«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» لَمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٨٥

الحديث رقم ٢٥٨٥ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المكافأة في الهبة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٨٥ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ : يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.

بَابُ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الْآخَرِينَ مِثْلَهُ وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ وَقَالَ النَّبِيُّ اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى وَاشْتَرَى النَّبِيُّ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ

إسناد حديث رقم ٢٥٨٥ من صحيح البخاري

٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْهُ قَوْلُهُ : وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ. فَإِنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ طَيَّبْنَا لَكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الْعِتْقِ فِي بَابِ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ وَهَبُوا مَا غَنِمُوهُ مِنَ السَّبْيِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْسَمَ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْغَائِبِ، وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ جَوَابَ الشَّرْطِ مِنَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ فَلْيَفْعَلْ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْلَاكَ قَوْمٍ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَاسْتِئْلَافٌ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْمَالِكِينَ.

١١ - بَاب الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ

٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا.

لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ) الْمُكَافَأَةُ بِالْهَمْزِ مُفَاعَلَةٌ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ هُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْفَرَّاءِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ.

قَوْلُهُ: (يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أَيْ يُعْطِي الَّذِي يُهْدِي لَهُ بَدَلَهَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ الْمُجَازَاةُ، وَأَقَلُّهُ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ الْهَدِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ، وَمُحَاضِرٌ: عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَزَّارُ: لَا نَعْرِفُهُ مَوْصُولًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَقَالَ الْآَجُرِّيُّ: سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ فَقَالَ: تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ. وَرِوَايَةُ وَكِيعٍ وَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ وَيُثِيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَرِوَايَةُ مُحَاضِرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدُ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَى الْهَدِيَّةِ إِذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ، بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مُوَاظَبَتُهُ ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَهْدَى قَصَدَ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى فَلَا أَقَلَّ أَنْ يُعَوَّضَ بِنَظِيرِ هَدِيَّتِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ كَالْحَنَفِيَّةِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ فَلَوْ أَبْطَلْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَمَا اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ لَمْ تَقْتَضِ الثَّوَابَ أَصْلًا لَكَانَتْ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الَّذِي يُهْدِي أَنَّهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ

وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الْآخَر مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ النَّبِيُّ : اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ.

وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى؟

وَاشْتَرَى النَّبِيُّ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قطعة من حديث سبق (١) في «العتق» [خ¦٣١٣١].

(١١) (بابُ المُكَافَأَةِ فِي الهِبَةِ) بالهمزة، وقد تُتْرَك، مفاعلة بمعنى: المقابلة، وللكُشْمِيهَنيِّ: «الهديَّة» بالدَّال المهملة بدل «الهِبَة» بالموحَّدة.

٢٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي (٢) إسحاقَ السَّبِيعي، بفتح (٣) السِّين المهملة وكسر الباء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُرْوة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أي: يعطي الذي يهدي له بدلها. واستدلَّ به بعض المالكيَّة على وجوب الثَّواب على الهديَّة إذا أَطْلَق، وكان ممَّن يطلب مثله الثَّواب كالفقير للغنيِّ، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدَّلالة منه: مواظبتُه على ذلك (٤)، ومذهبُ الشَّافعيَّة لا يجب بمطلق الهبة والهديَّة، إذ لا يقتضيه اللَّفظ ولا العادة، ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى، كما في إعارته له إلحاقًا للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتَّهب على ذلك، فهبةٌ مبتدأةٌ، وإذا قيَّدها المتعاقدان (٥) بثوابٍ معلوم لا مجهول، صحَّ العقد بيعًا نظرًا للمعنى، فإنَّه معاوضةُ مالٍ بمال معلوم كالبيع، بخلاف ما إذا قيَّداها بمجهول، لا يصحُّ لتعذُّره بيعًا وهبة. نعم، المكافأة على الهديَّة والهبة مستحبَّةٌ اقتداءً به .

وأشار المؤلِّف بقوله: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح، فيما وصله ابن أبي شَيْبَة (وَمُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة، ابنُ المورِّع -بتشديد الرَّاء المكسورة وبالعين المهملة- الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُرْوَة (عَنْ عَائِشَةَ) إلى أنَّ عيسى بن يونس تفرَّد بوصل هذا الحديث عن هشام، وقد قال التِّرمذيُّ (١) والبزَّار: لا نعرفه موصولًا إِلَّا من حديث عيسى بن يونس، وهو عند النَّاس مرسل، قال ابن حَجَر: وروايةُ مُحاضِر لم أقف عليها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة متَّجهةٌ إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعمُّ، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».

(١٢) (بابُ) حكم (الهِبَةِ لِلْوَلَدِ) من الوالد (وإِذَا أَعْطَى) الوالد (بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ) له ذلك (حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ (٢) مِثْلَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ويُعْطَى» بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثِه «الآخرُ» بالإفراد والرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ) مبنيٌّ للمفعول، والضَّمير في «عليه» للأب، أي: لا يسع الشُّهود أن يشهدوا على الأب إذا فضَّل بعض بنيه على بعض.

(وَقَالَ النَّبِيُّ ) فيما وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٢٥٨٧] من حديث النُّعمان: (اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ) هبةً أو هديَّةً أو صدقةً، وسقط لفظ «في العطيَّة» في الباب اللَّاحق (وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ) الَّتي أعطاها لولده؟ نعم له ذلك، وكذا سائر الأصول من الجهتين، ولو مع اختلاف الدِّين من دون حكم الحاكم، سواء أقبضها الولد أم لا، غنيًّا كان أو فقيرًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لحديث التِّرمذي والحاكم وصحَّحاه: «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطيَ عطيَّة أو يهب هبةً فيرجع فيها إِلَّا الوالد فيما يُعطي لولده (٣)»، والوالد يشمل كلَّ الأصولِ إِنْ حُمِل اللَّفظ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْهُ قَوْلُهُ : وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ. فَإِنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ طَيَّبْنَا لَكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الْعِتْقِ فِي بَابِ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ وَهَبُوا مَا غَنِمُوهُ مِنَ السَّبْيِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْسَمَ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الْغَائِبِ، وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ جَوَابَ الشَّرْطِ مِنَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ فَلْيَفْعَلْ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْلَاكَ قَوْمٍ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَاسْتِئْلَافٌ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْمَالِكِينَ.

١١ - بَاب الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ

٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا.

لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ) الْمُكَافَأَةُ بِالْهَمْزِ مُفَاعَلَةٌ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ هُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْفَرَّاءِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ.

قَوْلُهُ: (يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أَيْ يُعْطِي الَّذِي يُهْدِي لَهُ بَدَلَهَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ الْمُجَازَاةُ، وَأَقَلُّهُ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ الْهَدِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ، وَمُحَاضِرٌ: عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَزَّارُ: لَا نَعْرِفُهُ مَوْصُولًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَقَالَ الْآَجُرِّيُّ: سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ فَقَالَ: تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ. وَرِوَايَةُ وَكِيعٍ وَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ وَيُثِيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَرِوَايَةُ مُحَاضِرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدُ.

وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَى الْهَدِيَّةِ إِذَا أَطْلَقَ الْوَاهِبُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِثْلُهُ الثَّوَابَ كَالْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ، بِخِلَافِ مَا يَهَبُهُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مُوَاظَبَتُهُ ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَهْدَى قَصَدَ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَهْدَى فَلَا أَقَلَّ أَنْ يُعَوَّضَ بِنَظِيرِ هَدِيَّتِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ كَالْحَنَفِيَّةِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ فَلَوْ أَبْطَلْنَاهُ لَكَانَ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَمَا اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ لَمْ تَقْتَضِ الثَّوَابَ أَصْلًا لَكَانَتْ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الَّذِي يُهْدِي أَنَّهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ

وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الْآخَر مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ النَّبِيُّ : اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ.

وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى؟

وَاشْتَرَى النَّبِيُّ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قطعة من حديث سبق (١) في «العتق» [خ¦٣١٣١].

(١١) (بابُ المُكَافَأَةِ فِي الهِبَةِ) بالهمزة، وقد تُتْرَك، مفاعلة بمعنى: المقابلة، وللكُشْمِيهَنيِّ: «الهديَّة» بالدَّال المهملة بدل «الهِبَة» بالموحَّدة.

٢٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي (٢) إسحاقَ السَّبِيعي، بفتح (٣) السِّين المهملة وكسر الباء (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عُرْوة بن الزُّبَير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا) أي: يعطي الذي يهدي له بدلها. واستدلَّ به بعض المالكيَّة على وجوب الثَّواب على الهديَّة إذا أَطْلَق، وكان ممَّن يطلب مثله الثَّواب كالفقير للغنيِّ، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدَّلالة منه: مواظبتُه على ذلك (٤)، ومذهبُ الشَّافعيَّة لا يجب بمطلق الهبة والهديَّة، إذ لا يقتضيه اللَّفظ ولا العادة، ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى، كما في إعارته له إلحاقًا للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتَّهب على ذلك، فهبةٌ مبتدأةٌ، وإذا قيَّدها المتعاقدان (٥) بثوابٍ معلوم لا مجهول، صحَّ العقد بيعًا نظرًا للمعنى، فإنَّه معاوضةُ مالٍ بمال معلوم كالبيع، بخلاف ما إذا قيَّداها بمجهول، لا يصحُّ لتعذُّره بيعًا وهبة. نعم، المكافأة على الهديَّة والهبة مستحبَّةٌ اقتداءً به .

وأشار المؤلِّف بقوله: (لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح، فيما وصله ابن أبي شَيْبَة (وَمُحَاضِرٌ) بضمِّ الميم وكسر الضَّاد المعجمة، ابنُ المورِّع -بتشديد الرَّاء المكسورة وبالعين المهملة- الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عُرْوَة (عَنْ عَائِشَةَ) إلى أنَّ عيسى بن يونس تفرَّد بوصل هذا الحديث عن هشام، وقد قال التِّرمذيُّ (١) والبزَّار: لا نعرفه موصولًا إِلَّا من حديث عيسى بن يونس، وهو عند النَّاس مرسل، قال ابن حَجَر: وروايةُ مُحاضِر لم أقف عليها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة متَّجهةٌ إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعمُّ، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».

(١٢) (بابُ) حكم (الهِبَةِ لِلْوَلَدِ) من الوالد (وإِذَا أَعْطَى) الوالد (بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ) له ذلك (حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ (٢) مِثْلَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ويُعْطَى» بضمِّ أوَّله وفتحِ ثالثِه «الآخرُ» بالإفراد والرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ) مبنيٌّ للمفعول، والضَّمير في «عليه» للأب، أي: لا يسع الشُّهود أن يشهدوا على الأب إذا فضَّل بعض بنيه على بعض.

(وَقَالَ النَّبِيُّ ) فيما وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٢٥٨٧] من حديث النُّعمان: (اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ) هبةً أو هديَّةً أو صدقةً، وسقط لفظ «في العطيَّة» في الباب اللَّاحق (وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ) الَّتي أعطاها لولده؟ نعم له ذلك، وكذا سائر الأصول من الجهتين، ولو مع اختلاف الدِّين من دون حكم الحاكم، سواء أقبضها الولد أم لا، غنيًّا كان أو فقيرًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لحديث التِّرمذي والحاكم وصحَّحاه: «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطيَ عطيَّة أو يهب هبةً فيرجع فيها إِلَّا الوالد فيما يُعطي لولده (٣)»، والوالد يشمل كلَّ الأصولِ إِنْ حُمِل اللَّفظ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر