«قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٩٩

الحديث رقم ٢٥٩٩ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف يقبض العبد والمتاع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٩٩ في صحيح البخاري

«قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ، أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.»

بَابٌ: إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ

إسناد حديث رقم ٢٥٩٩ من صحيح البخاري

٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٩٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَعَدَنِي فَحَثَى لِي ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ) أَيِ الْهَدِيَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ وَعَدَ عِدَةً قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْهِبَةِ بِحَالٍ. قُلْتُ: قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ هِبَةً، وهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ يُسَمِّيهَا هِبَةً، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَأَذْكُرُ نَقْلَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ أَيْ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْهُ مَا كَانَ بِسَبَبٍ انْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَمَّا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ أَصْبَغَ، وَعَمَّا سَيَأْتِي فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَصَدَّى لِشَرْحِهِ فِي بَابِ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ مَا فِيهِ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ مَاتَا) أَيِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَخْ، وَتَفْصِيلُهُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ انْفَصَلَتْ أَمْ لَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ قَبْضَ الرَّسُولِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يَقْبِضَهَا أَوْ وَكِيلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدِي رَجَعَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. وَفِي مَعْنَى قَوْلِ عَبِيدَةَ وَتَفْصِيلُهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إِلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ، قَالَ: وَكَانَ كَمَا قَالَ. الْحَدِيثَ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ النَّبِيُّ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ لِجَابِرٍ هِبَةً، وَإِنَّمَا هِيَ عِدَةٌ عَلَى وَصْفٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وَعْدُ النَّبِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْدَهُ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ. قُلْتُ: وَجْهُ إِيرَادِهِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْهَدِيَّةَ إِذَا لَمْ تُقْبَضْ مَنْزِلَةَ الْوَعْدِ بِهَا، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ، ولَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي.

١٩ - بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ

٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.

[الحديث ٢٥٩٩ - أطرافه في: ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الخمس» [خ¦٣١٣٧] وغيره [خ¦٣١٦٤] [خ¦٤٣٨٣].

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه (كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ) الموهوب (وَالمَتَاعُ) الموهوب؟ و «يُقْبَض» مبنيٌّ للمفعول، و «العبدُ» نائبٌ عن الفاعل (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ، ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب البيوع» [خ¦٢١١٥] في «باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته»: (كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، جَمَل (صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ) من عمر بن الخطَّاب، لا من ابنه (وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ) فاكتفى في القبض بكونه في يده، ولم يحتجْ إلى قبضٍ آخرَ لأجل الهبة.

٢٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (١): (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ومَخْرَمة -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- ابن نَوْفَل، الزُّهْريِّ () أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ أَقْبِيَةً) بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر الموحَّدة، جمع قَباء -بفتح القاف ممدودًا- جنسٌ من الثِّياب ضيِّقةٌ من لباس العَجَم معروفٌ (وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا) أي: من الأَقْبية (شَيْئًا) أي: في حال تلك القسمة (فَقَالَ مَخْرَمَةُ) للمِسْوَر: (يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ) وفي رواية حاتم في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] عسى أن يعطينا منها شيئًا … الحديثَ. قال المِسْوَر: (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ) (لِي) زاد في رواية -تأتي إن شاء الله تعالى-: فأعظمت ذلك، فقال: يا بنيَّ، إنَّه ليس بجبار [خ¦٥٨٦٢] (قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ)

(إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) أي: من الأقبية، والجملة حاليَّة (فَقَالَ) : (خَبَأْنَا هَذَا) القَبَاء (لَكَ، قَالَ) المِسْوَر: (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى القَبَاء مَخْرَمةُ (فَقَالَ) : (رَضِيَ مَخْرَمَةُ؟) استفهامٌ، أي: هل رضي؟ ويحتمل -كما قال ابن التِّين- أن يكون من قول مَخْرَمة.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة: من حيث إنَّ نقل المتاع إلى الموهوب له قبضٌ، واختُلِف: هل من شرط صحَّة الهبة القبض، أم لا؟ فالجمهور وهو قولُ الشَّافعيِّ الجديدُ والكوفيِّين: أنَّها لا تُمْلَك إلَّا بالقبض، لقول أبي بكر الصِّدِّيق لعائشةَ في مرضه، فيما نحلها في صحَّته من عشرين وَسْقًا: «ودِدت أنكِ حُزْتِه أو قبضتِه (١)، وإنَّما هو اليوم مال الوارث»، ولأنَّه عقدُ إرفاق كالقرض، فلا يُملَك إلَّا بالقبض، وفي القديم: تصحُّ بنفس العقد، وهو مشهورُ مذهبِ المالكيَّة، وقالوا: تبطل إن لم يقبضها الموهوب له حتَّى وهبها الواهب لغيره، وقبضها الثَّاني، وهو قول أَشْهب ومحمَّد، وعن ابن القاسم مثلُه، وهو قول الغير في «المدوَّنة» ولابن القاسم أنَّها للأوَّل. قال محمد: وليس بشيء، والحائز أَولى. وقال المِرْدَاويُّ من الحنابلة: وتصحُّ بعقدٍ، وتُمْلَك به أيضًا، ولو مُعَاطاةً بفعل، فتجهيز بنته بجهاز إلى الزَّوج تمليكٌ، وهو كبيعٍ في تراخي قبوله وتقديمه وغيرهما، وتلزم بقبضٍ كمبيع بإذن واهب إلَّا ما كان في يد متَّهبه، فيلزم بعقدٍ، ولا يحتاج إلى مضيِّ مدَّة يتأتَّى قبضه فيها. وعنه -أي: عن أحمد (٢) - يلزم في غير مكيل وموزون ومعدود ومذروع بمجرَّد الهبة، ولا يصحُّ قبضٌ إلَّا بإذن واهب. انتهى.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] و «الخمس» [خ¦٣١٢٧] و «الأدب» [خ¦٦١٣٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة» وأبو داود في «اللِّباس» (٣) والتِّرمذيُّ في «الاستئذان».

(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (هِبَةً، فَقَبَضَهَا الآخَرُ) الموهوب له (وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ) جازت، واشترط الشَّافعية الإيجابَ والقَبول فيها كسائر التَّمليكات، بخلاف صحَّة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَعَدَنِي فَحَثَى لِي ثَلَاثًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ) أَيِ الْهَدِيَّةُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ وَعَدَ عِدَةً قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْهِبَةِ بِحَالٍ. قُلْتُ: قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ هِبَةً، وهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ يُسَمِّيهَا هِبَةً، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَأَذْكُرُ نَقْلَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ أَيْ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْهُ مَا كَانَ بِسَبَبٍ انْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَمَّا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ أَصْبَغَ، وَعَمَّا سَيَأْتِي فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَصَدَّى لِشَرْحِهِ فِي بَابِ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ مَا فِيهِ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ.

قَوْلُهُ: (إِنْ مَاتَا) أَيِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَخْ، وَتَفْصِيلُهُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ انْفَصَلَتْ أَمْ لَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ قَبْضَ الرَّسُولِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يَقْبِضَهَا أَوْ وَكِيلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدِي رَجَعَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ. وَفِي مَعْنَى قَوْلِ عَبِيدَةَ وَتَفْصِيلُهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إِلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ، قَالَ: وَكَانَ كَمَا قَالَ. الْحَدِيثَ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ النَّبِيُّ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ لِجَابِرٍ هِبَةً، وَإِنَّمَا هِيَ عِدَةٌ عَلَى وَصْفٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وَعْدُ النَّبِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْدَهُ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ. قُلْتُ: وَجْهُ إِيرَادِهِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْهَدِيَّةَ إِذَا لَمْ تُقْبَضْ مَنْزِلَةَ الْوَعْدِ بِهَا، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ، ولَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي.

١٩ - بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ

٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.

[الحديث ٢٥٩٩ - أطرافه في: ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الخمس» [خ¦٣١٣٧] وغيره [خ¦٣١٦٤] [خ¦٤٣٨٣].

