«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٨

الحديث رقم ٢٥٨ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٨ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ».

بَابُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ

إسناد حديث رقم ٢٥٨ من صحيح البخاري

٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

⦗٦١⦘

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى وَهُوَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَبَاقِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ.

قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فَغَسَلَ يَدَهُ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدَيْهِ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) الشَّكُّ مِنَ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ، وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مَيْمُونَةَ.

قَوْلُهُ: (مَذَاكِيرَهُ) هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَكَأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعُضْوِ وَبَيْنَ خِلَافِ الْأُنْثَى، قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اسْمَهُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ.

٦ - بَاب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ

٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) مُطَابَقَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَشْكَلَ أَمْرُهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ الْبُخَارِيَّ فِيهَا إِلَى الْوَهْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ لَفْظَ الْحِلَابِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ فِي الرِّوَايَةِ لِتَتَّجِهَ الْمُطَابَقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّفَ لَهَا تَوْجِيهًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.

فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَأَوَّلُهُمُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - مَنْ ذَا الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، سَبَقَ إِلَى قَلْبِهِ أَنَّ الْحِلَابَ طِيبٌ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ إِنَاءٌ وَهُوَ مَا يُحْلَبُ فِيهِ يُسَمَّى حِلَابًا وَمِحْلَبًا، قَالَ: وَفِي تَأَمُّلِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ. انْتَهَى.

وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ: الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ، وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي، وَلَيْسَ الْحِلَابُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، قَالَ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:

صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ … رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا فَرَى فِي الْحِلَابِ

وَتَبِعَ الْخَطَّابِيَّ، ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَوَّلُهُمُ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: الْحِلَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْخَفِيفَةِ أَيْ مَا يُحْلَبُ فِيهِ كَالْمِحْلَبِ فَصَحَّفُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ مَاءُ الْوَرْدِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لِأَنَّ الطِّيبَ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَلْيَقُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَرِيبِ الصَّحِيحَيْنِ: ضَمَّ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ الْفَرَقِ وَحَدِيثِ قَدْرِ الصَّاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْإِنَاءِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا

ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يَكُونُ قَبْلَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّرْجَمَةِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى.

فَجَعَلَ الْحُمَيْدِيُّ كَوْنَ الْبُخَارِيِّ أَرَادَ ذَلِكَ احْتِمَالًا، أَيْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْحِلَابُ وَالْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ إِنَاءٌ يَمْلَؤُهُ قَدْرَ حَلْبِ النَّاقَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ: وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى التَّأْوِيلَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، يُشِيرُ إِلَى مَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ مَا قَالَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِلَابُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ لَا يَصِحُّ غَيْرُهَا، وَقَدْ وَهِمَ مَنْ ظَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَكَذَا مَنْ قَالَهُ بِضَمِّ الْجِيمِ. انْتَهَى.

وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الطِّيبُ مَا لَهُ عَرْفٌ طَيِّبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَطْيِيبَ الْبَدَنِ بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ وَسَخٍ وَدَرَنٍ وَنَجَاسَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنْهُ يَبْدَأُ بِهِ فَيُوضَعُ فِيهِ مَاءُ الْغُسْلِ، قَالَ: وَأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوِ الطِّيبُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى إِعْدَادِ مَاءِ الْغُسْلِ ثُمَّ الشُّرُوعِ فِي التَّنْظِيفِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْغُسْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْبَدَاءَةُ بِشِقِّ الرَّأْسِ ; لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ شَعَثًا مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُنَقِّي الْبَدَنَ كَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِ.

وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ قَسِيمُ الْحِلَابِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَمِيعُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلِذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْحِلَابِ عَلَى هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي الْحِلَابِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْحَالِّ اسْمَ الْمَحَلِّ مَجَازًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ الطِّيبُ فَالْمَعْنَى بَدَأَ تَارَةً بِطَلَبِ ظَرْفِ الطِّيبِ وَتَارَةً بِطَلَبِ نَفْسِ الطِّيبِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَ الْحِلَابَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ضَرْبًا مِنَ الطِّيبِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي كَانَ فِيهِ طِيبُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ . انْتَهَى كَلَامُهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ أَيْ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ أَيْ فَطَيَّبَهُ إِلَخْ.

وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ صِفَةُ التَّطْيِيبِ لَا الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَرَفَ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، فَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِقَدَحٍ بَدَلَ قَوْلِهِ بِحِلَابٍ وَزَادَ فِيهِ كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ الْحَدِيثَ.

وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ اغْتَسَلَ فَأُتِيَ بِحِلَابٍ فَغَسَلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: اغْتَسَلَ وَيَغْسِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ لَا إِنَاءُ الطِّيبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ دُونَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ مَاءً فَأَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ مَاءٌ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْغُسْلِ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بذكر أحدهما وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: «والطِّيب» بإسقاط الألف.

٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) البصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلَدٍ -بفتح الميم وسكون المُعجَمة- النَّبيل (عَنْ حَنْظَلَةَ) بن أبي سفيان القرشيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ، المدنيِّ، أفضل أهل زمانه، التَّابعيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة (٢)، المُتوفَّى سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ) بكسر الحاء، أي: طلب إناءً مثل الإناء الذي يُسمَّى: «الحِلَاب» وقد وصفه أبو عاصمٍ كما أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عنه: «بأقلَّ من شبرٍ في شبرٍ»، وللبيهقيِّ: قدر كوزٍ يسع ثمانية أرطالٍ (فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشِّين المُعجَمة (ثُمَّ) بشقِّ رأسه (الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، وهو يقوِّي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (عَلَى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى وَهُوَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَبَاقِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ.

قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فَغَسَلَ يَدَهُ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدَيْهِ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) الشَّكُّ مِنَ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ، وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مَيْمُونَةَ.

قَوْلُهُ: (مَذَاكِيرَهُ) هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَكَأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعُضْوِ وَبَيْنَ خِلَافِ الْأُنْثَى، قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اسْمَهُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ.

٦ - بَاب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ

٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) مُطَابَقَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَشْكَلَ أَمْرُهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ الْبُخَارِيَّ فِيهَا إِلَى الْوَهْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ لَفْظَ الْحِلَابِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ فِي الرِّوَايَةِ لِتَتَّجِهَ الْمُطَابَقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّفَ لَهَا تَوْجِيهًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.

فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَأَوَّلُهُمُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - مَنْ ذَا الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، سَبَقَ إِلَى قَلْبِهِ أَنَّ الْحِلَابَ طِيبٌ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ إِنَاءٌ وَهُوَ مَا يُحْلَبُ فِيهِ يُسَمَّى حِلَابًا وَمِحْلَبًا، قَالَ: وَفِي تَأَمُّلِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ. انْتَهَى.

وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ: الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ، وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي، وَلَيْسَ الْحِلَابُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، قَالَ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:

صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ … رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا فَرَى فِي الْحِلَابِ

وَتَبِعَ الْخَطَّابِيَّ، ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَوَّلُهُمُ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: الْحِلَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْخَفِيفَةِ أَيْ مَا يُحْلَبُ فِيهِ كَالْمِحْلَبِ فَصَحَّفُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ مَاءُ الْوَرْدِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لِأَنَّ الطِّيبَ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَلْيَقُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَرِيبِ الصَّحِيحَيْنِ: ضَمَّ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ الْفَرَقِ وَحَدِيثِ قَدْرِ الصَّاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْإِنَاءِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا

ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يَكُونُ قَبْلَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّرْجَمَةِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى.

فَجَعَلَ الْحُمَيْدِيُّ كَوْنَ الْبُخَارِيِّ أَرَادَ ذَلِكَ احْتِمَالًا، أَيْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْحِلَابُ وَالْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ إِنَاءٌ يَمْلَؤُهُ قَدْرَ حَلْبِ النَّاقَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ: وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى التَّأْوِيلَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، يُشِيرُ إِلَى مَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ مَا قَالَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِلَابُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ لَا يَصِحُّ غَيْرُهَا، وَقَدْ وَهِمَ مَنْ ظَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَكَذَا مَنْ قَالَهُ بِضَمِّ الْجِيمِ. انْتَهَى.

وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الطِّيبُ مَا لَهُ عَرْفٌ طَيِّبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَطْيِيبَ الْبَدَنِ بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ وَسَخٍ وَدَرَنٍ وَنَجَاسَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنْهُ يَبْدَأُ بِهِ فَيُوضَعُ فِيهِ مَاءُ الْغُسْلِ، قَالَ: وَأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوِ الطِّيبُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى إِعْدَادِ مَاءِ الْغُسْلِ ثُمَّ الشُّرُوعِ فِي التَّنْظِيفِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْغُسْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْبَدَاءَةُ بِشِقِّ الرَّأْسِ ; لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ شَعَثًا مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُنَقِّي الْبَدَنَ كَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِ.

وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ قَسِيمُ الْحِلَابِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَمِيعُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلِذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْحِلَابِ عَلَى هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي الْحِلَابِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْحَالِّ اسْمَ الْمَحَلِّ مَجَازًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ الطِّيبُ فَالْمَعْنَى بَدَأَ تَارَةً بِطَلَبِ ظَرْفِ الطِّيبِ وَتَارَةً بِطَلَبِ نَفْسِ الطِّيبِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَ الْحِلَابَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ضَرْبًا مِنَ الطِّيبِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي كَانَ فِيهِ طِيبُ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ . انْتَهَى كَلَامُهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ أَيْ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ أَيْ فَطَيَّبَهُ إِلَخْ.

وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ صِفَةُ التَّطْيِيبِ لَا الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَرَفَ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، فَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِقَدَحٍ بَدَلَ قَوْلِهِ بِحِلَابٍ وَزَادَ فِيهِ كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ الْحَدِيثَ.

وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ اغْتَسَلَ فَأُتِيَ بِحِلَابٍ فَغَسَلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: اغْتَسَلَ وَيَغْسِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ لَا إِنَاءُ الطِّيبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ دُونَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ مَاءً فَأَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ مَاءٌ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْغُسْلِ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بذكر أحدهما وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: «والطِّيب» بإسقاط الألف.

٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) البصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلَدٍ -بفتح الميم وسكون المُعجَمة- النَّبيل (عَنْ حَنْظَلَةَ) بن أبي سفيان القرشيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ، المدنيِّ، أفضل أهل زمانه، التَّابعيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة (٢)، المُتوفَّى سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ) بكسر الحاء، أي: طلب إناءً مثل الإناء الذي يُسمَّى: «الحِلَاب» وقد وصفه أبو عاصمٍ كما أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عنه: «بأقلَّ من شبرٍ في شبرٍ»، وللبيهقيِّ: قدر كوزٍ يسع ثمانية أرطالٍ (فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشِّين المُعجَمة (ثُمَّ) بشقِّ رأسه (الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، وهو يقوِّي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (عَلَى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد