«حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٢٣

الحديث رقم ٢٦٢٣ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٢٣ في صحيح البخاري

«حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ،

⦗١٦٥⦘

فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ.»

بَابٌ:

إسناد حديث رقم ٢٦٢٣ من صحيح البخاري

٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ.

٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ) كَذَا بَتَّ الْحَكَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِلْوَلَدِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ يَرَى صِحَّةَ الرُّجُوعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى تَفَاصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْهديةِ وَالْهِبَةِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ، إِحْدَاهُمَا:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، (وَشُعْبَةُ) كَذَا أَخْرَجَهُ وَتَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَبُو خَلِيفَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَأَبَانُ، وَهَمَّامٌ وَتَابَعه إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ جَمَاعَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ شَهْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِهِ قَالَ هَمَّامٌ: قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا.

الْطَرِيقُ الثَّانِيةُ:

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ، بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَشْهُورِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَدْ سَكَنَاهَا مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ) أَيْ لَا يَنْبَغِي لَنَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَتَّصِفَ بِصِفَةٍ ذَمِيمَةٍ يُشَابِهُنَا فِيهَا أَخَسُّ الْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ وَلَعَلَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَدَلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ مِمَّا لَوْ قَالَ مَثَلًا: لَا تَعُودُوا فِي الْهِبَةِ وَإِلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا هِبَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ النُّعْمَانِ الْمَاضِي. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ التَّغْلِيظَ فِي الْكَرَاهَةِ.

قَالَ: وَقَوْلُهُ: كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَإِنِ اقْتَضَى التَّحْرِيمَ لِكَوْنِ الْقَيْءِ حَرَامًا لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: كَالْكَلْبِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ، فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ التَّنْزِيهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ. وَتُعُقِّبُ بِاسْتِبْعَادِ مَا تَأَوَّلَهُ وَمُنَافَرَةِ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ لَهُ، وَبِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يريد به الْمُبَالَغَةُ فِي الزَّجْرِ

كَقَوْلِهِ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ) أَيِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ إِلَى الْمَوْهُوبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾

قَوْلُهُ: (كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ) هَذَا التَّمْثِيلُ وَقَعَ فِي طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ بُكَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ، مَكِّيٌّ قَدِيمٌ، لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي الْهِبَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَهُ فِيهِ إِسْنَادٌ ثَالِثٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْأَحْنَفِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) زَادَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ عَتِيقٍ وَالْعَتِيقُ الْكَرِيمُ الْفَائِقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا الْفَرَسُ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي تَسْمِيَةِ خَيْلِ النَّبِيِّ قَالَ: وَأَهْدَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لَهُ فَرَسًا يُقَالُ لَهُ الْوَرْدُ فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ .. الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَتُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَوَّضَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ اخْتِيَارَ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوِ اسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ الْعَطِيَّةُ لِكَوْنِهِ أَمْرَهُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ حَمْلَ تَمْلِيكٍ لِيُجَاهِدَ بِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ حَمْلَ تَحْبِيسٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَقِيلَ بَلَغَ إِلَى حَالَةٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ قَوْلُهُ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَقَالَ فِي حَبْسِهِ أَوْ وَقْفِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ لَا الْوَقْفُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَوْقُوفِ إِذَا بَلَغَ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وُقِفَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَضَاعَهُ) أَيْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَقَصَّرَ فِي مؤنَتِهِ وَخِدْمَتِهِ، وَقِيلَ أَيْ لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَهُ فَأَرَادَ بَيْعَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَوَجَدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ وَإِلَى الْعُذْرِ الْمَذْكُورِ فِي إِرَادَةِ بَيْعِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَشْتَرِهِ) سَمَّى الشِّرَاءَ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ مِنَ الْبَائِعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، فَأَطْلَقَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُسَامِحُ بِهِ رُجُوعًا وَأَشَارَ إِلَى الرُّخْصِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ وَلَوْ كَانَ مُحْبَسًا كَمَا ادَّعَاهُ مَنْ تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ وَجَازَ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ لَهُ لِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ الْوَافِرَةِ، وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْبِسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: إِذَا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي وَقْفِ عُمَرَ لَا يُبَاعُ أَصْلُهُ وَلَا يُوهَبُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْفَرَسُ الْمَوْهُوبُ؟ وَكَيْفَ لَا يَنْهَى بَائِعَهُ أَوْ يَمْنَعَ مِنْ بَيْعِهِ؟ قَالَ: فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَهُ صَدَقَةً يُعْطِيهَا مَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ إِعْطَاءَهُ فَأَعْطَاهَا النَّبِيُّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فَجَرَى مِنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا يُبَاعُ بِأَغْلَى مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ إِلَخْ) حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا النَّهْيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بفتح الميم والمثلَّثة (الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ) أي: العائد في هبته (كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ) زاد مسلمٌ من رواية أبي جعفر محمَّد بن عليٍّ الباقر عنه: «فيأكله»، وله في رواية بُكَيْر: «إنَّما مَثَل الَّذي يتصدَّق بصدقة، ثمَّ يعود في صدقته، كمَثَل الكلب يقيء ثمَّ يأكل قَيْئَه»، والمعنى كما قال البيضاويُّ: لا ينبغي لنا -معشر المؤمنين- أن نتَّصف بصفةٍ ذميمةٍ يشابهنا فيها أخسُّ الحيوانات في أخسِّ أحوالها، قال في «الفتح»: ولعلَّ هذا أبلغ في الزَّجر عن ذلك، وأدلُّ على التَّحريم، ممَّا لو قال مثلًا: لا تعودوا في الهبة، قال النَّوويُّ: هذا المَثَل ظاهر في تحريم الرُّجوع في الهبة والصَّدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبيِّ لا ما وهب لولده وولد ولده كما صَرَّح به في حديث النُّعْمان، وهذا مذهب الشَّافعيِّ ومالك، وقال الحنفيَّة: يكره الرُّجوع فيها لحديث الباب، ولا يحرم، لأنَّ فعل الكلب يوصف بالقُبح لا بالحُرمة، فيجوز الرُّجوع فيما يهبه لأجنبيٍّ بتراضيهما أو بحكم حاكمٍ، لقوله : «الواهب أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ منها» أي: ما لم يُعَوَّضْ عنها.

٢٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي، المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَم، مولى عمرَ بن الخطَّاب، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) أي: تصدَّقت به، ووهبته بأن يقاتَل عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) واسمه: الورد، وكان للنَّبيِّ ، أعطاه له تميم الدَّاري فأعطاه عمر (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بتقصيره في خدمته ومؤونته قال عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ) نهيٌ للتَّنزيه (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ) قال في «الفتح»: ويُستفاد منه: أنَّه لو وجده مثلًا يُباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النَّهي (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) الفاء في «فإنَّ العائد» للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل، كذلك يقبح أن يتصدّق بشيء، ثمَّ يجرُّه إلى نفسه بوجه من الوجوه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ.

٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ) كَذَا بَتَّ الْحَكَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِلْوَلَدِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ يَرَى صِحَّةَ الرُّجُوعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى تَفَاصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْهديةِ وَالْهِبَةِ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ، إِحْدَاهُمَا:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، (وَشُعْبَةُ) كَذَا أَخْرَجَهُ وَتَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَبُو خَلِيفَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَأَبَانُ، وَهَمَّامٌ وَتَابَعه إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ جَمَاعَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ شَهْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِهِ قَالَ هَمَّامٌ: قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا.

الْطَرِيقُ الثَّانِيةُ:

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ، بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَشْهُورِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَدْ سَكَنَاهَا مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ) أَيْ لَا يَنْبَغِي لَنَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَتَّصِفَ بِصِفَةٍ ذَمِيمَةٍ يُشَابِهُنَا فِيهَا أَخَسُّ الْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ وَلَعَلَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَدَلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ مِمَّا لَوْ قَالَ مَثَلًا: لَا تَعُودُوا فِي الْهِبَةِ وَإِلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا هِبَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ النُّعْمَانِ الْمَاضِي. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ التَّغْلِيظَ فِي الْكَرَاهَةِ.

قَالَ: وَقَوْلُهُ: كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَإِنِ اقْتَضَى التَّحْرِيمَ لِكَوْنِ الْقَيْءِ حَرَامًا لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: كَالْكَلْبِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ، فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ التَّنْزِيهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ. وَتُعُقِّبُ بِاسْتِبْعَادِ مَا تَأَوَّلَهُ وَمُنَافَرَةِ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ لَهُ، وَبِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يريد به الْمُبَالَغَةُ فِي الزَّجْرِ

كَقَوْلِهِ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ) أَيِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ إِلَى الْمَوْهُوبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾

قَوْلُهُ: (كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ) هَذَا التَّمْثِيلُ وَقَعَ فِي طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ بُكَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ، مَكِّيٌّ قَدِيمٌ، لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي الْهِبَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَهُ فِيهِ إِسْنَادٌ ثَالِثٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْأَحْنَفِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) زَادَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ فِي الْمُوَطَّآتِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ عَتِيقٍ وَالْعَتِيقُ الْكَرِيمُ الْفَائِقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا الْفَرَسُ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي تَسْمِيَةِ خَيْلِ النَّبِيِّ قَالَ: وَأَهْدَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لَهُ فَرَسًا يُقَالُ لَهُ الْوَرْدُ فَأَعْطَاهُ عُمَرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ .. الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَتُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَوَّضَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ اخْتِيَارَ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوِ اسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ الْعَطِيَّةُ لِكَوْنِهِ أَمْرَهُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ حَمْلَ تَمْلِيكٍ لِيُجَاهِدَ بِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ حَمْلَ تَحْبِيسٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَقِيلَ بَلَغَ إِلَى حَالَةٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ قَوْلُهُ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لَقَالَ فِي حَبْسِهِ أَوْ وَقْفِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ لَا الْوَقْفُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمَوْقُوفِ إِذَا بَلَغَ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا وُقِفَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَضَاعَهُ) أَيْ لَمْ يُحْسِنِ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَقَصَّرَ فِي مؤنَتِهِ وَخِدْمَتِهِ، وَقِيلَ أَيْ لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَهُ فَأَرَادَ بَيْعَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَوَجَدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَشَارَ إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ وَإِلَى الْعُذْرِ الْمَذْكُورِ فِي إِرَادَةِ بَيْعِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَشْتَرِهِ) سَمَّى الشِّرَاءَ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ مِنَ الْبَائِعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، فَأَطْلَقَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُسَامِحُ بِهِ رُجُوعًا وَأَشَارَ إِلَى الرُّخْصِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ وَلَوْ كَانَ مُحْبَسًا كَمَا ادَّعَاهُ مَنْ تَقَدَّمُ ذِكْرُهُ وَجَازَ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيمَا حُبِسَ لَهُ لِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ الْوَافِرَةِ، وَلَا كَانَ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ مِنْهَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْبِسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: إِذَا كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي وَقْفِ عُمَرَ لَا يُبَاعُ أَصْلُهُ وَلَا يُوهَبُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْفَرَسُ الْمَوْهُوبُ؟ وَكَيْفَ لَا يَنْهَى بَائِعَهُ أَوْ يَمْنَعَ مِنْ بَيْعِهِ؟ قَالَ: فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَهُ صَدَقَةً يُعْطِيهَا مَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ إِعْطَاءَهُ فَأَعْطَاهَا النَّبِيُّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فَجَرَى مِنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا يُبَاعُ بِأَغْلَى مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ إِلَخْ) حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا النَّهْيَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بفتح الميم والمثلَّثة (الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ) أي: العائد في هبته (كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ) زاد مسلمٌ من رواية أبي جعفر محمَّد بن عليٍّ الباقر عنه: «فيأكله»، وله في رواية بُكَيْر: «إنَّما مَثَل الَّذي يتصدَّق بصدقة، ثمَّ يعود في صدقته، كمَثَل الكلب يقيء ثمَّ يأكل قَيْئَه»، والمعنى كما قال البيضاويُّ: لا ينبغي لنا -معشر المؤمنين- أن نتَّصف بصفةٍ ذميمةٍ يشابهنا فيها أخسُّ الحيوانات في أخسِّ أحوالها، قال في «الفتح»: ولعلَّ هذا أبلغ في الزَّجر عن ذلك، وأدلُّ على التَّحريم، ممَّا لو قال مثلًا: لا تعودوا في الهبة، قال النَّوويُّ: هذا المَثَل ظاهر في تحريم الرُّجوع في الهبة والصَّدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبيِّ لا ما وهب لولده وولد ولده كما صَرَّح به في حديث النُّعْمان، وهذا مذهب الشَّافعيِّ ومالك، وقال الحنفيَّة: يكره الرُّجوع فيها لحديث الباب، ولا يحرم، لأنَّ فعل الكلب يوصف بالقُبح لا بالحُرمة، فيجوز الرُّجوع فيما يهبه لأجنبيٍّ بتراضيهما أو بحكم حاكمٍ، لقوله : «الواهب أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ منها» أي: ما لم يُعَوَّضْ عنها.

٢٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي، المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَم، مولى عمرَ بن الخطَّاب، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) أي: تصدَّقت به، ووهبته بأن يقاتَل عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) واسمه: الورد، وكان للنَّبيِّ ، أعطاه له تميم الدَّاري فأعطاه عمر (فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) بتقصيره في خدمته ومؤونته قال عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ) نهيٌ للتَّنزيه (وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ) قال في «الفتح»: ويُستفاد منه: أنَّه لو وجده مثلًا يُباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النَّهي (فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) الفاء في «فإنَّ العائد» للتَّعليل، أي: كما يقبح أن يقيء ثمَّ يأكل، كذلك يقبح أن يتصدّق بشيء، ثمَّ يجرُّه إلى نفسه بوجه من الوجوه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله