«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٧

الحديث رقم ٢٤٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل من بات على الوضوء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٤٧ في صحيح البخاري

«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى

⦗٥٩⦘

الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».

كِتَابُ الْغُسْلِ

وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

بَابُ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ

إسناد حديث رقم ٢٤٧ من صحيح البخاري

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٤٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَوَهِمَ مَنْ ضَمَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي رَآنِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ صَخْرٍ أَرَانِي فِي الْمَنَامِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الرُّؤْيَا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لِي) قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ جِبْرِيلُ كَمَا سَيَذْكُرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَبِّرْ) أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ فِي السِّنِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (اخْتَصَرَهُ) أَيِ الْمَتْنَ (نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَرِوَايَةُ نُعَيْمٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ وَرَوَيْنَاهَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُعَيْمٍ بِلَفْظِ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِصَارٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَنُّ، فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَقَعَتْ فِي الْيَقَظَةِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ فِي الْيَقَظَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَآهُ فِي النَّوْمِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مُتَقَدِّمٍ، فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ.

وَيَشْهَدُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي الْجُلُوسِ، فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكَ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهَا وَكَبِيرِ فِطْنَتِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَغْسِلْهُ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَفُوتَهَا الِاسْتِشْفَاءُ بِرِيقِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ تَأَدُّبًا وَامْتِثَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَمْرِهَا بِغَسْلِهِ تَطْيِيبَهُ وَتَلْيِينَهُ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.

[الحديث ٢٤٧ - أطرافه في: ٧٤٨٨، ٦٣١٥، ٦٣١٣، ٦٣١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى وُضُوءٍ (١).

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ

الْمُبَارَكِ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأْ) ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ السُّنَّةُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَنْ طُرُقٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثٌ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ) (١) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ آخِرِ وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَصْفٌ زَائِدٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لَيْسَ بِمَعْنَى لَفْظِ النَّبِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصْفَيْنِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ وَصْفُ الرِّسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ، أَوْ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَرَأَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، أَوْ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا مِمَّنْ أُرسِلَ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ كَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُمْ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ الْكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ أَمْدَحُ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلَ بِخِلَافِ لَفْظِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ عُرْفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ لَفْظِ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ مَثَلًا فِي الرِّوَايَةِ، بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَلَوْ أَجَزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِكَوْنِ

الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّا نَقُولُ: الذَّاتُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدَةٌ فَبِأَيِّ وَصْفٍ وَصَفْتَ بِهِ تِلْكَ الذَّاتَ مِنْ أَوْصَافِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا عُلِمَ الْقَصْدُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَبَايَنَتْ مَعَانِي الصِّفَاتِ، كَمَا لَوْ أَبْدَلَ اسْمًا بِكُنْيَةٍ أَوْ كُنْيَةً بِاسْمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي مَثَلًا: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّوْقِيفِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَالِاسْتِطَابَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَحَدِيثُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ،

وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي ادِّخَارِ شَعْرِ النَّبِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥ - كِتَاب الْغُسْل

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْغُسْلِ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِتَقْدِيمِ الْبَسْمَلَةِ، وَلِلْأَكْثَرِ بِالْعَكْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ ذَلِكَ، وَحُذِفَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَعِنْدَهُ بَابُ الْغُسْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ اسْمٌ لِلِاغْتِسَالِ، وَقِيلَ: إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَضْمُومٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَيَجُوزُ فِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ الْمَصْدَرُ بِالْفَتْحِ وَالِاغْتِسَالُ بِالضَّمِّ، وَقِيلَ: الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ فِعْلُ الْمُغْتَسِلِ وَبِالضَّمِّ الْمَاءُ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ مَعَ الْمَاءِ كَالْأُشْنَانِ.

وَحَقِيقَةُ الْغَسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّلْكِ فَلَمْ يُوجِبْهُ الْأَكْثَرُ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمُزَنِيِّ وُجُوبُهُ، وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ غَسْلِهَا قَالَ: فَيَجِبُ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ قِيَاسًا لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّلْكَ أَجَازُوا غَمْسَ الْيَدِ فِي الْمَاءِ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ فَبَطَلَ الْإِجْمَاعُ وَانْتَفَتِ الْمُلَازَمَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: غَرَضُهُ بَيَانُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَى الْجُنُبِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: وَقَدَّمَ الْآيَةَ الَّتِي مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ لِدَقِيقَةٍ، وَهِيَ أَنَّ لَفْظَ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فَفِيهَا إِجْمَالٌ، وَلَفْظُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَفِيهَا تَصْرِيحٌ بِالِاغْتِسَالِ وَبَيَانٌ لِلتَّطْهِيرِ الْمَذْكُورِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فَاغْتَسِلُوا، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْحَائِضِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَيِ اغْتَسَلْنَ اتِّفَاقًا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ) بالألف واللَّام، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وضوءٍ» (١) بالتنكير.

٢٤٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة -بالزَّايِ- الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) (قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ) أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من باب «منَع يمنَع»، وفي الفرع بكسرها (٢) (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و «الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من (٣) تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ) لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق (٤) القلب، فيسرع الإفاقة (٥) ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ) طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: «أسلمت نفسي» ومعنى «أسلمت»: استسلمت، أي: سلَّمتها لك (٦) إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح، ولذا جاء في روايةٍ: «أسلمت نفسي

إليك، ووجَّهت وجهي إليك» فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما (وَفَوَّضْتُ) من التَّفويض، أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبَرِئْتُ من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه (وَأَلْجَأْتُ) أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) أي: طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (١) بـ «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً» تغليبًا، كقوله:

ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه:

علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد لأنَّه (٢) (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وَتَرْكِهِ في الثَّاني كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة، وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و «منجى» مصدرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك

إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك محمَّد (١) ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن (٢) يعمَّ الكلَّ لإضافته إلى الضَّمير لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال (٣) الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] أوَّل «البقرة» وتعريف الموصول إمَّا للعهد فالمُراد به ناسٌ بأعيانهم، كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس متناولًا من صَمَّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذِف ضمير المفعول، أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ به» بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من آخر ما تتكلَّم (٤) به» ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في «باب الإيمان»، وإن كان هو (٥) كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية، أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ ) لأحفظهنَّ (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ) زاد الأَصيليُّ: «الذي أرسلت» (قَالَ) رسول الله : (لَا) أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك» لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف

النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ كجبريل وغيره من الملائكة لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول» لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل بخلاف لفظ: «النَّبيِّ» فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير (١) عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ، يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة. انتهى. وهو مردودٌ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب (٢)، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل (٣) ألفاظه لأنَّها ينابيع الحِكَم (٤) وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها . انتهى. وقد (٥) تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ نحو: «بلى» «ونعم». انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ «الرَّسول» وعكسه لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات، كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه لأنَّه قد تُقبَض

روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من (١) أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف «كتاب الوضوء» بهذا الحديث من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب (٢).

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١١]، ومسلمٌ في «الدُّعاء»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» (٣)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

((٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الغَسْلِ) هو بفتح الغَيْن أفصح وأشهر من ضمِّها، مصدر «غسل»، وبمعنى: الاغتسال، وبكسرها: اسمٌ لما يُغسَل به من سدرٍ وخطميٍّ ونحوهما، وبالضَّمِّ: اسمٌ للماء الذي يُغتسَل به، وهو بالمعنيين الأوليين لغةً: سيلان الماء على الشَّيء، وشرعًا: سيلانه على جميع البدن، مع تمييز ما للعبادة عن العادة بالنِّيَّة، ووقع في رواية الأكثر: تأخير البسملة عن «كتاب الغسل»، وسقطت من رواية الأَصيليِّ، وعنده: «بابُ» بدل «كتاب» وهو أَوْلى لأنَّ الكتاب يجمع أنواعًا، و «الغسل» نوعٌ واحدٌ من أنواع الطَّهارة وإن كان في نفسه يتعدَّد، ثمَّ إنَّ المؤلِّف افتتح «كتاب الغسل» بآيتَي «النَّساء» و «المائدة»، إشعارًا بأنَّ وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن فقال: (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾) أي: فاغتسلوا، و «الجُنُب»: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والواحد والجمع لأنَّه يجري

مجرى المصدر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخاف معه من (١) استعمال الماء، فإنَّ الواجد له كالفاقد، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: نزلت في مريضٍ من الأنصار لم يكن له خادمٌ، ولم يستطع أن يقوم ويتوضَّأ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلًا كان (٢) أو قصيرًا، لا تجدون به ماءً (٣) (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾) فأحدث، بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض (﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾) أي: ماسستم بشرتهنَّ ببشرتكم، وبه استدلَّ الشَّافعيُّ على أنَّ اللَّمس ينقض الوضوء، وهو (٤) قول ابن مسعودٍ وابن عمر وبعض التَّابعين، وقِيلَ: أو جامعتموهنَّ، وهو قول عليٍّ والثَّابت عن ابن عبَّاسٍ وعن أكثر الصَّحابة والتَّابعين (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) فلم تتمكَّنوا من استعماله إذِ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التَّقسيم أنَّ المترخِّص بالتَّيمُّم إمَّا مُحْدِثٌ أو جُنُبٌ، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرضٌ أو سفرٌ، والجُنُبُ لمَّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمُحْدِث لمَّا لم يجرِ ذكره ذكر أسبابه (٥)، ما يحدث بالذَّات وما يحدث بالعرَضَ، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجُنُب، وبيان حال (٦) العذر مُجمَلًا، وكأنَّه قِيَل: وإن كنتم جنبًا (٧)، مرضى أو على سفر، أو مُحْدِثين جئتم من الغائط أو لامستم النِّساء، فلم تجدوا ماء (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) أي: اقصدوا ترابًا، أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا (﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾) أي: من بعضه؛ ولذا قال أصحابنا: لا بدَّ أن يَعْلَق باليد شيءٌ من التُّراب (﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾) بما فرض من الغسل والوضوء والتَّيمُّم (﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾) ضيقٍ (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾) من الأحداث والذُّنوب،

فإنَّ الوضوء تكفيرٌ لها (١) (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾) ببيان ما هو مَطْهَرَةٌ للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]) نعمتي فأزيدها عليكم.

(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾) اجتنبوها حال السُّكْر، نزلت في جمعٍ من الصَّحابة شربوا الخمر قبل تحريمه (٢) عند ابن عوفٍ، وتقدَّم عليٌّ للإمامة وقرأ: «قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون» رواه التِّرمذيُّ وأبو داود، وقال الضَّحَّاك: عنى به سُكْرَ النَّوم لا سُكْر الخمر (﴿وَلَا جُنُبًا﴾) عطفٌ على ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إذِ الجملة في موضع النَّصب على الحال (﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾) مسافرين حين فَقْدِ الماء، فإنَّه جائزٌ للجنب (٣) حينئذٍ للصَّلاة، أوِ المعنى: لا تقربوا مواضع الصَّلاة في حال السُّكر

ولا في (١) حال الجنابة، إلَّا حال العبور فيها، فجاز المرور لا اللُّبث، وعليه كلام أكثر السَّلف (﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾) من الجنابة (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾) استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]) يسهِّل ولا يعسِّر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في الفرع، وعند ابن عساكر: «﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ (٢): «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ الآية» وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ … ﴾ الاية [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾».

(١) (بابُ) سنَّة (الوُضُوءِ قَبْلَ الغَُسْلِ) -بفتح الغَيْن وضمِّها- على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء»

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَوَهِمَ مَنْ ضَمَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي رَآنِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ صَخْرٍ أَرَانِي فِي الْمَنَامِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الرُّؤْيَا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لِي) قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ جِبْرِيلُ كَمَا سَيَذْكُرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَبِّرْ) أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ فِي السِّنِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (اخْتَصَرَهُ) أَيِ الْمَتْنَ (نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَرِوَايَةُ نُعَيْمٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ وَرَوَيْنَاهَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُعَيْمٍ بِلَفْظِ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِصَارٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَنُّ، فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَقَعَتْ فِي الْيَقَظَةِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ فِي الْيَقَظَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَآهُ فِي النَّوْمِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مُتَقَدِّمٍ، فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ.

وَيَشْهَدُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي الْجُلُوسِ، فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكَ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهَا وَكَبِيرِ فِطْنَتِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَغْسِلْهُ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَفُوتَهَا الِاسْتِشْفَاءُ بِرِيقِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ تَأَدُّبًا وَامْتِثَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَمْرِهَا بِغَسْلِهِ تَطْيِيبَهُ وَتَلْيِينَهُ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.

[الحديث ٢٤٧ - أطرافه في: ٧٤٨٨، ٦٣١٥، ٦٣١٣، ٦٣١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى وُضُوءٍ (١).

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ

الْمُبَارَكِ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأْ) ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ السُّنَّةُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَنْ طُرُقٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثٌ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ) (١) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ آخِرِ وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَصْفٌ زَائِدٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لَيْسَ بِمَعْنَى لَفْظِ النَّبِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصْفَيْنِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ وَصْفُ الرِّسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ، أَوْ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَرَأَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، أَوْ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا مِمَّنْ أُرسِلَ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ كَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُمْ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ الْكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ أَمْدَحُ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلَ بِخِلَافِ لَفْظِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ عُرْفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ لَفْظِ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ مَثَلًا فِي الرِّوَايَةِ، بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَلَوْ أَجَزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِكَوْنِ

الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّا نَقُولُ: الذَّاتُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدَةٌ فَبِأَيِّ وَصْفٍ وَصَفْتَ بِهِ تِلْكَ الذَّاتَ مِنْ أَوْصَافِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا عُلِمَ الْقَصْدُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَبَايَنَتْ مَعَانِي الصِّفَاتِ، كَمَا لَوْ أَبْدَلَ اسْمًا بِكُنْيَةٍ أَوْ كُنْيَةً بِاسْمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي مَثَلًا: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّوْقِيفِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَالِاسْتِطَابَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَحَدِيثُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ،

وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي ادِّخَارِ شَعْرِ النَّبِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥ - كِتَاب الْغُسْل

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْغُسْلِ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِتَقْدِيمِ الْبَسْمَلَةِ، وَلِلْأَكْثَرِ بِالْعَكْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ ذَلِكَ، وَحُذِفَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَعِنْدَهُ بَابُ الْغُسْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ اسْمٌ لِلِاغْتِسَالِ، وَقِيلَ: إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَضْمُومٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَيَجُوزُ فِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ الْمَصْدَرُ بِالْفَتْحِ وَالِاغْتِسَالُ بِالضَّمِّ، وَقِيلَ: الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ فِعْلُ الْمُغْتَسِلِ وَبِالضَّمِّ الْمَاءُ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ مَعَ الْمَاءِ كَالْأُشْنَانِ.

وَحَقِيقَةُ الْغَسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّلْكِ فَلَمْ يُوجِبْهُ الْأَكْثَرُ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمُزَنِيِّ وُجُوبُهُ، وَاحْتَجَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ غَسْلِهَا قَالَ: فَيَجِبُ ذَلِكَ فِي الْغَسْلِ قِيَاسًا لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّلْكَ أَجَازُوا غَمْسَ الْيَدِ فِي الْمَاءِ لِلْمُتَوَضِّئِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ فَبَطَلَ الْإِجْمَاعُ وَانْتَفَتِ الْمُلَازَمَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: غَرَضُهُ بَيَانُ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَى الْجُنُبِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: وَقَدَّمَ الْآيَةَ الَّتِي مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ لِدَقِيقَةٍ، وَهِيَ أَنَّ لَفْظَ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فَفِيهَا إِجْمَالٌ، وَلَفْظُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَفِيهَا تَصْرِيحٌ بِالِاغْتِسَالِ وَبَيَانٌ لِلتَّطْهِيرِ الْمَذْكُورِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فَاغْتَسِلُوا، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْحَائِضِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَيِ اغْتَسَلْنَ اتِّفَاقًا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ) بالألف واللَّام، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وضوءٍ» (١) بالتنكير.

٢٤٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة -بالزَّايِ- الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) (قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ) أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من باب «منَع يمنَع»، وفي الفرع بكسرها (٢) (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و «الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من (٣) تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ) لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق (٤) القلب، فيسرع الإفاقة (٥) ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ) طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: «أسلمت نفسي» ومعنى «أسلمت»: استسلمت، أي: سلَّمتها لك (٦) إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح، ولذا جاء في روايةٍ: «أسلمت نفسي

إليك، ووجَّهت وجهي إليك» فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما (وَفَوَّضْتُ) من التَّفويض، أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبَرِئْتُ من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه (وَأَلْجَأْتُ) أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) أي: طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (١) بـ «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً» تغليبًا، كقوله:

ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه:

علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد لأنَّه (٢) (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وَتَرْكِهِ في الثَّاني كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة، وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و «منجى» مصدرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك

إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك محمَّد (١) ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن (٢) يعمَّ الكلَّ لإضافته إلى الضَّمير لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال (٣) الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] أوَّل «البقرة» وتعريف الموصول إمَّا للعهد فالمُراد به ناسٌ بأعيانهم، كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس متناولًا من صَمَّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذِف ضمير المفعول، أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ به» بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من آخر ما تتكلَّم (٤) به» ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في «باب الإيمان»، وإن كان هو (٥) كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية، أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ ) لأحفظهنَّ (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ) زاد الأَصيليُّ: «الذي أرسلت» (قَالَ) رسول الله : (لَا) أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك» لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف

النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ كجبريل وغيره من الملائكة لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول» لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل بخلاف لفظ: «النَّبيِّ» فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير (١) عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ، يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة. انتهى. وهو مردودٌ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب (٢)، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل (٣) ألفاظه لأنَّها ينابيع الحِكَم (٤) وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها . انتهى. وقد (٥) تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ نحو: «بلى» «ونعم». انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ «الرَّسول» وعكسه لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات، كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه لأنَّه قد تُقبَض

روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من (١) أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف «كتاب الوضوء» بهذا الحديث من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب (٢).

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١١]، ومسلمٌ في «الدُّعاء»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» (٣)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

((٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الغَسْلِ) هو بفتح الغَيْن أفصح وأشهر من ضمِّها، مصدر «غسل»، وبمعنى: الاغتسال، وبكسرها: اسمٌ لما يُغسَل به من سدرٍ وخطميٍّ ونحوهما، وبالضَّمِّ: اسمٌ للماء الذي يُغتسَل به، وهو بالمعنيين الأوليين لغةً: سيلان الماء على الشَّيء، وشرعًا: سيلانه على جميع البدن، مع تمييز ما للعبادة عن العادة بالنِّيَّة، ووقع في رواية الأكثر: تأخير البسملة عن «كتاب الغسل»، وسقطت من رواية الأَصيليِّ، وعنده: «بابُ» بدل «كتاب» وهو أَوْلى لأنَّ الكتاب يجمع أنواعًا، و «الغسل» نوعٌ واحدٌ من أنواع الطَّهارة وإن كان في نفسه يتعدَّد، ثمَّ إنَّ المؤلِّف افتتح «كتاب الغسل» بآيتَي «النَّساء» و «المائدة»، إشعارًا بأنَّ وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن فقال: (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾) أي: فاغتسلوا، و «الجُنُب»: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والواحد والجمع لأنَّه يجري

مجرى المصدر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخاف معه من (١) استعمال الماء، فإنَّ الواجد له كالفاقد، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: نزلت في مريضٍ من الأنصار لم يكن له خادمٌ، ولم يستطع أن يقوم ويتوضَّأ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلًا كان (٢) أو قصيرًا، لا تجدون به ماءً (٣) (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾) فأحدث، بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض (﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾) أي: ماسستم بشرتهنَّ ببشرتكم، وبه استدلَّ الشَّافعيُّ على أنَّ اللَّمس ينقض الوضوء، وهو (٤) قول ابن مسعودٍ وابن عمر وبعض التَّابعين، وقِيلَ: أو جامعتموهنَّ، وهو قول عليٍّ والثَّابت عن ابن عبَّاسٍ وعن أكثر الصَّحابة والتَّابعين (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) فلم تتمكَّنوا من استعماله إذِ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التَّقسيم أنَّ المترخِّص بالتَّيمُّم إمَّا مُحْدِثٌ أو جُنُبٌ، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرضٌ أو سفرٌ، والجُنُبُ لمَّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمُحْدِث لمَّا لم يجرِ ذكره ذكر أسبابه (٥)، ما يحدث بالذَّات وما يحدث بالعرَضَ، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجُنُب، وبيان حال (٦) العذر مُجمَلًا، وكأنَّه قِيَل: وإن كنتم جنبًا (٧)، مرضى أو على سفر، أو مُحْدِثين جئتم من الغائط أو لامستم النِّساء، فلم تجدوا ماء (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) أي: اقصدوا ترابًا، أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا (﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾) أي: من بعضه؛ ولذا قال أصحابنا: لا بدَّ أن يَعْلَق باليد شيءٌ من التُّراب (﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾) بما فرض من الغسل والوضوء والتَّيمُّم (﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾) ضيقٍ (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾) من الأحداث والذُّنوب،

فإنَّ الوضوء تكفيرٌ لها (١) (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾) ببيان ما هو مَطْهَرَةٌ للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]) نعمتي فأزيدها عليكم.

(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾) اجتنبوها حال السُّكْر، نزلت في جمعٍ من الصَّحابة شربوا الخمر قبل تحريمه (٢) عند ابن عوفٍ، وتقدَّم عليٌّ للإمامة وقرأ: «قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون» رواه التِّرمذيُّ وأبو داود، وقال الضَّحَّاك: عنى به سُكْرَ النَّوم لا سُكْر الخمر (﴿وَلَا جُنُبًا﴾) عطفٌ على ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إذِ الجملة في موضع النَّصب على الحال (﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾) مسافرين حين فَقْدِ الماء، فإنَّه جائزٌ للجنب (٣) حينئذٍ للصَّلاة، أوِ المعنى: لا تقربوا مواضع الصَّلاة في حال السُّكر

ولا في (١) حال الجنابة، إلَّا حال العبور فيها، فجاز المرور لا اللُّبث، وعليه كلام أكثر السَّلف (﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾) من الجنابة (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾) استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]) يسهِّل ولا يعسِّر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في الفرع، وعند ابن عساكر: «﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ (٢): «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ الآية» وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ … ﴾ الاية [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾».

(١) (بابُ) سنَّة (الوُضُوءِ قَبْلَ الغَُسْلِ) -بفتح الغَيْن وضمِّها- على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد