«أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٨١

الحديث رقم ٢٧٨١ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٧٨١ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ. فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ. فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ فَسَلِمَ وَاللهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.»

بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْحُدُودُ الطَّاعَةُ

إسناد حديث رقم ٢٧٨١ من صحيح البخاري

٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٧٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبَا مُوسَى حَكَمَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ حُجَّةً، وَذَهَبَ الْكَرَابِيسِيُّ، ثُمَّ الطَّبَرِيُّ، وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ، قَالَ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْيَمِينَ شَهَادَةً فِي آيَةِ اللِّعَانِ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ وَأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالْحَقِّ، قَالُوا: فَالْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ يَحْلِفَانِ، فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُمَا حَلَفَا عَلَى الْإِثْمِ رَجَعَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَتُعُقِّبَ

بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَدٌ وَلَا عَدَالَةٌ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَقَدِ اشْتُرِطَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَوِيَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ. وَأَمَّا اعْتِلَالُ مَنِ اعْتَلَّ فِي رَدِّهَا بِأَنَّهَا تُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ لِمَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَحَبْسِ الشَّاهِدِ وَتَحْلِيفِهِ وَشَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَقَدْ أَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنًى عَنْ نَظِيرِهِ، وَقَدْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي الطِّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَبْسِ السِّجْنَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْإِمْسَاكُ لِلْيَمِينِ لِيَحْلِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ قِيَامِ الرِّيبَةِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ نَقْلَ الْأَيْمَانِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ اللَّوْثِ بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ، فَيُشْرَعُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا كَمَا يُشْرَعُ لِمُدَّعِي الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ بَلْ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ لَهُ بِيَمِينِهِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ظُهُورِ اللَّوْثِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالدَّمِ وَظُهُورِهِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمَالِ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الْوَصِيَّانِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مَعْنَى الْحُضُورِ لِمَا يُوصِيهِمَا بِهِ الْمُوصِي. ثُمَّ زَيَّفَ ذَلِكَ.

٣٦ - بَاب قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَرَثَةِ

٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ - أَوْ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَهُ جِذاذ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ. قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَة، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً، فَسَلِمَ وَاللَّهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنَّه لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: أُغْرُوا بِي يَعْنِي هِيجُوا بِي: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الْوَرَثَةِ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ الْبَغْدَادِيِّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ بِوَاسِطَةٍ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الْجِهَادِ، وَهُوَ عَقِبَ هَذَا سَوَاءً،

وَفِي الْمَغَازِي وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبُيُوعِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَشَيْبَانُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِرَاسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الصُّلْحِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ، أَيِ: اجْعَلْ كُلَّ صِنْفٍ فِي بَيْدَرٍ - أَيْ جَرِينٍ - يَخُصُّهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ فَبَادِرْ. وَقَوْلُهُ: وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَمْرَةٍ بِإِثْبَاتِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أُغْرُوا بِي يَعْنِي هُيِّجُوا بِي) ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ وَقَعَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ، وَأُغْرُوا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، يُقَالُ: أُغْرِيَ بِكَذَا إِذَا لَهِجَ بِهِ وَأُوْلِعَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ الْإِغْرَاءُ التَّهْيِيجُ وَالْإِفْسَادُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوَصَايَا وَمَا مَعَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْوَقْفِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَحَدِيثِهِ هُمَا وَالِيَانِ، وَحَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَحَدِيثِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَمَذْكُورٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالْمَعْنَى، وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ رُومَةَ فَمَا هُوَ عِنْدَهُ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا، وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هُنَا وَهُنَاكَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) بالسِّين المهملة وبعد الألف موحَّدةٌ ثمَّ قافٌ، أبو جعفر التَّميميُّ مولاهم البغداديُّ البزَّاز (١) الفارسيُّ الأصل ثمَّ الكوفيُّ (أَوِ (٢) الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ -بالخاء المعجمة- البغداديُّ (عَنْهُ) أي: عن (٣) محمَّد بن سابقٍ والشَّكُّ من المؤلِّف، وقد روى عن (٤) ابن سابق بواسطةٍ في أوَّل حديثٍ يلي هذا الباب [خ¦٢٧٨٢]، وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٩] و «النكاح» [خ¦٥١٦٢] (٥) و «الأشربة» [خ¦٥٥٧٩] ولم يروِ عنه بغير واسطةٍ إلَّا في هذا الموضع مع التَّردُّد في ذلك، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرَّحمن (أَبو مُعَاوِيَةَ) النَّحوي البصريُّ ثمَّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ، ابن يحيى الهَمْدانيِّ الحارثيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ : أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ) سنة ثلاثٍ (وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) ليهوديٍّ وغيره (فَلَمَّا حَضَرَ جَدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم وبدالَين مهملتَين، أي: أوان قطع ثمرتها، ولأبي ذرٍّ: «فلما حضره جِذاذ النَّخل» بضمير المفعول، و «جِذاذ»: بذالَين معجمتَين وكسر الجيم، يقال: جذذت الشَّيء، أي: كسرته وقطعته (أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ) بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة وكسر الدَّال المهملة، أمرٌ من: بيدرَ يبيدرُ، أي: اجعل (٦) كلَّ صنفٍ في بيدرٍ، أي: جرين يخصُّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فبادرْ» (كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةِ. فَفَعَلْتُ) ذلك (ثُمَّ دَعَوْتُ) رسول الله ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «دعوته»، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فدعوته» بالفاء بدل «ثمَّ» (فَلَمَّا (٧) نَظَرُوا) أي: الغرماء (إِلَيْهِ) (أُغْرُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الغين المعجَمة وبالرَّاء المهملة مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: لهجوا (بِي) وقال في «النِّهاية»: لجُّوا في مطالبتي وألحُّوا عليَّ (تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى) (مَا يَصْنَعُونَ) بي (أَطَافَ) بالهمزة قبل الطَّاء، ولأبي ذرٍّ: «طاف» بإسقاطها (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ) أي: غرماء أبيك، فدعوتهم (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ) من ذلك البيدر (حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي) السِّتَّة (بِتَمْرَةٍ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الموحَّدة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ

عن الحَمُّويي والمُستملي: «تمرة» بإسقاط الموحَّدة (فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي) بفتح الهمزة (أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً).

(قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ في تفسير قوله: (أَغْرَوا بِي، يَعْنِي: هِيْجُوا بي) بكسر الهاء وسكون التَّحتيَّة (﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: ١٤]) قال أبو عبيدة في «المجاز»: الإغراء: التَّهييج والإفساد، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، وثبت للمُستملي وحده، والله أعلم.

وقد سبق حديث الباب غير مرَّةٍ. منها في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٩] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٥] و «الهبة» [خ¦٢٦٠١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠].

((٥٦)) (كِتَابُ الجِهَادِ والسِّيَرِ) بكسر السِّين المهملة وفتح التَّحتيَّة، وزاد في «الفرع»: بفتح السِّين وسكون التَّحتيَّة، جمع سيرةٍ وهي الطَّريقة، وأُطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنَّها متلقَّاةٌ من أحوال النَّبيِّ في غزواته. والجهاد -بكسر الجيم- مصدر جاهدت العدوَّ مجاهدةً وجهادًا، وأصله: جيهاد كقيتال -فخُفِّف بحذف الياء- وهو مشتقٌّ من الجَهد -بفتح الجيم- وهو التَّعب والمشقَّة؛ لما فيه من ارتكابها، أو من الجُهد -بالضمِّ- وهو الطَّاقة، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، وهو في الاصطلاح: قتال الكفَّار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، ويُطلَق أيضًا على جهاد النَّفس والشَّيطان، وهو من أعظم الجهاد، والمراد بالتَّرجمة الأوَّل، والأصل فيه قبل الإجماع آياتٌ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وكان قبل الهجرة محرَّمًا، ثمَّ أُمِر بعدها بقتال من قاتله، ثمَّ أُبيحَ الابتداء به في غير الأشهر الحُرُم، ثمَّ أُمِرَ به مطلقًا. ثمَّ إنَّ الجهاد قد يكون فرض عينٍ، وقد يكون فرض كفايةٍ؛ لأنَّ الكفار إن دخلوا (١) بلادنا أو أسروا مسلمًا يُتوقَّع فكُّه، ففرض عينٍ. وإن كان ببلادهم، ففرض كفايةٍ، ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في «باب وجوب النفير» [خ¦٢٨٢٥].

(بسم الله الرحمن الرحيم) قدَّم النَّسفيُّ البَسْملة، وسقط «كتاب» والتَّرجمة لأبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله.

(١) (بابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وحينئذٍ فقوله: «فضلُ» رفعٌ بالابتداء

(وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور أو بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله: «تعالى» (١) (﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾) أي: طلب من المؤمنين أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله؛ ليثيبهم الجنَّة، وذكر الشِّراء على وجه (٢) المثل (٣)؛ لأنَّ الأنفس والأموال كلَّها لله، وهي عندنا عاريةٌ، ولكنَّه تعالى أراد التَّحريض والتَّرغيب في الجهاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والباء في ﴿بِأَنَّ﴾ للمعاوضة، وهذا من فضله تعالى وكرمه وإحسانه، فإنَّه قَبِلَ العوض عمَّا يملكه بما تفضَّل به على عباده المطيعين له، ولذا قال الحسن البصريُّ: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، وقال عبد الله بن رواحة لرسول الله ليلة العقبة: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت، فقال: «أشترط لربِّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممَّا تمعنون (٤) منه (٥) أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنَّة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: في طاعته مع العدوِّ، وهذا كما قال (٦) الزَّمخشريُّ: في معنى الأمر، أو هو بيانُ ما لأجله الشِّراء (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: يقتلون العدوَّ، ويقتلهم (﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾) مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: إن هذا الوعد الَّذي وعده للمجاهدين في سبيله وعدٌ ثابتٌ قد أثبته (﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ﴾) مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقًّا (﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢]) أي: فافرحوا به غاية الفرح، فإنَّه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبَا مُوسَى حَكَمَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ حُجَّةً، وَذَهَبَ الْكَرَابِيسِيُّ، ثُمَّ الطَّبَرِيُّ، وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ، قَالَ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْيَمِينَ شَهَادَةً فِي آيَةِ اللِّعَانِ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ وَأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالْحَقِّ، قَالُوا: فَالْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ يَحْلِفَانِ، فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُمَا حَلَفَا عَلَى الْإِثْمِ رَجَعَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَتُعُقِّبَ

بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَدٌ وَلَا عَدَالَةٌ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَقَدِ اشْتُرِطَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَوِيَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ. وَأَمَّا اعْتِلَالُ مَنِ اعْتَلَّ فِي رَدِّهَا بِأَنَّهَا تُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ لِمَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَحَبْسِ الشَّاهِدِ وَتَحْلِيفِهِ وَشَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَقَدْ أَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنًى عَنْ نَظِيرِهِ، وَقَدْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي الطِّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَبْسِ السِّجْنَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْإِمْسَاكُ لِلْيَمِينِ لِيَحْلِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ قِيَامِ الرِّيبَةِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ نَقْلَ الْأَيْمَانِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ اللَّوْثِ بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ، فَيُشْرَعُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا كَمَا يُشْرَعُ لِمُدَّعِي الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ بَلْ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ لَهُ بِيَمِينِهِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ظُهُورِ اللَّوْثِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالدَّمِ وَظُهُورِهِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمَالِ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الْوَصِيَّانِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مَعْنَى الْحُضُورِ لِمَا يُوصِيهِمَا بِهِ الْمُوصِي. ثُمَّ زَيَّفَ ذَلِكَ.

٣٦ - بَاب قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَرَثَةِ

٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ - أَوْ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ:، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَهُ جِذاذ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ. قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَة، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً، فَسَلِمَ وَاللَّهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنَّه لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: أُغْرُوا بِي يَعْنِي هِيجُوا بِي: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الْوَرَثَةِ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ الْبَغْدَادِيِّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ بِوَاسِطَةٍ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الْجِهَادِ، وَهُوَ عَقِبَ هَذَا سَوَاءً،

وَفِي الْمَغَازِي وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبُيُوعِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَشَيْبَانُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِرَاسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الصُّلْحِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ، أَيِ: اجْعَلْ كُلَّ صِنْفٍ فِي بَيْدَرٍ - أَيْ جَرِينٍ - يَخُصُّهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ فَبَادِرْ. وَقَوْلُهُ: وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَمْرَةٍ بِإِثْبَاتِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أُغْرُوا بِي يَعْنِي هُيِّجُوا بِي) ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ وَقَعَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ، وَأُغْرُوا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، يُقَالُ: أُغْرِيَ بِكَذَا إِذَا لَهِجَ بِهِ وَأُوْلِعَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ الْإِغْرَاءُ التَّهْيِيجُ وَالْإِفْسَادُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوَصَايَا وَمَا مَعَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْوَقْفِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا. وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَحَدِيثِهِ هُمَا وَالِيَانِ، وَحَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَحَدِيثِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَمَذْكُورٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالْمَعْنَى، وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ رُومَةَ فَمَا هُوَ عِنْدَهُ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا، وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هُنَا وَهُنَاكَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) بالسِّين المهملة وبعد الألف موحَّدةٌ ثمَّ قافٌ، أبو جعفر التَّميميُّ مولاهم البغداديُّ البزَّاز (١) الفارسيُّ الأصل ثمَّ الكوفيُّ (أَوِ (٢) الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ) الرُّخاميُّ -بالخاء المعجمة- البغداديُّ (عَنْهُ) أي: عن (٣) محمَّد بن سابقٍ والشَّكُّ من المؤلِّف، وقد روى عن (٤) ابن سابق بواسطةٍ في أوَّل حديثٍ يلي هذا الباب [خ¦٢٧٨٢]، وفي «المغازي» [خ¦٤١٨٩] و «النكاح» [خ¦٥١٦٢] (٥) و «الأشربة» [خ¦٥٥٧٩] ولم يروِ عنه بغير واسطةٍ إلَّا في هذا الموضع مع التَّردُّد في ذلك، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابن عبد الرَّحمن (أَبو مُعَاوِيَةَ) النَّحوي البصريُّ ثمَّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، وبعد الألف سينٌ مهملةٌ، ابن يحيى الهَمْدانيِّ الحارثيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ : أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ) سنة ثلاثٍ (وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) ليهوديٍّ وغيره (فَلَمَّا حَضَرَ جَدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم وبدالَين مهملتَين، أي: أوان قطع ثمرتها، ولأبي ذرٍّ: «فلما حضره جِذاذ النَّخل» بضمير المفعول، و «جِذاذ»: بذالَين معجمتَين وكسر الجيم، يقال: جذذت الشَّيء، أي: كسرته وقطعته (أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ) بفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة وكسر الدَّال المهملة، أمرٌ من: بيدرَ يبيدرُ، أي: اجعل (٦) كلَّ صنفٍ في بيدرٍ، أي: جرين يخصُّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فبادرْ» (كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةِ. فَفَعَلْتُ) ذلك (ثُمَّ دَعَوْتُ) رسول الله ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «دعوته»، وله عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فدعوته» بالفاء بدل «ثمَّ» (فَلَمَّا (٧) نَظَرُوا) أي: الغرماء (إِلَيْهِ) (أُغْرُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الغين المعجَمة وبالرَّاء المهملة مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، أي: لهجوا (بِي) وقال في «النِّهاية»: لجُّوا في مطالبتي وألحُّوا عليَّ (تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى) (مَا يَصْنَعُونَ) بي (أَطَافَ) بالهمزة قبل الطَّاء، ولأبي ذرٍّ: «طاف» بإسقاطها (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ) أي: غرماء أبيك، فدعوتهم (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ) من ذلك البيدر (حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي) السِّتَّة (بِتَمْرَةٍ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الموحَّدة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ

عن الحَمُّويي والمُستملي: «تمرة» بإسقاط الموحَّدة (فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي) بفتح الهمزة (أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً).

(قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ في تفسير قوله: (أَغْرَوا بِي، يَعْنِي: هِيْجُوا بي) بكسر الهاء وسكون التَّحتيَّة (﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة: ١٤]) قال أبو عبيدة في «المجاز»: الإغراء: التَّهييج والإفساد، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، وثبت للمُستملي وحده، والله أعلم.

وقد سبق حديث الباب غير مرَّةٍ. منها في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٩] و «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٥] و «الهبة» [خ¦٢٦٠١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٠].

((٥٦)) (كِتَابُ الجِهَادِ والسِّيَرِ) بكسر السِّين المهملة وفتح التَّحتيَّة، وزاد في «الفرع»: بفتح السِّين وسكون التَّحتيَّة، جمع سيرةٍ وهي الطَّريقة، وأُطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنَّها متلقَّاةٌ من أحوال النَّبيِّ في غزواته. والجهاد -بكسر الجيم- مصدر جاهدت العدوَّ مجاهدةً وجهادًا، وأصله: جيهاد كقيتال -فخُفِّف بحذف الياء- وهو مشتقٌّ من الجَهد -بفتح الجيم- وهو التَّعب والمشقَّة؛ لما فيه من ارتكابها، أو من الجُهد -بالضمِّ- وهو الطَّاقة، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، وهو في الاصطلاح: قتال الكفَّار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، ويُطلَق أيضًا على جهاد النَّفس والشَّيطان، وهو من أعظم الجهاد، والمراد بالتَّرجمة الأوَّل، والأصل فيه قبل الإجماع آياتٌ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وكان قبل الهجرة محرَّمًا، ثمَّ أُمِر بعدها بقتال من قاتله، ثمَّ أُبيحَ الابتداء به في غير الأشهر الحُرُم، ثمَّ أُمِرَ به مطلقًا. ثمَّ إنَّ الجهاد قد يكون فرض عينٍ، وقد يكون فرض كفايةٍ؛ لأنَّ الكفار إن دخلوا (١) بلادنا أو أسروا مسلمًا يُتوقَّع فكُّه، ففرض عينٍ. وإن كان ببلادهم، ففرض كفايةٍ، ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في «باب وجوب النفير» [خ¦٢٨٢٥].

(بسم الله الرحمن الرحيم) قدَّم النَّسفيُّ البَسْملة، وسقط «كتاب» والتَّرجمة لأبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله.

(١) (بابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، وحينئذٍ فقوله: «فضلُ» رفعٌ بالابتداء

(وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور أو بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله: «تعالى» (١) (﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾) أي: طلب من المؤمنين أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله؛ ليثيبهم الجنَّة، وذكر الشِّراء على وجه (٢) المثل (٣)؛ لأنَّ الأنفس والأموال كلَّها لله، وهي عندنا عاريةٌ، ولكنَّه تعالى أراد التَّحريض والتَّرغيب في الجهاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والباء في ﴿بِأَنَّ﴾ للمعاوضة، وهذا من فضله تعالى وكرمه وإحسانه، فإنَّه قَبِلَ العوض عمَّا يملكه بما تفضَّل به على عباده المطيعين له، ولذا قال الحسن البصريُّ: بايعهم والله فأغلى ثمنهم، وقال عبد الله بن رواحة لرسول الله ليلة العقبة: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت، فقال: «أشترط لربِّي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممَّا تمعنون (٤) منه (٥) أنفسكم وأموالكم» قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنَّة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: في طاعته مع العدوِّ، وهذا كما قال (٦) الزَّمخشريُّ: في معنى الأمر، أو هو بيانُ ما لأجله الشِّراء (﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾) أي: يقتلون العدوَّ، ويقتلهم (﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾) مصدرٌ مؤكِّدٌ، أي: إن هذا الوعد الَّذي وعده للمجاهدين في سبيله وعدٌ ثابتٌ قد أثبته (﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ﴾) مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقًّا (﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢]) أي: فافرحوا به غاية الفرح، فإنَّه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل