«أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَصَبْتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٧٢

الحديث رقم ٢٧٧٢ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوقف كيف يكتب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت…

«أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.»

سند حديث: ٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا…

٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت…

أصاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه أرضا بخيبر، قدرها مائة سهم، هي أغلى أمواله عنده، لطيبها وجودتها: وقد كانوا- رضى الله عنهم- يتسابقون إلى الباقيات الصالحات، فجاء رضي اللَه عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم طمعا في البر المذكور في قوله تعالى: {لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ} يستشيره في صفة الصدقة بها لوجه الله تعالى.
فأشار عليه بأحسن طرق الصدقات، وذلك بأن يحبس أصلها ويقفه، ففعل عمر ذلك وصارت وقفا فلا يتصرف به ببيع، أو إهداء، أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرفات، التي من شأنها أن تنقل الملك ، أو تكون سببا في نقله، ويصدق بها في الفقراء والمساكين، وفي الأقارب والأرحام، وأن يَفُك منها الرقاب بالعتق من الرق، أو بتسليم الديات عن المستوجبين، وأن يساعد بها المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، وأن يطعم المسافر الذي انقطعت به نفقته في غير بلده، ويطعم منها الضيف أيضا، فإكرام الضيف من الإيمان بالله تعالى.
بما أنها في حاجة إلى من يقوم عليها ويتعاهدها بالري والإصلاح، مع رفع الحرج والإثم عمن وليها أن يأكل منها بالمعروف، فيأكل ما يحتاجه، ويطعم منها صديقا غير متخذ منها مالا زائدا عن حاجته، فهي لم تجعل إلا للإنفاق في طرق الخير والإحسان، لا للتمول والثراء.
تنبيه:
الوقف أن يتصدق المسلم بمال له عائد على جهة من جهات الخير، فيُصرف العائد على تلك الجهة ويبقى أصل المال، مثاله أن يقف مزرعة على الفقراء، فالثمار والزروع التي تنتجها هذه المزرعة تعطى للفقراء وتبقى المزرعة محبوسة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • يؤخذ من قوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" معنى الوقف الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
  • يفيد أيضاً أنه لا يجوز نقل الملك في الوقف ، ولا التصرف الذي يسبب نقل الملك، ويبقى حسب شرط الواقف له.
  • مكان الوقف، وأنه العين التي تبقى بعد الانتفاع بها، فأما ما يذهب بالانتفاع به، فهو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه.
  • مصرف الوقف الشرعي يكون في وجوه البر والإحسان العام أو الخاص، كقرابة الإنسان. وفك الرقاب، والجهاد في سبيل الله، والضيف، والفقراء، والمساكين وبناء المدارس والملاجئ والمستشفيات ونحو ذلك.
  • يؤخذ من الحديث صحة شرط الواقف الشروط التي لا تنافي عقد الوقف وهدفه، والتي ليس فيها إثم ولا ظلم.
  • يفيد الحديث جواز أكل ناظر الوقف منه بالمعروف بحيث يأكل قدر كفايته وحاجته.
  • فيه فضيلة الوقف، وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر.
  • أن الأفضل أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه؛ طمعاً في فضل الله وإحسانه الذي جعله للذين ينفقون مما يحبون.
  • مشاورة ذوي الفضل، وهم أهل الدين والعلم، وأهل الخبرة في كل باب يحسنونه.
  • أن الواجب على المستشار أن ينصح بما يراه الأفضل والأحسن، فالدين النصيحة.
  • فضيلة الإحسان والبر بذوي الأرحام، فإن الصدقة عليهم، صدقة وصلة.
  • يؤخذ من الحديث أن الشروط في الوقف لابد أن تكون صحيحة على وفق أحكام الشرع ؛ فلا تكون مما يخالف مقتضى الوقف من البر والإحسان، ومن العدل والبعد عن الجور والظلم.
  • ما كان عليه أكابر السلف من إخراج أنفس الأموال عندهم لله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: احْتَرَزَ عَمَّا إِذَا وَقَفَ الْوَاحِدُ الْمُشَاعَ؛ فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُهُ لِئَلَّا يُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ وَقْفَ الْمُشَاعِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ أَنَّهُ تَرْجَمَ إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ مَالِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ وَقْفُ الْوَاحِدِ الْمُشَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ.

وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ﷿؛ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِالْأَرْضِ لِلَّهِ ﷿، فَقَبِلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ، فَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَفَعَ ثَمَنَ الْأَرْضِ لِمَالِكِهَا مِنْهُمْ وَقَدْرُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتِ الْحُجَّةُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ وَقْفُ الْمُشَاعِ لَا يَجُوزُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمُ الْحُكْمَ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْجِدِ يَثْبُتُ لِلْبِنَاءِ إِذَا وَقَعَ بِصُورَةِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحِ الْبَانِي بِذَلِكَ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ أُذِّنَ فِيهِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ أَذِنَ لِلْجَمَاعَةِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ ثَبَتَ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ الْبَانِي بِالْوَقْفِيَّةِ أَوْ ذَكَرَ صِيغَةً مُحْتَمَلَةً وَنَوَى مَعَهَا. وَجَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِمِثْلِ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ فِي الْمَوَاتِ خَاصَّةً، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا نَفْيِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ) أَيْ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ مِنْ أَحَدٍ لَكِنْ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اللَّهِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُنْقَطِعٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا مَصْرُوفًا إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ.

٢٨ - بَاب الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ

٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

٢٩ - بَاب الْوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالضَّيْفِ

٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَأَخْبَرَهُ قَالَ: إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ وَقْفِ عُمَرَ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي آخِرِ الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ، وَتَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَعْدَ بَابَيْنِ نَفَقَةُ قَيِّمِ الْوَقْفِ وَمِنْ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ مَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ. هَذَا جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَوْرَدَهُ فِيهَا مَوْصُولًا طَوَّلَهُ فِي بَعْضِهَا، وَاسْتَدَلَّ مِنْهُ بِأَطْرَافٍ

تَعْلِيقًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي الْمُزَارَعَةِ وَفِي بَابِ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ، وَفِي بَابِ إِذَا وَقَفَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ: ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَأَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْأَكْبَرِ الْمُصَغَّرِ، وَأَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْأَصْغَرِ الْمُكَبَّرِ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ نَافِعٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ الشُّرُوطِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، وَالْإِنْبَاءُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ جَزْمًا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، وَالْأَنْصَارِيُّ الْمَذْكُورُ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، أَخْرَجَ عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ بِوَاسِطَةٍ، وَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَذْكُورُ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَقَدْ تَمَذْهَبَ لِلْكُوفِيِّينَ فِي الْأَوْقَافِ، وَصَنَّفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ جُزْءًا مُفْرَدًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ نَافِعٍ، ثُمَّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ جَعَلُوهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (بِخَيْبَرَ أَرْضًا) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ اسْمَهَا ثَمْغٌ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهَا: ثَمْغٌ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَا لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ رَأَى فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمْغٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ، كَانَ لِي مِائَةُ رَأْسٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ثَمْغٌ مِنْ جُمْلَةِ أَرَاضِي خَيْبَرَ، وَأَنَّ مِقْدَارَهَا كَانَ مِقْدَارَ مِائَةِ سَهْمٍ مِنَ السِّهَامِ الَّتِي قَسَمَهَا النَّبِيُّ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ، وَهَذِهِ الْمِائَةُ السَّهْمُ غَيْرُ الْمِائَةِ السَّهْمِ الَّتِي كَانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِخَيْبَرَ الَّتِي حَصَّلَهَا مِنْ جُزْئِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ كِتَابِ وَقْفِ عُمَرَ مِنْ عِنْدِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ قِصَّةَ عُمَرَ هَذِهِ كَانَتْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنْفَسَ مِنْهُ) أَيْ أَجْوَدَ، وَالنَّفِيسُ الْجَيِّدُ الْمُغْتَبَطُ بِهِ، يُقَالُ: نَفُسَ - بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْفَاءِ - نَفَاسَةً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: سُمِّيَ نَفِيسًا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ الْأَمْرَ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ إِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ مِنْ حِكَايَةِ لَفْظِ كِتَابِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ)؟ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ رَسُولَ اللَّهِ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)

أَيْ بِمَنْفَعَتِهَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا تُبْتَاعُ، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ حَبِيسٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ نَافِعٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُفْيَانَ الْجَحْدَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ الْآتِي، وَالْجَحْدَرِيُّ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَخْرٍ لَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ السُّبْكِيُّ: اغْتَبَطْتُ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ، قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ النَّبِيُّ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، وَهِيَ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ وَأَصْرَحُهَا فِي الْمَقْصُودِ فَعَزْوُهَا إِلَى الْبُخَارِيِّ أَوْلَى، وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُزَارَعَةِ بِلَفْظِ قَالَ النَّبِيُّ لِعُمَرَ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ لِيُنْفَقْ ثَمَرُهُ.

فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَحَكَيْتُ هُنَاكَ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ الشَّارِحَ أَنْكَرَ هَذَا اللَّفْظَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إِذْ ذَاكَ سَبَبُ إِنْكَارِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ بِسَبَبِ التَّصْرِيحِ بِرَفْعِ الشَّرْطِ إِلَى النَّبِيِّ ، عَلَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فَمَا فَعَلَهُ إِلَّا لِمَا فَهِمَهُ مِنَ النَّبِيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا وَقَوْلُهُ: تَصَدَّقْ صِيغَةُ أَمْرٍ، وَقَوْلُهُ: فَتَصَدَّقَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ (١)) جَمِيعُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ إِلَّا الضَّيْفَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَنْ ذُكِرَ فِي الْخَمْسِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ قُرْبَى الْوَاقِفِ، وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَالضَّيْفُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ يُرِيدُ الْقِرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَامِلَ يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ الْوَقْفِ، حَتَّى لَوِ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ يُسْتَقْبَحُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَقِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ الشَّهْوَةَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (أَوْ يُطْعِمَ) فِي رِوَايَةِ صَخْرٍ أَوْ يُؤْكِلَ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَهِيَ بِمَعْنَى يُطْعِمُ.

قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ الشُرُوطِ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُتَّخِذٍ مِنْهَا مَالًا أَيْ مِلْكًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ شَيْئًا مِنْ رِقَابِهَا، وَمَالًا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَزَادَ الْأَنْصَارِيُّ وَسُلَيْمٌ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَالْقَائِلُ فَحَدَّثْتُ بِهِ هُوَ ابْنُ عَوْنٍ رَاوِيهِ عَنْ نَافِعٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: ذَكَرْتُ حَدِيثَ نَافِعٍ، لِابْنِ سِيرِينَ فَذَكَرَهُ، زَادَ سُلَيْمٌ: قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ: أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي قِطْعَةِ أَدِيمٍ أَحْمَرَ. قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: وَأَنَا قَرَأْتُهَا عِنْدَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ صِفَةَ كِتَابِ وَقْفِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَسَخَهَا لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ وَفِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ، وَالْمُتَأَثِّلُ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ هُوَ الْمُتَّخِذُ، وَالتَّأَثُّلُ اتِّخَاذُ أَصْلِ

الْمَالِ حَتَّى كَأَنَّهُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ، وَأَثَلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي

وَاشْتِرَاطُ نَفْيِ التَّأَثُّلِ يُقَوِّي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ، حَقِيقَةُ الْأَكْلِ لَا الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ بِقَدْرِ الْعِمَالَةِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ حَمَّادٌ: وَزَعَمَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُهْدِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ مِنْ صَدَقَةِ عُمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ ; وَزَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَوْصَى بِهَا عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ إِلَى الْأَكَابِرِ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ يَلِيهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ آلِ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا شَرَطَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ عَيَّنَ عِنْدَ وَصِيَّتِهِ لِحَفْصَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةُ صَدَقَةِ عُمَرَ أَخَذْتُهَا مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي عِنْدَ آلِ عُمَرَ فَنَسَخْتُهَا حَرْفًا حَرْفًا هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي ثَمْغٍ، أَنَّهُ إِلَى حَفْصَةَ مَا عَاشَتْ تُنْفِقُ ثَمَرَهُ حَيْثُ أَرَاهَا اللَّهُ، فَإِنْ تُوُفِّيَتْ فَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا.

قُلْتُ: فَذَكَرَ الشَّرْطَ كُلَّهُ نَحْوَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ثُمَّ قَالَ: وَالْمِائَةُ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي النَّبِيُّ فَإِنَّهَا مَعَ ثَمْغٍ عَلَى سَنَنِهِ الَّذِي أَمَرْتُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ وَلِيُّ ثَمْغٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ثَمَرِهِ رَقِيقًا يَعْمَلُونَ فِيهِ فَعَلَ. وَكَتَبَ مُعَيْقِيبٌ وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ نَحْوَ هَذَا. وَذَكَرَا جَمِيعًا كِتَابًا آخَرَ نَحْوَ هَذَا الْكِتَابِ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَصِرْمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَالْعَبْدُ الَّذِي فِيهِ صَدَقَةٌ كَذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا كَتَبَ كِتَابَ وَقْفِهِ فِي خِلَافَتِهِ لِأَنَّ مُعَيْقِيبًا كَانَ كَاتِبَهُ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ، وَقَدْ وَصَفَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَفَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ بِاللَّفْظِ وَتَوَلَّى هُوَ النَّظَرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَصِيَّةُ، فَكَتَبَ حِينَئِذٍ الْكِتَابَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ وَقْفِيَّتَهُ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا اسْتِشَارَتُهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ لَرَدَدْتُهَا فَهَذَا يُشْعِرُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَأَنَّهُ لَمْ يُنَجِّزِ الْوَقْفَ إِلَّا عِنْدَ وَصِيَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ فِي أَنَّ إِيقَافَ الْأَرْضِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا، وَأَنَّ الَّذِي مَنَعَ عُمَرَ مِنَ الرُّجُوعِ كَوْنَهُ ذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ فَكَرِهَ أَنْ يُفَارِقَهُ عَلَى أَمْرٍ ثُمَّ يُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ كَانَ يَرَى بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ، إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الرُّجُوعَ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَقْفَ غَيْرُ لَازِمٍ مَعَ إِمْكَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الِاحْتِمَالُ كَانَ حُجَّةً لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ: تَعُودُ مَنَافِعُهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إِلَيْهِ ثُمَّ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ مَآلًا صَحَّ اتِّفَاقًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهُ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا أَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَوَّلُ صَدَقَةٍ - أَيْ مَوْقُوفَةٍ - كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ صَدَقَةُ عُمَرَ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَنْ أَوَّلِ حَبْسٍ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: صَدَقَةُ عُمَرَ، وَقَالَ الْأَنْصَارُ: صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ.

وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ أَرَاضِي مُخَيْرِيقٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ الَّتِي أَوْصَى بِهَا إِلَى النَّبِيِّ فَوَقَفَهَا النَّبِيُّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي جَوَازِ وَقْفِ الْأَرَضِينَ، وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْحَبْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

لَا يَلْزَمُ، وَخَالَفَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إِلَّا زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ، فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ قَالَ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ يُجِيزُ بَيْعَ الْوَقْفِ، فَبَلَغَهُ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ: مَنْ سَمِعَ هَذَا مِنِ ابْنِ عَوْنٍ؟ فَحَدَّثَهُ بِهِ ابْنُ عُلَيَّةَ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ، وَلَوْ بَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ لَقَالَ بِهِ، فَرَجَعَ عَنْ بَيْعِ الْوَقْفِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ اهـ. وَمَعَ حِكَايَةِ الطَّحَاوِيِّ هَذَا فَقَدِ انْتَصَرَ كَعَادَتِهِ فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّأْبِيدَ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مُدَّةَ اخْتِيَارِهِ لِذَلِكَ اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ إِلَّا التَّأْبِيدُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا حَبِيسٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَدُّ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَمَّنْ رَدَّهُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيْ وَقْفَ الْأَرَاضِي وَالْعَقَارِ، قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْوَقْفِ شَرْعًا وُرُودُ صِيغَةٍ تَقْطَعُ تَصَرُّفَ الْوَاقِفِ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ الَّذِي يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَتُثْبِتُ صَرْفَ مَنْفَعَتِهِ فِي جِهَةِ خَيْرٍ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ ذِكْرِ الْوَلَدِ أَبَاهُ بِاسْمِهِ الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ كُنْيَةٍ وَلَا لَقَبٍ.

وَفِيهِ جَوَازُ إِسْنَادِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ عَلَى الْوَقْفِ لِلْمَرْأَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَقْرَانِهَا مِنَ الرِّجَالِ.

وَفِيهِ إِسْنَادُ النَّظَرِ إِلَى مَنْ لَمْ يُسَمَّ إِذَا وُصِفَ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُمَيِّزُهُ، وَأَنَّ الْوَاقِفَ يَلِي النَّظَرَ عَلَى وَقْفِهِ إِذَا لَمْ يُسْنِدْهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَزَلِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يَلُونَ أَوْقَافَهُمْ، نَقَلَ ذَلِكَ الْأُلُوفُ عَنِ الْأُلُوفِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ فِي طُرُقِ الْخَيْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً، وَأَنَّ الْمُشِيرَ يُشِيرُ بِأَحْسَنَ مَا يَظْهَرُ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ.

وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ لِرَغْبَتِهِ فِي امْتِثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، وَصِحَّةُ شُرُوطِ الْوَاقِفِ وَاتِّبَاعُهُ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ لَفْظًا.

وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَكرنُ إِلَّا فِيمَا لَهُ أَصْلٌ يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا لَا يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالطَّعَامِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْوَقْفِ لَفْظُ الصَّدَقَةِ سَوَاءٌ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا أَوْ جَعَلْتُهُ صَدَقَةً حَتَّى يُضِيفَ إِلَيْهَا شَيْئًا آخَرَ لِتَرَدُّدِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ أَوْ وَقَفَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا مَا يُمَيِّزُ أَحَدَ الْمُحْتَمَلَيْنِ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ أَوْ حَبَسْتُ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: الصَّرِيحُ الْوَقْفُ خَاصَّةً.

وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ التَّحْبِيسِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ هَذِهِ.

نَعَمْ، لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا عَلَى كَذَا، وَذَكَرَ جِهَةً عَامَّةً، صَحَّ، وَتَمَسَّكَ مَنْ أَجَازَ الِاكْتِفَاءَ بِقَوْلِهِ: تَصَدَّقْتُ بِكذَا بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا: لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ رَاجِعًا إِلَى الثَّمَرَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: فَتَصَدَّقَ بِثَمَرَتِهَا، فَلَيْسَ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ لِمَنْ أَثْبَتَ الْوَقْفَ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ مُجَرَّدًا، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ؛ لِأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْحَاجَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِنْ رِيعِ الْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ شَرَطَ لِمَنْ وَلِيَ وَقْفَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِنْ كَانَ هُوَ النَّاظِرَ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَلَّ عَنْ صِحَّةِ الشَّرْطِ، وَإِذَا جَازَ فِي الْمُبْهَمِ الَّذِي تُعَيِّنُهُ الْعَادَةُ كَانَ فِيمَا يُعَيِّنُهُ هُوَ أَجْوَزَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَحْمَدَ فِي الْأَرْجَحِ عَنْهُ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ شَعْبَانَ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ إِلَّا إِذَا اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُتَّهَمُ أَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٌ، وَصَنَّفَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الفتح» من جهة تقريره ؛ لقول بني النجار وعدم إنكاره عليهم، فلو كان وقف المشاع لا يجوز؛ لأنكر عليهم وبيَّن لهم الحكم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب هل تُنبشُ قبور مشركي الجاهلية» في أوائل «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨].

(٢٨) (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ؟) ولأبي الوقت (١): «وكيف» بالواو، و «بابُ» بغير تنوينٍ مضافٌ لتاليه، كذا في الفرع وأصله.

٢٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) من الزِّيادة، و «زُرَيع»: بتقديم الزَّاي على الرَّاء مصغَّرًا، وزاد أبو داود: بشر بن المُفضَّل ويحيى ابن القطَّان قال الثَّلاثة: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا) وعند أحمد من رواية أيُّوب: أنَّ عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال لها: ثَمْغٌ (فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ) إنِّي (أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ) أي: أجود (مِنْهُ) قال الدَّاوديُّ: سُمِّي نفيسًا لأنَّه يأخذ بالنَّفس، وعند النَّسائيِّ: أنَّه قال للنَّبيِّ : كان لي مئة رأسٍ فاشتريت بها مئة سهمٍ من خيبر من أهلها. قال الحافظ ابن حجرٍ: فيُحتمَل أن تكون «ثَمْغٌ» من جملة أراضي خيبر، وأنَّ مقدارها كان مئة سهمٍ من السِّهام التي قسمها النَّبيُّ بين مَن شهد خيبر، وهذه المئة سهم (٢) غير المئة سهمٍ الَّتي كانت لعمر بخيبر التي

حصَّلها من جزئه من الغنيمة وغيرها، وكانت قصَّة عُمَر هذه -فيما ذكره ابن شبَّة بإسنادٍ ضعيفٍ عن محمَّد بن كعبٍ- سنةَ سبعٍ من الهجرة، وقال البكريُّ في «المعجم»: «ثَمْغ»: موضعٌ تلقاء المدينة كان فيه مالٌ لعمر بن الخطَّاب، فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر، فقال: شغلتني ثَمْغٌ عن الصَّلاة، أشهدكم أنَّها صدقة (فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي) أن أفعل (بِهِ؟) من أفعال البرِّ والتَّقرُّب إلى الله تعالى (قَالَ) : (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا) بتشديد الموحَّدة للمبالغة، ولهذا كان صريحًا في الوقف؛ لاقتضائه بحسب الغلبة استعمالًا (١) الحبسَ على الدَّوام، وحقيقة الوقف تحبيس مالٍ يمكنه الانتفاع به مع بقاء عينه، يقطع (٢) تصرُّف الواقف وغيره في رقبته؛ ليصرف ريعه في جهة خيرٍ تقرُّبًا إلى الله تعالى (وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أي: بالأرض المحبَّسة، فهو صريحٌ بنفسه، أو إذا قُيِّد بقرينةٍ، أو الضَّمير راجعٌ إلى الثَّمرة والغلَّة، وحينئذٍ فالصَّدقة على بابها لا على معنى التَّحبيس، لكنَّه يكون على حذف مضافٍ، أي: وتصدَّقت بثمرتها وبريعها أو بغلَّتها، وبه جزم القرطبيُّ (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ) أي: بها (أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ) زاد الدارقطنيُّ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ: حبيسٌ ما دامت السَّموات والأرض، وظاهره أنَّ الشَّرط من كلام عمر، لكن سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]» و «ما للوصيِّ أن يعمل في مال اليتيم» [خ¦٢٧٦٤] من طريق صخر بن جويرية عن نافعٍ، فقال النبي : «تصدَّق بأصله، لا يباع، ولا يورث، ولكن يُنفَقُ ثمره» فتصدَّق به عمر، أي: كما أمره (فِي الفُقَرَاءِ) الَّذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجتهم (وَالقُرْبَى) أي: الأقارب، والمراد: قربى الواقف، لأنَّه الأحقُّ بصدقة قريبه، ويحتمل على (٣) بُعْدٍ أن يُراد قربى النَّبيِّ كما في الغنيمة (وَالرِّقَابِ) أي: في

عتقها، بأن يشتري من غلَّتها رقابًا فيُعتَقون (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، وهو أعمُّ من الغزاة ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (وَالضَّيْفِ) وهو من نزل بقومٍ يريد القرى (وَابْنِ السَّبِيلِ) المسافر أو مريد السفر، وأطلق عليه «ابن السَّبيل» لشدَّة ملازمته للسَّبيل؛ وهي الطَّريق ولو بالقصد (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ) أي: بالأمر الَّذي يتعارفه النَّاس بينهم، ولا ينسبون فاعله إلى إفراطٍ (١) فيه (٢) ولا تفريط (أَوْ يُطْعِمَ) وفي رواية صخرٍ المذكورة: «أو يؤكل» [خ¦٢٧٦٤] (صَدِيقًا) له حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ) أي: غير متخذ منها مالًا، أي: ملكًا، والمراد: أنَّه لا يتملك شيئًا من رقابها. وزاد التِّرمذيُّ من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة، عن ابن عون: حدَّثني به رجلٌ آخر (٣) أنَّه قرأها في قطعة أديمٍ أحمر «غير متأثِّلٍ مالًا». قال ابن عُلَيَّة: وأنا قرأتها عند ابن عُبيد الله بن عمر، فكان فيه: «غير متأثِّلٍ مالًا».

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «إن شئت حبَّست أصلها … » إلى آخره، إذ فيه شروطٌ تُكتَب كلُّها في «كتاب الوقف». وقد كتب عمر كتابًا وقفه هذا بخطِّ مُعَيقيب، كما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ بلفظ: قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله ابن عمر بن الخطَّاب: «بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما كتب عبد الله (٤) عمر بن الخطَّاب (٥) في ثَمْغٍ»

فقصَّ من خبره نحو حديث نافعٍ قال: «غير متأثِّلٍ مالًا، فما عفا عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم … » وساق القصَّة قال: «فإن شاء وليُّ ثَمْغ اشترى من ثمره (١) رقيقًا لعمله. وكتب مُعَيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين -إن حدَثَ به حدَثٌ (٢) - أنَّ ثَمْغًا وصِرْمة ابن الأكوع والعبد الَّذي فيه والمئة سهم الَّذي (٣) بخيبر ورقيقه الَّذي فيه والمئة الَّتي أطعمه محمَّد بالوادي تليه حفصةُ ما عاشت، ثمَّ يليه ذو الرَّأي من أهلها، أن لا يُباع، ولا يُشترىَ يُنفقه حيث رأى من السَّائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو (٤) اشترى رقيقًا منه»، وآكل الثَّانية بالمد، أي: أطعم، ووصفه بأمير المؤمنين يشعر بأنَّه كتبه في زمن (٥) خلافته، وقد كان مُعَيقيب كاتبه إذ ذاك.

وحديث الباب يقتضي أنَّ الوقف كان في زمنه ، فيكون وقفه حينئذ باللَّفظ وكَتَبَ بعدُ، وقد قال (٦) الشَّافعيُّ فيما قرأته في «كتاب المعرفة» للبيهقيِّ: ولم يحبِّس أهل الجاهليَّة فيما علمته (٧) دارًا ولا أرضًا تبرُّرًا بحبسها، وإنَّما حبَّس أهل الإسلام. انتهى. وعند أحمد عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر قال: أولُّ صدقةٍ كانت -أي: موقوفة- في الإسلام صدقة عمر.

تنبيه: أكثر الرُّواة عن نافع ثمَّ (٨) عن ابن عون جعلوا هذا الحديث من مسند ابن عمر كما ساقه المؤلِّف، وأخرجه مسلمٌ والنسائي من رواية سفيان الثَّوريِّ من مسند عمر، والمشهور الأوَّل، قاله في «الفتح» وقد سبق في «باب الشُّروط في الوقف» [خ¦٢٧٣٧] وفي «باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾» [خ¦٢٧٦٤] وبعضه في «باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره» [خ¦٥٥/ ١٣ - ٤٣٠٨].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بيع الثّمن الَّذِي دَفعه إِلَيْهِم ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي تصدق بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِيهِ صُورَة وقف مشَاع، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد الضبيعي، وَرِجَال الحَدِيث كلهم بصريون، وَقد مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى الله) أَي: لَا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى الله، فالاستثناء مُنْقَطع أَو مَعْنَاهُ: لَا نطلب ثمنه مصروفاً، إلَاّ إِلَى الله، فالاستثناء مُتَّصِل.

٨٢ - (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَقْف كَيفَ يكْتب، فعلى هَذَا التَّقْدِير الْوَقْف مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مَقْطُوع عَمَّا قبله، وَخَبره قَوْله: كَيفَ يكْتب، وَيجوز بِإِضَافَة لفظ الْبَاب إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لفظ الْوَقْف مجروراً بِالْإِضَافَة.

٢٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أصابَ عُمَرَ بِخَيْبَرَ أرْضاً فَأتى النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّهُ لَا يُباعُ أصْلُها ولَا يُوهَبُ ولَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا) إِلَى آخر الحَدِيث، وَيُؤْخَذ من هَذِه الْأَلْفَاظ شُرُوط، وَهِي تكْتب كلهَا فِي كتاب الْوَقْف، وَقد كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتاب وَقفه، كتبه معيقيب، وَكَانَ كَاتبه، وَشهد عبد الله بن الأرقم، وَكَانَ هَذَا فِي زمن خِلَافَته، لِأَن معيقيباً كَانَ يكْتب لَهُ فِي خِلَافَته، وَقد وَصفه بأمير الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ وَقفه فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَاب، وَقد روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الْمهرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن صَدَقَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نسخهَا لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) هَذَا مَا كتب عبد الله بن عمر فِي ثمغ، فَقص من خَبره نَحْو حَدِيث نَافِع قَالَ: غير متأثل مَالا، فَمَا عفى عَنهُ من ثمره فَهُوَ للسَّائِل والمحروم، وسَاق الْقِصَّة، قَالَ: فَإِن شَاءَ: ولي ثمغ اشْترِي من ثمره رَقِيقا يعمله، وَكتب معيقيب: وَشهد عبد الله بن الأرقم.

وَابْن عون فِي السَّنَد هُوَ عبد الله ابْن عون، وَقد تقدم فِي آخر الشُّرُوط: عَن ابْن عون أنبأني نَافِع، والإنباء بِمَعْنى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمين، جزما، وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر: عَن ابْن عون أَخْبرنِي نَافِع. قَوْله: (عَن ابْن عمر قَالَ: أصَاب عمر) ، كَذَا لأكْثر الروَاة عَن نَافِع، ثمَّ عَن ابْن عون جَعَلُوهُ من مُسْند ابْن عمر. لَكِن أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، جَعَلُوهُ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور الأول.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف فِي آخر كتاب الشُّرُوط، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . وَمضى قِطْعَة مِنْهُ فِي: بَاب إِذا وقف شَيْئا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

قَوْله: (أصَاب عمر بِخَيْبَر أَرضًا) هِيَ الَّتِي تدعى (ثمغ) ، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَتصدق بهَا عمر) أَي: تصدق بغلَّتها، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعد قَوْله: وَلَا يُورث، من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: (حبيس مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَهَذَا يدل على أَن التَّأْبِيد شَرط. قَوْله: (أَو يطعم) ، وَقد مر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: أَن يُوكل بِضَم الْيَاء.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَوْلَا أَنِّي ذكرت، صدقني لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لرددتها) . وَاسْتدلَّ بِهِ لأبي حنيفَة وَزفر فِي أَن إيقاف الأَرْض لَا يمْنَع من الرُّجُوع فِيهَا، وَأَن الَّذِي منع عمر من الرُّجُوع كَونه ذكره للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فكره أَن يُفَارِقهُ على أَمر ثمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حجَّة فِيمَا ذكره من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يدْرك عمر، رَضِي

الله تَعَالَى عَنهُ. ثَانِيهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون عمر كَانَ يرى بِصِحَّة الْوَقْف ولزومه، إلَاّ أَن شَرط الْوَاقِف الرُّجُوع فَلهُ أَن يرجع، انْتهى. قلت: الْجَواب عَن الأول: أَن الْمُنْقَطع فِي مثل رِوَايَة الزُّهْرِيّ لَا يضر، لِأَن الِانْقِطَاع إِنَّمَا يمْنَع لنُقْصَان فِي الرَّاوِي بِفَوَات شَرط من شَرَائِطه الْمَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَالزهْرِيّ إِمَام جليل الْقدر لَا يتهم فِي رِوَايَته، وَقد روى عَنهُ مثل الإِمَام مَالك، فِي هَذِه، وَلَوْلَا اعْتِمَاده عَلَيْهِ لما رَوَاهُ عَنهُ. وَعَن الثَّانِي: بِأَن الِاحْتِمَال الناشيء عَن غير دَلِيل لَا يُعمل بِهِ، وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.

٩٢ - (بابُ الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ والْفَقِيرِ والضَّيْفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَقْف للغني والغقير والضيف.

٣٧٧٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عوْنٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وجدَ مالَا بِخَيْبَرَ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرَهُ قَالَ إنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ وذِي الْقُرْبى والضَّيْفِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَفِي قَوْله: (للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين) صَرِيح، وَكَذَا فِي قَوْله: (والضيف) ، وَأما الْمُطَابقَة فِي الْغَنِيّ فتؤخذ من قَوْله: (وَذَوي الْقُرْبَى) لأَنهم أَعم من أَن يَكُونُوا أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء، أَو بَعضهم أَغْنِيَاء وَبَعْضهمْ فُقَرَاء، والْحَدِيث مضى عَن قريب. وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الْمَعْرُوف بالنبيل.

٠٣ - (بابُ وَقْفِ الأرْضِ لِلْمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز وقف الأَرْض لأجل أَن يبْنى عَلَيْهِ مَسْجِد.

٤٧٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمدِ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ حدَّثنا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَدِينَةَ أمَرَ بالمَسْجِدِ وَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر عَن قريب. وَإِسْحَاق، هَكَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. وَقع مَنْسُوبا، فَقَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق إِمَّا الْحَنْظَلِي وَإِمَّا الكوسج. قلت: الْحَنْظَلِي هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والكوسج هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج، وَعبد الصَّمد هُوَ ابْن عبد الْوَارِث، وَقد مر غير مرّة.

قَوْله: (أَمر بِالْمَسْجِدِ) ، ويروى أَمر بِبِنَاء الْمَسْجِد قيل: هُوَ رِوَايَة الْكشميهني.

١٣ - (بابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ والكرَاعِ والعُرُوضِ والصَّامِتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وقف الدَّوَابّ إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز وقف المنقولات، والكراع بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء اسْم للخيل، وَعطفه على الدَّوَابّ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَالْعرُوض، بِضَم الْعين: جمع عرض، بِسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْمَتَاع لَا نقد فِيهِ، والصامت ضد النَّاطِق، وَأُرِيد بِهِ النَّقْد من المَال.

قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جعَلَ ألْفَ دِينارٍ فِي سَبِيلَ الله ودفَعَهَا إِلَى غُلامٍ لَهُ تاجِرِ يَتْجُرُ بِها وجعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ والأقْرَبِينَ هَلْ لِلرَّجُلِ أنْ يأكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الألْفِ شَيْئاً وإنْ لَمْ يَكُنْ جعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي المَسَاكِينَ قالَ لَيْسَ لَهُ أنْ يأكُلَ مِنْها

مُطَابقَة هَذَا فِي التَّرْجَمَة، لقَوْله: (والصامت) ، وَهَذَا التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ أخرجه ابْن وهب فِي (موطئِهِ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: احْتَرَزَ عَمَّا إِذَا وَقَفَ الْوَاحِدُ الْمُشَاعَ؛ فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُهُ لِئَلَّا يُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ وَقْفَ الْمُشَاعِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ أَنَّهُ تَرْجَمَ إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ مَالِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ وَقْفُ الْوَاحِدِ الْمُشَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ.

وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ﷿؛ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِالْأَرْضِ لِلَّهِ ﷿، فَقَبِلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ، فَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَفَعَ ثَمَنَ الْأَرْضِ لِمَالِكِهَا مِنْهُمْ وَقَدْرُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتِ الْحُجَّةُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ وَقْفُ الْمُشَاعِ لَا يَجُوزُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمُ الْحُكْمَ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْجِدِ يَثْبُتُ لِلْبِنَاءِ إِذَا وَقَعَ بِصُورَةِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحِ الْبَانِي بِذَلِكَ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ أُذِّنَ فِيهِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ أَذِنَ لِلْجَمَاعَةِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ ثَبَتَ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ الْبَانِي بِالْوَقْفِيَّةِ أَوْ ذَكَرَ صِيغَةً مُحْتَمَلَةً وَنَوَى مَعَهَا. وَجَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِمِثْلِ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ فِي الْمَوَاتِ خَاصَّةً، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا نَفْيِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ) أَيْ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ مِنْ أَحَدٍ لَكِنْ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اللَّهِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُنْقَطِعٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا مَصْرُوفًا إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ.

٢٨ - بَاب الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ

٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.

٢٩ - بَاب الْوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالضَّيْفِ

٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَأَخْبَرَهُ قَالَ: إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ وَقْفِ عُمَرَ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي آخِرِ الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ، وَتَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَعْدَ بَابَيْنِ نَفَقَةُ قَيِّمِ الْوَقْفِ وَمِنْ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ مَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ. هَذَا جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَوْرَدَهُ فِيهَا مَوْصُولًا طَوَّلَهُ فِي بَعْضِهَا، وَاسْتَدَلَّ مِنْهُ بِأَطْرَافٍ

تَعْلِيقًا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي الْمُزَارَعَةِ وَفِي بَابِ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ، وَفِي بَابِ إِذَا وَقَفَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ: ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ نَافِعٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَأَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْأَكْبَرِ الْمُصَغَّرِ، وَأَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْأَصْغَرِ الْمُكَبَّرِ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ نَافِعٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ الشُّرُوطِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، وَالْإِنْبَاءُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ جَزْمًا، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، وَالْأَنْصَارِيُّ الْمَذْكُورُ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، أَخْرَجَ عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ بِوَاسِطَةٍ، وَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَذْكُورُ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَقَدْ تَمَذْهَبَ لِلْكُوفِيِّينَ فِي الْأَوْقَافِ، وَصَنَّفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ جُزْءًا مُفْرَدًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ نَافِعٍ، ثُمَّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ جَعَلُوهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (بِخَيْبَرَ أَرْضًا) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ اسْمَهَا ثَمْغٌ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهَا: ثَمْغٌ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَا لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ رَأَى فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمْغٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ، كَانَ لِي مِائَةُ رَأْسٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ثَمْغٌ مِنْ جُمْلَةِ أَرَاضِي خَيْبَرَ، وَأَنَّ مِقْدَارَهَا كَانَ مِقْدَارَ مِائَةِ سَهْمٍ مِنَ السِّهَامِ الَّتِي قَسَمَهَا النَّبِيُّ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ، وَهَذِهِ الْمِائَةُ السَّهْمُ غَيْرُ الْمِائَةِ السَّهْمِ الَّتِي كَانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِخَيْبَرَ الَّتِي حَصَّلَهَا مِنْ جُزْئِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ كِتَابِ وَقْفِ عُمَرَ مِنْ عِنْدِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ قِصَّةَ عُمَرَ هَذِهِ كَانَتْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنْفَسَ مِنْهُ) أَيْ أَجْوَدَ، وَالنَّفِيسُ الْجَيِّدُ الْمُغْتَبَطُ بِهِ، يُقَالُ: نَفُسَ - بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْفَاءِ - نَفَاسَةً، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: سُمِّيَ نَفِيسًا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ الْأَمْرَ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ إِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ مِنْ حِكَايَةِ لَفْظِ كِتَابِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ)؟ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ رَسُولَ اللَّهِ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)

أَيْ بِمَنْفَعَتِهَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا تُبْتَاعُ، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ حَبِيسٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ نَافِعٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُفْيَانَ الْجَحْدَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ الْآتِي، وَالْجَحْدَرِيُّ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَخْرٍ لَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ السُّبْكِيُّ: اغْتَبَطْتُ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: تَصَدَّقْ بِثَمَرِهِ وَحَبِّسْ أَصْلَهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ، قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: فَقَالَ النَّبِيُّ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، وَهِيَ أَتَمُّ الرِّوَايَاتِ وَأَصْرَحُهَا فِي الْمَقْصُودِ فَعَزْوُهَا إِلَى الْبُخَارِيِّ أَوْلَى، وَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُزَارَعَةِ بِلَفْظِ قَالَ النَّبِيُّ لِعُمَرَ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَلَكِنْ لِيُنْفَقْ ثَمَرُهُ.

فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَحَكَيْتُ هُنَاكَ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ الشَّارِحَ أَنْكَرَ هَذَا اللَّفْظَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إِذْ ذَاكَ سَبَبُ إِنْكَارِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ بِسَبَبِ التَّصْرِيحِ بِرَفْعِ الشَّرْطِ إِلَى النَّبِيِّ ، عَلَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فَمَا فَعَلَهُ إِلَّا لِمَا فَهِمَهُ مِنَ النَّبِيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا وَقَوْلُهُ: تَصَدَّقْ صِيغَةُ أَمْرٍ، وَقَوْلُهُ: فَتَصَدَّقَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ (١)) جَمِيعُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ إِلَّا الضَّيْفَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَنْ ذُكِرَ فِي الْخَمْسِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ قُرْبَى الْوَاقِفِ، وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَالضَّيْفُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ يُرِيدُ الْقِرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَامِلَ يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَةِ الْوَقْفِ، حَتَّى لَوِ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ يُسْتَقْبَحُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَقِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ الشَّهْوَةَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (أَوْ يُطْعِمَ) فِي رِوَايَةِ صَخْرٍ أَوْ يُؤْكِلَ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَهِيَ بِمَعْنَى يُطْعِمُ.

قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ الشُرُوطِ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ وَالْمَعْنَى غَيْرُ مُتَّخِذٍ مِنْهَا مَالًا أَيْ مِلْكًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ شَيْئًا مِنْ رِقَابِهَا، وَمَالًا مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَزَادَ الْأَنْصَارِيُّ وَسُلَيْمٌ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَالْقَائِلُ فَحَدَّثْتُ بِهِ هُوَ ابْنُ عَوْنٍ رَاوِيهِ عَنْ نَافِعٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: ذَكَرْتُ حَدِيثَ نَافِعٍ، لِابْنِ سِيرِينَ فَذَكَرَهُ، زَادَ سُلَيْمٌ: قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ: أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي قِطْعَةِ أَدِيمٍ أَحْمَرَ. قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: وَأَنَا قَرَأْتُهَا عِنْدَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ صِفَةَ كِتَابِ وَقْفِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَسَخَهَا لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ وَفِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ، وَالْمُتَأَثِّلُ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ هُوَ الْمُتَّخِذُ، وَالتَّأَثُّلُ اتِّخَاذُ أَصْلِ

الْمَالِ حَتَّى كَأَنَّهُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ، وَأَثَلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي

وَاشْتِرَاطُ نَفْيِ التَّأَثُّلِ يُقَوِّي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ، حَقِيقَةُ الْأَكْلِ لَا الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ بِقَدْرِ الْعِمَالَةِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ حَمَّادٌ: وَزَعَمَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُهْدِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ مِنْ صَدَقَةِ عُمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ ; وَزَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَوْصَى بِهَا عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ إِلَى الْأَكَابِرِ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ يَلِيهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ آلِ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا شَرَطَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ عَيَّنَ عِنْدَ وَصِيَّتِهِ لِحَفْصَةَ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةُ صَدَقَةِ عُمَرَ أَخَذْتُهَا مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي عِنْدَ آلِ عُمَرَ فَنَسَخْتُهَا حَرْفًا حَرْفًا هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي ثَمْغٍ، أَنَّهُ إِلَى حَفْصَةَ مَا عَاشَتْ تُنْفِقُ ثَمَرَهُ حَيْثُ أَرَاهَا اللَّهُ، فَإِنْ تُوُفِّيَتْ فَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا.

قُلْتُ: فَذَكَرَ الشَّرْطَ كُلَّهُ نَحْوَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ثُمَّ قَالَ: وَالْمِائَةُ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي النَّبِيُّ فَإِنَّهَا مَعَ ثَمْغٍ عَلَى سَنَنِهِ الَّذِي أَمَرْتُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ وَلِيُّ ثَمْغٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ثَمَرِهِ رَقِيقًا يَعْمَلُونَ فِيهِ فَعَلَ. وَكَتَبَ مُعَيْقِيبٌ وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ نَحْوَ هَذَا. وَذَكَرَا جَمِيعًا كِتَابًا آخَرَ نَحْوَ هَذَا الْكِتَابِ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَصِرْمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَالْعَبْدُ الَّذِي فِيهِ صَدَقَةٌ كَذَلِكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا كَتَبَ كِتَابَ وَقْفِهِ فِي خِلَافَتِهِ لِأَنَّ مُعَيْقِيبًا كَانَ كَاتِبَهُ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ، وَقَدْ وَصَفَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَفَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ بِاللَّفْظِ وَتَوَلَّى هُوَ النَّظَرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَصِيَّةُ، فَكَتَبَ حِينَئِذٍ الْكِتَابَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ وَقْفِيَّتَهُ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا اسْتِشَارَتُهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ.

وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ لَرَدَدْتُهَا فَهَذَا يُشْعِرُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَأَنَّهُ لَمْ يُنَجِّزِ الْوَقْفَ إِلَّا عِنْدَ وَصِيَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ فِي أَنَّ إِيقَافَ الْأَرْضِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا، وَأَنَّ الَّذِي مَنَعَ عُمَرَ مِنَ الرُّجُوعِ كَوْنَهُ ذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ فَكَرِهَ أَنْ يُفَارِقَهُ عَلَى أَمْرٍ ثُمَّ يُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ كَانَ يَرَى بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ، إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الرُّجُوعَ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَقْفَ غَيْرُ لَازِمٍ مَعَ إِمْكَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الِاحْتِمَالُ كَانَ حُجَّةً لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ: تَعُودُ مَنَافِعُهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إِلَيْهِ ثُمَّ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ مَآلًا صَحَّ اتِّفَاقًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهُ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ هَذَا أَصْلٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْوَقْفِ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَوَّلُ صَدَقَةٍ - أَيْ مَوْقُوفَةٍ - كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ صَدَقَةُ عُمَرَ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَنْ أَوَّلِ حَبْسٍ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: صَدَقَةُ عُمَرَ، وَقَالَ الْأَنْصَارُ: صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي إِسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ.

وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ مَوْقُوفَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ أَرَاضِي مُخَيْرِيقٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ الَّتِي أَوْصَى بِهَا إِلَى النَّبِيِّ فَوَقَفَهَا النَّبِيُّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي جَوَازِ وَقْفِ الْأَرَضِينَ، وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْحَبْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

لَا يَلْزَمُ، وَخَالَفَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ إِلَّا زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ، فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ قَالَ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ يُجِيزُ بَيْعَ الْوَقْفِ، فَبَلَغَهُ حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ: مَنْ سَمِعَ هَذَا مِنِ ابْنِ عَوْنٍ؟ فَحَدَّثَهُ بِهِ ابْنُ عُلَيَّةَ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ، وَلَوْ بَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ لَقَالَ بِهِ، فَرَجَعَ عَنْ بَيْعِ الْوَقْفِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ اهـ. وَمَعَ حِكَايَةِ الطَّحَاوِيِّ هَذَا فَقَدِ انْتَصَرَ كَعَادَتِهِ فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّأْبِيدَ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مُدَّةَ اخْتِيَارِهِ لِذَلِكَ اهـ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ إِلَّا التَّأْبِيدُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا حَبِيسٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَدُّ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَمَّنْ رَدَّهُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْوَقْفَ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيْ وَقْفَ الْأَرَاضِي وَالْعَقَارِ، قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْوَقْفِ شَرْعًا وُرُودُ صِيغَةٍ تَقْطَعُ تَصَرُّفَ الْوَاقِفِ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ الَّذِي يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَتُثْبِتُ صَرْفَ مَنْفَعَتِهِ فِي جِهَةِ خَيْرٍ.

وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ ذِكْرِ الْوَلَدِ أَبَاهُ بِاسْمِهِ الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ كُنْيَةٍ وَلَا لَقَبٍ.

وَفِيهِ جَوَازُ إِسْنَادِ الْوَصِيَّةِ، وَالنَّظَرِ عَلَى الْوَقْفِ لِلْمَرْأَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَقْرَانِهَا مِنَ الرِّجَالِ.

وَفِيهِ إِسْنَادُ النَّظَرِ إِلَى مَنْ لَمْ يُسَمَّ إِذَا وُصِفَ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُمَيِّزُهُ، وَأَنَّ الْوَاقِفَ يَلِي النَّظَرَ عَلَى وَقْفِهِ إِذَا لَمْ يُسْنِدْهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَزَلِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يَلُونَ أَوْقَافَهُمْ، نَقَلَ ذَلِكَ الْأُلُوفُ عَنِ الْأُلُوفِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ فِي طُرُقِ الْخَيْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً، وَأَنَّ الْمُشِيرَ يُشِيرُ بِأَحْسَنَ مَا يَظْهَرُ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ.

وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ لِرَغْبَتِهِ فِي امْتِثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، وَصِحَّةُ شُرُوطِ الْوَاقِفِ وَاتِّبَاعُهُ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ لَفْظًا.

وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَكرنُ إِلَّا فِيمَا لَهُ أَصْلٌ يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا لَا يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالطَّعَامِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْوَقْفِ لَفْظُ الصَّدَقَةِ سَوَاءٌ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا أَوْ جَعَلْتُهُ صَدَقَةً حَتَّى يُضِيفَ إِلَيْهَا شَيْئًا آخَرَ لِتَرَدُّدِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ أَوْ وَقَفَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا أَضَافَ إِلَيْهَا مَا يُمَيِّزُ أَحَدَ الْمُحْتَمَلَيْنِ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ أَوْ حَبَسْتُ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: الصَّرِيحُ الْوَقْفُ خَاصَّةً.

وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ التَّحْبِيسِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ هَذِهِ.

نَعَمْ، لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا عَلَى كَذَا، وَذَكَرَ جِهَةً عَامَّةً، صَحَّ، وَتَمَسَّكَ مَنْ أَجَازَ الِاكْتِفَاءَ بِقَوْلِهِ: تَصَدَّقْتُ بِكذَا بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهَا: لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ رَاجِعًا إِلَى الثَّمَرَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: فَتَصَدَّقَ بِثَمَرَتِهَا، فَلَيْسَ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ لِمَنْ أَثْبَتَ الْوَقْفَ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ مُجَرَّدًا، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّانِي جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ؛ لِأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْحَاجَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِنْ رِيعِ الْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ شَرَطَ لِمَنْ وَلِيَ وَقْفَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِنْ كَانَ هُوَ النَّاظِرَ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَلَّ عَنْ صِحَّةِ الشَّرْطِ، وَإِذَا جَازَ فِي الْمُبْهَمِ الَّذِي تُعَيِّنُهُ الْعَادَةُ كَانَ فِيمَا يُعَيِّنُهُ هُوَ أَجْوَزَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَحْمَدَ فِي الْأَرْجَحِ عَنْهُ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ شَعْبَانَ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ إِلَّا إِذَا اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُتَّهَمُ أَنَّهُ قَصَدَ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٌ، وَصَنَّفَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«الفتح» من جهة تقريره ؛ لقول بني النجار وعدم إنكاره عليهم، فلو كان وقف المشاع لا يجوز؛ لأنكر عليهم وبيَّن لهم الحكم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب هل تُنبشُ قبور مشركي الجاهلية» في أوائل «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨].

(٢٨) (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ؟) ولأبي الوقت (١): «وكيف» بالواو، و «بابُ» بغير تنوينٍ مضافٌ لتاليه، كذا في الفرع وأصله.

٢٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) من الزِّيادة، و «زُرَيع»: بتقديم الزَّاي على الرَّاء مصغَّرًا، وزاد أبو داود: بشر بن المُفضَّل ويحيى ابن القطَّان قال الثَّلاثة: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا) وعند أحمد من رواية أيُّوب: أنَّ عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال لها: ثَمْغٌ (فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ) إنِّي (أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ) أي: أجود (مِنْهُ) قال الدَّاوديُّ: سُمِّي نفيسًا لأنَّه يأخذ بالنَّفس، وعند النَّسائيِّ: أنَّه قال للنَّبيِّ : كان لي مئة رأسٍ فاشتريت بها مئة سهمٍ من خيبر من أهلها. قال الحافظ ابن حجرٍ: فيُحتمَل أن تكون «ثَمْغٌ» من جملة أراضي خيبر، وأنَّ مقدارها كان مئة سهمٍ من السِّهام التي قسمها النَّبيُّ بين مَن شهد خيبر، وهذه المئة سهم (٢) غير المئة سهمٍ الَّتي كانت لعمر بخيبر التي

حصَّلها من جزئه من الغنيمة وغيرها، وكانت قصَّة عُمَر هذه -فيما ذكره ابن شبَّة بإسنادٍ ضعيفٍ عن محمَّد بن كعبٍ- سنةَ سبعٍ من الهجرة، وقال البكريُّ في «المعجم»: «ثَمْغ»: موضعٌ تلقاء المدينة كان فيه مالٌ لعمر بن الخطَّاب، فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر، فقال: شغلتني ثَمْغٌ عن الصَّلاة، أشهدكم أنَّها صدقة (فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي) أن أفعل (بِهِ؟) من أفعال البرِّ والتَّقرُّب إلى الله تعالى (قَالَ) : (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا) بتشديد الموحَّدة للمبالغة، ولهذا كان صريحًا في الوقف؛ لاقتضائه بحسب الغلبة استعمالًا (١) الحبسَ على الدَّوام، وحقيقة الوقف تحبيس مالٍ يمكنه الانتفاع به مع بقاء عينه، يقطع (٢) تصرُّف الواقف وغيره في رقبته؛ ليصرف ريعه في جهة خيرٍ تقرُّبًا إلى الله تعالى (وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أي: بالأرض المحبَّسة، فهو صريحٌ بنفسه، أو إذا قُيِّد بقرينةٍ، أو الضَّمير راجعٌ إلى الثَّمرة والغلَّة، وحينئذٍ فالصَّدقة على بابها لا على معنى التَّحبيس، لكنَّه يكون على حذف مضافٍ، أي: وتصدَّقت بثمرتها وبريعها أو بغلَّتها، وبه جزم القرطبيُّ (فَتَصَدَّقَ عُمَرُ) أي: بها (أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ) زاد الدارقطنيُّ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ: حبيسٌ ما دامت السَّموات والأرض، وظاهره أنَّ الشَّرط من كلام عمر، لكن سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]» و «ما للوصيِّ أن يعمل في مال اليتيم» [خ¦٢٧٦٤] من طريق صخر بن جويرية عن نافعٍ، فقال النبي : «تصدَّق بأصله، لا يباع، ولا يورث، ولكن يُنفَقُ ثمره» فتصدَّق به عمر، أي: كما أمره (فِي الفُقَرَاءِ) الَّذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجتهم (وَالقُرْبَى) أي: الأقارب، والمراد: قربى الواقف، لأنَّه الأحقُّ بصدقة قريبه، ويحتمل على (٣) بُعْدٍ أن يُراد قربى النَّبيِّ كما في الغنيمة (وَالرِّقَابِ) أي: في

عتقها، بأن يشتري من غلَّتها رقابًا فيُعتَقون (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، وهو أعمُّ من الغزاة ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (وَالضَّيْفِ) وهو من نزل بقومٍ يريد القرى (وَابْنِ السَّبِيلِ) المسافر أو مريد السفر، وأطلق عليه «ابن السَّبيل» لشدَّة ملازمته للسَّبيل؛ وهي الطَّريق ولو بالقصد (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ) أي: بالأمر الَّذي يتعارفه النَّاس بينهم، ولا ينسبون فاعله إلى إفراطٍ (١) فيه (٢) ولا تفريط (أَوْ يُطْعِمَ) وفي رواية صخرٍ المذكورة: «أو يؤكل» [خ¦٢٧٦٤] (صَدِيقًا) له حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ) أي: غير متخذ منها مالًا، أي: ملكًا، والمراد: أنَّه لا يتملك شيئًا من رقابها. وزاد التِّرمذيُّ من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَيَّة، عن ابن عون: حدَّثني به رجلٌ آخر (٣) أنَّه قرأها في قطعة أديمٍ أحمر «غير متأثِّلٍ مالًا». قال ابن عُلَيَّة: وأنا قرأتها عند ابن عُبيد الله بن عمر، فكان فيه: «غير متأثِّلٍ مالًا».

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «إن شئت حبَّست أصلها … » إلى آخره، إذ فيه شروطٌ تُكتَب كلُّها في «كتاب الوقف». وقد كتب عمر كتابًا وقفه هذا بخطِّ مُعَيقيب، كما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ بلفظ: قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله ابن عمر بن الخطَّاب: «بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما كتب عبد الله (٤) عمر بن الخطَّاب (٥) في ثَمْغٍ»

فقصَّ من خبره نحو حديث نافعٍ قال: «غير متأثِّلٍ مالًا، فما عفا عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم … » وساق القصَّة قال: «فإن شاء وليُّ ثَمْغ اشترى من ثمره (١) رقيقًا لعمله. وكتب مُعَيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين -إن حدَثَ به حدَثٌ (٢) - أنَّ ثَمْغًا وصِرْمة ابن الأكوع والعبد الَّذي فيه والمئة سهم الَّذي (٣) بخيبر ورقيقه الَّذي فيه والمئة الَّتي أطعمه محمَّد بالوادي تليه حفصةُ ما عاشت، ثمَّ يليه ذو الرَّأي من أهلها، أن لا يُباع، ولا يُشترىَ يُنفقه حيث رأى من السَّائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو (٤) اشترى رقيقًا منه»، وآكل الثَّانية بالمد، أي: أطعم، ووصفه بأمير المؤمنين يشعر بأنَّه كتبه في زمن (٥) خلافته، وقد كان مُعَيقيب كاتبه إذ ذاك.

وحديث الباب يقتضي أنَّ الوقف كان في زمنه ، فيكون وقفه حينئذ باللَّفظ وكَتَبَ بعدُ، وقد قال (٦) الشَّافعيُّ فيما قرأته في «كتاب المعرفة» للبيهقيِّ: ولم يحبِّس أهل الجاهليَّة فيما علمته (٧) دارًا ولا أرضًا تبرُّرًا بحبسها، وإنَّما حبَّس أهل الإسلام. انتهى. وعند أحمد عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر قال: أولُّ صدقةٍ كانت -أي: موقوفة- في الإسلام صدقة عمر.

تنبيه: أكثر الرُّواة عن نافع ثمَّ (٨) عن ابن عون جعلوا هذا الحديث من مسند ابن عمر كما ساقه المؤلِّف، وأخرجه مسلمٌ والنسائي من رواية سفيان الثَّوريِّ من مسند عمر، والمشهور الأوَّل، قاله في «الفتح» وقد سبق في «باب الشُّروط في الوقف» [خ¦٢٧٣٧] وفي «باب قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾» [خ¦٢٧٦٤] وبعضه في «باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره» [خ¦٥٥/ ١٣ - ٤٣٠٨].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بيع الثّمن الَّذِي دَفعه إِلَيْهِم ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي تصدق بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِيهِ صُورَة وقف مشَاع، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد الضبيعي، وَرِجَال الحَدِيث كلهم بصريون، وَقد مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى الله) أَي: لَا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى الله، فالاستثناء مُنْقَطع أَو مَعْنَاهُ: لَا نطلب ثمنه مصروفاً، إلَاّ إِلَى الله، فالاستثناء مُتَّصِل.

٨٢ - (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَقْف كَيفَ يكْتب، فعلى هَذَا التَّقْدِير الْوَقْف مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مَقْطُوع عَمَّا قبله، وَخَبره قَوْله: كَيفَ يكْتب، وَيجوز بِإِضَافَة لفظ الْبَاب إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لفظ الْوَقْف مجروراً بِالْإِضَافَة.

٢٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أصابَ عُمَرَ بِخَيْبَرَ أرْضاً فَأتى النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّهُ لَا يُباعُ أصْلُها ولَا يُوهَبُ ولَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا) إِلَى آخر الحَدِيث، وَيُؤْخَذ من هَذِه الْأَلْفَاظ شُرُوط، وَهِي تكْتب كلهَا فِي كتاب الْوَقْف، وَقد كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتاب وَقفه، كتبه معيقيب، وَكَانَ كَاتبه، وَشهد عبد الله بن الأرقم، وَكَانَ هَذَا فِي زمن خِلَافَته، لِأَن معيقيباً كَانَ يكْتب لَهُ فِي خِلَافَته، وَقد وَصفه بأمير الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ وَقفه فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَاب، وَقد روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الْمهرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن صَدَقَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نسخهَا لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) هَذَا مَا كتب عبد الله بن عمر فِي ثمغ، فَقص من خَبره نَحْو حَدِيث نَافِع قَالَ: غير متأثل مَالا، فَمَا عفى عَنهُ من ثمره فَهُوَ للسَّائِل والمحروم، وسَاق الْقِصَّة، قَالَ: فَإِن شَاءَ: ولي ثمغ اشْترِي من ثمره رَقِيقا يعمله، وَكتب معيقيب: وَشهد عبد الله بن الأرقم.

وَابْن عون فِي السَّنَد هُوَ عبد الله ابْن عون، وَقد تقدم فِي آخر الشُّرُوط: عَن ابْن عون أنبأني نَافِع، والإنباء بِمَعْنى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمين، جزما، وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر: عَن ابْن عون أَخْبرنِي نَافِع. قَوْله: (عَن ابْن عمر قَالَ: أصَاب عمر) ، كَذَا لأكْثر الروَاة عَن نَافِع، ثمَّ عَن ابْن عون جَعَلُوهُ من مُسْند ابْن عمر. لَكِن أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، جَعَلُوهُ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور الأول.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف فِي آخر كتاب الشُّرُوط، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . وَمضى قِطْعَة مِنْهُ فِي: بَاب إِذا وقف شَيْئا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

قَوْله: (أصَاب عمر بِخَيْبَر أَرضًا) هِيَ الَّتِي تدعى (ثمغ) ، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَتصدق بهَا عمر) أَي: تصدق بغلَّتها، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعد قَوْله: وَلَا يُورث، من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: (حبيس مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَهَذَا يدل على أَن التَّأْبِيد شَرط. قَوْله: (أَو يطعم) ، وَقد مر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: أَن يُوكل بِضَم الْيَاء.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَوْلَا أَنِّي ذكرت، صدقني لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لرددتها) . وَاسْتدلَّ بِهِ لأبي حنيفَة وَزفر فِي أَن إيقاف الأَرْض لَا يمْنَع من الرُّجُوع فِيهَا، وَأَن الَّذِي منع عمر من الرُّجُوع كَونه ذكره للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فكره أَن يُفَارِقهُ على أَمر ثمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حجَّة فِيمَا ذكره من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يدْرك عمر، رَضِي

الله تَعَالَى عَنهُ. ثَانِيهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون عمر كَانَ يرى بِصِحَّة الْوَقْف ولزومه، إلَاّ أَن شَرط الْوَاقِف الرُّجُوع فَلهُ أَن يرجع، انْتهى. قلت: الْجَواب عَن الأول: أَن الْمُنْقَطع فِي مثل رِوَايَة الزُّهْرِيّ لَا يضر، لِأَن الِانْقِطَاع إِنَّمَا يمْنَع لنُقْصَان فِي الرَّاوِي بِفَوَات شَرط من شَرَائِطه الْمَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَالزهْرِيّ إِمَام جليل الْقدر لَا يتهم فِي رِوَايَته، وَقد روى عَنهُ مثل الإِمَام مَالك، فِي هَذِه، وَلَوْلَا اعْتِمَاده عَلَيْهِ لما رَوَاهُ عَنهُ. وَعَن الثَّانِي: بِأَن الِاحْتِمَال الناشيء عَن غير دَلِيل لَا يُعمل بِهِ، وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ.

٩٢ - (بابُ الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ والْفَقِيرِ والضَّيْفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَقْف للغني والغقير والضيف.

٣٧٧٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عوْنٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وجدَ مالَا بِخَيْبَرَ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرَهُ قَالَ إنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ وذِي الْقُرْبى والضَّيْفِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَفِي قَوْله: (للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين) صَرِيح، وَكَذَا فِي قَوْله: (والضيف) ، وَأما الْمُطَابقَة فِي الْغَنِيّ فتؤخذ من قَوْله: (وَذَوي الْقُرْبَى) لأَنهم أَعم من أَن يَكُونُوا أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء، أَو بَعضهم أَغْنِيَاء وَبَعْضهمْ فُقَرَاء، والْحَدِيث مضى عَن قريب. وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الْمَعْرُوف بالنبيل.

٠٣ - (بابُ وَقْفِ الأرْضِ لِلْمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز وقف الأَرْض لأجل أَن يبْنى عَلَيْهِ مَسْجِد.

٤٧٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمدِ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ حدَّثنا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَدِينَةَ أمَرَ بالمَسْجِدِ وَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر عَن قريب. وَإِسْحَاق، هَكَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. وَقع مَنْسُوبا، فَقَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق إِمَّا الْحَنْظَلِي وَإِمَّا الكوسج. قلت: الْحَنْظَلِي هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والكوسج هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج، وَعبد الصَّمد هُوَ ابْن عبد الْوَارِث، وَقد مر غير مرّة.

قَوْله: (أَمر بِالْمَسْجِدِ) ، ويروى أَمر بِبِنَاء الْمَسْجِد قيل: هُوَ رِوَايَة الْكشميهني.

١٣ - (بابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ والكرَاعِ والعُرُوضِ والصَّامِتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وقف الدَّوَابّ إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز وقف المنقولات، والكراع بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء اسْم للخيل، وَعطفه على الدَّوَابّ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَالْعرُوض، بِضَم الْعين: جمع عرض، بِسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْمَتَاع لَا نقد فِيهِ، والصامت ضد النَّاطِق، وَأُرِيد بِهِ النَّقْد من المَال.

قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جعَلَ ألْفَ دِينارٍ فِي سَبِيلَ الله ودفَعَهَا إِلَى غُلامٍ لَهُ تاجِرِ يَتْجُرُ بِها وجعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ والأقْرَبِينَ هَلْ لِلرَّجُلِ أنْ يأكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الألْفِ شَيْئاً وإنْ لَمْ يَكُنْ جعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي المَسَاكِينَ قالَ لَيْسَ لَهُ أنْ يأكُلَ مِنْها

مُطَابقَة هَذَا فِي التَّرْجَمَة، لقَوْله: (والصامت) ، وَهَذَا التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ أخرجه ابْن وهب فِي (موطئِهِ)

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل