«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَان�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦

الحديث رقم ٢٦ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قال إن الإيمان هو العمل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ».

بَابٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ﴾

إسناد حديث رقم ٢٦ من صحيح البخاري

٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْعِصَامِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ لِيَمْنَعَ سَيَلَانَ الْمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: فِي أَمْرِ سَرَائِرِهِمْ، وَلَفْظَةُ عَلَى مُشْعِرَةٌ بِالْإِيجَابِ، وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أَيْ: هُوَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّهِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُكْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي قَبُولِ الْإِيمَانِ بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ تَعَلُّمَ الْأَدِلَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلشَّرَائِعِ، وَقَبُولُ تَوْبَةِ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كُفْرٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ. فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى الْحَدِيثِ قِتَالُ كُلِّ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ تُرِكَ قِتَالُ مُؤَدِّي الْجِزْيَةِ وَالْمُعَاهَدِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: دَعْوَى النَّسْخِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ الْبَعْضُ لِدَلِيلٍ لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعُمُومِ.

ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: أُقَاتِلَ النَّاسَ أَيِ: الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا تَمَّ هَذَا فِي أَهْلِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُعَاهَدِينَ وَلَا فِيمَنْ مَنَعَ الْجِزْيَةَ، أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ فِي تَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ رَفْعُهَا لَا تَأْخِيرُهَا مُدَّةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ، وَمُقَاتَلَةُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ.

رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا التَّعْبِيرَ عَنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْعَانَ الْمُخَالِفِينَ، فَيَحْصُلُ فِي بَعْضٍ بِالْقَتْلِ، وَفِي بَعْضٍ بِالْجِزْيَةِ، وَفِي بَعْضٍ بِالْمُعَاهَدَةِ.

خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقِتَالِ هُوَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. سَادِسُهَا: أَنْ يُقَالَ الْغَرَضُ مِنْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ اضْطِرَارُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَلْتَزِمُوا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا فِي الثَّالِثِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَجْوِبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ.

[الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ) هُوَ مُضَافٌ حَتْمًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ) مُطَابَقَةُ الْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَالٌّ بِمُفْرَدِهِ عَلَى بَعْضِ الدَّعْوَى، فَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَامٌّ فِي الْأَعْمَالِ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مَعْنَاهُ تُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ خَاصًّا. وَقَوْلُهُ: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ خَاصٌّ بِعَمَلِ اللِّسَانِ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُؤَلِّفُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ عَامٌّ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ فِي جَوَابِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالنُّطْقَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَالْحَجَّ لَيْسَا مِنَ الْإِيمَانِ لِمَا تَقْتَضِيهِ ثُمَّ من الْمُغَايَرَةِ وَالتَّرْتِيبِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا التَّصْدِيقُ، هَذِهِ حَقِيقَتُهُ، وَالْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾

أَيْ: صُيِّرَتْ لَكُمْ إِرْثًا. وَأَطْلَقَ الْإِرْثَ مَجَازًا عَنِ الْإِعْطَاءِ لِتَحَقُّقِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿بِمَا﴾ إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بِعَمَلِكُمْ، وَإِمَّا مَوْصُولَةٌ، أَيْ: بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ (١). فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ: لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي الْحَدِيثِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقَبُولِ، وَالْمُثْبَتَ فِي الْآيَةِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ، وَالْقَبُولُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلِ الدُّخُولُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتَلَفَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَفْظَ مِنْ مُرَادٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ وَقَعَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَأُجِيبَ كُلُّ سَائِلٍ بِالْحَالِ اللَّائِقِ بِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْحَلِيمِيِّ وَنَقَلَهُ عَنِ الْقَفَّالِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ عِدَّةٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ مَرْفُوعًا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ فِي التَّفْسِيرِ لِلطَّبَرِيِّ، وَالدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ. وَمِنْهُمْ مُجَاهِدٌ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا، أَيِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ. قُلْتُ: لِتَخْصِيصِهِمْ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكُفَّارِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالتَّوْحِيدِ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ بَاقِي الْأَعْمَالِ فَفِيهَا الْخِلَافُ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ يَقُولُ: إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ يَقُولُ: إِنَّمَا يُسْأَلُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَطْ، فَالسُّؤَالُ عَنِ التَّوْحِيدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ ﷿ ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أَيِ: الْفَوْزِ الْعَظِيمِ، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَأَوَّلَهَا بِمَا تَأَوَّلَ بِهِ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، أَيْ: فَلْيُؤْمِنِ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يُحْمَلُ الْعَمَلُ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ (٢)، وَمَنْ قَبِلَ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَعْمَلَ، وَمَنْ عَمِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَ، فَإِذَا وَصَلَ قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. (تَنْبِيهٌ): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي رَأَى قَرِينَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ انْقَضَى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وَالَّذِي بَعْدَهُ ابْتِدَاءٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ أَوْ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، لَا حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِ. وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ مَذْكُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَائِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ الْكُوفِيُّ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (سُئِلَ) أَبْهَمَ السَّائِلَ، وَهُوَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَحَدِيثُهُ فِي الْعِتْقِ (٣).

قَوْلُهُ: (قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ) وَقع فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بن أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ جِهَادٌ فَوَاخَى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّنْكِيرِ، بِخِلَافِ مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِيمَانُ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْحَجِّ، وَالْجِهَادُ قَدْ يَتَكَرَّرُ، فَالتَّنْوِينُ لِلْإِفْرَادِ الشَّخْصِيِّ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْكَمَالِ. إِذِ الْجِهَادُ لَوْ أَتَى بِهِ مَرَّةً مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّكْرَارِ لَمَا كَانَ أَفْضَلَ. وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّنْكِيرَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ التَّعْظِيمُ، وَهُوَ يُعْطِي الْكَمَالَ. وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ الْعَهْدُ، وَهُوَ يُعْطِي الْإِفْرَادَ الشَّخْصِيِّ، فَلَا يُسَلَّمُ الْفَرْقُ. قُلْتُ: وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَنَّ التَّنْكِيرَ وَالتَّعْرِيفَ فِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ مَخْرَجَهُ وَاحِدٌ، فَالْإِطَالَةُ فِي طَلَبِ الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ طَائِلَةٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أَيْ مَقْبُولٌ، وَمِنْهُ بَرَّ حَجُّكُ، وَقِيلَ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ، وَقِيلَ الَّذِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المسلم والكافر لكونه مخاطبًا بالتَّوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثَّاني يقول: إنَّما يُسأَلون عن التَّوحيد فقط للاتِّفاق عليه، وإنَّما التَّعميم هنا في قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فتخصيص ذلك بالتَّوحيد تحكُّمٌ، ولا تَنَافِيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] لأنَّ في القيامة مواقفَ مختلفة، وأزمنةً متطاولة، ففي موقفٍ أو زمانٍ يُسأَلون، وفي آخرَ لا يُسأَلُون، أو لا يُسأَلون سؤالَ استخبارٍ بل سؤالَ توبيخٍ لمستحقِّه.

(وَقَالَ) الله تعالى، وسقط لغير الأربعة لفظ «وقال»: (﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾) أي: لِنَيْلِ مثل هذا الفوز العظيم (﴿فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]) أي: فليؤمن المؤمنون، لا للحظوظ الدُّنيويَّة المَشُوبة بالآلام السَّريعةِ الانصرام، وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان هو العمل، كما ذهب إليه المصنِّف، لكنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ودعوى التَّخصيص بلا برهانٍ لا تُقبَل، نعم؛ إطلاق العمل على الإيمان صحيحٌ من حيث إنَّ الإيمان هو عملُ القلب، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرضُ البخاريِّ رحمه الله تعالى من هذا الباب وغيره: إثباتُ أنَّ العمل من أجزاء الإيمان؛ ردًّا على من يقول: إنَّ العمل لا دَخْلَ له في ماهيَّة الإيمان، فحينئذٍ لا يتمُّ مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مُرَاده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاعَ فيه؛ لأنَّ الإيمان عملُ القلب؛ وهو التَّصديق، وقد سبق البحث في ذلك.

٢٦ - وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً

إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ -بكسر الميم- السَّابق (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن (١) بن صخرٍ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ) بالبناء للمفعول (٢) في محلِّ رفع خبر «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦٢٥١٨]: (أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ولغير الأربعة وكريمة: «فقال» : هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) : هو (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله أفضلُ لبذله نفسَه (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) : هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: مقبولٌ، أي: لا يخالطه إثمٌ، أو

لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦٢٥١٨] وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦٢٧٨٢] وفي الحديث السَّابق [خ¦١٠] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ» للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و «الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي (١) أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى (٢) فلأنَّ «الإيمان» و «الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما فَنُوِّنا للإفراد، و «الجهاد» قد يتكرَّر فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.

وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَكُنِ) أي: إن لم يكن (الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعيَّة (وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ) أي: الانقياد الظَّاهر فقط، والدُّخول في السِّلْم (أَوِ) كان على (الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ) لا يُنتفَع به في الآخرة، فـ «إذا» متضمِّنةٌ معنى الشَّرط، والجزاء محذوفٌ، وتقديره نحو ما قدَّرته (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ «﷿»: (﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾) أهل البدو، ولا واحدَ له من لفظه، ومَقُول قولهم: (﴿آمَنَّا﴾) نزلت في نفرٍ من بني أَسْلَمَ، قَدِمُوا المدينة في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشَّهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم

نقاتلْك كما قاتلك بنو فلانٍ، يريدون الصَّدقة ويمنُّون، فقال الله تعالى لرسوله : (﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾) إذِ الإيمانُ تصديقٌ مع ثقةٍ وطمأنينةِ قلبٍ (﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]) فإنَّ الإسلام انقيادٌ، ودخولٌ في السِّلْم، وإظهارٌ للشَّهادة لا بالحقيقة، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ لأنَّ كلَّ ما يكون من الإقرار باللِّسان من غير مُواطَأة القلب فهو إسلامٌ، وما واطأ فيه القلب اللِّسان فهو إيمانٌ، وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا: آمنَّا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ إذ لم تؤمنوا ولكنْ أسلمتم، فَعَدَلَ عنه إلى هذا النَّظم ليفيدَ تكذيبَ دعواهم، وفي هذه الآية -كما قال الإمام أبو بكر بن الطَّيِّب- حجَّةٌ على الكرَّاميَّة ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ومثلُ هذه الآية في الدَّلالة لذلك قولُه تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ولم يقل: كتب في ألسنتهم، ومن أقوى ما يُرَدُّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشَّهادتين.

(فَإِذَا كَانَ) أي: الإسلامُ (عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعية، وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى (فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]) أي: لا دينَ مرضيَّ عنده تعالى سواه، وفتح الكسائيُّ همزة ﴿إِنَّ﴾ على أنَّه بدلٌ من ﴿أَنَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] بدل الكلِّ من الكلِّ (١) إن فُسِّر الإسلامُ بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فُسِّر بالشَّريعة، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذه الآية على أنَّ الإسلام الحقيقيَّ هو الدِّينُ، وعلى أنَّ الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْعِصَامِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الْقِرْبَةِ لِيَمْنَعَ سَيَلَانَ الْمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: فِي أَمْرِ سَرَائِرِهِمْ، وَلَفْظَةُ عَلَى مُشْعِرَةٌ بِالْإِيجَابِ، وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أَيْ: هُوَ كَالْوَاجِبِ عَلَى اللَّهِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْحُكْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي قَبُولِ الْإِيمَانِ بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ تَعَلُّمَ الْأَدِلَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلشَّرَائِعِ، وَقَبُولُ تَوْبَةِ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كُفْرٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ. فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى الْحَدِيثِ قِتَالُ كُلِّ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ التَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ تُرِكَ قِتَالُ مُؤَدِّي الْجِزْيَةِ وَالْمُعَاهَدِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: دَعْوَى النَّسْخِ بِأَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا تَخَلَّفَ الْبَعْضُ لِدَلِيلٍ لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعُمُومِ.

ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: أُقَاتِلَ النَّاسَ أَيِ: الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا تَمَّ هَذَا فِي أَهْلِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُعَاهَدِينَ وَلَا فِيمَنْ مَنَعَ الْجِزْيَةَ، أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ فِي تَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ رَفْعُهَا لَا تَأْخِيرُهَا مُدَّةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ، وَمُقَاتَلَةُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ.

رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا التَّعْبِيرَ عَنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْعَانَ الْمُخَالِفِينَ، فَيَحْصُلُ فِي بَعْضٍ بِالْقَتْلِ، وَفِي بَعْضٍ بِالْجِزْيَةِ، وَفِي بَعْضٍ بِالْمُعَاهَدَةِ.

خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقِتَالِ هُوَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. سَادِسُهَا: أَنْ يُقَالَ الْغَرَضُ مِنْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ اضْطِرَارُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَلْتَزِمُوا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا فِي الثَّالِثِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَجْوِبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ.

[الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ) هُوَ مُضَافٌ حَتْمًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ) مُطَابَقَةُ الْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَالٌّ بِمُفْرَدِهِ عَلَى بَعْضِ الدَّعْوَى، فَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَامٌّ فِي الْأَعْمَالِ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مَعْنَاهُ تُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ خَاصًّا. وَقَوْلُهُ: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ خَاصٌّ بِعَمَلِ اللِّسَانِ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُؤَلِّفُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ عَامٌّ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ فِي جَوَابِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالنُّطْقَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَالْحَجَّ لَيْسَا مِنَ الْإِيمَانِ لِمَا تَقْتَضِيهِ ثُمَّ من الْمُغَايَرَةِ وَالتَّرْتِيبِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا التَّصْدِيقُ، هَذِهِ حَقِيقَتُهُ، وَالْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾

أَيْ: صُيِّرَتْ لَكُمْ إِرْثًا. وَأَطْلَقَ الْإِرْثَ مَجَازًا عَنِ الْإِعْطَاءِ لِتَحَقُّقِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿بِمَا﴾ إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بِعَمَلِكُمْ، وَإِمَّا مَوْصُولَةٌ، أَيْ: بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ (١). فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ: لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي الْحَدِيثِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقَبُولِ، وَالْمُثْبَتَ فِي الْآيَةِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ، وَالْقَبُولُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلِ الدُّخُولُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتَلَفَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَفْظَ مِنْ مُرَادٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ وَقَعَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَأُجِيبَ كُلُّ سَائِلٍ بِالْحَالِ اللَّائِقِ بِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْحَلِيمِيِّ وَنَقَلَهُ عَنِ الْقَفَّالِ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ عِدَّةٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ مَرْفُوعًا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ فِي التَّفْسِيرِ لِلطَّبَرِيِّ، وَالدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ. وَمِنْهُمْ مُجَاهِدٌ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا، أَيِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ. قُلْتُ: لِتَخْصِيصِهِمْ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكُفَّارِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالتَّوْحِيدِ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ بَاقِي الْأَعْمَالِ فَفِيهَا الْخِلَافُ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ يَقُولُ: إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ يَقُولُ: إِنَّمَا يُسْأَلُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَطْ، فَالسُّؤَالُ عَنِ التَّوْحِيدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ ﷿ ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أَيِ: الْفَوْزِ الْعَظِيمِ، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَأَوَّلَهَا بِمَا تَأَوَّلَ بِهِ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، أَيْ: فَلْيُؤْمِنِ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يُحْمَلُ الْعَمَلُ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ (٢)، وَمَنْ قَبِلَ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَعْمَلَ، وَمَنْ عَمِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَ، فَإِذَا وَصَلَ قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. (تَنْبِيهٌ): يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي رَأَى قَرِينَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ انْقَضَى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وَالَّذِي بَعْدَهُ ابْتِدَاءٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ أَوْ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ، لَا حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِ. وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ مَذْكُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَائِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ الْكُوفِيُّ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (سُئِلَ) أَبْهَمَ السَّائِلَ، وَهُوَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَحَدِيثُهُ فِي الْعِتْقِ (٣).

قَوْلُهُ: (قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ) وَقع فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بن أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ جِهَادٌ فَوَاخَى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّنْكِيرِ، بِخِلَافِ مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِيمَانُ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْحَجِّ، وَالْجِهَادُ قَدْ يَتَكَرَّرُ، فَالتَّنْوِينُ لِلْإِفْرَادِ الشَّخْصِيِّ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْكَمَالِ. إِذِ الْجِهَادُ لَوْ أَتَى بِهِ مَرَّةً مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّكْرَارِ لَمَا كَانَ أَفْضَلَ. وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّنْكِيرَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ التَّعْظِيمُ، وَهُوَ يُعْطِي الْكَمَالَ. وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ الْعَهْدُ، وَهُوَ يُعْطِي الْإِفْرَادَ الشَّخْصِيِّ، فَلَا يُسَلَّمُ الْفَرْقُ. قُلْتُ: وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَنَّ التَّنْكِيرَ وَالتَّعْرِيفَ فِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ مَخْرَجَهُ وَاحِدٌ، فَالْإِطَالَةُ فِي طَلَبِ الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ طَائِلَةٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أَيْ مَقْبُولٌ، وَمِنْهُ بَرَّ حَجُّكُ، وَقِيلَ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ، وَقِيلَ الَّذِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المسلم والكافر لكونه مخاطبًا بالتَّوحيد قطعًا، وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثَّاني يقول: إنَّما يُسأَلون عن التَّوحيد فقط للاتِّفاق عليه، وإنَّما التَّعميم هنا في قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فتخصيص ذلك بالتَّوحيد تحكُّمٌ، ولا تَنَافِيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] لأنَّ في القيامة مواقفَ مختلفة، وأزمنةً متطاولة، ففي موقفٍ أو زمانٍ يُسأَلون، وفي آخرَ لا يُسأَلُون، أو لا يُسأَلون سؤالَ استخبارٍ بل سؤالَ توبيخٍ لمستحقِّه.

