الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٠٥
الحديث رقم ٢٧٠٥ من كتاب «كتاب الصلح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يشير الإمام بالصلح.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ - وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ - وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
[الحديث ٢٧٠٤ - أطرافه في: ٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلْحَسَنِ بِمَعْنَى عَنْ، وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ احْتِرَازًا وَأَدَبًا، وَكَذَلِكَ تَرْجَمَ بِنَحْوِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ لَمْ يَظْهَرْ لِي مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّرْجَمَةِ إِلَّا إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ حَرِيصًا عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ، وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الصُّلْحَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ سَيَقَعُ عَلَى يَدِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْمُصَنِّفُ (قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ (إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ.
١٠ - بَاب هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ؟
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.
٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ الْأَعْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا كَعْبُ - فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ - فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ اسْتَحَبُّوا لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِيرَ
بِالصُّلْحِ وَإِنِ اتَّجَهَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى الصُّلْح، عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا جَزَمَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الرِّجَالِ بِالْجِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيِ ابْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ لَهُ: أَبُو الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ ذُكُورٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ مِنْهُمْ قَرِينَانِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ فَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمُنْقَطِعِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكِسَائِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، وَرُوِّينَاهُ فِي الْمَحَامِلِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ مَنْ أَبْهَمَهُ مُسْلِمٌ بِهَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بَلْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا، وَلَا انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمْ) فِي رِوَايَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ حَضَرَ الْخُصُومَةَ وَثَنَّى بِاعْتِبَارِ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَأَنَّ التَّخَاصُمَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَجَمَعَ ثُمَّ ثَنَّى بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْخَصْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ صِيغَةَ الْجَمْعِ بِالِاثْنَيْنِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: عَالِيَةٍ الْجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْوَضِيعَةَ، أَيِ الْحَطِيطَةَ مِنَ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَرْفِقُهُ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الرِّفْقَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (فِي شَيْءٍ) وَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي ابْتَعْتُ أَنَا وَابْنِي مِنْ فُلَانٍ تَمْرًا فَأَحْصَيْنَاهُ. لَا وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ مَا أَحْصَيْنَا مِنْهُ إِلَّا مَا نَأْكُلُهُ فِي بُطُونِنَا أَوْ نُطْعِمُهُ مِسْكِينًا، وَجِئْنَا نَسْتَوْضِعُهُ مَا نَقَصْنَا الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِهَذَا تَرْجِيحُ ثَانِي الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلُ، وَأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُتَخَاصِمَيْنِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَفِيهِ بُعْدٌ لِتَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلُ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ الْمُتَأَلِّي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، أَيِ: الْحَالِفُ الْمُبَالِغُ فِي الْيَمِينِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَلِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْيَمِينُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: آلَى أَنْ لَا يَصْنَعَ خَيْرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ صَاحِبَ التَّمْرِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ) أَيْ مِنَ الْوَضْعِ أَوِ الرِّفْقِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ وَضَعْتُ مَا نَقَصُوا وإِنْ شِئْتَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَوَضَعَ مَا نَقَصُوا وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَبِالرِّفْقِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَتَرْكُ الزِّيَادَةِ، لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالرِّفْقِ الْإِمْهَالَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْغَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالْوَضْعِ عَنْهُ، وَالزَّجْرُ عَنِ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْخَيْرِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ وُقُوعَهُ، وَعَنِ الْمُهَلَّبِ نَحْوُهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُرِهَ الْحَلِفُ لِمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ خَيْرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كُرِهَ لَهُ قَطْعُ نَفْسِهِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، قَالَ: وَيُشْكِلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حَلِفَهُ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قال لي عليُّ بن عبد الله»: (إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الحَسَنِ) البصريِّ (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ المذكور (بِهَذَا الحَدِيثِ) لأنَّه صرَّح فيه (١) بالسَّماع، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لهذا» باللَّام بدل الموحَّدة. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث عن عليِّ بن المدينيِّ عن ابن عيينة في «كتاب الفتن» [خ¦٧١٠٩] ولم يذكر هذه الزِّيادة، وأخرجه أيضًا في «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦٢٩] و «فضل الحسن» [خ¦٣٧٤٦]، وأبو داود في «السنَّة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الصلاة» و «اليوم والليلة».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ) لأحد الخصمين أو لهما جميعًا (بِالصُّلْحِ؟) وحرف الاستفهام ساقط لغير أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.
٢٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريِّ، وكان له أولادٌ عشرةٌ رجالًا كاملين، فكُنِّيَ بأبي الرِّجال (أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصارية (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ) بضم الخاء، جمع خصم (بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم) بجرِّ «عاليةٍ» صفةً لـ «خصومٍ»، وفي نسخةٍ: «عاليةً» بالنَّصب على الحال من «خصومٍ» وإن كان نكرةً لتخصيصه بالوصف أو من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «أصواتهما» بالتَّثنية، فالجمع باعتبار مَن حضر الخصومة، والتَّثنية باعتبار
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ - وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ - وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
[الحديث ٢٧٠٤ - أطرافه في: ٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلْحَسَنِ بِمَعْنَى عَنْ، وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ احْتِرَازًا وَأَدَبًا، وَكَذَلِكَ تَرْجَمَ بِنَحْوِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ لَمْ يَظْهَرْ لِي مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّرْجَمَةِ إِلَّا إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ حَرِيصًا عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ، وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الصُّلْحَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ سَيَقَعُ عَلَى يَدِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْمُصَنِّفُ (قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ الْمَدِينِيِّ (إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِالسَّمَاعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ.
١٠ - بَاب هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ؟
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.
٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ الْأَعْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا كَعْبُ - فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ - فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ اسْتَحَبُّوا لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِيرَ
بِالصُّلْحِ وَإِنِ اتَّجَهَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى الصُّلْح، عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا جَزَمَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الرِّجَالِ بِالْجِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيِ ابْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ لَهُ: أَبُو الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ ذُكُورٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ مِنْهُمْ قَرِينَانِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ فَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمُنْقَطِعِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكِسَائِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، وَرُوِّينَاهُ فِي الْمَحَامِلِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ مَنْ أَبْهَمَهُ مُسْلِمٌ بِهَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بَلْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا، وَلَا انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمْ) فِي رِوَايَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ حَضَرَ الْخُصُومَةَ وَثَنَّى بِاعْتِبَارِ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَأَنَّ التَّخَاصُمَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَجَمَعَ ثُمَّ ثَنَّى بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْخَصْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ صِيغَةَ الْجَمْعِ بِالِاثْنَيْنِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: عَالِيَةٍ الْجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْوَضِيعَةَ، أَيِ الْحَطِيطَةَ مِنَ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَرْفِقُهُ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الرِّفْقَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (فِي شَيْءٍ) وَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي ابْتَعْتُ أَنَا وَابْنِي مِنْ فُلَانٍ تَمْرًا فَأَحْصَيْنَاهُ. لَا وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ مَا أَحْصَيْنَا مِنْهُ إِلَّا مَا نَأْكُلُهُ فِي بُطُونِنَا أَوْ نُطْعِمُهُ مِسْكِينًا، وَجِئْنَا نَسْتَوْضِعُهُ مَا نَقَصْنَا الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِهَذَا تَرْجِيحُ ثَانِي الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلُ، وَأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُتَخَاصِمَيْنِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَفِيهِ بُعْدٌ لِتَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلُ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ الْمُتَأَلِّي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، أَيِ: الْحَالِفُ الْمُبَالِغُ فِي الْيَمِينِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَلِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْيَمِينُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ: آلَى أَنْ لَا يَصْنَعَ خَيْرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ صَاحِبَ التَّمْرِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ) أَيْ مِنَ الْوَضْعِ أَوِ الرِّفْقِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ وَضَعْتُ مَا نَقَصُوا وإِنْ شِئْتَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَوَضَعَ مَا نَقَصُوا وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَبِالرِّفْقِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَتَرْكُ الزِّيَادَةِ، لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالرِّفْقِ الْإِمْهَالَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْغَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالْوَضْعِ عَنْهُ، وَالزَّجْرُ عَنِ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْخَيْرِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ وُقُوعَهُ، وَعَنِ الْمُهَلَّبِ نَحْوُهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُرِهَ الْحَلِفُ لِمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ خَيْرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كُرِهَ لَهُ قَطْعُ نَفْسِهِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، قَالَ: وَيُشْكِلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حَلِفَهُ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «قال لي عليُّ بن عبد الله»: (إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الحَسَنِ) البصريِّ (مِنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ المذكور (بِهَذَا الحَدِيثِ) لأنَّه صرَّح فيه (١) بالسَّماع، وفي رواية أبي ذرٍّ: «لهذا» باللَّام بدل الموحَّدة. وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث عن عليِّ بن المدينيِّ عن ابن عيينة في «كتاب الفتن» [خ¦٧١٠٩] ولم يذكر هذه الزِّيادة، وأخرجه أيضًا في «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦٢٩] و «فضل الحسن» [خ¦٣٧٤٦]، وأبو داود في «السنَّة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الصلاة» و «اليوم والليلة».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ) لأحد الخصمين أو لهما جميعًا (بِالصُّلْحِ؟) وحرف الاستفهام ساقط لغير أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.
٢٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويس (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريِّ، وكان له أولادٌ عشرةٌ رجالًا كاملين، فكُنِّيَ بأبي الرِّجال (أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصارية (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ) بضم الخاء، جمع خصم (بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم) بجرِّ «عاليةٍ» صفةً لـ «خصومٍ»، وفي نسخةٍ: «عاليةً» بالنَّصب على الحال من «خصومٍ» وإن كان نكرةً لتخصيصه بالوصف أو من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، ولغير الكُشْمِيهَنِيِّ: «أصواتهما» بالتَّثنية، فالجمع باعتبار مَن حضر الخصومة، والتَّثنية باعتبار