الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٩
الحديث رقم ٢٥٩ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٨ - بَابُ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ فَيَأْخُذُ غُرْفَةً بِكَفَّيْهِ فَيَجْعَلُهَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ يَغْتَسِلُ وَقَوْلُهُ غُرْفَةٌ أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيِّ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ وَالتَّطَيُّبِ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالصَّبِّ، فَهَذَا كُلُّهُ يُبْعِدُ تَأْوِيلَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّطَيُّبِ، وَرَأَيْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ - وَلَا أَحْفَظُهُ الْآنَ - أَنَّ الْمُرَادَ بِالطِّيبِ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، قَالَ: وَالْغُسْلُ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ وَكَأَنَّ الطِّيبَ حَصَلَ عِنْدَ الْغُسْلِ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ هُنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا مِنْ عَادَتِهِ.
انْتَهَى، وَيُقَوِّيهِ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ بَابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَهَا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ - أَيْ لَمَعَانِهِ - فِي مَفْرِقِهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا فَاسْتُنْبِطَ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ التَّطَيُّبِ مِنْ قَوْلِهَا ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ; لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ وَمِنْ لَازِمِهِ الِاغْتِسَالُ، فَعُرِفَ أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ أَنْ تَطَيَّبَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ بَعْدَ الْغُسْلِ لِكَثْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيُكْثِرُ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَيْ بِإِنَاءِ الْمَاءِ الَّذِي لِلْغُسْلِ فَاسْتَدْعَى بِهِ لِأَجْلِ الْغُسْلِ أَوْ مَنْ بَدَأَ بِالطِّيبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْغُسْلِ، فَالتَّرْجَمَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِالْغُسْلِ، وَأَمَّا التَّطَيُّبُ بَعْدَهُ فَمَعْرُوفٌ مِنْ شَأْنِهِ، وَأَمَّا الْبَدَاءَةُ بِالطِّيبِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَبِالْإِشَارَةِ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي وَأَلْيَقُهَا بِتَصَرُّفَاتِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعُرِفَ مِنْ هَذَ أَنَّ قَوْلَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ مُعْتَرَضٌ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ مُؤَاخَذَاتٌ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا لِظُهُورِهَا، وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.
(تَكْمِيلٌ): أَبُو عَاصِمٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَكِنَّهُ نَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً، وَحَنْظَلَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَقَوْلُهُ دَعَا أَيْ طَلَبَ، وَقَوْلُهُ نَحْوَ الْحِلَابِ أَيْ إِنَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ الْإِنَاءِ الَّذِي يُسَمَّى الْحِلَابَ، وَقَدْ وَصَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَأَشَارَ أَبُو عَاصِمٍ بِكَفَّيْهِ فَكَأَنَّهُ حَلَّقَ بِشِبْرَيْهِ يَصِفُ بِهِ دَوْرَهُ الْأَعْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ كَقَدْرِ كُوزٍ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْغُرْفَةِ الثَّالِثَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَوْلُهُ بِكَفِّهِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِكَفَّيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسْطٌ بِالسُّكُونِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ.
وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ فِي التَّطَهُّرِ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَفِيهِ الِاجْتِزَاءُ بِالْغُسْلِ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، وَتَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ، وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَقَالَ بِهِمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧ - بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
رَأْسِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «على وسَط رأسه» بفتح السِّين، قال الجوهريُّ: كلُّ موضعٍ يصلح فيه بَيْنٌ فهو وسْطٌ بالسُّكون، وإلَّا فهو بالتَّحريك، وأطلق «القول» على الفعل مجازًا.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ.
(٧) (بابُ) حكم (المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ) هل هما واجبان أو سُنَّتان (فِي) الغسل من (الجَنَابَةِ)؟
٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بضمِّ العين المُهمَلة في الأوَّل، وكسر المُعجمَة في الثَّالِث وآخره مُثَلَّثةٌ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ، قاضي بغداد، المُتوفَّى سنة ستٍّ (١) وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد، التَّابعيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُثلَّثة (مَيْمُونَةُ): أمُّ المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا) بضمِّ الغين، أي: ماءً للاغتسال (فَأَفْرَغَ) ﵊ (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ
الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «على الأرض» أي: ضربها بيده (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء، وأجرى القول مجرى الفعل مجازًا، كما مرَّ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الميم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) طلبًا للكمال المستلزم للثَّواب، وقد قال الحنفيَّة بفرضيَّتهما (١) في الغسل دون الوضوء لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦] قالوا: وهو أمرٌ بتطهير جميع البدن، إلَّا أنَّ ما يتعذَّر إيصال الماء إليه خارجٌ عن النَّصِّ، بخلاف الوضوء لأنَّ الواجب فيه (٢) غسل الوجه، والمُواجَهة فيهما منعدمةٌ، وأيضًا مُواظَبته ﵊ عليهما (٣) بحيث لم يُنقَل عنه تركهما تدلُّ على الوجوب، لنا قوله ﵊: «عشرٌ من الفطرة» أي: من السُّنَّة وذكرهما منها (ثُمَّ غَسَلَ) ﵊ (وَجْهَهُ وَأَفَاضَ) أي: صبَّ الماء (عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) أي: تحوَّل إلى ناحيةٍ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِمِنْدِيلٍ) بكسر الميم (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) بضمِّ الفاء، وفي نسخةٍ: «فلم ينتفض» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون، وأنَّث الضَّمير على معنى الخرقة لأنَّ المنديل خرقةٌ مخصوصةٌ، زاد هنا في رواية كريمة: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف «يعني: لم يتمسَّح به» أي: بالمنديل من بلل
الماء لأنَّه أثر عبادةٍ، فكان تركه أَوْلى، قال التَّيميُّ (١): ما أُتِي بالمنديل إلَّا أنَّه كان يتنشَّف به (٢)، وردَّه لنحو وسخٍ كان فيه. انتهى. وفي التَّنشُّف في الوضوء والغسل أوجهٌ؛ فقِيلَ: يُندَب تركه لِمَا ذُكِر، وقِيلَ: يُندَب فعله ليسلم من غبار نجسٍ ونحوه، وقِيلَ: يُكرَه فعله فيهما، وإليه ذهب ابن عمر (٣). وقال ابن عبَّاسٍ: يُكرَه في الوضوء دون الغسل، وقِيلَ: تركه وفعله سواءٌ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وهذا هو الذي نختاره ونعمل به لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليلٍ، وقِيلَ: يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء، قال في «المجموع»: وهذا كلُّه إذا لم يكن حاجةٌ؛ كبردٍ أو التصاق نجاسةٍ، فإن كان فلا كراهة قطعًا. انتهى. قال في «الذَّخائر»: وإذا تنشَّف فالأَوْلى ألَّا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.
ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيَّةٍ.
(٨) (بابُ مَسْحِ اليَدِ) أي: مسح المغتسل يده (بِالتُّرَابِ لِتَكُونَ (٤)) بالفوقيَّة (٥) لابن عساكر والأَصيليِّ، ولغيرهما بالتَّحتيَّة (٦) (أَنْقَى) بالنُّون والقاف، أي: أطهر من غير الممسوحة، فحذف «مِنْ» الملازمة (٧) لـ «أَفْعل التَّفضيل» المُنكَّر (٨)، وحينئذٍ فلا مُطابَقة بينهما لأنَّ «أفعل التَّفضيل» إذا كان بـ «مِنْ» فهو مُفرَدٌ مُذكَّرٌ، قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّه إن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ فَيَأْخُذُ غُرْفَةً بِكَفَّيْهِ فَيَجْعَلُهَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ يَغْتَسِلُ وَقَوْلُهُ غُرْفَةٌ أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيِّ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ وَالتَّطَيُّبِ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالصَّبِّ، فَهَذَا كُلُّهُ يُبْعِدُ تَأْوِيلَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّطَيُّبِ، وَرَأَيْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ - وَلَا أَحْفَظُهُ الْآنَ - أَنَّ الْمُرَادَ بِالطِّيبِ فِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، قَالَ: وَالْغُسْلُ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ وَكَأَنَّ الطِّيبَ حَصَلَ عِنْدَ الْغُسْلِ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ هُنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا مِنْ عَادَتِهِ.
انْتَهَى، وَيُقَوِّيهِ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ بَابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَهَا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ - أَيْ لَمَعَانِهِ - فِي مَفْرِقِهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا فَاسْتُنْبِطَ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ التَّطَيُّبِ مِنْ قَوْلِهَا ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ; لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ وَمِنْ لَازِمِهِ الِاغْتِسَالُ، فَعُرِفَ أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ أَنْ تَطَيَّبَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ بَعْدَ الْغُسْلِ لِكَثْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ ﷺ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيُكْثِرُ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَيْ بِإِنَاءِ الْمَاءِ الَّذِي لِلْغُسْلِ فَاسْتَدْعَى بِهِ لِأَجْلِ الْغُسْلِ أَوْ مَنْ بَدَأَ بِالطِّيبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْغُسْلِ، فَالتَّرْجَمَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِالْغُسْلِ، وَأَمَّا التَّطَيُّبُ بَعْدَهُ فَمَعْرُوفٌ مِنْ شَأْنِهِ، وَأَمَّا الْبَدَاءَةُ بِالطِّيبِ قَبْلَ الْغُسْلِ فَبِالْإِشَارَةِ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي وَأَلْيَقُهَا بِتَصَرُّفَاتِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعُرِفَ مِنْ هَذَ أَنَّ قَوْلَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ مُعْتَرَضٌ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ مُؤَاخَذَاتٌ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا لِظُهُورِهَا، وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.
(تَكْمِيلٌ): أَبُو عَاصِمٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَكِنَّهُ نَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً، وَحَنْظَلَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَقَوْلُهُ دَعَا أَيْ طَلَبَ، وَقَوْلُهُ نَحْوَ الْحِلَابِ أَيْ إِنَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ الْإِنَاءِ الَّذِي يُسَمَّى الْحِلَابَ، وَقَدْ وَصَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَأَشَارَ أَبُو عَاصِمٍ بِكَفَّيْهِ فَكَأَنَّهُ حَلَّقَ بِشِبْرَيْهِ يَصِفُ بِهِ دَوْرَهُ الْأَعْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ كَقَدْرِ كُوزٍ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْغُرْفَةِ الثَّالِثَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَوْلُهُ بِكَفِّهِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِكَفَّيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسْطٌ بِالسُّكُونِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ.
وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبَدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ فِي التَّطَهُّرِ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَفِيهِ الِاجْتِزَاءُ بِالْغُسْلِ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، وَتَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ، وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ فَقَالَ بِهِمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧ - بَاب الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ
٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
رَأْسِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «على وسَط رأسه» بفتح السِّين، قال الجوهريُّ: كلُّ موضعٍ يصلح فيه بَيْنٌ فهو وسْطٌ بالسُّكون، وإلَّا فهو بالتَّحريك، وأطلق «القول» على الفعل مجازًا.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ.
(٧) (بابُ) حكم (المَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ) هل هما واجبان أو سُنَّتان (فِي) الغسل من (الجَنَابَةِ)؟
٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بضمِّ العين المُهمَلة في الأوَّل، وكسر المُعجمَة في الثَّالِث وآخره مُثَلَّثةٌ، المُتوفَّى سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ، قاضي بغداد، المُتوفَّى سنة ستٍّ (١) وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ): هو ابن أبي الجعد، التَّابعيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُثلَّثة (مَيْمُونَةُ): أمُّ المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا) بضمِّ الغين، أي: ماءً للاغتسال (فَأَفْرَغَ) ﵊ (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ
الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «على الأرض» أي: ضربها بيده (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء، وأجرى القول مجرى الفعل مجازًا، كما مرَّ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الميم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «مضمض» (وَاسْتَنْشَقَ) طلبًا للكمال المستلزم للثَّواب، وقد قال الحنفيَّة بفرضيَّتهما (١) في الغسل دون الوضوء لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦] قالوا: وهو أمرٌ بتطهير جميع البدن، إلَّا أنَّ ما يتعذَّر إيصال الماء إليه خارجٌ عن النَّصِّ، بخلاف الوضوء لأنَّ الواجب فيه (٢) غسل الوجه، والمُواجَهة فيهما منعدمةٌ، وأيضًا مُواظَبته ﵊ عليهما (٣) بحيث لم يُنقَل عنه تركهما تدلُّ على الوجوب، لنا قوله ﵊: «عشرٌ من الفطرة» أي: من السُّنَّة وذكرهما منها (ثُمَّ غَسَلَ) ﵊ (وَجْهَهُ وَأَفَاضَ) أي: صبَّ الماء (عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) أي: تحوَّل إلى ناحيةٍ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِمِنْدِيلٍ) بكسر الميم (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) بضمِّ الفاء، وفي نسخةٍ: «فلم ينتفض» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد النُّون، وأنَّث الضَّمير على معنى الخرقة لأنَّ المنديل خرقةٌ مخصوصةٌ، زاد هنا في رواية كريمة: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف «يعني: لم يتمسَّح به» أي: بالمنديل من بلل
الماء لأنَّه أثر عبادةٍ، فكان تركه أَوْلى، قال التَّيميُّ (١): ما أُتِي بالمنديل إلَّا أنَّه كان يتنشَّف به (٢)، وردَّه لنحو وسخٍ كان فيه. انتهى. وفي التَّنشُّف في الوضوء والغسل أوجهٌ؛ فقِيلَ: يُندَب تركه لِمَا ذُكِر، وقِيلَ: يُندَب فعله ليسلم من غبار نجسٍ ونحوه، وقِيلَ: يُكرَه فعله فيهما، وإليه ذهب ابن عمر (٣). وقال ابن عبَّاسٍ: يُكرَه في الوضوء دون الغسل، وقِيلَ: تركه وفعله سواءٌ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وهذا هو الذي نختاره ونعمل به لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليلٍ، وقِيلَ: يُكرَه في الصَّيف دون الشِّتاء، قال في «المجموع»: وهذا كلُّه إذا لم يكن حاجةٌ؛ كبردٍ أو التصاق نجاسةٍ، فإن كان فلا كراهة قطعًا. انتهى. قال في «الذَّخائر»: وإذا تنشَّف فالأَوْلى ألَّا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.
ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيَّةٍ.
(٨) (بابُ مَسْحِ اليَدِ) أي: مسح المغتسل يده (بِالتُّرَابِ لِتَكُونَ (٤)) بالفوقيَّة (٥) لابن عساكر والأَصيليِّ، ولغيرهما بالتَّحتيَّة (٦) (أَنْقَى) بالنُّون والقاف، أي: أطهر من غير الممسوحة، فحذف «مِنْ» الملازمة (٧) لـ «أَفْعل التَّفضيل» المُنكَّر (٨)، وحينئذٍ فلا مُطابَقة بينهما لأنَّ «أفعل التَّفضيل» إذا كان بـ «مِنْ» فهو مُفرَدٌ مُذكَّرٌ، قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّه إن