«إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٢٨

الحديث رقم ٢٥٢٨ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٢٨ في صحيح البخاري

«إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ.»

إسناد حديث رقم ٢٥٢٨ من صحيح البخاري

٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ: يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ الِاسْتِسْعَاءِ وَبَيْنَ عِتْقِ نَصِيبِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً إِلَّا النَّصِيبُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُكَاتَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَعَنْ عَطَاءٍ: يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ إِبْقَاءِ حِصَّتِهِ فِي الرِّقِّ. وَخَالَفَ الْجَمِيعَ زُفَرُ؛ فَقَالَ: يُعْتَقُ كُلُّهُ وَتُقَوَّمُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فَتُؤْخَذُ إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا، وَتُرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا.

٦ - بَاب الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ تعالى

وَقَالَ النَّبِيُّ : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ

٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ.

[الحديث ٢٥٢٨ - طرفاه في: ٥٢٦٩، ٦٦٦٤]

٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ)؛ أَيْ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَصْدِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ عَامِدًا كَانَ أَوْ مُخْطِئًا ذَاكِرًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا، وَقَدْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وُقُوعُ الْخَطَأِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَلْفِظَ بِشَيْءٍ غَيْرِهِمَا فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إِلَيْهِمَا، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَفِيمَا إِذَا حَلَفَ وَنَسِيَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ) سَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ نَقْلُ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍ ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: لَا طَلَاقَ إِلَّا لِعِدَّةٍ، وَلَا عِتَاقَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ، وَأَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوِ للشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَا تُخِلُّ بِالْعِتْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ: وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، وَاللَّفْظُ الْمُعَلَّقُ أَوْرَدَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِرِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَإِنَّمَا فِيهِ مُقَدَّرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: الْخَاطِئِ بَدَلَ الْمُخْطِئِ. قَالُوا: الْمُخْطِئُ مَنْ أَرَادَ الصَّوَابَ فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ لِمَا لَا يَنْبَغِي. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الِاسْتِنْبَاطِ إِلَى بَيَانِ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَعَادَتِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ كَثِيرًا بِلَفْظِ: رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي

الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ: وَضَعَ بَدَلَ رَفَعَ، وَأَخْرَجَهُ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّيْمِيُّ فِي فَوَائِدِهِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: رَفَعَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِعِلَّةٍ غَيْرِ قَادِحَةٍ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَزَادَ: عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ بَيْنَ عَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ.

وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نِصْفَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ إِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ أَوْ لَا، الثَّانِي مَا يَقَعُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إِكْرَاهٍ فَهَذَا الْقِسْمُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلِ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْإِثْمُ أَوِ الْحُكْمُ أَوْ هُمَا مَعًا؟ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرُ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ فَلَهُ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى يُعْتَدُّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَبِحَسَبِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا زُرَارَةُ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، كَانَ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: (مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ بِلَفْظِ: مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَصُدُورُهَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالضَّمِّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ وَسْوَسَتْ مُضَمَّنٌ مَعْنَى حَدَّثَتْ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا، وَالضَّمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

قَوْلُهُ: (مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ) وَيَأْتِي فِي النُّذُورِ بِلَفْظِ: مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ. وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَمَّا يَقَعُ فِي النَّفْسِ حَتَّى يَقَعَ الْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ، أَوِ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْوَسْوَسَةِ تَرَدُّدُ الشَّيْءِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ وَيَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا اعْتِبَارَ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا تَوَطُّنَ لَهُمَا، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي آخِرِهِ: وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَأَظُنُّهَا مُدْرَجَةً مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ، دَخَلَ عَلَى هِشَامٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ. قِيلَ: لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ فِي النِّسْيَانِ، وَالْحَدِيثَ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى إِلْحَاقِ النِّسْيَانِ بِالْوَسْوَسَةِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْوَسْوَسَةِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَا اسْتِقْرَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَغْلَ الْبَالِ بِحَدِيثِ النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمِنْ ثَمَّ رَتَّبَ عَلَى مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْغُفْرَانِ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْعِتْقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَلَمْ نَرَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ وَلَا الطَّوْقِيُّ وَلَا ابْنُ عَسَاكِرَ، وَلَا اسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى) كَذَا أَخْرَجَهُ بِحَذْفِ إِنَّمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى.

قَوْلُهُ: (إِلَى دُنْيَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِدُنْيَا، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةٌ مِنْهُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ وَغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه (١)، قال الرُّويانيُّ: وهذا هو الاختيار، نعم يقع الطَّلاق والعتق من الهازل ظاهرًا وباطنًا، ولا يُدَيَّن فيهما (وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ) تعالى أي: لذاته ولجهة (٢) رضاه، ومراده بذلك: إثبات اعتبار النِّيَّة؛ لأنَّه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلَّا مع القصد، وفي حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا -كما في الطَّبرانيِّ-: «لا طلاقَ إلَّا لعدَّةٍ ولا عِتاقَ (٣) إلَّا لوجه الله» (وَقَالَ النَّبِيُّ ) فيما سبق موصولًا في حديث عمر بن الخطَّاب [خ¦١]: (لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) الحديث (وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالمُخْطِئِ) وهو من أراد الصَّواب فصار إلى غيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وللقابسيِّ: «والخاطئ» وهو من تعمَّد (٤) لما لا ينبغي.

٢٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام؛ بكسر الكاف ودالٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ (٥) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) هو من ثقات التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللهَ) ﷿ (تَجَاوَزَ

لِي) أي: لأجلي (عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) جملةٌ في محلِّ نصبٍ (١) على المفعوليَّة، و «ما» موصولٌ، و «وسوست» صلته، و «به» عائدٌ، و «صدورُها» بالرَّفع فاعل «وسوست»، ولأبي ذرٍّ: «صدورَها» بالنَّصب على أنَّ «وسوست» بمعنى: حدَّثت، ونسب هذه في «الفتح» وغيره لرواية الأَصيليِّ، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] بلفظ: «ما حدَّثت به أَنْفُسَها»، والمعنى: ما حدَّثت به نفسه، وهو ما يخطر بالبال (٢)، والوسوسة: الصَّوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواس الحليِّ لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر، إن كانت تدعو إلى الرَّذائل والمعاصي تُسمَّ وسوسةً، فإن كانت تدعو إلى الخصال المرضيَّة والطَّاعات تُسمَّ إلهامًا، ولا تكون الوسوسة (٣) إلَّا مع التَّردُّد والتَّزلزل من غير أن يطمئنَّ إليه أو يستقرَّ عنده (مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليَّات بالجوارح (أَوْ تَكَلَّمْ) في القوليَّات باللِّسان على وفق ذلك، وأصل «تَكَلَّمْ» (٤): تتكلَّم بمُثنَّاتين، حُذِفت (٥) إحداهما تخفيفًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من (٦) قوله: «ما وسوست» لأنَّ الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التَّوطُّن (٧)، فكذلك المخطئ والنَّاسي لا توطُّن لهما، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -إنَّ المرادَ بقوله: «ما لم تكلَّمْ» الكلامُ النَّفسيُّ إذ هو الكلام الأصليُّ، وإنَّ القول الحقيقيَّ هو الموجود بالقلب (٨) الموافق للعلم- فمراده به الانتصار لما رُوِي عن الإمام الأعظم مالكٍ: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة وإن لم يتلفَّظ، قال في «المصابيح»: وقد أشكل هذا على كثير من أصحابه؛ لأنَّ النِّيَّة عبارةٌ عن القصد في الحال، أو العزم في الاستقبال، فكما لا يكون قاصدُ الصَّلاة مصلِّيًا

حتَّى يفعل المقصود، وكذا قاصد الزَّكاة والنِّكاح وغيرها (١)؛ كذلك ينبغي أن يكون (٢) قاصد الطَّلاق، ثمَّ قول القائل: يقع الطَّلاق بالقصد متدافعٌ، وحاصله: يقع ما لم يوقعه المُكلَّف؛ إذ القصد ضرورةٌ يفتقر إلى مقصود النِّيَّة، فكيف يكون القصدُ نفسَ المقصود؟ هذا قلبٌ للحقائق، فمن هنا اشتدَّ الإنكار حتَّى حُمِل على التَّأويل، والذي يرفع الإشكال أنَّ النِّيَّة التي أُريدت هنا هي الكلام النَّفسيُّ الذي يُعبَّر عنه بقول القائل: أنت طالقٌ، فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنِّيَّة، وإيقاع الطَّلاق على من تكلَّم بالطَّلاق وأنشأه حقيقةً لا ريب فيه، وذلك أنَّ الكلام يُطلَق على النَّفسيِّ حقيقةً، وعلى اللَّفظيِّ، قيل: حقيقةً، وقيل: مجازًا، ولهذا نقول: قاصد الإيمان مؤمنٌ؛ لأنَّ المتكلِّم بالإيمان (٣) كلامًا نفسيًّا مصدِّقًا عن معتقده مؤمنٌ، وكذلك المعتقد الكفر بقلبه المصدِّق له كافرٌ، وأمَّا المتكلِّم في نفسه بإحرام الصَّلاة وبالقراءة، فإنَّما لم يُعَدَّ مصلِّيًا ولا قارئًا بمُجرَّد الكلام النَّفسيِّ لتعبُّدِ الشَّرعِ في هذه المواضع الخاصَّة بالنُّطق اللَّفظيِّ، ألا ترى أنَّ المتكلِّم بإحرام الحجِّ في نفسه محرمٌ وإن لم يلبِّ، وكذلك المُخيَّرة إذا تستَّرت (٤)، ونقلت قماشها، ونحو ذلك كان ذلك (٥) اختيارًا للطلاق وإن لم تتكلَّم بلفظٍ؛ لأنَّها قد تكلَّمت في نفسها ونصبتْ هذه الأفعالَ دلالاتٍ على الكلام النَّفسيِّ، فإنَّ الدَّليل عليه لا يَخُصُّ النُّطقَ، بل تدخل فيه الإشارات والرُّموز والخطوط ولهذا كانت المعاطاة عنده بيعًا؛ لدلالتها على الكلام النَّفسيِّ عرفًا، فاندفع السُّؤال وصار ما كان مشكلًا هو اللَّائح. انتهى. وهذا نقضه الخطَّابيُّ بالظِّهار، فإنَّهم أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظِّهار

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ: يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ الِاسْتِسْعَاءِ وَبَيْنَ عِتْقِ نَصِيبِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً إِلَّا النَّصِيبُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُكَاتَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَعَنْ عَطَاءٍ: يَتَخَيَّرُ الشَّرِيكُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ إِبْقَاءِ حِصَّتِهِ فِي الرِّقِّ. وَخَالَفَ الْجَمِيعَ زُفَرُ؛ فَقَالَ: يُعْتَقُ كُلُّهُ وَتُقَوَّمُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فَتُؤْخَذُ إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا، وَتُرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا.

٦ - بَاب الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ تعالى

وَقَالَ النَّبِيُّ : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ

٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ.

[الحديث ٢٥٢٨ - طرفاه في: ٥٢٦٩، ٦٦٦٤]

٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ)؛ أَيْ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَصْدِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ عَامِدًا كَانَ أَوْ مُخْطِئًا ذَاكِرًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا، وَقَدْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وُقُوعُ الْخَطَأِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَلْفِظَ بِشَيْءٍ غَيْرِهِمَا فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ إِلَيْهِمَا، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَفِيمَا إِذَا حَلَفَ وَنَسِيَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ) سَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ نَقْلُ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍ ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: لَا طَلَاقَ إِلَّا لِعِدَّةٍ، وَلَا عِتَاقَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ، وَأَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوِ للشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَا تُخِلُّ بِالْعِتْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ: وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، وَاللَّفْظُ الْمُعَلَّقُ أَوْرَدَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِرِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَإِنَّمَا فِيهِ مُقَدَّرَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: الْخَاطِئِ بَدَلَ الْمُخْطِئِ. قَالُوا: الْمُخْطِئُ مَنْ أَرَادَ الصَّوَابَ فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ لِمَا لَا يَنْبَغِي. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الِاسْتِنْبَاطِ إِلَى بَيَانِ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَعَادَتِهِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ كَثِيرًا بِلَفْظِ: رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي

الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ: وَضَعَ بَدَلَ رَفَعَ، وَأَخْرَجَهُ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّيْمِيُّ فِي فَوَائِدِهِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: رَفَعَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِعِلَّةٍ غَيْرِ قَادِحَةٍ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَزَادَ: عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ بَيْنَ عَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ.

وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نِصْفَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ إِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ أَوْ لَا، الثَّانِي مَا يَقَعُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إِكْرَاهٍ فَهَذَا الْقِسْمُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلِ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْإِثْمُ أَوِ الْحُكْمُ أَوْ هُمَا مَعًا؟ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرُ، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ فَلَهُ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى يُعْتَدُّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَبِحَسَبِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) يَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا زُرَارَةُ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، كَانَ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: (مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ بِلَفْظِ: مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَصُدُورُهَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالضَّمِّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ وَسْوَسَتْ مُضَمَّنٌ مَعْنَى حَدَّثَتْ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا، وَالضَّمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

قَوْلُهُ: (مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ) وَيَأْتِي فِي النُّذُورِ بِلَفْظِ: مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ. وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَمَّا يَقَعُ فِي النَّفْسِ حَتَّى يَقَعَ الْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ، أَوِ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْوَسْوَسَةِ تَرَدُّدُ الشَّيْءِ فِي النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ وَيَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا اعْتِبَارَ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا تَوَطُّنَ لَهُمَا، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي آخِرِهِ: وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَأَظُنُّهَا مُدْرَجَةً مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ، دَخَلَ عَلَى هِشَامٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ. قِيلَ: لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ فِي النِّسْيَانِ، وَالْحَدِيثَ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى إِلْحَاقِ النِّسْيَانِ بِالْوَسْوَسَةِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْوَسْوَسَةِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَا اسْتِقْرَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَغْلَ الْبَالِ بِحَدِيثِ النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمِنْ ثَمَّ رَتَّبَ عَلَى مَنْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْغُفْرَانِ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْعِتْقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَلَمْ نَرَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو مَسْعُودٍ وَلَا الطَّوْقِيُّ وَلَا ابْنُ عَسَاكِرَ، وَلَا اسْتَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى) كَذَا أَخْرَجَهُ بِحَذْفِ إِنَّمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى.

قَوْلُهُ: (إِلَى دُنْيَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِدُنْيَا، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةٌ مِنْهُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ وَغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه (١)، قال الرُّويانيُّ: وهذا هو الاختيار، نعم يقع الطَّلاق والعتق من الهازل ظاهرًا وباطنًا، ولا يُدَيَّن فيهما (وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ) تعالى أي: لذاته ولجهة (٢) رضاه، ومراده بذلك: إثبات اعتبار النِّيَّة؛ لأنَّه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلَّا مع القصد، وفي حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا -كما في الطَّبرانيِّ-: «لا طلاقَ إلَّا لعدَّةٍ ولا عِتاقَ (٣) إلَّا لوجه الله» (وَقَالَ النَّبِيُّ ) فيما سبق موصولًا في حديث عمر بن الخطَّاب [خ¦١]: (لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) الحديث (وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالمُخْطِئِ) وهو من أراد الصَّواب فصار إلى غيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: وللقابسيِّ: «والخاطئ» وهو من تعمَّد (٤) لما لا ينبغي.

٢٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير بن عيسى قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام؛ بكسر الكاف ودالٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ (٥) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) هو من ثقات التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ اللهَ) ﷿ (تَجَاوَزَ

لِي) أي: لأجلي (عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) جملةٌ في محلِّ نصبٍ (١) على المفعوليَّة، و «ما» موصولٌ، و «وسوست» صلته، و «به» عائدٌ، و «صدورُها» بالرَّفع فاعل «وسوست»، ولأبي ذرٍّ: «صدورَها» بالنَّصب على أنَّ «وسوست» بمعنى: حدَّثت، ونسب هذه في «الفتح» وغيره لرواية الأَصيليِّ، ويأتي -إن شاء الله تعالى- في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] بلفظ: «ما حدَّثت به أَنْفُسَها»، والمعنى: ما حدَّثت به نفسه، وهو ما يخطر بالبال (٢)، والوسوسة: الصَّوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواس الحليِّ لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر، إن كانت تدعو إلى الرَّذائل والمعاصي تُسمَّ وسوسةً، فإن كانت تدعو إلى الخصال المرضيَّة والطَّاعات تُسمَّ إلهامًا، ولا تكون الوسوسة (٣) إلَّا مع التَّردُّد والتَّزلزل من غير أن يطمئنَّ إليه أو يستقرَّ عنده (مَا لَمْ تَعْمَلْ) في العمليَّات بالجوارح (أَوْ تَكَلَّمْ) في القوليَّات باللِّسان على وفق ذلك، وأصل «تَكَلَّمْ» (٤): تتكلَّم بمُثنَّاتين، حُذِفت (٥) إحداهما تخفيفًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من (٦) قوله: «ما وسوست» لأنَّ الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التَّوطُّن (٧)، فكذلك المخطئ والنَّاسي لا توطُّن لهما، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -إنَّ المرادَ بقوله: «ما لم تكلَّمْ» الكلامُ النَّفسيُّ إذ هو الكلام الأصليُّ، وإنَّ القول الحقيقيَّ هو الموجود بالقلب (٨) الموافق للعلم- فمراده به الانتصار لما رُوِي عن الإمام الأعظم مالكٍ: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة وإن لم يتلفَّظ، قال في «المصابيح»: وقد أشكل هذا على كثير من أصحابه؛ لأنَّ النِّيَّة عبارةٌ عن القصد في الحال، أو العزم في الاستقبال، فكما لا يكون قاصدُ الصَّلاة مصلِّيًا

حتَّى يفعل المقصود، وكذا قاصد الزَّكاة والنِّكاح وغيرها (١)؛ كذلك ينبغي أن يكون (٢) قاصد الطَّلاق، ثمَّ قول القائل: يقع الطَّلاق بالقصد متدافعٌ، وحاصله: يقع ما لم يوقعه المُكلَّف؛ إذ القصد ضرورةٌ يفتقر إلى مقصود النِّيَّة، فكيف يكون القصدُ نفسَ المقصود؟ هذا قلبٌ للحقائق، فمن هنا اشتدَّ الإنكار حتَّى حُمِل على التَّأويل، والذي يرفع الإشكال أنَّ النِّيَّة التي أُريدت هنا هي الكلام النَّفسيُّ الذي يُعبَّر عنه بقول القائل: أنت طالقٌ، فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنِّيَّة، وإيقاع الطَّلاق على من تكلَّم بالطَّلاق وأنشأه حقيقةً لا ريب فيه، وذلك أنَّ الكلام يُطلَق على النَّفسيِّ حقيقةً، وعلى اللَّفظيِّ، قيل: حقيقةً، وقيل: مجازًا، ولهذا نقول: قاصد الإيمان مؤمنٌ؛ لأنَّ المتكلِّم بالإيمان (٣) كلامًا نفسيًّا مصدِّقًا عن معتقده مؤمنٌ، وكذلك المعتقد الكفر بقلبه المصدِّق له كافرٌ، وأمَّا المتكلِّم في نفسه بإحرام الصَّلاة وبالقراءة، فإنَّما لم يُعَدَّ مصلِّيًا ولا قارئًا بمُجرَّد الكلام النَّفسيِّ لتعبُّدِ الشَّرعِ في هذه المواضع الخاصَّة بالنُّطق اللَّفظيِّ، ألا ترى أنَّ المتكلِّم بإحرام الحجِّ في نفسه محرمٌ وإن لم يلبِّ، وكذلك المُخيَّرة إذا تستَّرت (٤)، ونقلت قماشها، ونحو ذلك كان ذلك (٥) اختيارًا للطلاق وإن لم تتكلَّم بلفظٍ؛ لأنَّها قد تكلَّمت في نفسها ونصبتْ هذه الأفعالَ دلالاتٍ على الكلام النَّفسيِّ، فإنَّ الدَّليل عليه لا يَخُصُّ النُّطقَ، بل تدخل فيه الإشارات والرُّموز والخطوط ولهذا كانت المعاطاة عنده بيعًا؛ لدلالتها على الكلام النَّفسيِّ عرفًا، فاندفع السُّؤال وصار ما كان مشكلًا هو اللَّائح. انتهى. وهذا نقضه الخطَّابيُّ بالظِّهار، فإنَّهم أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظِّهار

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
أستغفر الله