«كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٨٢

الحديث رقم ٢٤٨٢ من كتاب «كتاب المظالم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا هدم حائطا فليبن مثله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٤٨٢ في صحيح البخاري

«كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ.»

بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَِّهْدِ وَالْعُرُوضِ وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهِْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ

إسناد حديث رقم ٢٤٨٢ من صحيح البخاري

٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٤٨٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَدَمِ الْمِثْلِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ كَالْأَوَّلِ، وَعَنْهُ مَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ فَالْمِثْلُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْقِيمَةُ. وَعَنْهُ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْقِيمَةُ وَإِلَّا فَالْمِثْلُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ. وَمَا أَطْلَقَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابِهَ الْأَجْزَاءِ وَأَمَّا الْقَصْعَةُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا. وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ فِي بَيْتَيْ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِجَعْلِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَضْمِينٌ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لَهُمَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا بَيْنَهُمَا فَرَضِيَتَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِ بِالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِإِعْطَاءِ قَصْعَتِهَا لِلْأُخْرَى.

قُلْتُ: وَيَبْعُدُ هَذَا التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: فَصَارَتْ قَضِيَّةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيَبْقَى دَعْوَى مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، لَكِنَّ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا أَفْسَدَ الْمَكْسُورَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ خَفِيفًا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطَّعَامِ فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعُونَةِ وَالْإِصْلَاحِ دُونَ بَتِّ الْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ مَعْلُومٌ، وَفِي طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الطَّعَامَيْنِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُصِفَتِ الْمُرْسِلَةُ بِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ عَائِشَةَ وَإِشَارَةً إِلَى غَيْرَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا. وَقَوْلُهُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ اعْتِذَارٌ مِنْهُ لِئَلَّا يُحْمَلَ صَنِيعُهَا عَلَى مَا يُذَمُّ، بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهَا. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ خُلُقِهِ وَإِنْصَافُهُ وَحِلْمُهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبِ الْكَاسِرَةَ وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَةَ عَلَيْهَا، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَامَ لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى، فَإِتْلَافُهُمْ لَهُ قَبُولٌ أَوْ فِي حُكْمِ الْقَبُولِ، وَغَفَلَ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ، لِحُمَيْدٍ، وَقَدْ وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا مِنْ عِنْدِ ابْنِ حَزْمٍ.

٣٥ - بَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ

٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ - يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى. فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا،

فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ)؛ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَأَوْرَدَ فيه الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: فَقَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ. وَتَوْجِيهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْتِ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ، لَكِنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ جُرَيْجٍ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمُ اتِّفَاقًا وَهُوَ بِنَاؤُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَا أَجَابَهُمْ جُرَيْجٌ إِلَّا بِقَوْلِهِ: مِنْ طِينٍ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا. قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْهَادِمَ لَوِ الْتَزَمَ الْإِعَادَةَ وَرَضِيَ صَاحِبُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِمَا وَجَبَ نَاجِزًا - وَهُوَ الْقِيمَةُ - إِلى مَا يَتَأَخَّرُ - وَهُوَ الْبُنْيَانُ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِي قَوْلِهِ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ شَاهِدٌ عَلَى حَذْفِ الْمَجْزُومِ بِلَا؛ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: لَا تَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ طِينٍ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَظَالِمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: انْصُرْ أَخَاكَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَالقَصْعَةَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (حَتَّى فَرَغُوا) من الأكل، وأتى بقصعةٍ من عند عائشة (فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ) إلى الرَّسول ليعطيها للتي كُسِرت صحفتُها (وَحَبَسَ) القصعة (المَكْسُورَةَ) في بيتِ التي كَسَرَت، زاد الثَّوريُّ: وقال: «إناءٌ كإناءٍ، وطعامٌ كطعامٍ»، واستُشكِل: بأنَّه إنَّما يُحكَم في الشَّيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدَّراهم وسائر المثليَّات، والقصعة إنَّما هي من المتقوَّمات، والجواب ما حكاه البيهقيُّ: بأنَّ القصعتين كانتا للنَّبيِّ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصَّحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو شيخ المؤلِّف سعيدٌ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ) وغرض المؤلِّف بسياق هذا: بيانُ التَّصريح بتحديث أنسٍ لحُميدٍ، قاله في «الفتح».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا هَدَمَ) شخصٌ (حَائِطًا) لشخصٍ آخر (فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ) خلافًا لمن قال من المالكيَّة وغيرهم: تلزمه القيمة.