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه (كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ) الموهوب (وَالمَتَاعُ) الموهوب؟ و «يُقْبَض» مبنيٌّ للمفعول، و «العبدُ» نائبٌ عن الفاعل (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ، ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب البيوع» [خ¦٢١١٥] في «باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته»: (كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، جَمَل (صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ) من عمر بن الخطَّاب، لا من ابنه (وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ) فاكتفى في القبض بكونه في يده، ولم يحتجْ إلى قبضٍ آخرَ لأجل الهبة.

٢٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (١): (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ومَخْرَمة -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- ابن نَوْفَل، الزُّهْريِّ () أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ أَقْبِيَةً) بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر الموحَّدة، جمع قَباء -بفتح القاف ممدودًا- جنسٌ من الثِّياب ضيِّقةٌ من لباس العَجَم معروفٌ (وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا) أي: من الأَقْبية (شَيْئًا) أي: في حال تلك القسمة (فَقَالَ مَخْرَمَةُ) للمِسْوَر: (يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ) وفي رواية حاتم في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] عسى أن يعطينا منها شيئًا … الحديثَ. قال المِسْوَر: (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ) (لِي) زاد في رواية -تأتي إن شاء الله تعالى-: فأعظمت ذلك، فقال: يا بنيَّ، إنَّه ليس بجبار [خ¦٥٨٦٢] (قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ)

(إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) أي: من الأقبية، والجملة حاليَّة (فَقَالَ) : (خَبَأْنَا هَذَا) القَبَاء (لَكَ، قَالَ) المِسْوَر: (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى القَبَاء مَخْرَمةُ (فَقَالَ) : (رَضِيَ مَخْرَمَةُ؟) استفهامٌ، أي: هل رضي؟ ويحتمل -كما قال ابن التِّين- أن يكون من قول مَخْرَمة.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة: من حيث إنَّ نقل المتاع إلى الموهوب له قبضٌ، واختُلِف: هل من شرط صحَّة الهبة القبض، أم لا؟ فالجمهور وهو قولُ الشَّافعيِّ الجديدُ والكوفيِّين: أنَّها لا تُمْلَك إلَّا بالقبض، لقول أبي بكر الصِّدِّيق لعائشةَ في مرضه، فيما نحلها في صحَّته من عشرين وَسْقًا: «ودِدت أنكِ حُزْتِه أو قبضتِه (١)، وإنَّما هو اليوم مال الوارث»، ولأنَّه عقدُ إرفاق كالقرض، فلا يُملَك إلَّا بالقبض، وفي القديم: تصحُّ بنفس العقد، وهو مشهورُ مذهبِ المالكيَّة، وقالوا: تبطل إن لم يقبضها الموهوب له حتَّى وهبها الواهب لغيره، وقبضها الثَّاني، وهو قول أَشْهب ومحمَّد، وعن ابن القاسم مثلُه، وهو قول الغير في «المدوَّنة» ولابن القاسم أنَّها للأوَّل. قال محمد: وليس بشيء، والحائز أَولى. وقال المِرْدَاويُّ من الحنابلة: وتصحُّ بعقدٍ، وتُمْلَك به أيضًا، ولو مُعَاطاةً بفعل، فتجهيز بنته بجهاز إلى الزَّوج تمليكٌ، وهو كبيعٍ في تراخي قبوله وتقديمه وغيرهما، وتلزم بقبضٍ كمبيع بإذن واهب إلَّا ما كان في يد متَّهبه، فيلزم بعقدٍ، ولا يحتاج إلى مضيِّ مدَّة يتأتَّى قبضه فيها. وعنه -أي: عن أحمد (٢) - يلزم في غير مكيل وموزون ومعدود ومذروع بمجرَّد الهبة، ولا يصحُّ قبضٌ إلَّا بإذن واهب. انتهى.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] و «الخمس» [خ¦٣١٢٧] و «الأدب» [خ¦٦١٣٢]، ومسلمٌ في «الزَّكاة» وأبو داود في «اللِّباس» (٣) والتِّرمذيُّ في «الاستئذان».

(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (هِبَةً، فَقَبَضَهَا الآخَرُ) الموهوب له (وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ) جازت، واشترط الشَّافعية الإيجابَ والقَبول فيها كسائر التَّمليكات، بخلاف صحَّة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله