عليهم الهجرة قبل الفتح (فَقَالَ) له ﵊: (وَيْحَكَ) كلمة ترحُّمٍ وتوجُّع لمن وقع في هَلَكة لا يستحقُّها (إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنُهَا) أي: القيام بحقِّها (شَدِيدٌ) لا يستطيع القيام بها إلَّا القليل (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊ له: (فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا) المفروضة؟ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَمْنَحُ) بفتح النُّون وكسرها في الفرع كالصَِّحاحِ (مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ فيه إثبات فضيلة المنيحة (١) (قَالَ:) ﵊: (فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟) بكسر الواو، وفي «اليونينيَّة» بفتحها، ولعلَّه سَبْقُ قلمٍ، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: «يوم (٢) ورودها»، أي: يوم نوبة شربها، لأنَّ الحَلْب يومئذ أوفق للنَّاقة وأرفقُ للمحتاجين (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﵊ له: (فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ) بموحَّدة ومهملة، أي: من وراء القرى والمدن، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «من وراء التِّجار» بكسر المثنَّاة الفوقيَّة وبالجيم بدل الموحَّدة والحاء (فإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، أي: لن ينقصَك (٣) (مِنْ) ثواب (عَمَلِكَ شَيْئًا).
وهذا الحديث قد (٤) سبق في «الزكاة» في «باب زكاة الإبل» [خ¦١٤٥٢].
٢٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) هو ابن عبد المجيد البصريُّ، قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار المكِّيِّ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كَيْسان اليمانيُّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «بذلك» باللَّام، وفي «المزارعة» [خ¦٢٣٣٠] «قال عَمْرو: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة،
فإنَّهم يزعمون أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنها. قال: أي عَمْرو، وإنِّي أعطيهم وأغنيهم، وإنَّ أعلَمهم أخبرني» (-يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ، تَهْتَزُّ زَرْعًا) أي: تتحرَّك بالنَّبات وترتاح لأجل الزَّرع (فَقَالَ) ﵊: (لِمَنْ هَذِهِ) الأرض؟ (فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ) ﵊: (أَمَا) بالتَّخفيف (إنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا) أي: أعطاها المالك (إِيَّاهُ) أي: فلانًا المُكْتَرِي على سبيل المِنْحة (كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ) أي: مِنْ أخذِه (عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا) لأنَّها أكثر ثوابًا، وسبق هذا الحديث في «المزارعة» [خ¦٢٣٣٠].
(٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ) رجلٌ لآخر: (أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ) أي: على عُرْفهم في صدور هذا القول منهم، أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية (فَهوَ جَائِزٌ) جوابُ «إذا» (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) قال الكِرْمانيُّ: قيل: أراد به الحنفيَّة (هَذِهِ) الصيغة المذكورة بقوله: «إذا قال: أخدمتك هذه الجارية» مثلًا فهي (عَارِيَّةٌ) قال الحنفيَّة: لأنَّه صريح في إعارة الاستخدام (وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهوَ) ولأبي ذرٍّ: «فهذه» (هِبَةٌ) قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تختلف الأمَّة أنَّ ذلك تمليكٌ للطَّعام والكسوة، فلو قال: كسوتك هذا الثَّوب مدَّة معيَّنة، فله شرطه، قاله ابن بطال وقال ابن المُنَيِّر: الكسوة للتَّمليك بلا شكٍّ؛ لأنَّ ظاهرها الأصليَّ لا يُراد، إذ أصلها لمباشرة الإلباس، لكنَّا نعلم أنَّ الغنيَّ إذا قال للفقير: كسوتُك هذا الثَّوب، لا يعني أنَّني باشرتُ إلباسك إيَّاه، فإذا تعذَّر حملُه على الوضع حُمِل على العُرْف وهو العطيَّة.
وقال الكِرْمانيُّ: قوله: «وإن قال: كسوتك … » إلى آخره، يحتمل أن يكون من تتمَّة قول الحنفيَّة، ومقصود المؤلِّف منه أنَّهم تحكَّموا، حيث قالوا: ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على التَّرجمة.