٢٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ) هو (١) (بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن زيد بن عبد الله، الأزديُّ البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ

أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ) بضمِّ الجيم الأولى (١) وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة وفي رواية كريمة: «جريجٌ الرَّاهب» (يُصَلِّي) أي: في صومعته، وفي أوَّل حديث أبي سلمة عند أحمد (٢) «كان رجلٌ في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرَّة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التِّجارة خيرٌ لألتمسنَّ تجارةً هي خيرٌ من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان بعد عيسى وأنَّه كان من أتباعه؛ لأنَّهم الذين ابتدعوا التَّرهُّب وحبس النَّفس في الصَّوامع، وهو يردُّ قول ابن بطَّالٍ: إنَّه يمكن أن يكون نبيًّا (فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ) لم تُسَمَّ (فَدَعَتْهُ) وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد: فأتته أمُّه ذات يومٍ فنادته، فقالت: ابني جريج، أشرِفْ حتَّى أكلِّمك، أنا أمُّك (فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ) في نفسه مناجيًا لله تعالى سرًّا (٣) من غير نطقٍ، أو نَطَقَ، وكان الكلام مباحًا في شريعتهم كما كان عندنا في صدر الإسلام: (أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ) أي: بعدما رجعت، وفي رواية أبي رافعٍ: «فصادَفَته يصلِّي، فقالت: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أمِّي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، فأتته وصادفته يصلِّي، فقالت: يا جريج، أنا أمُّك فكلِّمني» فقال مثله، وفي حديث عمران بن حُصَينٍ عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: أنَّها جاءته ثلاث مرَّاتٍ تناديه في كلِّ مرَّةٍ ثلاث مرَّاتٍ، وقوله: «أمِّي وصلاتي» أي: اجتمع عليَّ إجابة أمِّي وإتمام صلاتي، فوفِّقْني لأفضلهما (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ (٤) المُومِسَاتِ) جمع مُومِسَةٍ -بضمِّ الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مُهمَلةٌ-: الزَّانية، وفي رواية الأعرج في «باب إذا دعت الأمُّ ولدها في الصَّلاة» من (٥) أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١٢٠٦]: «حتَّى ينظر في وجوه المياميس»، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حتَّى تُرِيه وجوهَ المومسات» (وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ) بفتح الصَّاد المهملة (٦) وسكون الواو، وهي البناء المرتفع المُحدَّد أعلاه، ووزنها «فوعلةٌ»، من: صمعت، إذا دقِّقت؛ لأنَّها دقيقة الرَّأس (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) بغيٌّ منهم: (لأَفْتِنَنَّ

جُرَيْجًا) ولم تُسَمَّ، نعم في حديث عمران بن حُصَينٍ: أنَّها كانت بنت ملك القرية، لكن يعكِّر عليه ما في رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «وكانت تأوي إلى صومعته راعيةٌ ترعى الغنم»، وأجيب: باحتمال (١) أنَّها خرجت من دارها بغير علم أهلها متنكِّرةً للفساد إلى أن ادَّعت أنَّها تستطيع أن تفتن جريجًا، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعيةٍ ليمكنها أن تأوي إلى ظلِّ صومعته، لتتوصَّل بذلك إلى فتنته.

(فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ) أن يواقعها (فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا) قال القطب القسطلانيُّ في «المبهمات» له: اسمه صهيبٌ، وكذا قال ابن حجرٍ في المقدِّمة، لكنَّه قال في «فتح الباري» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]: لم أقف على اسم الرَّاعي، وزاد أحمد في رواية وهب بن جرير بن حازمٍ عن أبيه: «كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريجٍ» (فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) فَوَاقَعَها، وحَمَلَت منه (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) بعد انقضاء مدَّة الحمل، فسُئِلت: ممَّن هذا الغلام؟ (فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ) وفي رواية أبي رافعٍ: «فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم»، وفي حديث عمران: «فما شعر حتَّى سمع بالفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم: ويلَكم (٢)، ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلمَّا رأى ذلك أخذ الحبل فتدلَّى» (فَأَنْزَلُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «وأنزلوه» بالواو بدل الفاء (وَسَبُّوهُ) زاد أحمد في رواية وهب بن جريرٍ: «وضربوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنَّك زنيت بهذه»، وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد أيضًا: فجعلوا في عنقه وعنقها حبلًا، فجعلوا يطوفون بهما في النَّاس (فَتَوَضَّأَ) وفيه: أنَّ الوضوء ليس من خصائص هذه الأمَّة خلافًا لمن قال ذلك، نعم من خصائصها الغرَّة والتَّحجيل في القيامة (وَصَلَّى) زاد في حديث عمران: «ركعتين»، وفي رواية وهب بن جريرٍ: «ودعا» (ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟) وفي رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «قال (٣): يا بابوسُ، من أبوك؟» أي: يا صغير، وليس هو اسم هذا الغلام بعينه (قَالَ) الغلام: أبي (الرَّاعِي) وفيه: أنَّ الطِّفل يُدعَى غلامًا، وقد تكلَّم

من الأطفال ستَّةٌ: شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون، وعيسى ، وصاحب جُرَيجٍ هذا، وصاحب الأخدود، وولد المرأة التي من بني إسرائيل لمَّا مرَّ بها رجلٌ من بني إسرائيل، وقالت: اللَّهمَّ اجعل ابني مثله، فترك ثديها وقال: اللَّهمَّ لا تجعلني مثله، وزعم الضَّحَّاك في «تفسيره»: أنَّ يحيى تكلَّم في المهد، أخرجه الثَّعلبيُّ، فإن ثبت صاروا سبعةً، ومُبارَك اليمامة في الزَّمن النَّبويِّ المُحمَّديِّ، وتأتي دلائل ذلك إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦].

(قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ) جريجٌ: (لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ) كما كانت، ففعلوا، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: فيه شاهدٌ على حذف المجزوم بـ «لا» النَّاهية، فإنَّ مراده: لا تبنوها إلَّا من طينٍ، قال في «المصابيح»: يحتمل أن يكون التَّقدير: لا أريدها إلَّا من طينٍ، فلا شاهد فيه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «نبني صومعتك … » إلى آخره؛ لأنَّ شَرْعَ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يأتِ شرعُنا بخلافه، لكن في الاستدلال بهذه القصَّة فيما ترجم به نظرٌ؛ لأنَّ شرعنا أوجبَ المثلَ في المثليَّات، والحائط متقوَّمٌ لا مِثْلِيٌّ، لكن لو التزم الهادم الإعادة ورضي صاحبه بذلك جاز بلا خلافٍ، وفي الحديث: إيثار إجابة الأمِّ على صلاة التَّطوُّع؛ لأنَّ الاستمرار فيها نافلةٌ، وإجابة الأمِّ وبرُّها واجبٌ، قال النَّوويُّ: وإنَّما دعت عليه (١) وأُجيبت؛ لأنَّه كان يمكنه أن يخفِّف ويجيبها، لكن لعلَّه خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها. انتهى. وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى وعند الحسن بن سفيان من حديث (٢) يزيد بن حوشبٍ عن أبيه أنَّ (٣) النَّبيَّ قال: «لو كان جريجٌ فقيهًا لعلم أنَّ إجابة أمِّه أَوْلى من عبادة ربِّه».

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]، ومسلمٌ في «الأدب».

((٤٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب الشَّرِكَةِ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء كما ضبطها في «اليونينيَّة» (١)، وهي لغةً: الاختلاط، وشرعًا: ثبوت الحقِّ في شيءٍ لاثنين فأكثر على جهة الشُّيوع، وقد تحدث الشَّركة قهرًا كالإرث، أو باختيارٍ كالشِّراء، وهي أنواعٌ أربعةٌ: -شركة الأبدان- كشركة الحمَّالين وسائر المحترفة، ليكون كسبهما (٢) متساويًا أو متفاوتًا مع اتِّفاق الصَّنعة واختلافها -وشركة الوجوه -كأن يشترك وجيهان عند النَّاس ليبتاع كلٌّ منهما بمُؤجَّلٍ، ويكون المبتاع لهما، فإذا باعا كان الفاضل عن (٣) الأثمان بينهما -وشركة المفاوضة- بأن يشترك اثنان بأن يكون بينهما كسبهما بأموالهما أو أبدانهما، وعليهما ما يعرض من مغرمٍ (٤)، وسُمِّيت مفاوضةً من تفاوضا في الحديث: شرعا فيه جميعًا -وشركة العِنان- بكسر العين، من عنَّ الشَّيء: ظهر؛ إمَّا لأنَّها أظهر الأنواع، أو لأنَّه ظهر لكلٍّ منهما مال الآخر. وكلُّها باطلةٌ إلَّا شركة العِنان، لخلوِّ الثَّلاثة الأُوَل عن المال المشترك، ولكثرة الغرر فيها بخلاف الأخيرة فهي الصَّحيحة، ولها شروطٌ: العاقدان، وشرطهما: أهليَّة التَّوكيل والتَّوكُّل، والصِّيغة، ولا بدَّ فيها من لفظٍ يدلُّ على الإذن من كلٍّ منهما للآخر في التَّصرُّف بالبيع والشِّراء، والمال المعقود عليه، وتجوز

الشَّركة في الدَّراهم والدَّنانير بالإجماع، وكذا في (١) سائر المثليَّات كالبُرِّ والحديد؛ لأنَّها إذا اختلطت بجنسها ارتفع عنها التَّمييز، فأشبهت النَّقدين، وأن يخلطا قبل العقد ليتحقَّق معنى الشَّركة، وسقط (٢) لفظ «باب» في رواية أبي ذرٍّ، وقال: «في الشِّرْكة» بكسر المعجمة وسكون الرَّاء؛ كما في الفرع، ولم يضبطه في أصله (٣)، وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «كتاب الشَّركة».

(فِي الطَّعَامِ) الآتي (٤) حكمه في بابٍ مُفرَدٍ (وَالنِّهْدِ) بكسر النُّون، ولأبي ذرٍّ: «والنَّهْد» بفتحها والهاء في الرِّوايتين ساكنةٌ؛ وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرُّفقة وخلطها عند المرافقة في السَّفر، وقد يتَّفق رفقةٌ فيصنعونه في الحضر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (وَالعُرُوضِ) بضمِّ العين، جمع عرْضٍ -بسكون الرَّاء- مقابل النَّقد، ويدخل فيه الطَّعام (وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ) هل تجوز قسمته (مُجَازَفَةً أَوْ) لا بدَّ من الكيل في المكيل والوزن في الموزون، كما قال: (قَبْضَةً قَبْضَةً) يعني متساويةً (لَمَّا) بفتح اللَّام وتشديد الميم في أصلين مُقابَلين على «اليونينيَّة» وغيرهما ممَّا وقفت عليه، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: «لِمَا» بكسر اللَّام وتخفيف الميم (لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ فِي النِّهْدِ بَأْسًا أَنْ) أي: بأن (يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا) مجازفةً (وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ) بالفضَّة (وَالفِضَّةِ) بالذَّهب لجواز التَّفاضل في ذلك كغيره ممَّا يجوز التَّفاضل فيه ممَّا (٥) يُكال أو يُوزَن من المطعومات ونحوها (وَالقِرَانُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وفي روايةٍ: «والإقران» (فِي التَّمْرِ) وقد مرَّ ذكره في «المظالم»، والذي في «اليونينيَّة» وفرعها [خ¦٢٤٥٥]: رفع «القِران» و «الإقران» لا غير.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَدَمِ الْمِثْلِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ كَالْأَوَّلِ، وَعَنْهُ مَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ فَالْمِثْلُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْقِيمَةُ. وَعَنْهُ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْقِيمَةُ وَإِلَّا فَالْمِثْلُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ. وَمَا أَطْلَقَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابِهَ الْأَجْزَاءِ وَأَمَّا الْقَصْعَةُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا. وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ فِي بَيْتَيْ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِجَعْلِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَضْمِينٌ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لَهُمَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا بَيْنَهُمَا فَرَضِيَتَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِ بِالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِإِعْطَاءِ قَصْعَتِهَا لِلْأُخْرَى.

قُلْتُ: وَيَبْعُدُ هَذَا التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: فَصَارَتْ قَضِيَّةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيَبْقَى دَعْوَى مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، لَكِنَّ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا أَفْسَدَ الْمَكْسُورَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ خَفِيفًا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطَّعَامِ فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعُونَةِ وَالْإِصْلَاحِ دُونَ بَتِّ الْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ مَعْلُومٌ، وَفِي طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الطَّعَامَيْنِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُصِفَتِ الْمُرْسِلَةُ بِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ عَائِشَةَ وَإِشَارَةً إِلَى غَيْرَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا. وَقَوْلُهُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ اعْتِذَارٌ مِنْهُ لِئَلَّا يُحْمَلَ صَنِيعُهَا عَلَى مَا يُذَمُّ، بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهَا. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ خُلُقِهِ وَإِنْصَافُهُ وَحِلْمُهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبِ الْكَاسِرَةَ وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَةَ عَلَيْهَا، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَامَ لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى، فَإِتْلَافُهُمْ لَهُ قَبُولٌ أَوْ فِي حُكْمِ الْقَبُولِ، وَغَفَلَ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ، لِحُمَيْدٍ، وَقَدْ وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا مِنْ عِنْدِ ابْنِ حَزْمٍ.

٣٥ - بَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ

٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ - يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى. فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا،

فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ)؛ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَأَوْرَدَ فيه الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: فَقَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ. وَتَوْجِيهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْتِ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ، لَكِنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ جُرَيْجٍ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمُ اتِّفَاقًا وَهُوَ بِنَاؤُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَا أَجَابَهُمْ جُرَيْجٌ إِلَّا بِقَوْلِهِ: مِنْ طِينٍ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا. قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْهَادِمَ لَوِ الْتَزَمَ الْإِعَادَةَ وَرَضِيَ صَاحِبُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِمَا وَجَبَ نَاجِزًا - وَهُوَ الْقِيمَةُ - إِلى مَا يَتَأَخَّرُ - وَهُوَ الْبُنْيَانُ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِي قَوْلِهِ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ شَاهِدٌ عَلَى حَذْفِ الْمَجْزُومِ بِلَا؛ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: لَا تَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ طِينٍ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَظَالِمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: انْصُرْ أَخَاكَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَالقَصْعَةَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (حَتَّى فَرَغُوا) من الأكل، وأتى بقصعةٍ من عند عائشة (فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ) إلى الرَّسول ليعطيها للتي كُسِرت صحفتُها (وَحَبَسَ) القصعة (المَكْسُورَةَ) في بيتِ التي كَسَرَت، زاد الثَّوريُّ: وقال: «إناءٌ كإناءٍ، وطعامٌ كطعامٍ»، واستُشكِل: بأنَّه إنَّما يُحكَم في الشَّيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدَّراهم وسائر المثليَّات، والقصعة إنَّما هي من المتقوَّمات، والجواب ما حكاه البيهقيُّ: بأنَّ القصعتين كانتا للنَّبيِّ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصَّحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو شيخ المؤلِّف سعيدٌ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ) وغرض المؤلِّف بسياق هذا: بيانُ التَّصريح بتحديث أنسٍ لحُميدٍ، قاله في «الفتح».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا هَدَمَ) شخصٌ (حَائِطًا) لشخصٍ آخر (فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ) خلافًا لمن قال من المالكيَّة وغيرهم: تلزمه القيمة.

٢٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ) هو (١) (بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، ابن زيد بن عبد الله، الأزديُّ البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ

أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ) بضمِّ الجيم الأولى (١) وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة وفي رواية كريمة: «جريجٌ الرَّاهب» (يُصَلِّي) أي: في صومعته، وفي أوَّل حديث أبي سلمة عند أحمد (٢) «كان رجلٌ في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرَّة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التِّجارة خيرٌ لألتمسنَّ تجارةً هي خيرٌ من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان بعد عيسى وأنَّه كان من أتباعه؛ لأنَّهم الذين ابتدعوا التَّرهُّب وحبس النَّفس في الصَّوامع، وهو يردُّ قول ابن بطَّالٍ: إنَّه يمكن أن يكون نبيًّا (فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ) لم تُسَمَّ (فَدَعَتْهُ) وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد: فأتته أمُّه ذات يومٍ فنادته، فقالت: ابني جريج، أشرِفْ حتَّى أكلِّمك، أنا أمُّك (فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ) في نفسه مناجيًا لله تعالى سرًّا (٣) من غير نطقٍ، أو نَطَقَ، وكان الكلام مباحًا في شريعتهم كما كان عندنا في صدر الإسلام: (أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ) أي: بعدما رجعت، وفي رواية أبي رافعٍ: «فصادَفَته يصلِّي، فقالت: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أمِّي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت، فأتته وصادفته يصلِّي، فقالت: يا جريج، أنا أمُّك فكلِّمني» فقال مثله، وفي حديث عمران بن حُصَينٍ عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: أنَّها جاءته ثلاث مرَّاتٍ تناديه في كلِّ مرَّةٍ ثلاث مرَّاتٍ، وقوله: «أمِّي وصلاتي» أي: اجتمع عليَّ إجابة أمِّي وإتمام صلاتي، فوفِّقْني لأفضلهما (فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ (٤) المُومِسَاتِ) جمع مُومِسَةٍ -بضمِّ الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مُهمَلةٌ-: الزَّانية، وفي رواية الأعرج في «باب إذا دعت الأمُّ ولدها في الصَّلاة» من (٥) أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦١٢٠٦]: «حتَّى ينظر في وجوه المياميس»، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حتَّى تُرِيه وجوهَ المومسات» (وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ) بفتح الصَّاد المهملة (٦) وسكون الواو، وهي البناء المرتفع المُحدَّد أعلاه، ووزنها «فوعلةٌ»، من: صمعت، إذا دقِّقت؛ لأنَّها دقيقة الرَّأس (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) بغيٌّ منهم: (لأَفْتِنَنَّ

جُرَيْجًا) ولم تُسَمَّ، نعم في حديث عمران بن حُصَينٍ: أنَّها كانت بنت ملك القرية، لكن يعكِّر عليه ما في رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «وكانت تأوي إلى صومعته راعيةٌ ترعى الغنم»، وأجيب: باحتمال (١) أنَّها خرجت من دارها بغير علم أهلها متنكِّرةً للفساد إلى أن ادَّعت أنَّها تستطيع أن تفتن جريجًا، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعيةٍ ليمكنها أن تأوي إلى ظلِّ صومعته، لتتوصَّل بذلك إلى فتنته.

(فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ) أن يواقعها (فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا) قال القطب القسطلانيُّ في «المبهمات» له: اسمه صهيبٌ، وكذا قال ابن حجرٍ في المقدِّمة، لكنَّه قال في «فتح الباري» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]: لم أقف على اسم الرَّاعي، وزاد أحمد في رواية وهب بن جرير بن حازمٍ عن أبيه: «كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريجٍ» (فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) فَوَاقَعَها، وحَمَلَت منه (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) بعد انقضاء مدَّة الحمل، فسُئِلت: ممَّن هذا الغلام؟ (فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ) وفي رواية أبي رافعٍ: «فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم»، وفي حديث عمران: «فما شعر حتَّى سمع بالفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم: ويلَكم (٢)، ما لكم؟ فلم يجيبوه، فلمَّا رأى ذلك أخذ الحبل فتدلَّى» (فَأَنْزَلُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «وأنزلوه» بالواو بدل الفاء (وَسَبُّوهُ) زاد أحمد في رواية وهب بن جريرٍ: «وضربوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنَّك زنيت بهذه»، وفي رواية أبي رافعٍ عند أحمد أيضًا: فجعلوا في عنقه وعنقها حبلًا، فجعلوا يطوفون بهما في النَّاس (فَتَوَضَّأَ) وفيه: أنَّ الوضوء ليس من خصائص هذه الأمَّة خلافًا لمن قال ذلك، نعم من خصائصها الغرَّة والتَّحجيل في القيامة (وَصَلَّى) زاد في حديث عمران: «ركعتين»، وفي رواية وهب بن جريرٍ: «ودعا» (ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟) وفي رواية الأعرج [خ¦١٢٠٦]: «قال (٣): يا بابوسُ، من أبوك؟» أي: يا صغير، وليس هو اسم هذا الغلام بعينه (قَالَ) الغلام: أبي (الرَّاعِي) وفيه: أنَّ الطِّفل يُدعَى غلامًا، وقد تكلَّم

من الأطفال ستَّةٌ: شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون، وعيسى ، وصاحب جُرَيجٍ هذا، وصاحب الأخدود، وولد المرأة التي من بني إسرائيل لمَّا مرَّ بها رجلٌ من بني إسرائيل، وقالت: اللَّهمَّ اجعل ابني مثله، فترك ثديها وقال: اللَّهمَّ لا تجعلني مثله، وزعم الضَّحَّاك في «تفسيره»: أنَّ يحيى تكلَّم في المهد، أخرجه الثَّعلبيُّ، فإن ثبت صاروا سبعةً، ومُبارَك اليمامة في الزَّمن النَّبويِّ المُحمَّديِّ، وتأتي دلائل ذلك إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦].

(قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ) جريجٌ: (لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ) كما كانت، ففعلوا، قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: فيه شاهدٌ على حذف المجزوم بـ «لا» النَّاهية، فإنَّ مراده: لا تبنوها إلَّا من طينٍ، قال في «المصابيح»: يحتمل أن يكون التَّقدير: لا أريدها إلَّا من طينٍ، فلا شاهد فيه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «نبني صومعتك … » إلى آخره؛ لأنَّ شَرْعَ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يأتِ شرعُنا بخلافه، لكن في الاستدلال بهذه القصَّة فيما ترجم به نظرٌ؛ لأنَّ شرعنا أوجبَ المثلَ في المثليَّات، والحائط متقوَّمٌ لا مِثْلِيٌّ، لكن لو التزم الهادم الإعادة ورضي صاحبه بذلك جاز بلا خلافٍ، وفي الحديث: إيثار إجابة الأمِّ على صلاة التَّطوُّع؛ لأنَّ الاستمرار فيها نافلةٌ، وإجابة الأمِّ وبرُّها واجبٌ، قال النَّوويُّ: وإنَّما دعت عليه (١) وأُجيبت؛ لأنَّه كان يمكنه أن يخفِّف ويجيبها، لكن لعلَّه خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها. انتهى. وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى وعند الحسن بن سفيان من حديث (٢) يزيد بن حوشبٍ عن أبيه أنَّ (٣) النَّبيَّ قال: «لو كان جريجٌ فقيهًا لعلم أنَّ إجابة أمِّه أَوْلى من عبادة ربِّه».

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٣٦]، ومسلمٌ في «الأدب».

((٤٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب الشَّرِكَةِ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء كما ضبطها في «اليونينيَّة» (١)، وهي لغةً: الاختلاط، وشرعًا: ثبوت الحقِّ في شيءٍ لاثنين فأكثر على جهة الشُّيوع، وقد تحدث الشَّركة قهرًا كالإرث، أو باختيارٍ كالشِّراء، وهي أنواعٌ أربعةٌ: -شركة الأبدان- كشركة الحمَّالين وسائر المحترفة، ليكون كسبهما (٢) متساويًا أو متفاوتًا مع اتِّفاق الصَّنعة واختلافها -وشركة الوجوه -كأن يشترك وجيهان عند النَّاس ليبتاع كلٌّ منهما بمُؤجَّلٍ، ويكون المبتاع لهما، فإذا باعا كان الفاضل عن (٣) الأثمان بينهما -وشركة المفاوضة- بأن يشترك اثنان بأن يكون بينهما كسبهما بأموالهما أو أبدانهما، وعليهما ما يعرض من مغرمٍ (٤)، وسُمِّيت مفاوضةً من تفاوضا في الحديث: شرعا فيه جميعًا -وشركة العِنان- بكسر العين، من عنَّ الشَّيء: ظهر؛ إمَّا لأنَّها أظهر الأنواع، أو لأنَّه ظهر لكلٍّ منهما مال الآخر. وكلُّها باطلةٌ إلَّا شركة العِنان، لخلوِّ الثَّلاثة الأُوَل عن المال المشترك، ولكثرة الغرر فيها بخلاف الأخيرة فهي الصَّحيحة، ولها شروطٌ: العاقدان، وشرطهما: أهليَّة التَّوكيل والتَّوكُّل، والصِّيغة، ولا بدَّ فيها من لفظٍ يدلُّ على الإذن من كلٍّ منهما للآخر في التَّصرُّف بالبيع والشِّراء، والمال المعقود عليه، وتجوز

الشَّركة في الدَّراهم والدَّنانير بالإجماع، وكذا في (١) سائر المثليَّات كالبُرِّ والحديد؛ لأنَّها إذا اختلطت بجنسها ارتفع عنها التَّمييز، فأشبهت النَّقدين، وأن يخلطا قبل العقد ليتحقَّق معنى الشَّركة، وسقط (٢) لفظ «باب» في رواية أبي ذرٍّ، وقال: «في الشِّرْكة» بكسر المعجمة وسكون الرَّاء؛ كما في الفرع، ولم يضبطه في أصله (٣)، وفي رواية النَّسفيِّ وابن شبُّويه: «كتاب الشَّركة».

(فِي الطَّعَامِ) الآتي (٤) حكمه في بابٍ مُفرَدٍ (وَالنِّهْدِ) بكسر النُّون، ولأبي ذرٍّ: «والنَّهْد» بفتحها والهاء في الرِّوايتين ساكنةٌ؛ وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرُّفقة وخلطها عند المرافقة في السَّفر، وقد يتَّفق رفقةٌ فيصنعونه في الحضر؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (وَالعُرُوضِ) بضمِّ العين، جمع عرْضٍ -بسكون الرَّاء- مقابل النَّقد، ويدخل فيه الطَّعام (وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ) هل تجوز قسمته (مُجَازَفَةً أَوْ) لا بدَّ من الكيل في المكيل والوزن في الموزون، كما قال: (قَبْضَةً قَبْضَةً) يعني متساويةً (لَمَّا) بفتح اللَّام وتشديد الميم في أصلين مُقابَلين على «اليونينيَّة» وغيرهما ممَّا وقفت عليه، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: «لِمَا» بكسر اللَّام وتخفيف الميم (لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ فِي النِّهْدِ بَأْسًا أَنْ) أي: بأن (يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا) مجازفةً (وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ) بالفضَّة (وَالفِضَّةِ) بالذَّهب لجواز التَّفاضل في ذلك كغيره ممَّا يجوز التَّفاضل فيه ممَّا (٥) يُكال أو يُوزَن من المطعومات ونحوها (وَالقِرَانُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وفي روايةٍ: «والإقران» (فِي التَّمْرِ) وقد مرَّ ذكره في «المظالم»، والذي في «اليونينيَّة» وفرعها [خ¦٢٤٥٥]: رفع «القِران» و «الإقران» لا غير.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله