«مَا اغْبَرَّتْ⦗٢١⦘قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨١١

الحديث رقم ٢٨١١ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من اغبرت قدماه في سبيل الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٨١١ في صحيح البخاري

«مَا اغْبَرَّتْ

⦗٢١⦘

قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ.»

بَابُ مَسْحِ الْغُبَارِ عَنِ النَّاسِ فِي السَّبِيلِ

إسناد حديث رقم ٢٨١١ من صحيح البخاري

٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٨١١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِعْلَاءَ صَرْفًا، وَقَدْ يَحْصُلُ غَيْرُ الْإِعْلَاءِ وَقَدْ لَا

يَحْصُلُ فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ قَصْدُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا انْضَافَ إِلَيْهِ اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُخُولَ غَيْرِ الْإِعْلَاءِ ضِمْنًا لَا يَقْدَحُ فِي الْإِعْلَاءِ إِذَا كَانَ الْإِعْلَاءُ هُوَ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَكِلهُمْ إِلَيَّ. الْحَدِيثَ.

وَفِي إِجَابَةِ النَّبِيِّ بِمَا ذَكَرَ غَايَةُ الْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَجَابَهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَعَدَلَ إِلَى لَفْظٍ جَامِعٍ عَدَلَ بِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْقِتَالِ إِلَى حَالِ الْمُقَاتِلِ فَتَضَمَّنَ الْجَوَابَ وَزِيَادَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ رَاجِعًا إِلَى الْقِتَالِ الَّذِي فِي ضِمْنِ قَاتَلَ أَيْ فَقِتَالُهُ قِتَالٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاشْتَمَلَ طَلَبُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَطَلَبِ ثَوَابِهِ وَطَلَبِ دَحْضِ أَعْدَائِهِ وَكُلُّهَا مُتَلَازِمَةٌ.

وَالْحَاصِلُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْقِتَالَ مَنْشَؤُهُ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الشَّهْوَانِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا الْأَوَّلُ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَدَلَ النَّبِيُّ عَنْ لَفْظِ جَوَابِ السَّائِلِ لِأَنَّ الْغَضَبَ وَالْحَمِيَّةَ قَدْ يَكُونَانِ لِلَّهِ فَعَدَلَ النَّبِيُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَى لَفْظٍ جَامِعٍ فَأَفَادَ دَفْعَ الْإِلْبَاسِ وَزِيَادَةَ الْإِفْهَامِ.

وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تُحْتَسَبُ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِدِ يَخْتَصُّ بِمَنْ ذُكِرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَبَاحِثِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلَّةِ وَتَقَدُّمُ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَفِيهِ ذَمُّ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَعَلَى الْقِتَالِ لِحَظِّ النَّفْسِ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ.

١٦ - بَاب مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾

٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا اغْبَرَّتا قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ بَيَانُ مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وَفِي الْآيَةِ ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ قَالَ: فَفَسَّرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّ مَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَالْمُرَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعُ طَاعَاتِهِ اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ لَفْظِ سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظٍ فِي عُمُومِهِ، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ أَثَابَهُمْ بِخُطُوَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرُوا قِتَالًا، وَكَذَلِكَ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ سَوَاءٌ بَاشَرَ قِتَالًا أَمْ لَا. اهـ. وَمِنْ تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْوَطْءَ يَتَضَمَّنُ الْمَشْيَ الْمُؤَثِّرَ لِتَغْبِيرِ الْقَدَمِ، وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: نَسَبَهُ الْأَصِيلِيُّ ابْن مَنْصُورٍ. قُلْتُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ أي: لا يصيبون من عدوِّهم قتلًا أو أسرًا أو غنيمةً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾، قال: ففسَّر العمل الصَّالح: بأنَّ النَّار لا تمسُّ من عمل بذلك، قال: والمراد بسبيل الله جميعُ طاعاته. انتهى. وعن عَباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عَبْس (١) وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبيَّ يقول: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النَّار». رواه البخاريُّ [خ¦٩٠٧] وفيه استعمال اللَّفظ في عمومه، لكن المتبادر عند الإطلاق من لفظ «سبيل الله» الجهادُ.

٢٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور كما نسبه الأَصيليُّ، فيما ذكره الجيانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالخاء المعجمة (مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ) الصُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحِمْيريُّ قاضي دمشق (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) «يزيدُ» من الزِّيادة أبو عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ) بفتح عين «عَبَاية» وتخفيف الموحَّدة والتَّحتيَّة، و «رِفاعة»: بكسر الرَّاء وبالفاء وبعد الألف عينٌ مهملةٌ (بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بالفاء والعين المهملة، و «خَدِيج»: بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة جيمٌ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن رفاعة» وسقط لأبي ذرٍّ «ابن خَديج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عَبْسٍ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحَّدة، آخره راءٌ، وسقط «هو عبد الرَّحمن بن جبر» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما اغبرَّتا» بالتَّثنية، وهي (٢) لغةٌ، والأولى (٣) أفصح، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة: «ساعةً من نهارٍ» (فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بنصب «تمسَّه» أي: أنَّ المسَّ ينتفي بوجود الغبار المذكور، وإذا كان مسُّ الغبار قدميه دافعًا لمسِّ النَّار إيَّاه، فكيف إذا سعى بهما، واستفرغ جهده، فقاتل حتَّى قَتل وقُتل؟ وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النَّار».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِعْلَاءَ صَرْفًا، وَقَدْ يَحْصُلُ غَيْرُ الْإِعْلَاءِ وَقَدْ لَا

يَحْصُلُ فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ قَصْدُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا انْضَافَ إِلَيْهِ اهـ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُخُولَ غَيْرِ الْإِعْلَاءِ ضِمْنًا لَا يَقْدَحُ فِي الْإِعْلَاءِ إِذَا كَانَ الْإِعْلَاءُ هُوَ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِنَا لِنَغْنَمَ، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَكِلهُمْ إِلَيَّ. الْحَدِيثَ.

وَفِي إِجَابَةِ النَّبِيِّ بِمَا ذَكَرَ غَايَةُ الْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَجَابَهُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَعَدَلَ إِلَى لَفْظٍ جَامِعٍ عَدَلَ بِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْقِتَالِ إِلَى حَالِ الْمُقَاتِلِ فَتَضَمَّنَ الْجَوَابَ وَزِيَادَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ رَاجِعًا إِلَى الْقِتَالِ الَّذِي فِي ضِمْنِ قَاتَلَ أَيْ فَقِتَالُهُ قِتَالٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاشْتَمَلَ طَلَبُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَطَلَبِ ثَوَابِهِ وَطَلَبِ دَحْضِ أَعْدَائِهِ وَكُلُّهَا مُتَلَازِمَةٌ.

وَالْحَاصِلُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْقِتَالَ مَنْشَؤُهُ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الشَّهْوَانِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا الْأَوَّلُ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَدَلَ النَّبِيُّ عَنْ لَفْظِ جَوَابِ السَّائِلِ لِأَنَّ الْغَضَبَ وَالْحَمِيَّةَ قَدْ يَكُونَانِ لِلَّهِ فَعَدَلَ النَّبِيُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَى لَفْظٍ جَامِعٍ فَأَفَادَ دَفْعَ الْإِلْبَاسِ وَزِيَادَةَ الْإِفْهَامِ.

وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تُحْتَسَبُ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِدِ يَخْتَصُّ بِمَنْ ذُكِرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَبَاحِثِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنِ الْعِلَّةِ وَتَقَدُّمُ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَفِيهِ ذَمُّ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَعَلَى الْقِتَالِ لِحَظِّ النَّفْسِ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ.

١٦ - بَاب مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾

٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا اغْبَرَّتا قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ بَيَانُ مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وَفِي الْآيَةِ ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ قَالَ: فَفَسَّرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّ مَنْ عَمِلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَالْمُرَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمِيعُ طَاعَاتِهِ اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ لَفْظِ سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظٍ فِي عُمُومِهِ، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ أَثَابَهُمْ بِخُطُوَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرُوا قِتَالًا، وَكَذَلِكَ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ سَوَاءٌ بَاشَرَ قِتَالًا أَمْ لَا. اهـ. وَمِنْ تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْوَطْءَ يَتَضَمَّنُ الْمَشْيَ الْمُؤَثِّرَ لِتَغْبِيرِ الْقَدَمِ، وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: نَسَبَهُ الْأَصِيلِيُّ ابْن مَنْصُورٍ. قُلْتُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ أي: لا يصيبون من عدوِّهم قتلًا أو أسرًا أو غنيمةً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾، قال: ففسَّر العمل الصَّالح: بأنَّ النَّار لا تمسُّ من عمل بذلك، قال: والمراد بسبيل الله جميعُ طاعاته. انتهى. وعن عَباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عَبْس (١) وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبيَّ يقول: «من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النَّار». رواه البخاريُّ [خ¦٩٠٧] وفيه استعمال اللَّفظ في عمومه، لكن المتبادر عند الإطلاق من لفظ «سبيل الله» الجهادُ.

٢٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور كما نسبه الأَصيليُّ، فيما ذكره الجيانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) بالخاء المعجمة (مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ) الصُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحِمْيريُّ قاضي دمشق (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) «يزيدُ» من الزِّيادة أبو عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ) بفتح عين «عَبَاية» وتخفيف الموحَّدة والتَّحتيَّة، و «رِفاعة»: بكسر الرَّاء وبالفاء وبعد الألف عينٌ مهملةٌ (بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بالفاء والعين المهملة، و «خَدِيج»: بفتح الخاء المعجمة وكسر الدَّال المهملة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة جيمٌ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن رفاعة» وسقط لأبي ذرٍّ «ابن خَديج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عَبْسٍ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، آخره سينٌ مهملةٌ (هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحَّدة، آخره راءٌ، وسقط «هو عبد الرَّحمن بن جبر» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما اغبرَّتا» بالتَّثنية، وهي (٢) لغةٌ، والأولى (٣) أفصح، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة: «ساعةً من نهارٍ» (فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ) بنصب «تمسَّه» أي: أنَّ المسَّ ينتفي بوجود الغبار المذكور، وإذا كان مسُّ الغبار قدميه دافعًا لمسِّ النَّار إيَّاه، فكيف إذا سعى بهما، واستفرغ جهده، فقاتل حتَّى قَتل وقُتل؟ وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النَّار».

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده