«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.» بَابٌ

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٦٨

الحديث رقم ٢٦٦٨ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اليمين على المدعى عليه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٦٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.»

بَابٌ

إسناد حديث رقم ٢٦٦٨ من صحيح البخاري

٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦٦٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِي: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ الْيَمِينِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْأَشْعَثِ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَحْلِفُ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: قَبْلَ الْيَمِينِ أَيْ قَبْلَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُدَّعِي بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْحَاكِمُ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ بِأَنَّ بَيِّنَتَهُ شَهِدَتْ لَهُ بِحَقٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْأَشْعَثِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، بَلْ فِيهِ مَا قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ حَدِيثَيِ الْأَشْعَثِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: لَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا اعْتَرَفَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً.

٢٠ - بَاب الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ، وَقَالَ النَّبِيُّ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ: كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأُخْرَى؟

٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلي: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

٢٦٦٩، ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ [٧٧ آل عمران]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إِلَى - عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي: فَقال النبي : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ) أَيْ دُونَ الْمُدَّعِي، وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَجِبَ يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَصِحَّ الْقَضَاءُ بَشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. وَاسْتِشْهَادُ الْمُصَنِّفِ بِقِصَّةِ ابْنِ شُبْرُمَةَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّانِيَ. وَقَوْلُهُ: فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي تَخْصِيصِهِمُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى الْقَوْلِ بِعُمُومِ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ وَالنِّكَاحِ

وَنَحْوِهِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالْفِدْيَةَ فَقَالَ: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا الْيَمِينُ حَتَّى يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَلَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) وَصَلَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَارْتَفَعَ شَاهِدَاكَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْمُثْبِتُ لَكَ أَوِ الْحُجَّةُ أَوْ مَا يُثْبِتُ لَكَ، وَالْمَعْنَى مَا يُثْبِتُ لَكَ شَهَادَةُ شَاهِدَيْكَ. أَوْ لَكَ إِقَامَةُ شَاهِدَيْكِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ فَأُعْرِبَ إِعْرَابَهُ فَارْتَفَعَ، وَحُذِفَ الْخَبَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ بِلَفْظِ شُهُودُكَ وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ الْقُطْبِ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَرَدَّ ذَلِكَ مُغَلْطَايْ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ بِابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ لَهُ فِي الشَّوَاهِدِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَهَذَا مِنَ الشَّوَاهِدِ فَإِنَّهُ حِكَايَةُ وَاقِعَةٍ اتَّفَقَتْ لَهُ مَعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ يُحْتَجُّ بِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ حَسَّانَ الضَّبِّيُّ قَاضِي الْكُوفَةِ لِلْمَنْصُورِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.

قَوْلُهُ: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) هُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) أَيْ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا، وَكَانَ مَذْهَبُ أَبِي الزِّنَادِ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ كَأَهْلِ بَلَدِهِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ شُبْرُمَةَ خِلَافَهُ كَأَهْلِ بَلَدِهِ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ أَبُو الزِّنَادِ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ لَهُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ مُتَضَمِّنًا لِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا وَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ؟ أَوْ لَا يَكُونُ نَسْخًا بَلْ زِيَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ إِذَا ثَبَتَ سَنَدُهُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؟ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ، وَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا تَنْهضُ حُجَّةُ ابْنِ شُبْرُمَةَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِهِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: الْحَاجَةُ إِلَى إِذْكَارِ إحداهما الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا شَهِدَتَا، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدَا قَامَتْ مَقَامَهُمَا يَمِينُ الطَّالِبِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَالْيَمِينُ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ لَوِ انْفَرَدَتْ لَحَلَّتْ مَحَلَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، فَكَذَلِكَ حَلَّتِ الْيَمِينُ هُنَا مَحَلَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِهَا مُضَافَةً لِلشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.

قَالَ: وَلَوْ لَزِمَ إِسْقَاطُ الْقَوْلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَلَزِمَ إِسْقَاطُ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي السُّنَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيْءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ، لَكِنْ مُقْتَضَى مَا بَحَثَهُ أَنْ لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُمَا مِنَ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ جَاءَ بَشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُرْآنِ نَسْخٌ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَا تَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِهَا مَشْهُورًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَلَا رَفْعَ هُنَا، وَأَيْضًا فَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الزِّيَادَةِ كَالتَّخْصِيصِ نَسْخًا اصْطِلَاحٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا، وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ رِجْلِ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ،

وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَقَدْ أَخَذَ مَنْ رَدَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرْآنِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَالْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَمِنَ الْقَيْءِ، وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَاسْتِبْرَاءِ الْمَسْبِيَّةِ،

وَتَرْكِ قَطْعِ مَنْ سَرَقَ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوِلَادَةِ، وَلَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ، وَيَحْرُمُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنَ الْقَتِيلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا أَحَادِيثُ شَهِيرَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا لِشُهْرَتِهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَحَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ، بَلْ ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَقَالَ فِي الْيَمِينِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُرْتَابُ فِي صِحَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّتِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ مَكِّيَّانِ وَقَدْ سَمِعَ قَيْسٌ مِنْ أَقْدَمَ مِنْ عَمْرٍو، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ.

وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ مَدَنِيُّونَ ثِقَاتٌ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ نَسِيَهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِهِ رَبِيعَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ نَفْسِهِ عَنْ أَبِيهِ، وَقِصَّتُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ. وَفِي الْبَابِ عَنْ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهَا الْحِسَانُ وَالضِّعَافُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ تَثْبُتُ الشُّهْرَةُ، وَدَعْوَى نَسْخِهِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ النُّكُولِ وَرَدَّ الْيَمِينِ بِغَيْرِ حَلِفٍ فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ فَيَكُونُ حَلِفُ الْمُدَّعِي وَمَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ أَوْلَى، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِرَدِّ الْيَمِينِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَضَاءُ بَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ لِذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَظْرَفُ مَا وَجَدْتُ لَهُمْ فِي رَدِّ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: قَضَى بِيَمِينِ الْمُنْكِرِ مَعَ شَاهِدِ الطَّالِبِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي الْمُتَضَادَّيْنِ. ثَانِيهِمَا: حَمْلُهُ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا مَثَلًا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَى بِالْبَرَاءَةِ وَيَرُدُّ الْعَبْدَ، وَتَعَقَّبَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهَا صُورَةٌ نَادِرَةٌ وَلَا يُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَيْهَا.

قُلْتُ: وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ.

أَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي الرَّهْنِ، وَهُنَا مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا جَرَحَتْهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا الْفِرْيَابِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ وَالْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الطَّائِفِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَكَتَبْتُ إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسكون المعجمة وكسر الكاف، والمعنى: إذا جاز أن يُكتفَى بالشَّاهد واليمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى إذ اليمين تقوم مقامهما، فما فائدة ذكر التَّذكير في القرآن؟ وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من التَّنصيص على الشَّيء نفيه عمَّا عداه، وغاية ما في ذلك عدم التَّعرُّض له لا التَّعرُّض لعدمه، والحديث قد تضمَّن زيادة مستقلَّة على ما في القرآن بحكم مستقلٍّ، وقد أجاب إمامنا الشَّافعيُّ عن الآية كما في «المعرفة»: بأنَّ اليمين مع الشَّاهد لا تخالف (١) من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين ولا يمين، فإذا كان شاهد، حكمنا بشاهد ويمين بالسُّنة، وليس هذا ممَّا يخالف ظاهر القرآن؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقلَّ مما نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله أعلم بمعنى ما (٢) أراد الله ﷿، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أتانا به، وننتهيَ عمَّا نهانا عنه، ونسأل الله العصمة والتَّوفيق. انتهى.

٢٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل (٣) الجمحيُّ القرشيُّ المكِّيُّ، المتوفَّى سنة تسع وستِّين ومئة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مُلَيكة -بضمِّ الميم وفتح اللَّام مصغَّرًا- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٤)) أي: بعد أن كتبتُ إليه أسأله عن قصَّة المرأتين اللَّتين ادَّعت إحداهما على الأخرى أنَّها جرحتها، كما في تفسير «سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢] وزاد أبو ذرٍّ: «إليَّ» (أنَّ النَّبيَّ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) وعند البيهقيِّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة بلفظ: كنت قاضيًا لابن الزُّبير على الطَّائف، وذكر قصَّة

المرأتين، فكتبتُ إلى ابن عبَّاس، فكتب إليَّ: أنَّ رسول الله قال: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر»، وإسناده حسنٌ، وإنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّ حجَّته قويَّةٌ، لانتفاء التُّهمة، وجانبه ضعيفٌ، لأنَّه خلاف الظَّاهر فكُلِّفَ الحجَّة القويَّة وهي البيِّنة، ليقوى بها ضعفه، وعكسه المدَّعى عليه، فاكتفى بالحجَّة الضَّعيفة وهي اليمين. نعم، قد يجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع مستثناةٍ لدليل، كأيمان القَسَامة لحديث الصَّحيحين المخصِّص لحديث الباب [خ¦٦٨٩٨]، وفي «البيهقيِّ» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسول الله قال: «البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر إلَّا في القسامة» ودعوى القيمة في المتلفات (١). وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشَّافعيِّ والجمهور: أنَّ اليمين متوجِّهة على المدَّعى عليه، سواء كان بينه وبين المدَّعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إلَّا على من بينه وبينه خلطة، لئلَّا يبتذلَ السُّفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشتُرِطَت الخلطة لهم (٢) لهذه المفسدة.

وهذا الحديث قد سبق في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٤] ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢].

(٢٠ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو ساقطٌ عند أبوي ذرٍّ والوقت.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "

قَوْلُهُ: (بَابُ سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِي: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ الْيَمِينِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْأَشْعَثِ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَحْلِفُ، وَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: قَبْلَ الْيَمِينِ أَيْ قَبْلَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُدَّعِي بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْحَاكِمُ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ بِأَنَّ بَيِّنَتَهُ شَهِدَتْ لَهُ بِحَقٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْأَشْعَثِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، بَلْ فِيهِ مَا قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ حَدِيثَيِ الْأَشْعَثِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: لَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا اعْتَرَفَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً.

٢٠ - بَاب الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ، وَقَالَ النَّبِيُّ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ: كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأُخْرَى؟

٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلي: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

٢٦٦٩، ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ [٧٧ آل عمران]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إِلَى - عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي: فَقال النبي : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ) أَيْ دُونَ الْمُدَّعِي، وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَجِبَ يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَصِحَّ الْقَضَاءُ بَشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. وَاسْتِشْهَادُ الْمُصَنِّفِ بِقِصَّةِ ابْنِ شُبْرُمَةَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّانِيَ. وَقَوْلُهُ: فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي تَخْصِيصِهِمُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى الْقَوْلِ بِعُمُومِ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ وَالنِّكَاحِ

وَنَحْوِهِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالْفِدْيَةَ فَقَالَ: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا الْيَمِينُ حَتَّى يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَلَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) وَصَلَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَارْتَفَعَ شَاهِدَاكَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْمُثْبِتُ لَكَ أَوِ الْحُجَّةُ أَوْ مَا يُثْبِتُ لَكَ، وَالْمَعْنَى مَا يُثْبِتُ لَكَ شَهَادَةُ شَاهِدَيْكَ. أَوْ لَكَ إِقَامَةُ شَاهِدَيْكِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ فَأُعْرِبَ إِعْرَابَهُ فَارْتَفَعَ، وَحُذِفَ الْخَبَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ بِلَفْظِ شُهُودُكَ وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ الْقُطْبِ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَرَدَّ ذَلِكَ مُغَلْطَايْ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَحْتَجَّ بِابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ لَهُ فِي الشَّوَاهِدِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَهَذَا مِنَ الشَّوَاهِدِ فَإِنَّهُ حِكَايَةُ وَاقِعَةٍ اتَّفَقَتْ لَهُ مَعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ يُحْتَجُّ بِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ حَسَّانَ الضَّبِّيُّ قَاضِي الْكُوفَةِ لِلْمَنْصُورِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.

قَوْلُهُ: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) هُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) أَيْ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا، وَكَانَ مَذْهَبُ أَبِي الزِّنَادِ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ كَأَهْلِ بَلَدِهِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ شُبْرُمَةَ خِلَافَهُ كَأَهْلِ بَلَدِهِ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ أَبُو الزِّنَادِ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ لَهُ الْحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ مُتَضَمِّنًا لِزِيَادَةٍ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا وَالسُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ؟ أَوْ لَا يَكُونُ نَسْخًا بَلْ زِيَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ إِذَا ثَبَتَ سَنَدُهُ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ؟ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ، وَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لَا تَنْهضُ حُجَّةُ ابْنِ شُبْرُمَةَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِهِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: الْحَاجَةُ إِلَى إِذْكَارِ إحداهما الْأُخْرَى إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا شَهِدَتَا، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدَا قَامَتْ مَقَامَهُمَا يَمِينُ الطَّالِبِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَالْيَمِينُ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ لَوِ انْفَرَدَتْ لَحَلَّتْ مَحَلَّ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ، فَكَذَلِكَ حَلَّتِ الْيَمِينُ هُنَا مَحَلَّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِهَا مُضَافَةً لِلشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.

قَالَ: وَلَوْ لَزِمَ إِسْقَاطُ الْقَوْلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَلَزِمَ إِسْقَاطُ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا فِي السُّنَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيْءِ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ، لَكِنْ مُقْتَضَى مَا بَحَثَهُ أَنْ لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُمَا مِنَ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ جَاءَ بَشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُرْآنِ نَسْخٌ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ لَا تَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الْأَحَادِيثِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِهَا مَشْهُورًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَلَا رَفْعَ هُنَا، وَأَيْضًا فَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الزِّيَادَةِ كَالتَّخْصِيصِ نَسْخًا اصْطِلَاحٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا، وَسَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ، وَكَذَلِكَ قَطْعُ رِجْلِ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ،

وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَقَدْ أَخَذَ مَنْ رَدَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرْآنِ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَالْوُضُوءِ مِنَ الْقَهْقَهَةِ وَمِنَ الْقَيْءِ، وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَاسْتِبْرَاءِ الْمَسْبِيَّةِ،

وَتَرْكِ قَطْعِ مَنْ سَرَقَ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوِلَادَةِ، وَلَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤْكَلُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ، وَيَحْرُمُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنَ الْقَتِيلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا أَحَادِيثُ شَهِيرَةٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا لِشُهْرَتِهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَحَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ، بَلْ ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَقَالَ فِي الْيَمِينِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُرْتَابُ فِي صِحَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي صِحَّتِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ مَكِّيَّانِ وَقَدْ سَمِعَ قَيْسٌ مِنْ أَقْدَمَ مِنْ عَمْرٍو، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ.

وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ مَدَنِيُّونَ ثِقَاتٌ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ نَسِيَهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِهِ رَبِيعَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ نَفْسِهِ عَنْ أَبِيهِ، وَقِصَّتُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ. وَفِي الْبَابِ عَنْ نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهَا الْحِسَانُ وَالضِّعَافُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ تَثْبُتُ الشُّهْرَةُ، وَدَعْوَى نَسْخِهِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ النُّكُولِ وَرَدَّ الْيَمِينِ بِغَيْرِ حَلِفٍ فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ فَيَكُونُ حَلِفُ الْمُدَّعِي وَمَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ أَوْلَى، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِرَدِّ الْيَمِينِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَضَاءُ بَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ لِذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَظْرَفُ مَا وَجَدْتُ لَهُمْ فِي رَدِّ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ: قَضَى بِيَمِينِ الْمُنْكِرِ مَعَ شَاهِدِ الطَّالِبِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ فَيَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، لِأَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي الْمُتَضَادَّيْنِ. ثَانِيهِمَا: حَمْلُهُ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا مَثَلًا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَى بِالْبَرَاءَةِ وَيَرُدُّ الْعَبْدَ، وَتَعَقَّبَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهَا صُورَةٌ نَادِرَةٌ وَلَا يُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَيْهَا.

قُلْتُ: وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ.

أَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي الرَّهْنِ، وَهُنَا مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَخْرَجَهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهَا جَرَحَتْهَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا الْفِرْيَابِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ وَالْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كُنْتُ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الطَّائِفِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَكَتَبْتُ إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسكون المعجمة وكسر الكاف، والمعنى: إذا جاز أن يُكتفَى بالشَّاهد واليمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى إذ اليمين تقوم مقامهما، فما فائدة ذكر التَّذكير في القرآن؟ وأُجيبَ: بأنَّه لا يلزم من التَّنصيص على الشَّيء نفيه عمَّا عداه، وغاية ما في ذلك عدم التَّعرُّض له لا التَّعرُّض لعدمه، والحديث قد تضمَّن زيادة مستقلَّة على ما في القرآن بحكم مستقلٍّ، وقد أجاب إمامنا الشَّافعيُّ عن الآية كما في «المعرفة»: بأنَّ اليمين مع الشَّاهد لا تخالف (١) من ظاهر القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين ولا يمين، فإذا كان شاهد، حكمنا بشاهد ويمين بالسُّنة، وليس هذا ممَّا يخالف ظاهر القرآن؛ لأنَّه لم يحرم أن يجوز أقلَّ مما نصَّ عليه في كتابه، ورسول الله أعلم بمعنى ما (٢) أراد الله ﷿، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أتانا به، وننتهيَ عمَّا نهانا عنه، ونسأل الله العصمة والتَّوفيق. انتهى.

٢٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله بن جميل (٣) الجمحيُّ القرشيُّ المكِّيُّ، المتوفَّى سنة تسع وستِّين ومئة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مُلَيكة -بضمِّ الميم وفتح اللَّام مصغَّرًا- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٤)) أي: بعد أن كتبتُ إليه أسأله عن قصَّة المرأتين اللَّتين ادَّعت إحداهما على الأخرى أنَّها جرحتها، كما في تفسير «سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢] وزاد أبو ذرٍّ: «إليَّ» (أنَّ النَّبيَّ قَضَى بِاليَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) وعند البيهقيِّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة بلفظ: كنت قاضيًا لابن الزُّبير على الطَّائف، وذكر قصَّة

المرأتين، فكتبتُ إلى ابن عبَّاس، فكتب إليَّ: أنَّ رسول الله قال: «لو يُعطى النَّاس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، ولكنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر»، وإسناده حسنٌ، وإنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّ حجَّته قويَّةٌ، لانتفاء التُّهمة، وجانبه ضعيفٌ، لأنَّه خلاف الظَّاهر فكُلِّفَ الحجَّة القويَّة وهي البيِّنة، ليقوى بها ضعفه، وعكسه المدَّعى عليه، فاكتفى بالحجَّة الضَّعيفة وهي اليمين. نعم، قد يجعل اليمين في جانب المدَّعي في مواضع مستثناةٍ لدليل، كأيمان القَسَامة لحديث الصَّحيحين المخصِّص لحديث الباب [خ¦٦٨٩٨]، وفي «البيهقيِّ» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسول الله قال: «البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر إلَّا في القسامة» ودعوى القيمة في المتلفات (١). وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشَّافعيِّ والجمهور: أنَّ اليمين متوجِّهة على المدَّعى عليه، سواء كان بينه وبين المدَّعي اختلاط أم لا. وقال مالك وأصحابه: إنَّ اليمين لا تتوجَّه إلَّا على من بينه وبينه خلطة، لئلَّا يبتذلَ السُّفهاءُ أهلَ الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشتُرِطَت الخلطة لهم (٢) لهذه المفسدة.

وهذا الحديث قد سبق في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٤] ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٢].

(٢٠ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو ساقطٌ عند أبوي ذرٍّ والوقت.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده