«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥

الحديث رقم ٢٥ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥ في صحيح البخاري

«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».

بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

إسناد حديث رقم ٢٥ من صحيح البخاري

٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ فَاسِقٌ وَالثَّانِي مَجْنُونٌ وَالثَّالِثِ أَبْلَهُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَوْفُ الذَّمِّ بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ كَانَ فِي مُحَرَّمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكْرُوهٍ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَهُوَ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ. وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقَعُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ مَذَلَّةً، فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً، فَصَارَتْ دِيَانَةً. وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّقَلُّبِ فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحِيي الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ. وَاسْتَحي مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٧ - بَاب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾

٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا بَابٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، وَتَجُوزُ الْإِضَافَةِ أَيْ: بَابُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوْبَةِ فِي الْآيَةِ الرُّجُوعُ عَنِ الْكُفْرِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَفَسَّرَهُ قَوْلُهُ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَبَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى ; لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْآيَةِ وَالْعِصْمَةَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْأَعْمَالِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ الْمُسْنَدِيُّ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ كَمَا مَضَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ، هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (الْحَرَمِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ حَرَمِيٌّ، وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ تُثْبَتُ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَتُحْذَفُ، مِثْلُ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْآتِي بَعْدُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَبُو رَوْحٍ كُنْيَتُهُ، وَاسْمُهُ ثَابِتٌ وَالْحَرَمِيُّ نِسْبَتُهُ، كَذَا قَالَ. وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي جَعْلِهِ اسْمَهُ نِسْبَتَهُ، وَالثَّانِي فِي جَعْلِهِ اسْمَ جَدِّهِ اسْمَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ نَابِتٌ (١)، وَكَأَنَّهُ رَأَى فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَاسْمُهُ نَابِتٌ فَظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى حَرَمِيٍّ لِأَنَّهُ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى أَبِي حَفْصَةَ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وُرُودُهُ فِي هَذَا السَّنَدِ الْحَرَمِيُّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى الْحَرَمِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ وَالْمَوْلِدِ وَالْمَنْشَأِ وَالْمَسْكَنِ وَالْوَفَاةِ. وَلَمْ يَضْبِطْ نَابِتًا كَعَادَتِهِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّهُ بِالْمُثَلَّثَةِ كَالْجَادَّةِ (٢) وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَهُ نُونٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ: يَعْنِي ابْنَ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الشَّخْصِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَقَلُّ، وَوَاقِدٌ هُنَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ أَبِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبُ الْإِسْنَادِ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدٍ، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ عَنْ شُعْبَةَ عَزِيزٌ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ حَرَمِيٌّ هَذَا وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهُوَ عَزِيزٌ عَنْ حَرَمِيٍّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الْمُسْنَدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، وَمِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ غَرِيبٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ

تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، شَيْخُ مُسْلِمٍ، فَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ مَعَ غَرَابَتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَلَى سَعَتِهِ. وَقَدِ اسْتَبْعَدَ قَوْمٌ صِحَّتَهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَوْ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ لَمَا تَرَكَ أَبَاهُ يُنَازِعُ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ لَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُقِرُّ عُمَرَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَنْتَقِلُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا النَّصِّ إِلَى الْقِيَاسِ، إِذْ قَالَ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا قَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ اسْتَحْضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لَهُ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَضَرَ الْمُنَاظَرَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ لَهُمَا بَعْدُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ فَقَطْ، بَلْ أَخَذَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالزَّكَاةُ حَقُّ الْإِسْلَامِ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. بَلْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا بِزِيَادَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَخْفَى عَلَى بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا آحَادُهُمْ، وَلِهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْآرَاءِ وَلَوْ قَوِيَتْ مَعَ وُجُودِ سُنَّةٍ تُخَالِفُهَا، وَلَا يُقَالُ كَيْفَ خَفِيَ ذَا عَلَى فُلَانٍ؟ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ) أَيْ: أَمَرَنِي اللَّهُ ; لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ، وَقِيَاسُهُ فِي الصَّحَابِيِّ إِذَا قَالَ أُمِرْتُ، فَالْمَعْنَى أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَمَرَنِي صَحَابِيٌّ آخَرُ لِأَنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَإِذَا قَالَهُ التَّابِعِيُّ احْتُمِلَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اشْتَهَرَ بِطَاعَةِ رَئِيسٍ إِذَا قَالَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ هُوَ ذَلِكَ الرَّئِيسُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ أُقَاتِلَ) أَيْ: بِأَنْ أُقَاتِلَ، وَحَذْفُ الْجَارِّ مِنْ أَنْ كَثِيرٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَشْهَدُوا) جُعِلَتْ غَايَةُ الْمُقَاتَلَةِ وُجُودَ مَا ذُكِرَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ وَأَقَامَ وَآتَى عُصِمَ دَمُهُ وَلَوْ جَحَدَ بَاقِيَ الْأَحْكَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَ بِهِ، مَعَ أَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَنَصَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِهِمَا وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا أُمَّا الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أَيْ: يُدَاوِمُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا بِشُرُوطِهَا، مِنْ قَامَتِ السُّوقُ إِذَا نَفَقَتْ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ إِذَا اشْتَدَّ الْقِتَالُ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْأَدَاءُ - تَعْبِيرًا عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ - إِذِ الْقِيَامُ بَعْضُ أَرْكَانِهَا. وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا، لَا جِنْسُهَا، فَلَا تَدْخُلْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ مَثَلًا وَإِنْ صَدَقَ اسْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا يُقْتَلُ. ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَنْ حُكْمِ تَارِكِ الزَّكَاةِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَايَةِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمُقَاتَلَةِ، أَمَّا فِي الْقَتْلِ فَلَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ قَهْرًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى نَصْبِ الْقِتَالِ لِيَمْنَعَ الزَّكَاةِ قُوتِلَ، وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ صَبْرًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ نَظَرٌ ; لِلْفَرْقِ بَيْنَ صِيغَةِ أُقَاتِلُ وَأَقْتُلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُقَاتَلَةِ إِبَاحَةُ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْقِتَالِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَتْلُ. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْقِتَالُ مِنَ الْقَتْلِ بِسَبِيلٍ، قَدْ يَحِلُّ قِتَالُ الرَّجُلِ وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ عَمَّا بَعْضُهُ قَوْلٌ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَإِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ، إِذِ الْقَوْلُ فِعْلُ اللِّسَانِ.

قَوْلُهُ: (عَصَمُوا) أَيْ: مَنَعُوا، وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: أدَّوا (﴿الصَّلَاةَ﴾) في أوقاتها (﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) أعطَوها تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم (﴿فَخَلُّواْ﴾) أي: أَطْلِقُوا (﴿سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]) جواب الشَّرط في قوله: «فإن تابوا»، وفيه -كما قال القاضي البيضاويُّ- دليلٌ على أنَّ تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة لا يُخلَّى سبيلُه، ومُرَاد المؤلِّف بهذا: الرَّدُّ على المُرجِئة في قولهم: إنَّ الإيمان غيرُ محتاجٍ إلى الأعمال، مع التَّنبيه على أنَّ الأعمالَ من الإيمان.

٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: «المُسنَدِيُّ» بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ) بفتح الرَّاء وسكون الواو، واسمه: (الحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين وكسر الميم وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «ال» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم (بْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين المُهمَلَة وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٍ -بالنُّون- العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، زاد الأَصيليُّ:

«يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر»، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (١) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله ، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه (أَنْ) أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالمُرَاد بـ «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى) أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة، أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦٢٩٤٦] فقال الطَّبريُّ: إنَّه قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان (٢) الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب ففي قتال (٣) أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل (٤) القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦٣٩٢] فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات (٥)؛ كترك الجمعة والجماعة فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا» لأنَّه فعل

اللِّسان أو هو (١) من باب تغليب الاثنين على الواحد (عَصَمُوا) أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار والثَّواب والعقاب فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له (٢) بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام.

ويُؤخَذ من هذا الحديث: قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.

وفيه: رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ،

وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٣]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من التَّنبيه على أنَّ الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة شَرَعَ يذكر أنَّ الإيمان هو العمل؛ ردًّا على المرجئة حيث قالوا: إنَّ الإيمان قولٌ بلا عملٍ، فقال:

(١٨) (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته إلى قوله: (مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﷿»: (﴿وَتِلْكَ﴾) مبتدأٌ، خبره: (﴿الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾) أي: صُيِّرَتْ لكم إرثًا، فأُطْلِق الإرث مجازًا عن (١) الإعطاء لتحقُّق الاستحقاق، أو المُورَّث الكافر وكان له نصيبٌ منه ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، وقال البيضاويُّ: شبَّه جزاء العمل بالميراث لأنَّه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] والجملة (٢) صفةٌ لـ ﴿الْجَنَّةَ﴾ أو ﴿الْجَنَّةَ﴾ صفةٌ للمبتدأ الذي هو ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفةٌ أخرى، والخبر: (﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]) أي: تؤمنون، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: بعملِكم، أو موصولةٌ، أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للمُلابَسة، أي: أُورِثتموها مُلابِسةً

لأعمالكم، أي: لِثوابِ أعمالكم، أو للمقابلة؛ وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألفٍ، ولا تَنَافِيَ بين ما في (١) الآية وحديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» [خ¦٥٦٧٣] لأنَّ المُثبَت في الآية الدُّخولُ بالعمل المقبول، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل المُجرَّد عنه، والقبول إنَّما هو برحمة (٢) الله تعالى، فآلَ ذلك إلى أنَّه لم يقع الدُّخول إلَّا برحمته، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه بعون الله وقوَّته، وقد أشبعتُ الكلام عليه في «المواهب»، فليُرَاجَع.

(وقَالَ عِدَّةٌ) -بكسر العين وتشديد الدَّال- أي: عددٌ (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) كأنس بن مالكٍ فيما رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، وابن عمر فيما رواه الطَّبريُّ في «تفسيره»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء» له، ومجاهدٌ فيما رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «﷿»: (﴿فَوَرَبِّكَ﴾) يا محمَّد (﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾) أي: المقتسمين؛ جواب القسم مُؤكَّدًا باللَّام (﴿أَجْمَعِيْنَ﴾) تأكيدٌ للضَّمير في ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ مع الشُّمول في أفراد المخصوصين (﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي روايةٍ: «عن قول: لا إله إلَّا الله» وسقط لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ «قول»، ولفظ رواية ابن عساكرَ: «قال: عن لا إله إلَّا الله» لكن قال النَّوويُّ: المعنى: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عن أعمالهم كلِّها التي يتعلَّق بها التَّكليف، فقول من خصَّ بلفظ التَّوحيد دعوى تخصيصٍ بلا دليلٍ، فلا تُقبَل. انتهى. ومُرَاده -كما قاله صاحب «عمدة القاري» -: أنَّ دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجيٍّ لا تُقبَل لأنَّ الكلام عامٌّ في السُّؤال عن التَّوحيد وغيره، فدعوى التَّخصيص بالتَّوحيد تحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ، فإنِ استدلَّ بحديث التِّرمذيِّ فقد ضَعُفَ من جهة ليثٍ، وليس التَّعميم في قوله: ﴿أَجْمَعِيْنَ﴾ حتَّى يدخل فيه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ فَاسِقٌ وَالثَّانِي مَجْنُونٌ وَالثَّالِثِ أَبْلَهُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ، أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَوْفُ الذَّمِّ بِنِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ كَانَ فِي مُحَرَّمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكْرُوهٍ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَهُوَ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ. وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا هُوَ مَا يَقَعُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: رَأَيْتُ الْمَعَاصِيَ مَذَلَّةً، فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً، فَصَارَتْ دِيَانَةً. وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّقَلُّبِ فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحِيي الْعَاقِلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ. وَاسْتَحي مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٧ - بَاب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾

٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا بَابٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، وَتَجُوزُ الْإِضَافَةِ أَيْ: بَابُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوْبَةِ فِي الْآيَةِ الرُّجُوعُ عَنِ الْكُفْرِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَفَسَّرَهُ قَوْلُهُ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَبَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى ; لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْآيَةِ وَالْعِصْمَةَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْأَعْمَالِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ الْمُسْنَدِيُّ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ كَمَا مَضَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ، هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (الْحَرَمِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ حَرَمِيٌّ، وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ تُثْبَتُ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَتُحْذَفُ، مِثْلُ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْآتِي بَعْدُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَبُو رَوْحٍ كُنْيَتُهُ، وَاسْمُهُ ثَابِتٌ وَالْحَرَمِيُّ نِسْبَتُهُ، كَذَا قَالَ. وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي جَعْلِهِ اسْمَهُ نِسْبَتَهُ، وَالثَّانِي فِي جَعْلِهِ اسْمَ جَدِّهِ اسْمَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ نَابِتٌ (١)، وَكَأَنَّهُ رَأَى فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَاسْمُهُ نَابِتٌ فَظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى حَرَمِيٍّ لِأَنَّهُ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى أَبِي حَفْصَةَ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وُرُودُهُ فِي هَذَا السَّنَدِ الْحَرَمِيُّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلَيْسَ هُوَ مَنْسُوبًا إِلَى الْحَرَمِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ وَالْمَوْلِدِ وَالْمَنْشَأِ وَالْمَسْكَنِ وَالْوَفَاةِ. وَلَمْ يَضْبِطْ نَابِتًا كَعَادَتِهِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّهُ بِالْمُثَلَّثَةِ كَالْجَادَّةِ (٢) وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَهُ نُونٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ: يَعْنِي ابْنَ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الشَّخْصِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَقَلُّ، وَوَاقِدٌ هُنَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ أَبِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبُ الْإِسْنَادِ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدٍ، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ عَنْ شُعْبَةَ عَزِيزٌ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ حَرَمِيٌّ هَذَا وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهُوَ عَزِيزٌ عَنْ حَرَمِيٍّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الْمُسْنَدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، وَمِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ غَرِيبٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ

تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، شَيْخُ مُسْلِمٍ، فَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ مَعَ غَرَابَتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَلَى سَعَتِهِ. وَقَدِ اسْتَبْعَدَ قَوْمٌ صِحَّتَهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَوْ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ لَمَا تَرَكَ أَبَاهُ يُنَازِعُ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ لَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُقِرُّ عُمَرَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَنْتَقِلُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا النَّصِّ إِلَى الْقِيَاسِ، إِذْ قَالَ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا قَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ اسْتَحْضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لَهُ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَضَرَ الْمُنَاظَرَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ لَهُمَا بَعْدُ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِالْقِيَاسِ فَقَطْ، بَلْ أَخَذَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالزَّكَاةُ حَقُّ الْإِسْلَامِ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. بَلْ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا بِزِيَادَةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَخْفَى عَلَى بَعْضِ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا آحَادُهُمْ، وَلِهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْآرَاءِ وَلَوْ قَوِيَتْ مَعَ وُجُودِ سُنَّةٍ تُخَالِفُهَا، وَلَا يُقَالُ كَيْفَ خَفِيَ ذَا عَلَى فُلَانٍ؟ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ) أَيْ: أَمَرَنِي اللَّهُ ; لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ، وَقِيَاسُهُ فِي الصَّحَابِيِّ إِذَا قَالَ أُمِرْتُ، فَالْمَعْنَى أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَمَرَنِي صَحَابِيٌّ آخَرُ لِأَنَّهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَإِذَا قَالَهُ التَّابِعِيُّ احْتُمِلَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اشْتَهَرَ بِطَاعَةِ رَئِيسٍ إِذَا قَالَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ هُوَ ذَلِكَ الرَّئِيسُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ أُقَاتِلَ) أَيْ: بِأَنْ أُقَاتِلَ، وَحَذْفُ الْجَارِّ مِنْ أَنْ كَثِيرٌ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَشْهَدُوا) جُعِلَتْ غَايَةُ الْمُقَاتَلَةِ وُجُودَ مَا ذُكِرَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ وَأَقَامَ وَآتَى عُصِمَ دَمُهُ وَلَوْ جَحَدَ بَاقِيَ الْأَحْكَامِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَ بِهِ، مَعَ أَنَّ نَصَّ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَنَصَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِهِمَا وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا أُمَّا الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أَيْ: يُدَاوِمُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا بِشُرُوطِهَا، مِنْ قَامَتِ السُّوقُ إِذَا نَفَقَتْ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ إِذَا اشْتَدَّ الْقِتَالُ. أَوِ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْأَدَاءُ - تَعْبِيرًا عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ - إِذِ الْقِيَامُ بَعْضُ أَرْكَانِهَا. وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا، لَا جِنْسُهَا، فَلَا تَدْخُلْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ مَثَلًا وَإِنْ صَدَقَ اسْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا يُقْتَلُ. ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَنْ حُكْمِ تَارِكِ الزَّكَاةِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَايَةِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمُقَاتَلَةِ، أَمَّا فِي الْقَتْلِ فَلَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ قَهْرًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى نَصْبِ الْقِتَالِ لِيَمْنَعَ الزَّكَاةِ قُوتِلَ، وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ صَبْرًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ نَظَرٌ ; لِلْفَرْقِ بَيْنَ صِيغَةِ أُقَاتِلُ وَأَقْتُلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُقَاتَلَةِ إِبَاحَةُ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْقِتَالِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ الْقَتْلُ. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْقِتَالُ مِنَ الْقَتْلِ بِسَبِيلٍ، قَدْ يَحِلُّ قِتَالُ الرَّجُلِ وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ عَمَّا بَعْضُهُ قَوْلٌ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَإِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ، إِذِ الْقَوْلُ فِعْلُ اللِّسَانِ.

قَوْلُهُ: (عَصَمُوا) أَيْ: مَنَعُوا، وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: أدَّوا (﴿الصَّلَاةَ﴾) في أوقاتها (﴿وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) أعطَوها تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم (﴿فَخَلُّواْ﴾) أي: أَطْلِقُوا (﴿سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]) جواب الشَّرط في قوله: «فإن تابوا»، وفيه -كما قال القاضي البيضاويُّ- دليلٌ على أنَّ تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة لا يُخلَّى سبيلُه، ومُرَاد المؤلِّف بهذا: الرَّدُّ على المُرجِئة في قولهم: إنَّ الإيمان غيرُ محتاجٍ إلى الأعمال، مع التَّنبيه على أنَّ الأعمالَ من الإيمان.

٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: «المُسنَدِيُّ» بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ) بفتح الرَّاء وسكون الواو، واسمه: (الحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين وكسر الميم وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «ال» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم (بْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين المُهمَلَة وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٍ -بالنُّون- العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، زاد الأَصيليُّ:

«يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر»، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (١) (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله ، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه (أَنْ) أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالمُرَاد بـ «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى) أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة، أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦٢٩٤٦] فقال الطَّبريُّ: إنَّه قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان (٢) الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب ففي قتال (٣) أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل (٤) القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦٣٩٢] فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات (٥)؛ كترك الجمعة والجماعة فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا» لأنَّه فعل

اللِّسان أو هو (١) من باب تغليب الاثنين على الواحد (عَصَمُوا) أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار والثَّواب والعقاب فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له (٢) بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام.

ويُؤخَذ من هذا الحديث: قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.

وفيه: رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ،

وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٣]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من التَّنبيه على أنَّ الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة شَرَعَ يذكر أنَّ الإيمان هو العمل؛ ردًّا على المرجئة حيث قالوا: إنَّ الإيمان قولٌ بلا عملٍ، فقال:

(١٨) (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته إلى قوله: (مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﷿»: (﴿وَتِلْكَ﴾) مبتدأٌ، خبره: (﴿الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾) أي: صُيِّرَتْ لكم إرثًا، فأُطْلِق الإرث مجازًا عن (١) الإعطاء لتحقُّق الاستحقاق، أو المُورَّث الكافر وكان له نصيبٌ منه ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن، وقال البيضاويُّ: شبَّه جزاء العمل بالميراث لأنَّه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنَّة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] والجملة (٢) صفةٌ لـ ﴿الْجَنَّةَ﴾ أو ﴿الْجَنَّةَ﴾ صفةٌ للمبتدأ الذي هو ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفةٌ أخرى، والخبر: (﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]) أي: تؤمنون، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: بعملِكم، أو موصولةٌ، أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للمُلابَسة، أي: أُورِثتموها مُلابِسةً

لأعمالكم، أي: لِثوابِ أعمالكم، أو للمقابلة؛ وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألفٍ، ولا تَنَافِيَ بين ما في (١) الآية وحديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» [خ¦٥٦٧٣] لأنَّ المُثبَت في الآية الدُّخولُ بالعمل المقبول، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل المُجرَّد عنه، والقبول إنَّما هو برحمة (٢) الله تعالى، فآلَ ذلك إلى أنَّه لم يقع الدُّخول إلَّا برحمته، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه بعون الله وقوَّته، وقد أشبعتُ الكلام عليه في «المواهب»، فليُرَاجَع.

(وقَالَ عِدَّةٌ) -بكسر العين وتشديد الدَّال- أي: عددٌ (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) كأنس بن مالكٍ فيما رواه التِّرمذيُّ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ، وابن عمر فيما رواه الطَّبريُّ في «تفسيره»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء» له، ومجاهدٌ فيما رواه عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «﷿»: (﴿فَوَرَبِّكَ﴾) يا محمَّد (﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾) أي: المقتسمين؛ جواب القسم مُؤكَّدًا باللَّام (﴿أَجْمَعِيْنَ﴾) تأكيدٌ للضَّمير في ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ مع الشُّمول في أفراد المخصوصين (﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي روايةٍ: «عن قول: لا إله إلَّا الله» وسقط لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ «قول»، ولفظ رواية ابن عساكرَ: «قال: عن لا إله إلَّا الله» لكن قال النَّوويُّ: المعنى: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عن أعمالهم كلِّها التي يتعلَّق بها التَّكليف، فقول من خصَّ بلفظ التَّوحيد دعوى تخصيصٍ بلا دليلٍ، فلا تُقبَل. انتهى. ومُرَاده -كما قاله صاحب «عمدة القاري» -: أنَّ دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجيٍّ لا تُقبَل لأنَّ الكلام عامٌّ في السُّؤال عن التَّوحيد وغيره، فدعوى التَّخصيص بالتَّوحيد تحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ، فإنِ استدلَّ بحديث التِّرمذيِّ فقد ضَعُفَ من جهة ليثٍ، وليس التَّعميم في قوله: ﴿أَجْمَعِيْنَ﴾ حتَّى يدخل فيه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله