«كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٨

الحديث رقم ٢٧٨ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٧٨ في صحيح البخاري

«كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ، سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.»

إسناد حديث رقم ٢٧٨ من صحيح البخاري

٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ) تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) هَذَا مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ كُوفِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِلَى عَائِشَةَ مَكِّيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفِيَّةَ) وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَفِيَّةَ وَهِيَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَأَبُوهَا شَيْبَةُ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ الْعَبْدَرِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَ) وَلِكَرِيمَةَ أَصَابَتْ (إِحْدَانَا) أَيْ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَلِلْحَدِيثِ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا حُكْمَ الرَّفْعِ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ أَمْ لَا، وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا) وَلِكَرِيمَةَ بِيَدِهَا أَيِ الْمَاءَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَوْقَ رَأْسِهَا) أَيْ فَصَبَّتْهُ فَوْقَ رَأْسِهَا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا.

قَوْلُهُ: (وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ أَخَذَتْ بِيَدِهَا وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْأُخْرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أُولَى وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى تَقْدِيمِ أَيْمَنِ الشَّخْصِ لَا أَيْمَنِ رَأْسِهِ، فَكَيْفَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَيْمَنِ الشَّخْصِ أَيَمْنُهُ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ، فَيُطَابِقُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَمَلَ الثَّلَاثَ فِي الرَّأْسِ عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب مَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ

وَقَالَ بَهْزُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنْ النَّاسِ

٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.

[الحديث ٢٧٨ - طرفاه في: ٤٧٩٩، ٣٤٠٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي خَلْوَةٍ) أَيْ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ وَحْدَهُ وَدَلَّ قَوْلُهُ أَفْضَلُ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا إِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ قَالَهُ لِرَجُلٍ رَآهُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا وَحْدَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلْبَزَّارِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَهْزٌ) زَادَ الْأَصِيل يُّ ابْنُ حَكِيمٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ) هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ

وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْهُ وَهَذَا بِالْمَعْنَى وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ بَهْزٍ وَحَسَّنَهَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا إِذَا كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ فَالْإِسْنَادُ إِلَى بَهْزٍ صَحِيحٌ وَلِهَذَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَمَّا بَهْزٌ وَأَبُوهُ فَلَيْسَا مِنْ شَرْطِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَلَّقَ فِي النِّكَاحِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ جَدِّ بَهْزٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ بَلْ قَالَ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُجَرَّدَ جَزْمِهِ بِالتَّعْلِيقِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْنَادِ إِلَّا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ فَلَا يَدُلُّ، وَقَدْ حَقَّقْتُ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَذَكَرْتُ لَهُ أَمْثِلَةً وَشَوَاهِدَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا.

وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو عَبْدُ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ أَيْ فَلَا يُعْصَى. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَنِ اسْتَثْنَى، وَمِنْهُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ لِلْمَرْأَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.

ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا، لَكِنِ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْغُسْلِ بِقِصَّةِ مُوسَى وَأَيُّوبَ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ - عَلَى مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ - أَنَّهُمَا مِمَّنْ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَصَّ الْقِصَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمَا لِشَرْعِنَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَبَيَّنَهُ فَعَلَى هَذَا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَرَجَّحَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمَهُ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَغَيْرِهِمْ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) أَيْ جَمَاعَتُهُمْ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾

قَوْلُهُ: (يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ، وَإِلَّا لَمَا أَقَرَّهُمْ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ أَخْذًا بِالْأَفْضَلِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عُصَاةً لَهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (آدَرُ) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأُدْرَةُ نَفْخَةٌ فِي الْخُصْيَةِ، وَهِيَ بِفَتَحَاتٍ، وَحُكِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ: (فَجَمَحَ مُوسَى) أَيْ جَرَى مُسْرِعًا، وَفِي رِوَايَةٍ فَخَرَجَ.

قَوْلُهُ: (ثَوْبِي يَا حَجَرُ) أَيْ أَعْطِنِي، وَإِنَّمَا خَاطَبَهُ ; لِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى مَنْ يَعْقِلُ لِكَوْنِهِ فَرَّ بِثَوْبِهِ فَانْتَقَلَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمِ الْجَمَادِ إِلَى حُكْمِ الْحَيَوَانِ فَنَادَاهُ، فَلَمَّا لَمْ يُعْطِهِ ضَرَبَهُ. وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَرَادَ بِضَرْبِهِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بِتَأْثِيرِ ضَرْبِهِ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَحْيٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَظَرَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ رَأَوْا جَسَدَهُ وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ النَّظْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمُدَاوَاةٍ وَشَبَهِهَا، وَأَبْدَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ ; لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَا تَحْتَهُ بَعْدَ الْبَلَلِ، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ فَطَفِقَ الْحَجْرَ ضَرْبًا وَالْحَجْرُ عَلَى هَذَا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ طَفِقَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ ضَرْبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ مَقُولِ هَمَّامِ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ.

قَوْلُهُ: (لَنَدَبٌ) بِالنُّونِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَثَرُ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨ - ٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه هنا: إلى جدِّه، وفي غيره: إلى أبيه إبراهيم، وقد مرَّ ذكره في «باب فضل من تعلَّم وعلَّم» [خ¦٣/ ٢٠ - ١٤٤] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (١) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) أي: ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، وأُنِّثَ «كانت» على رأي من يؤنِّث الجموع مُطلقًا ولو كان الجمع سالمًا لمُذكَّرٍ كما هنا، وإنَّ «بنو» جمع سلامةٍ أصله: بَنُون، لكنَّه على خلاف القياس، لتغيُّر مُفرَده، وأمَّا على قول من يقول: كلُّ جمعٍ مُؤنَّثٌ إلَّا جمع السَّلامة المُذكَّر؛ فإمَّا لتأويله بالقبيلة، وإمَّا لأنَّه جاء على خلاف القياس لتغيُّر مُفردِه (يَغْتَسِلُونَ) حال كونهم (عُرَاةً) (٢) حال كونهم (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لكونه كان جائزًا في شرعهم، وإلَّا لَمَا أقرَّهم موسى على ذلك، أو كان حرامًا عندهم، لكنَّهم كانوا يتساهلون في ذلك، وهذا الثَّاني هو الظَّاهر لأنَّ الأوَّل لا ينهض أن يكون دليلًا، لجواز مُخالَفتهم له في ذلك، ويؤيِّده قول القرطبيِّ: كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندةً

للشَّرع ومخالفةً لموسى ، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتِّباع شرعه (١) (وَكَانَ مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: «» (يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) يختار الخلوة سرًّا تنزُّهًا واستحبابًا وحياءً ومروءةً، أو لحرمة التَّعرِّي (فَقَالُوا) أي: بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدِّ وتخفيف الرَّاء؛ كآدم، أو على وزن «فَعَلٍ» (٢) أي: عظيم الخصيتين؛ أي (٣): منتفخهما (فَذَهَبَ مَرَّةً) حال كونه (يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قال سعيد بن جبيرٍ: هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجَّر منه الماء (فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت (٤) وابن عساكر: «فجَمَحَ» (مُوسَى) أي: ذهب يجري جريًا عاليًا (فِي إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وفي بعض الأصول بفتحهما، قال في «القاموس»: خرج في أَثَره وإِثْره: بعده، حال كونه (يَقُولُ) ردَّ أو أعطني (ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ) مرَّتين، ونُصِب «ثوبي» (٥) بفعلٍ محذوفٍ كما قرَّرناه (٦)، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بمُبتدأٍ محذوفٍ تقديره: هذا ثوبي، وعلى هذا الثَّاني: المعنى استعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله مُعامَلة من

لا يعلم كونه ثوبه كي يرجع عن فعله ويردَّ له ثوبه (١)، وقوله: «ثوبي يا حجر» الثَّانية ثابتةٌ للأربعة، و (٢) إنَّما خاطبه لأنَّه أجراه مجرى من يعقل لفعله فعله؛ إذِ المتحرِّك يمكن أن يسمع ويجيب، ولغير الأربعة: «ثوبي حجر» (٣) (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى) ، وفيه ردٌّ على القول بأنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه إباحة النَّظر إلى العورة عند الضَّرورة الدَّاعية إلى ذلك، من مداواةٍ أو براءةٍ ممَّا رُمِيَ به من العيوب كالبرص وغيره، لكنَّ الأوَّل أظهر، ومُجرَّد تستُّر موسى لا يدلُّ على وجوبه لمَا تقرَّر في الأصول أنَّ الفعل لا يدلُّ بمُجرَّده على الوجوب، وليس في الحديث أنَّ موسى صلوات الله وسلامه عليه أمرهم بالتَّستُّر، ولا أنكر عليهم التَّكشُّف، وأمَّا إباحة النَّظر إلى العورة للبراءة ممَّا رُمِيَ به من العيوب فإنَّما هو حيث يترتَّب على الفعل (٤) حكمٌ كفسخ النِّكاح، وأمَّا قصَّة (٥) موسى فليس فيها أمرٌ شرعيٌّ ملزمٌ يترتَّب على ذلك، فلولا إباحة النَّظر إلى العورة، لَمَا أمكنهم موسى من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك، وأمَّا اغتساله خاليًا فكان يأخذ في حقِّ نفسه بالأكمل والأفضل، ويدلُّ على الإباحة ما وقع لنبيِّنا وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العبَّاس عليه (٦) بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته لمَا فعله، لكنَّه ألزم بالأكمل والأفضل لعلوِّ مرتبته (٧) (فَقَالُوا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «و (٨) قالوا»: (وَاللهِ مَا) أي: ليس (بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) اسم «ما»، وحرف الجرِّ زائدٌ (وَأَخَذَ) (ثَوْبَهُ فَطَفِقَ) بكسر الفاء الثَّانية وفتحها،

وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وطفق» أي: شرع يضربُ (الحَجَرَ ضَرْبًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، وللأكثر: «فطفق بالحجر» بزيادة المُوحَّدة، أي: جعل يضربه ضربًا لمَّا ناداه ولم يطعه (فَقَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا هو من تتمَّة مقول هَمَّامٍ فيكون مُسنَدًا، أو مقول أبي هريرة فيكون تعليقًا، وبالأوَّل جزم في «فتح الباري»: (وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ) بالنُّون والدَّال المُهمَلة (١) المفتوحتين آخره مُوحَّدةٌ، أي: أثرٌ (بِالحَجَرِ سِتَّةٌ) بالرَّفع على البدليَّة، أي: ستَّة آثارٍ، أو بتقدير هي، أو بالنَّصب على الحال مِنَ الضَّمير المستكن في قوله: «بالحجر»، فإنَّه ظرفٌ مستقرٌّ لـ «نَدَبٌ»، أي: إنَّه لَنَدَبٌ (٢) استقرَّ بالحجر، حال كونه ستَّة آثارٍ (أَوْ سَبْعَةٌ) شَكٌّ (٣) مِنَ الرَّاوي (ضَرْبًا بِالحَجَرِ) بنصب «ضربًا» على التَّمييز، أراد إظهار المعجزة لقومه بأثر الضَّرب في الحجر، ولعلَّه كان (٤) أُوحِي إليه أن يضربه، ومشيُ الحجر بالثَّوب معجزةٌ أخرى، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث اغتسال موسى عريانًا وحده خاليًا عنِ (٥) النَّاس، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا.

ورواة هذا الحديث خمسة، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» وفي موضع آخر.

وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف (قَالَ) حال كونه عاطفًا على هذا السَّند السَّابق قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: بَيْنَا) بألفٍ من غير ميمٍ (أَيُّوبُ) النَّبيُّ، ابن العيص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، أو ابن رزاح بن روم بن عيص، وأمُّه بنت لوطٍ، وكان أعبدَ أهل زمانه، وعاش ثلاثًا وستيِّن أو تسعين سنةً (١)، ومدَّة بلائه سبع سنين، واسمه أعجميٌّ مبتدأٌ، خبره: (يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا) والجملة أُضيف إليها الظَّرف وهو: «بينا»، وإنَّما لم يُؤتَ في جواب «بينا» بـ «إذ» أو (٢) بـ «إذا» الفجائيَّة لأنَّ الفاء تقوم مقامها في جزاء الشَّرط، كعكسه في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أو العامل في «بينا» (٣) قوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِ) وما قِيلَ: إنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها (٤) لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة؛ إذ «بينا» متضمِّنةٌ للشَّرط فجوابه لا نسلِّم عدم عمله لا (٥) سيَّما في الظَّرف إذ فيه توسُّعٌ، وفاعل «خرَّ» قوله: (جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ) سُمِّي به لأنَّه يَجْرُد الأرض فيأكل ما عليها، وهل كان جرادًا

حقيقةً ذا روحٍ إلَّا أنَّ جسمه (١) ذهبٌ، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روحٌ؟ قال في «شرح التَّقريب»: الأظهر الثَّاني وليس الجراد مُذكَّر الجرادة، وإنَّما هو اسم جنسٍ، كالبقرة والبقر، فحقُّ مُذكَّره ألَّا يكون مُؤنَّثه من لفظه لئلَّا يلتبس الواحد المُذكَّر بالجمع (٢) (فَجَعَلَ أَيُّوبُ) (يَحْتَثِي) بإسكان المُهمَلة وفتح المُثنَّاة بعدها مُثلَّثةٌ على وزن «يَفْتَعِل» من حثى، أي (٣): يأخذ بيده ويرمي (فِي ثَوْبِهِ) وفي رواية ابن عساكر (٤) والقابسيِّ عن أبي زيدٍ: «يَحْتَثِنُ» (٥)، بنونٍ في آخره بدل الياء، لكن قال العينيُّ: إنَّه أمعن النَّظر في كتب اللُّغة، فلم يجد لهذه الرِّواية الأخيرة معنًى (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) تعالى (يَا أَيُّوبُ) بأن كلَّمه كموسى أو بواسطة المَلَك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة (عَمَّا تَرَى) من جراد الذَّهب؟ (قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ) أغنيتني، ولم يقل:

«نعم»، كآية ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لعدم جوازه، بل يكون كفرًا لأنَّ «بلى» مُختَصَّةٌ بإيجاب النَّفي، و «نعم»: مُقرِّرةٌ لِمَا سبقها، قال في «القاموس»: «بلى»: جواب استفهامٍ، معقودٌ بالجحد يوجب ما يُقال لك، و «نَعَم» -بفتحتين وقد تُكسَر العين- كلمةٌ كـ «بلى»، إلَّا أنَّه في جواب الواجب. انتهى. وإنَّما لم يفرِّق الفقهاء بينهما في الأقارير لأنَّها مبنيَّةٌ على العرف، ولا فرق بينهما فيه، ولا يُحمَل هذا على المُعاتَبة كما فهمه بعضهم، وإنَّما هو استنطاقٌ بالحجَّة (وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) أي: خيرك، و «غِنى» بكسر الغَيْن والقصر من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفيِ الجنس، ورويناه بالتَّنوين والرَّفع على أنَّ «لا» بمعنى: ليس، ومعناهما واحدٌ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تفيد العموم، وخبر «لا» يحتمل أن يكون: «بي» (١) أو «عن بركتك»، فالمعنى صحيحٌ على التَّقديرين، واستُنبِط منه فضل الغنى؛ لأنَّه سمَّاه بركةً، ومحالٌ أن يكون أيُّوب صلوات الله عليه وسلامه أخذ هذا المال حبًّا للدُّنيا، وإنَّما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنَّه بركةٌ من ربِّه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله ﷿، أو أنَّه نعمةٌ جديدةٌ خارقةٌ للعادة، فينبغي تلقّيها بالقبول، ففي ذلك شكرٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ بها (٢)، وفيه (٣): جواز الاغتسال عريانًا، لأنَّ الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا.

(وَرَوَاهُ) أي: هذا الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ) بن طَهمان -بفتح الطَّاء المُهمَلة- أبو سعيدٍ الخراسانيُّ، المُتوفَّى بمكَّة سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ فيما وصله النَّسائيُّ بهذا الإسناد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، التَّابعيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام، التَّابعيِّ المدنيِّ (٤)، قِيلَ: إنَّه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنةً،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ) تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) هَذَا مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ كُوفِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِلَى عَائِشَةَ مَكِّيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفِيَّةَ) وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَفِيَّةَ وَهِيَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَأَبُوهَا شَيْبَةُ هُوَ ابْنُ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ الْعَبْدَرِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَ) وَلِكَرِيمَةَ أَصَابَتْ (إِحْدَانَا) أَيْ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَلِلْحَدِيثِ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا حُكْمَ الرَّفْعِ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى زَمَنِهِ أَمْ لَا، وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا) وَلِكَرِيمَةَ بِيَدِهَا أَيِ الْمَاءَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَوْقَ رَأْسِهَا) أَيْ فَصَبَّتْهُ فَوْقَ رَأْسِهَا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا الْمَاءَ ثُمَّ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا.

قَوْلُهُ: (وَبِيَدِهَا الْأُخْرَى) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ أَخَذَتْ بِيَدِهَا وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْأُخْرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أُولَى وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى تَقْدِيمِ أَيْمَنِ الشَّخْصِ لَا أَيْمَنِ رَأْسِهِ، فَكَيْفَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَيْمَنِ الشَّخْصِ أَيَمْنُهُ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ، فَيُطَابِقُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ حَمَلَ الثَّلَاثَ فِي الرَّأْسِ عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب مَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ

وَقَالَ بَهْزُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنْ النَّاسِ

٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.

[الحديث ٢٧٨ - طرفاه في: ٤٧٩٩، ٣٤٠٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي خَلْوَةٍ) أَيْ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ وَحْدَهُ وَدَلَّ قَوْلُهُ أَفْضَلُ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا إِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ قَالَهُ لِرَجُلٍ رَآهُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا وَحْدَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِلْبَزَّارِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَهْزٌ) زَادَ الْأَصِيل يُّ ابْنُ حَكِيمٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ) هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ

وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْهُ وَهَذَا بِالْمَعْنَى وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ بَهْزٍ وَحَسَّنَهَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا إِذَا كَانَ خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ فَالْإِسْنَادُ إِلَى بَهْزٍ صَحِيحٌ وَلِهَذَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَأَمَّا بَهْزٌ وَأَبُوهُ فَلَيْسَا مِنْ شَرْطِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَلَّقَ فِي النِّكَاحِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ جَدِّ بَهْزٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ بَلْ قَالَ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُجَرَّدَ جَزْمِهِ بِالتَّعْلِيقِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْنَادِ إِلَّا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ فَلَا يَدُلُّ، وَقَدْ حَقَّقْتُ ذَلِكَ فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَذَكَرْتُ لَهُ أَمْثِلَةً وَشَوَاهِدَ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا.

وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَارِدٌ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو عَبْدُ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ أَيْ فَلَا يُعْصَى. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَنِ اسْتَثْنَى، وَمِنْهُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ لِلْمَرْأَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.

ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ بَهْزٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَرِّيَ فِي الْخَلْوَةِ غَيْرُ جَائِزٍ مُطْلَقًا، لَكِنِ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْغُسْلِ بِقِصَّةِ مُوسَى وَأَيُّوبَ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ - عَلَى مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ - أَنَّهُمَا مِمَّنْ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَصَّ الْقِصَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى مُوَافَقَتِهِمَا لِشَرْعِنَا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَبَيَّنَهُ فَعَلَى هَذَا فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَرَجَّحَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمَهُ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَغَيْرِهِمْ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) أَيْ جَمَاعَتُهُمْ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾

قَوْلُهُ: (يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ، وَإِلَّا لَمَا أَقَرَّهُمْ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ أَخْذًا بِالْأَفْضَلِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عُصَاةً لَهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (آدَرُ) بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأُدْرَةُ نَفْخَةٌ فِي الْخُصْيَةِ، وَهِيَ بِفَتَحَاتٍ، وَحُكِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ: (فَجَمَحَ مُوسَى) أَيْ جَرَى مُسْرِعًا، وَفِي رِوَايَةٍ فَخَرَجَ.

قَوْلُهُ: (ثَوْبِي يَا حَجَرُ) أَيْ أَعْطِنِي، وَإِنَّمَا خَاطَبَهُ ; لِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى مَنْ يَعْقِلُ لِكَوْنِهِ فَرَّ بِثَوْبِهِ فَانْتَقَلَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمِ الْجَمَادِ إِلَى حُكْمِ الْحَيَوَانِ فَنَادَاهُ، فَلَمَّا لَمْ يُعْطِهِ ضَرَبَهُ. وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أَرَادَ بِضَرْبِهِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بِتَأْثِيرِ ضَرْبِهِ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَحْيٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَظَرَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ رَأَوْا جَسَدَهُ وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ النَّظْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمُدَاوَاةٍ وَشَبَهِهَا، وَأَبْدَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ ; لِأَنَّهُ يُظْهِرُ مَا تَحْتَهُ بَعْدَ الْبَلَلِ، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

قَوْلُهُ: (فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ فَطَفِقَ الْحَجْرَ ضَرْبًا وَالْحَجْرُ عَلَى هَذَا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ طَفِقَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ ضَرْبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ مَقُولِ هَمَّامِ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ.

قَوْلُهُ: (لَنَدَبٌ) بِالنُّونِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَثَرُ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨ - ٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه هنا: إلى جدِّه، وفي غيره: إلى أبيه إبراهيم، وقد مرَّ ذكره في «باب فضل من تعلَّم وعلَّم» [خ¦٣/ ٢٠ - ١٤٤] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (١) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) أي: ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، وأُنِّثَ «كانت» على رأي من يؤنِّث الجموع مُطلقًا ولو كان الجمع سالمًا لمُذكَّرٍ كما هنا، وإنَّ «بنو» جمع سلامةٍ أصله: بَنُون، لكنَّه على خلاف القياس، لتغيُّر مُفرَده، وأمَّا على قول من يقول: كلُّ جمعٍ مُؤنَّثٌ إلَّا جمع السَّلامة المُذكَّر؛ فإمَّا لتأويله بالقبيلة، وإمَّا لأنَّه جاء على خلاف القياس لتغيُّر مُفردِه (يَغْتَسِلُونَ) حال كونهم (عُرَاةً) (٢) حال كونهم (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لكونه كان جائزًا في شرعهم، وإلَّا لَمَا أقرَّهم موسى على ذلك، أو كان حرامًا عندهم، لكنَّهم كانوا يتساهلون في ذلك، وهذا الثَّاني هو الظَّاهر لأنَّ الأوَّل لا ينهض أن يكون دليلًا، لجواز مُخالَفتهم له في ذلك، ويؤيِّده قول القرطبيِّ: كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندةً

للشَّرع ومخالفةً لموسى ، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتِّباع شرعه (١) (وَكَانَ مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: «» (يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) يختار الخلوة سرًّا تنزُّهًا واستحبابًا وحياءً ومروءةً، أو لحرمة التَّعرِّي (فَقَالُوا) أي: بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدِّ وتخفيف الرَّاء؛ كآدم، أو على وزن «فَعَلٍ» (٢) أي: عظيم الخصيتين؛ أي (٣): منتفخهما (فَذَهَبَ مَرَّةً) حال كونه (يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قال سعيد بن جبيرٍ: هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجَّر منه الماء (فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت (٤) وابن عساكر: «فجَمَحَ» (مُوسَى) أي: ذهب يجري جريًا عاليًا (فِي إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وفي بعض الأصول بفتحهما، قال في «القاموس»: خرج في أَثَره وإِثْره: بعده، حال كونه (يَقُولُ) ردَّ أو أعطني (ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ) مرَّتين، ونُصِب «ثوبي» (٥) بفعلٍ محذوفٍ كما قرَّرناه (٦)، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بمُبتدأٍ محذوفٍ تقديره: هذا ثوبي، وعلى هذا الثَّاني: المعنى استعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله مُعامَلة من

لا يعلم كونه ثوبه كي يرجع عن فعله ويردَّ له ثوبه (١)، وقوله: «ثوبي يا حجر» الثَّانية ثابتةٌ للأربعة، و (٢) إنَّما خاطبه لأنَّه أجراه مجرى من يعقل لفعله فعله؛ إذِ المتحرِّك يمكن أن يسمع ويجيب، ولغير الأربعة: «ثوبي حجر» (٣) (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى) ، وفيه ردٌّ على القول بأنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه إباحة النَّظر إلى العورة عند الضَّرورة الدَّاعية إلى ذلك، من مداواةٍ أو براءةٍ ممَّا رُمِيَ به من العيوب كالبرص وغيره، لكنَّ الأوَّل أظهر، ومُجرَّد تستُّر موسى لا يدلُّ على وجوبه لمَا تقرَّر في الأصول أنَّ الفعل لا يدلُّ بمُجرَّده على الوجوب، وليس في الحديث أنَّ موسى صلوات الله وسلامه عليه أمرهم بالتَّستُّر، ولا أنكر عليهم التَّكشُّف، وأمَّا إباحة النَّظر إلى العورة للبراءة ممَّا رُمِيَ به من العيوب فإنَّما هو حيث يترتَّب على الفعل (٤) حكمٌ كفسخ النِّكاح، وأمَّا قصَّة (٥) موسى فليس فيها أمرٌ شرعيٌّ ملزمٌ يترتَّب على ذلك، فلولا إباحة النَّظر إلى العورة، لَمَا أمكنهم موسى من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك، وأمَّا اغتساله خاليًا فكان يأخذ في حقِّ نفسه بالأكمل والأفضل، ويدلُّ على الإباحة ما وقع لنبيِّنا وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العبَّاس عليه (٦) بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته لمَا فعله، لكنَّه ألزم بالأكمل والأفضل لعلوِّ مرتبته (٧) (فَقَالُوا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «و (٨) قالوا»: (وَاللهِ مَا) أي: ليس (بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) اسم «ما»، وحرف الجرِّ زائدٌ (وَأَخَذَ) (ثَوْبَهُ فَطَفِقَ) بكسر الفاء الثَّانية وفتحها،

وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وطفق» أي: شرع يضربُ (الحَجَرَ ضَرْبًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، وللأكثر: «فطفق بالحجر» بزيادة المُوحَّدة، أي: جعل يضربه ضربًا لمَّا ناداه ولم يطعه (فَقَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا هو من تتمَّة مقول هَمَّامٍ فيكون مُسنَدًا، أو مقول أبي هريرة فيكون تعليقًا، وبالأوَّل جزم في «فتح الباري»: (وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ) بالنُّون والدَّال المُهمَلة (١) المفتوحتين آخره مُوحَّدةٌ، أي: أثرٌ (بِالحَجَرِ سِتَّةٌ) بالرَّفع على البدليَّة، أي: ستَّة آثارٍ، أو بتقدير هي، أو بالنَّصب على الحال مِنَ الضَّمير المستكن في قوله: «بالحجر»، فإنَّه ظرفٌ مستقرٌّ لـ «نَدَبٌ»، أي: إنَّه لَنَدَبٌ (٢) استقرَّ بالحجر، حال كونه ستَّة آثارٍ (أَوْ سَبْعَةٌ) شَكٌّ (٣) مِنَ الرَّاوي (ضَرْبًا بِالحَجَرِ) بنصب «ضربًا» على التَّمييز، أراد إظهار المعجزة لقومه بأثر الضَّرب في الحجر، ولعلَّه كان (٤) أُوحِي إليه أن يضربه، ومشيُ الحجر بالثَّوب معجزةٌ أخرى، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث اغتسال موسى عريانًا وحده خاليًا عنِ (٥) النَّاس، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا.

ورواة هذا الحديث خمسة، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» وفي موضع آخر.

وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف (قَالَ) حال كونه عاطفًا على هذا السَّند السَّابق قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: بَيْنَا) بألفٍ من غير ميمٍ (أَيُّوبُ) النَّبيُّ، ابن العيص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، أو ابن رزاح بن روم بن عيص، وأمُّه بنت لوطٍ، وكان أعبدَ أهل زمانه، وعاش ثلاثًا وستيِّن أو تسعين سنةً (١)، ومدَّة بلائه سبع سنين، واسمه أعجميٌّ مبتدأٌ، خبره: (يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا) والجملة أُضيف إليها الظَّرف وهو: «بينا»، وإنَّما لم يُؤتَ في جواب «بينا» بـ «إذ» أو (٢) بـ «إذا» الفجائيَّة لأنَّ الفاء تقوم مقامها في جزاء الشَّرط، كعكسه في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أو العامل في «بينا» (٣) قوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِ) وما قِيلَ: إنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها (٤) لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة؛ إذ «بينا» متضمِّنةٌ للشَّرط فجوابه لا نسلِّم عدم عمله لا (٥) سيَّما في الظَّرف إذ فيه توسُّعٌ، وفاعل «خرَّ» قوله: (جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ) سُمِّي به لأنَّه يَجْرُد الأرض فيأكل ما عليها، وهل كان جرادًا

حقيقةً ذا روحٍ إلَّا أنَّ جسمه (١) ذهبٌ، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روحٌ؟ قال في «شرح التَّقريب»: الأظهر الثَّاني وليس الجراد مُذكَّر الجرادة، وإنَّما هو اسم جنسٍ، كالبقرة والبقر، فحقُّ مُذكَّره ألَّا يكون مُؤنَّثه من لفظه لئلَّا يلتبس الواحد المُذكَّر بالجمع (٢) (فَجَعَلَ أَيُّوبُ) (يَحْتَثِي) بإسكان المُهمَلة وفتح المُثنَّاة بعدها مُثلَّثةٌ على وزن «يَفْتَعِل» من حثى، أي (٣): يأخذ بيده ويرمي (فِي ثَوْبِهِ) وفي رواية ابن عساكر (٤) والقابسيِّ عن أبي زيدٍ: «يَحْتَثِنُ» (٥)، بنونٍ في آخره بدل الياء، لكن قال العينيُّ: إنَّه أمعن النَّظر في كتب اللُّغة، فلم يجد لهذه الرِّواية الأخيرة معنًى (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) تعالى (يَا أَيُّوبُ) بأن كلَّمه كموسى أو بواسطة المَلَك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة (عَمَّا تَرَى) من جراد الذَّهب؟ (قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ) أغنيتني، ولم يقل:

«نعم»، كآية ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لعدم جوازه، بل يكون كفرًا لأنَّ «بلى» مُختَصَّةٌ بإيجاب النَّفي، و «نعم»: مُقرِّرةٌ لِمَا سبقها، قال في «القاموس»: «بلى»: جواب استفهامٍ، معقودٌ بالجحد يوجب ما يُقال لك، و «نَعَم» -بفتحتين وقد تُكسَر العين- كلمةٌ كـ «بلى»، إلَّا أنَّه في جواب الواجب. انتهى. وإنَّما لم يفرِّق الفقهاء بينهما في الأقارير لأنَّها مبنيَّةٌ على العرف، ولا فرق بينهما فيه، ولا يُحمَل هذا على المُعاتَبة كما فهمه بعضهم، وإنَّما هو استنطاقٌ بالحجَّة (وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) أي: خيرك، و «غِنى» بكسر الغَيْن والقصر من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفيِ الجنس، ورويناه بالتَّنوين والرَّفع على أنَّ «لا» بمعنى: ليس، ومعناهما واحدٌ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تفيد العموم، وخبر «لا» يحتمل أن يكون: «بي» (١) أو «عن بركتك»، فالمعنى صحيحٌ على التَّقديرين، واستُنبِط منه فضل الغنى؛ لأنَّه سمَّاه بركةً، ومحالٌ أن يكون أيُّوب صلوات الله عليه وسلامه أخذ هذا المال حبًّا للدُّنيا، وإنَّما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنَّه بركةٌ من ربِّه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله ﷿، أو أنَّه نعمةٌ جديدةٌ خارقةٌ للعادة، فينبغي تلقّيها بالقبول، ففي ذلك شكرٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ بها (٢)، وفيه (٣): جواز الاغتسال عريانًا، لأنَّ الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا.

(وَرَوَاهُ) أي: هذا الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ) بن طَهمان -بفتح الطَّاء المُهمَلة- أبو سعيدٍ الخراسانيُّ، المُتوفَّى بمكَّة سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ فيما وصله النَّسائيُّ بهذا الإسناد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، التَّابعيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام، التَّابعيِّ المدنيِّ (٤)، قِيلَ: إنَّه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنةً،

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر