الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٦٦
الحديث رقم ٢٧٦٦ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَرِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا هَارُونُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، فَزَعَمَ ابْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ يَحْيَى الْمَكِّيُّ الزُّبَيْرِيُّ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا.
قَوْلُهُ: (تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الْأَرْضُ الَّتِي لَهَا غَلَّةٌ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ - حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: هِيَ أَرْضٌ تِلْقَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ لِعُمَرَ. قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ فِي بَابِ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ كَيْفِيَّةَ مَصِيرِهِ إِلَى عُمَرَ مَعَ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِغَيْرِهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: شَبَّهَ الْبُخَارِيُّ الْوَصِيَّ بِنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَالنَّظَرِ لِلْيَتَامَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَنَافِعِ مَا وَقَفَهُ، فَإِنْ شَرَطَ لِمَنْ يَلِي نَظَرَهُ شَيْئًا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْمُوصِي لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ يَمْلِكُونَ الْمَالَ بَعْدَهُ بِقِسْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَالْوَاقِفِ اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا جَعَلَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوصَى عَلَيْهِمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَائِغٌ إِذَا عَيَّنَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا إِذَا أَوْصَى وَلَمْ يُعَيِّنْ لِلْوصِي شَيْئًا هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْوَصِيَّ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَجْرَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ.
ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ إِلَخْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، يَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.
[الحديث ٢٧٦٦ - طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَفِيهِ: وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُنْتُ قَدَّمْتُ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّنِي أَشْرَحُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا، ثُمَّ حَصَلَ ذُهُولٌ فَاسْتَدْرَكْتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَعَادَهُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ، وَذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ فِي ضَابِطِ الْكَبِيرَةِ، وَفِي عَدَدِهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) القرشيُّ الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيُّوب القرشيُّ التَّيميُّ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ المَدَنِيِّ) وسقط «المدنيِّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) مرادف المطر، واسمه: سالمٌ مولى ابن (١) مطيعٍ القرشيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ) أي: المهلكات (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ) أحدها (الشِّرْكُ بِاللهِ) بأن يُتَّخَذ معه إلهٌ غيره (وَ) الثَّاني: (السِّحْرُ) وهو لغةً صرف الشَّيء عن وجهه، وتأتي مباحثه إن شاء الله تعالى في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٦٤] بعون الله وقوته (وَ) الثَّالث: (قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) قتلها (إِلَّا بِالحَقِّ، وَ) الرَّابع: (أَكْلُ الرِّبَا) وهو لغةً الزِّيادة (وَ) الخامس: (أَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ) الَّذي مات أبوه وهو دون البلوغ (وَ) السَّادس (التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: الفرار عن القتال يوم ازدحام الطَّائفتين (وَ) السابع (قَذْفُ المُحْصَنَاتِ) بفتح الصَّاد، اسم مفعولٍ، اللَّاتي أحصنهنَّ الله تعالى، وحفظهنَّ من الزِّنا (المُؤْمِنَاتِ) احتُرِزَ به عن قذف الكافرات (الغَافِلَاتِ) بالغين المعجمة والفاء، أي: عمَّا نُسِب إليهنَّ من الزِّنا، والتَّنصيص على عددٍ لا ينافي أزيد منه في غير هذا الحديث، كالزِّنا بحليلة الجار، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وغير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وفضله.
وهذا الحديث رواتُه كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٤] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الوصايا»، والنَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير».
(٢٤) (بابُ قولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ (٢) «قول الله تعالى» والواو من
«﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾» (﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾) قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ بسنده وأبو داود والنَّسائيُّ والحاكم: لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الاية [النساء: ١٠] انطلق مَن كان عنده يتيمٌ يعزل طعامَه من طعامِه وشرابَه من شرابه، فجعل يفضل له الشَّيء من طعامه، فيُحبَس له حتَّى يأكلَه أو يفسد، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ﴾) أي: الإصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ ولا عوضٍ (﴿خَيْرٌ﴾) وأعظم أجرًا (﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾) تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم (﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾) فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من مال بعض (﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾) لأموالهم (﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾) لها، يعني: الَّذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حقٍّ من الَّذي يقصد الإصلاح (﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) في ملكه (﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]) فيما أمر به.
قال البخاري مفسِّرًا لقوله تعالى: (﴿لأعْنَتَكُمْ﴾) أي: (لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ) وسقط لفظ «عليكم» من «اليونينيَّة»، وثبت في فرعها (١)، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن المنذر، وزاد: ولكنَّه وسَّع ويسَّر (وَعَنَتْ) أي: (خَضَعَتْ (٢)) كذا أورد (٣) المؤلِّف، وعُورِض: بأنَّه لا تعلُّق له بـ «أعنتكم» لأنَّه من العُنُوِّ -بضمِّ العين المهملة والنُّون وتشديد الواو- وليس هو من العَنَت في شيءٍ، وأُجِيب: بأنَّه أوردها استطرادًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَرِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا هَارُونُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، فَزَعَمَ ابْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُ هَارُونُ بْنُ يَحْيَى الْمَكِّيُّ الزُّبَيْرِيُّ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا.
قَوْلُهُ: (تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الْأَرْضُ الَّتِي لَهَا غَلَّةٌ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ - حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: هِيَ أَرْضٌ تِلْقَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ لِعُمَرَ. قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ فِي بَابِ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ كَيْفِيَّةَ مَصِيرِهِ إِلَى عُمَرَ مَعَ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِغَيْرِهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: شَبَّهَ الْبُخَارِيُّ الْوَصِيَّ بِنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَالنَّظَرِ لِلْيَتَامَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَنَافِعِ مَا وَقَفَهُ، فَإِنْ شَرَطَ لِمَنْ يَلِي نَظَرَهُ شَيْئًا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْمُوصِي لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ يَمْلِكُونَ الْمَالَ بَعْدَهُ بِقِسْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَالْوَاقِفِ اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا جَعَلَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْمُوصَى عَلَيْهِمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَائِغٌ إِذَا عَيَّنَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا إِذَا أَوْصَى وَلَمْ يُعَيِّنْ لِلْوصِي شَيْئًا هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْوَصِيَّ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَجْرَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ.
ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ إِلَخْ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، يَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ.
[الحديث ٢٧٦٦ - طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَفِيهِ: وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُنْتُ قَدَّمْتُ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّنِي أَشْرَحُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا، ثُمَّ حَصَلَ ذُهُولٌ فَاسْتَدْرَكْتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَعَادَهُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ، وَذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ فِي ضَابِطِ الْكَبِيرَةِ، وَفِي عَدَدِهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) القرشيُّ الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيُّوب القرشيُّ التَّيميُّ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ المَدَنِيِّ) وسقط «المدنيِّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) مرادف المطر، واسمه: سالمٌ مولى ابن (١) مطيعٍ القرشيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ) أي: المهلكات (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ) أحدها (الشِّرْكُ بِاللهِ) بأن يُتَّخَذ معه إلهٌ غيره (وَ) الثَّاني: (السِّحْرُ) وهو لغةً صرف الشَّيء عن وجهه، وتأتي مباحثه إن شاء الله تعالى في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٦٤] بعون الله وقوته (وَ) الثَّالث: (قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) قتلها (إِلَّا بِالحَقِّ، وَ) الرَّابع: (أَكْلُ الرِّبَا) وهو لغةً الزِّيادة (وَ) الخامس: (أَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ) الَّذي مات أبوه وهو دون البلوغ (وَ) السَّادس (التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: الفرار عن القتال يوم ازدحام الطَّائفتين (وَ) السابع (قَذْفُ المُحْصَنَاتِ) بفتح الصَّاد، اسم مفعولٍ، اللَّاتي أحصنهنَّ الله تعالى، وحفظهنَّ من الزِّنا (المُؤْمِنَاتِ) احتُرِزَ به عن قذف الكافرات (الغَافِلَاتِ) بالغين المعجمة والفاء، أي: عمَّا نُسِب إليهنَّ من الزِّنا، والتَّنصيص على عددٍ لا ينافي أزيد منه في غير هذا الحديث، كالزِّنا بحليلة الجار، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وغير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وفضله.
وهذا الحديث رواتُه كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٤] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الوصايا»، والنَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير».
(٢٤) (بابُ قولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ (٢) «قول الله تعالى» والواو من
«﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾» (﴿عَنِ الْيَتَامَى﴾) قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن جريرٍ بسنده وأبو داود والنَّسائيُّ والحاكم: لمَّا نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الاية [النساء: ١٠] انطلق مَن كان عنده يتيمٌ يعزل طعامَه من طعامِه وشرابَه من شرابه، فجعل يفضل له الشَّيء من طعامه، فيُحبَس له حتَّى يأكلَه أو يفسد، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ﴾) أي: الإصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ ولا عوضٍ (﴿خَيْرٌ﴾) وأعظم أجرًا (﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾) تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم (﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾) فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من مال بعض (﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾) لأموالهم (﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾) لها، يعني: الَّذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حقٍّ من الَّذي يقصد الإصلاح (﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ﴾) في ملكه (﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]) فيما أمر به.
قال البخاري مفسِّرًا لقوله تعالى: (﴿لأعْنَتَكُمْ﴾) أي: (لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ) وسقط لفظ «عليكم» من «اليونينيَّة»، وثبت في فرعها (١)، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه ابن المنذر، وزاد: ولكنَّه وسَّع ويسَّر (وَعَنَتْ) أي: (خَضَعَتْ (٢)) كذا أورد (٣) المؤلِّف، وعُورِض: بأنَّه لا تعلُّق له بـ «أعنتكم» لأنَّه من العُنُوِّ -بضمِّ العين المهملة والنُّون وتشديد الواو- وليس هو من العَنَت في شيءٍ، وأُجِيب: بأنَّه أوردها استطرادًا.