(وَقَالَ) الله تعالى، وسقط لغير الأربعة لفظ «وقال»: (﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾) أي: لِنَيْلِ مثل هذا الفوز العظيم (﴿فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]) أي: فليؤمن المؤمنون، لا للحظوظ الدُّنيويَّة المَشُوبة بالآلام السَّريعةِ الانصرام، وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان هو العمل، كما ذهب إليه المصنِّف، لكنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ودعوى التَّخصيص بلا برهانٍ لا تُقبَل، نعم؛ إطلاق العمل على الإيمان صحيحٌ من حيث إنَّ الإيمان هو عملُ القلب، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرضُ البخاريِّ رحمه الله تعالى من هذا الباب وغيره: إثباتُ أنَّ العمل من أجزاء الإيمان؛ ردًّا على من يقول: إنَّ العمل لا دَخْلَ له في ماهيَّة الإيمان، فحينئذٍ لا يتمُّ مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مُرَاده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاعَ فيه؛ لأنَّ الإيمان عملُ القلب؛ وهو التَّصديق، وقد سبق البحث في ذلك.

٢٦ - وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً

إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ -بكسر الميم- السَّابق (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن (١) بن صخرٍ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ سُئِلَ) بالبناء للمفعول (٢) في محلِّ رفع خبر «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦٢٥١٨]: (أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ولغير الأربعة وكريمة: «فقال» : هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) : هو (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله أفضلُ لبذله نفسَه (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) : هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: مقبولٌ، أي: لا يخالطه إثمٌ، أو

لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦٢٥١٨] وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦٢٧٨٢] وفي الحديث السَّابق [خ¦١٠] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ» للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و «الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي (١) أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى (٢) فلأنَّ «الإيمان» و «الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما فَنُوِّنا للإفراد، و «الجهاد» قد يتكرَّر فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.

وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَكُنِ) أي: إن لم يكن (الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعيَّة (وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ) أي: الانقياد الظَّاهر فقط، والدُّخول في السِّلْم (أَوِ) كان على (الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ) لا يُنتفَع به في الآخرة، فـ «إذا» متضمِّنةٌ معنى الشَّرط، والجزاء محذوفٌ، وتقديره نحو ما قدَّرته (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ «﷿»: (﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾) أهل البدو، ولا واحدَ له من لفظه، ومَقُول قولهم: (﴿آمَنَّا﴾) نزلت في نفرٍ من بني أَسْلَمَ، قَدِمُوا المدينة في سنةٍ جدبةٍ، وأظهروا الشَّهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم

نقاتلْك كما قاتلك بنو فلانٍ، يريدون الصَّدقة ويمنُّون، فقال الله تعالى لرسوله : (﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾) إذِ الإيمانُ تصديقٌ مع ثقةٍ وطمأنينةِ قلبٍ (﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]) فإنَّ الإسلام انقيادٌ، ودخولٌ في السِّلْم، وإظهارٌ للشَّهادة لا بالحقيقة، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ لأنَّ كلَّ ما يكون من الإقرار باللِّسان من غير مُواطَأة القلب فهو إسلامٌ، وما واطأ فيه القلب اللِّسان فهو إيمانٌ، وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا: آمنَّا، ولكن قولوا: أسلمنا؛ إذ لم تؤمنوا ولكنْ أسلمتم، فَعَدَلَ عنه إلى هذا النَّظم ليفيدَ تكذيبَ دعواهم، وفي هذه الآية -كما قال الإمام أبو بكر بن الطَّيِّب- حجَّةٌ على الكرَّاميَّة ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: إنَّ الإيمان إقرارٌ باللِّسان فقط، ومثلُ هذه الآية في الدَّلالة لذلك قولُه تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ولم يقل: كتب في ألسنتهم، ومن أقوى ما يُرَدُّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشَّهادتين.

(فَإِذَا كَانَ) أي: الإسلامُ (عَلَى الحَقِيقَةِ) الشَّرعية، وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى (فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]) أي: لا دينَ مرضيَّ عنده تعالى سواه، وفتح الكسائيُّ همزة ﴿إِنَّ﴾ على أنَّه بدلٌ من ﴿أَنَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] بدل الكلِّ من الكلِّ (١) إن فُسِّر الإسلامُ بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فُسِّر بالشَّريعة، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذه الآية على أنَّ الإسلام الحقيقيَّ هو الدِّينُ، وعلى أنَّ الإسلام والإيمان مترادفان، وهو قول

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله