الله ﷺ إلَّا قد طلَّق نساءه، فوقع «طلَّق» مقرونًا بالظَّنِّ، وفي جميع الطُّرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثورٍ [خ¦٥١٩١]: «طَلَّقَ» بالجزم، فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النِّفاق فتناقله النَّاس، وأصله ما وقع من اعتزاله ﷺ بذلك ولم تجر عادته بذلك، فظنُّوا أنَّه طلقهنَّ (قَالَ) أي: عمر: (قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ) خصَّها بالذِّكر لمكانتها منه لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك (كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ) بكسر الشِّين (أَنْ يَكُونَ) أي: يقرب كونه لأنَّ المُراجَعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) أي: لبستُها (فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً) بفتح الميم وسكون الشِّين المعجمة وضمِّ الرَّاء وفتح المُوحَّدة: غرفةً (لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ؟) أي: من أن تغاضبي رسول الله ﷺ، أو تراجعيه، أو تهجريه، زاد في رواية سِمَاك بن الوليد عند مسلمٍ: لقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ لا يحبُّك ولولا أنا لَطلَّقك، فبكت أشدَّ البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النَّبيِّ ﷺ، ولما تتوقَّعه من شدَّة غضب أبيها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه: والله إن كان طلَّقك لا أكلِّمك أبدًا، ثمَّ استفهمها عمَّا سمعه، فقال: (أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ) من بيت حفصة (فَجِئْتُ المِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ) لم يُسمَّوا (يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه ﵊ نساءه، ومن جملتهنَّ حفصة بنته، وفي ذلك من المشقَّة ما لا يخفى (فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ) ﷺ (فِيهَا) وفي نسخةٍ: «التي فيه»، وفي الفرع علامة السُّقوط على قوله: «هو فيها»، ثمَّ كُتِب بالهامش: «الذي (١) فيه» بالتَّذكير، وإسقاط: «هو»، وصحَّح على ذلك (٢) (فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ) اسمه رَبَاحٌ بفتح الرَّاء والمُوحَّدة (٣) المُخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وسقط لفظ «له» في رواية أبي ذرٍّ (اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ) ﵊ (فَصَمَتَ) قال عمر ﵁: (فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ،
ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ) ولأبي ذرٍّ: «فجئت، فقلت للغلام» أي: استأذنْ لعمر، فذكر مثله (فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ) حال كوني (مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ) فاجأني (يَدْعُونِي، قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي: في الدُّخول (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) ﷺ (فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ) بكسر الرَّاء والإضافة، ما رُمِل، أي: نُسِج من حصيرٍ وغيره (لَيْسَ بَيْنَهُ) ﵊ (وَبَيْنَهُ) أي: الحصير (فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) الشَّريف وهو (مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين: جلدٍ مدبوغٍ (حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ) أي: أطلقَّتَ (نِسَاءَكَ؟) فهمزة الاستفهام مُقدَّرةٌ (فَرَفَعَ) ﵊ (بَصَرَهُ) الشَّريف (إِلَيَّ فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ) أي: أتبصَّر، هل يعود ﷺ إلى الرِّضا أو هل أقول قولًا أُطيِّب به قلبه وأُسكِّن غضبه: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي) بفتح التَّاء (وَكُنَّا -مَعْشَرَ قُرَيْشٍ-) بسكون العين (نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ) أي: السَّابق من القصَّة (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ) ولغير أبي ذرٍّ وكريمة: «فتبسَّم رسول الله» (١) (ﷺ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأُ مِنْكِ وَأَحَبُّ) بالرَّفع فيهما لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أوضأَ وأحبَّ» بنصبهما خبر «كان» ومعطوفًا عليه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يُرِيدُ: عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ) ﵊ (أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي) أي: نظرتُ (فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ) بفتح الهمزة والهاء، جمع إهابٍ: جلدٍ قبل أن يُدبَغ، أو مطلقًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاثٍ» بغير هاءٍ (فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ) ليوسِّع (فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ) فالفاء عطفٌ على محذوفٍ، فكرَّر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدُّعاء للتَّأكيد، قاله الكِرمانيُّ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ) ﵊ (مُتَّكِئًا) فجلس (٢) (فَقَالَ: أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟) بفتح الهمزة والواو للإنكار
التَّوبيخيِّ، أي: أأنت (١) في شكٍّ في أنَّ التَّوسُّع في الآخرة خيرٌ من التَّوسُّع في الدُّنيا؟ (أُولَئِكَ) فارس والرُّوم (قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي) أي: عن جراءتي بهذا القول في حضرتك، أو عن (٢) اعتقادي أنَّ التَّجمُّلات الدُّنيويَّة مرغوبٌ فيها، قال عمر ﵁: (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) وهو أنَّه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «اكتمي عليَّ، وقد حرَّمت مارية على نفسي»، فأفشت (٣) حفصة إلى عائشة، فغضبت عائشة حتَّى حلف النَّبيُّ ﷺ أنَّه لا يقربها شهرًا، وهو معنى قوله (وَكَانَ قَدْ قَالَ) ﵊: (مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ) أي: نسائه (شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم، وفتحها في الفرع كأصله، مصدرٌ ميميٌّ، أي: غضبِه (عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى عاتبه الله» أي: بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] والذي في «الصَّحيحين» [خ¦٤٩١٢]: أنَّه ﷺ كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة (٤) على (٥) أنَّ أيَّتهما دخل عليها فلتقل له: أكلتَ مغافير، إنِّي أجد منك ريح مغافير، فقال: «لا، ولكنِّي كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحشٍ، ولن أعود له، وقد حلفتُ، لا تُخبري بذلك أحدًا»، فقد اختُلِف في الذي حرَّمه على نفسه وعُوتِب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه، والأوَّل رواه جماعةٌ يأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى- في «تفسير سورة التَّحريم» [خ¦٤٩١٣] وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية بيتَ حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي (٦) دون نسائك، فحلف لها لا يقربها،
وقال: «هي حرامٌ»، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشَّيئين معًا، ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين، وفيه: أنَّ حفصة أُهدِيت لها عُكَّةٌ فيها عسلٌ، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتَّى تُلعقه أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجاريةٍ عندها حبشيَّةٍ يُقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما تصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنَّ فقلن: إنَّا نجد منك ريح مغافير، فقال: «هو عسلٌ، والله لا أطعمه أبدًا»، فلمَّا كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها (١)، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مُغلَقًا، فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: «أُشْهِدُكِ أنَّها حرامٌ، انظري، لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندك أمانةٌ»، فلمَّا خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أُبشِّرك أنَّ رسول الله ﷺ قد حرَّم أَمَتَه، فنزلت، أي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
(فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ليلةً (دَخَلَ) ﵊ (عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلَّا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) باللَّام، وللحَمُّويي والمُستملي: «بتسعٍ» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ) الذي آليت فيه (٢) (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ) وُجِد (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي روايةٍ: «تسعًا وعشرين» بالنَّصب خبر «كان» النَّاقصة (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ) الآتية (فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: لا بأس عليك في عدم التَّعجيل، أو «لا» زائدةٌ، أي: ليس عليك التَّعجيل والاستئمار (قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه) ولأبي ذرٍّ: «بفراقك» (ثُمَّ