الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦١٥
الحديث رقم ٢٦١٥ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قبول الهدية من المشركين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ من قَوْلِهِ: فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ لَهُ لُبْسَهَا مَعَ كَوْنِهِ أَهْدَاهَا لَهُ.
٢٨ - باب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ
وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.
[الحديث ٢٦١٥ - طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨]
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ".
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ"
٢٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقال النبي ﷺ: "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقال النبي ﷺ: "بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. وَايْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلاَّ قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتْ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي رَدِّ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ، وَرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الَّذِي يُدْعَى مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَهْدَى لَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ الْحَدِيثَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ.
وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ:
أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً فَقَالَ: أَسْلَمْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ، وَالزَّبْدُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الرَّفْدُ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى الْجَوَازِ، فَجَمَعَ بَيْنَهَا الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّةً وَالْقَبُولَ فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ مَا وَقَعَتِ الْهَدِيَّةُ فِيهِ لَهُ خَاصَّةً، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ التَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ، وَالْقَبُولَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ يُحْمَلُ الْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ الْمَنْعِ بِأَحَادِيثِ الْقَبُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ الثَّلَاثَةُ ضَعِيفَةٌ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا التَّخْصِيصِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ بِسَارَةَ) الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ مِنْ شَرْعِنَا إِنْكَارُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي الزَّكَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَحْرِهِمْ أَيْ بِبَلَدِهِمْ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَوَهَمَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَّنِفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي جُبَّةِ الْسُّنْدُسِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أُهْدِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْهَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَنِ الْحَرِيرِ) وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِهِ وَقَالَ فِيهِ: جُبَّةُ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ، شَكَّ سَعِيدٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ التَّخَالُفِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ بَيَانَ الَّذِي أَهْدَى لِتَظْهَرَ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِيهِ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأُكَيْدِرُ دُومَةَ هُوَ أُكَيْدِرٌ تَصْغِيرُ أَكْدَرَ، وَدُومَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَلَدٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ تَبُوكَ بِهَا نَخْلٌ وَزَرْعٌ وَحِصْنٌ عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَمَانٍ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ أُكَيْدِرُ مَلِكَهَا، وَهُوَ أُكَيْدِرُ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْجِنِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - ابْنِ أَعْبَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُنْسَبُ إِلَى كِنْدَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَسَّانَ وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، فَصَالَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَطْلَقَهُ، ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً فِي الْمَغَازِي.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحُلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلِيٌّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَهْدَاهَا أُكَيْدِرٌ، وَسَيَأْتِي الْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَازِي، وَاسْمُ الْيَهُودِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ زَيْنَبُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: إِنَّهَا جَعَلَتْ فِيهِ سُمًّا، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إلى مكِّة، وهي الآن خَرابٌ (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ) بالواو النَّبيُّ ﷺ، ولأبي ذرٍّ: «فكساه» (بُرْدًا، وَكَتَبَ) أي: أمَرَ ﵊ أن يُكْتَب (لَهُ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إليه» (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، أي: بأهل (١) بحرهم، والمعنى: أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، وقد سبق لفظ الكتاب في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] ومناسبة هذا الحديث للتَّرجمة غير خفيَّة.
٢٦١٥ - ٢٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدِّب البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالك (﵁) أنَّه (قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ) بضمِّ همزة «أُهْدِي» وكسر ثالثه، و «جبَّةُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، والسُّندس: ما رقَّ من الدِّيباج، وهو ما ثَخُن وغَلُظ من ثياب الحرير (وَكَانَ) ﵊ (يَنْهَى عَنِ) استعمال (الحَرِيرِ) والجملة حاليَّة (فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ) زاد في «اللِّباس» [خ¦٥٨٣٦] «أتعجبون من هذا، قلنا: نعم» قال: (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) الأَوْسيِّ (فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) الثَّوب، قيل: وإنَّما خَصَّ المناديل بالذِّكر؛ لكونها تُمتَهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأَولى. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ من قَوْلِهِ: فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ لَهُ لُبْسَهَا مَعَ كَوْنِهِ أَهْدَاهَا لَهُ.
٢٨ - باب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ
وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.
[الحديث ٢٦١٥ - طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨]
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ "إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ".
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ"
٢٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقال النبي ﷺ: "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقال النبي ﷺ: "بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. وَايْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلاَّ قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتْ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي رَدِّ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ، وَرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الَّذِي يُدْعَى مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَهْدَى لَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ الْحَدِيثَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ.
وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ:
أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةً فَقَالَ: أَسْلَمْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ، وَالزَّبْدُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الرَّفْدُ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى الْجَوَازِ، فَجَمَعَ بَيْنَهَا الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّةً وَالْقَبُولَ فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ مَا وَقَعَتِ الْهَدِيَّةُ فِيهِ لَهُ خَاصَّةً، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ التَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ، وَالْقَبُولَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ يُحْمَلُ الْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ الْمَنْعِ بِأَحَادِيثِ الْقَبُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ الثَّلَاثَةُ ضَعِيفَةٌ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا التَّخْصِيصِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ بِسَارَةَ) الْحَدِيثَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ مِنْ شَرْعِنَا إِنْكَارُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي الزَّكَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَحْرِهِمْ أَيْ بِبَلَدِهِمْ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَوَهَمَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَّنِفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي جُبَّةِ الْسُّنْدُسِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أُهْدِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْهَى) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَنِ الْحَرِيرِ) وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (إِلَخْ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ بِهِ وَقَالَ فِيهِ: جُبَّةُ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ، شَكَّ سَعِيدٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ التَّخَالُفِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ بَيَانَ الَّذِي أَهْدَى لِتَظْهَرَ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ فِيهِ: إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأُكَيْدِرُ دُومَةَ هُوَ أُكَيْدِرٌ تَصْغِيرُ أَكْدَرَ، وَدُومَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَلَدٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ تَبُوكَ بِهَا نَخْلٌ وَزَرْعٌ وَحِصْنٌ عَلَى عَشْرِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَثَمَانٍ مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ أُكَيْدِرُ مَلِكَهَا، وَهُوَ أُكَيْدِرُ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْجِنِّ - بِالْجِيمِ وَالنُّونِ - ابْنِ أَعْبَاءَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُنْسَبُ إِلَى كِنْدَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ فَأَسَرَهُ وَقَتَلَ أَخَاهُ حَسَّانَ وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، فَصَالَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَطْلَقَهُ، ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً فِي الْمَغَازِي.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَخْرَجَ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحُلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلِيٌّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَهْدَاهَا أُكَيْدِرٌ، وَسَيَأْتِي الْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَازِي، وَاسْمُ الْيَهُودِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ زَيْنَبُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: إِنَّهَا جَعَلَتْ فِيهِ سُمًّا، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إلى مكِّة، وهي الآن خَرابٌ (لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ) بالواو النَّبيُّ ﷺ، ولأبي ذرٍّ: «فكساه» (بُرْدًا، وَكَتَبَ) أي: أمَرَ ﵊ أن يُكْتَب (لَهُ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إليه» (بِبَحْرِهِمْ) أي: ببلدهم، أي: بأهل (١) بحرهم، والمعنى: أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجزية، وقد سبق لفظ الكتاب في «الزَّكاة» [خ¦١٤٨١] ومناسبة هذا الحديث للتَّرجمة غير خفيَّة.
٢٦١٥ - ٢٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المؤدِّب البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون التَّحتيَّة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالك (﵁) أنَّه (قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ) بضمِّ همزة «أُهْدِي» وكسر ثالثه، و «جبَّةُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، والسُّندس: ما رقَّ من الدِّيباج، وهو ما ثَخُن وغَلُظ من ثياب الحرير (وَكَانَ) ﵊ (يَنْهَى عَنِ) استعمال (الحَرِيرِ) والجملة حاليَّة (فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ) زاد في «اللِّباس» [خ¦٥٨٣٦] «أتعجبون من هذا، قلنا: نعم» قال: (وَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) الأَوْسيِّ (فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) الثَّوب، قيل: وإنَّما خَصَّ المناديل بالذِّكر؛ لكونها تُمتَهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأَولى. (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي