الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٩١
الحديث رقم ٢٨٩١ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٨٩١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِذْ ذَاكَ كَانَ صَوْمُ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الصِّيَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِهِ هُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٢ - بَاب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ
٢٨٩١ - حَدَّثَنِا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ: يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَالَةَ السَّفَرِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالسُّلَامَى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الصُّلْحِ مَعَ بَعْضِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ بَعْدَ خَمْسِينَ بَابًا فِي بَابِ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ.
وَقَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ السَّعْدِيِّ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ: بِالضَّمِّ وَالْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (يُعِينُ) يَأْتِي تَوْجِيهُهُ.
وَقَوْلُهُ: (يُحَامِلُهُ) أَيْ يُسَاعِدُهُ فِي الرُّكُوبِ، وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ قَالَ: وَإِذَا أُجِرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّةِ غَيْرِهِ فَإِذَا حَمَلَ غَيْرَهُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ احْتِسَابًا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا.
وَقَوْلُهُ: (دَلُّ الطَّرِيقِ) بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ بَيَانُهُ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الدِّلَالَةِ.
٧٣ - بَاب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الْآيَةَ، الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ فِي إِطْلَاقِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَطَنُهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ، فَبَيْنَ الْمُرَابَطَةِ وَالْحِرَاسَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِالْآيَةِ اخْتِيَارٌ لِأَشْهَرِ التَّفَاسِيرِ، فَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وقَتَادَةَ (اصْبِرُوا) عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ (وَصَابِرُوا) أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ (وَرَابِطُوا) فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (١) (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) زاد مسلمٌ من وجه آخرَ عن عاصمٍ: «في سفر، فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ» (أَكْثَرُنَا ظِلًّا مَنْ) وفي الفرع وأصله (٢): «الَّذي» (يَسْتَظِلُّ) من الشَّمس (بِكِسَائِهِ) وزاد مسلمٌ: «ومنَّا من يتَّقي الشَّمس بيده» (وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا) لعجزهم (وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ) بكسر الرَّاء: الإبل الَّتي يُسار عليها -واحدها (٣): راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها- أي: أثاروها إلى الماء للسَّقي وغيره (وَامْتَهَنُوا) بفتح الفوقيَّة والهاء (وَعَالَجُوا) أي: خدموا الصَّائمين وتناولوا السَّقي والعلف، وفي رواية مسلمٍ: «فضربوا الأبنية» أي: البيوت الَّتي يسكنها العرب في الصَّحراء كالخباء والقبَّة «وسقوا الرِّكاب» (فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «فقال رسول الله» (ﷺ: ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ) الوافر، وهو أجر ما فعلوه من خدمة الصَّائمين بضرب الأبنية والسَّقي وغير ذلك، لِمَا حصل منهم من النَّفع المتعدِّي، ومثلُ أجر الصُّوَّام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُّوَّام، وأما الصَّائمون فحصل لهم أجر صومهم القاصر عليهم، ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل للمفطرين من ذلك. ولم تظهر لي المطابقة بين التَّرجمة والحديث. نعم، يحتمل أن يكون ممَّا زاده مسلم، حيث قال: «في سفر»، الشَّامل لسفر الغزو وغيره مع قوله: «فبعثوا الرِّكاب وامتهنوا وعالجوا» المفسَّر بالخدمة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ.
(٧٢) (بابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ).
٢٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم
بن نصر السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافعٍ الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: كُلُّ سُلَامَى) بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف اللَّام وفتح الميم، عظام الأصابع (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ) بنصب «كلَّ» على الظَّرفيَّة (يُعِينُ الرَّجُلَ) مبتدأٌ على تأويل المصدر نحو: تسمع بالمعيديِّ، أي: وإعانتك (١) الرَّجل (فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ) بالحاء المهملة، يساعده في الرُّكوب (عَلَيْهَا) أي: الدَّابَّة، ولأبي ذَرٍّ: «عليه» أي: على (٢) الرُّكوب (٣) (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) وخبر المبتدأ قوله: (صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (٤)، وَكُلُّ خَطْوَةٍ) بفتح الخاء المعجمة، المرَّة الواحدة، ولأبي ذَرٍّ: «خُطوة» بضمِّها ما بين القدمين (يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ) بفتح الدَّال المهملة وتشديد اللَّام، أي: الدِّلالة عليه للمحتاج إليه (صَدَقَةٌ).
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «يعين الرَّجل في دابَّته»، وسبق بعض الحديث في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٧].
(٧٣) (بابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) بكسر راء «رِبَاط» وتخفيف الموحَّدة، مصدر: رابَطَ، ووجه المفاعلة في هذا أنَّ كلًّا من الكفَّار والمسلمين ربطوا أنفسهم على حماية طرف (٥) بلادهم من عدوِّهم، والرِّباط مراقبة العدوِّ في الثُّغور المتاخمة لبلادهم بحراسة (٦) مَنْ بها من المسلمين، وهو في الأصل الإقامة على الجهاد، وقيل: الرِّباط مصدر: رابَط، بمعنى: لازمَ، وقيل: هو اسمٌ لما
يُربَط به الشَّيء، أي: يُشدُّ، فكأنَّه يربط نفسه عمَّا يشغله عن ذلك، أو أنَّه يربط فرسه الَّتي يقاتل عليها، وقول ابن حبيبٍ من المالكيَّة: ليس من سكن الرِّباط بأهله وماله وولده مرابطًا، بل من يخرج عن أهله وماله وولده قاصدًا للرِّباط، تعقَّبه في «الفتح» فقال: في إطلاقه نظرٌ، فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدوِّ، ومن ثمَّ اختار كثيرٌ من السَّلف سكنى الثُّغور.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «رباطِ» المجرور (١)، ولأبي ذَرٍّ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ﴾) أي: على مشاقِّ الطَّاعات وما يصيبكم من الشَّدائد (﴿وَصَابِرُواْ﴾) وغالبوا أعداء الله في الصَّبر على شدائد الحرب (﴿وَرَابِطُواْ﴾) أبدانكم وخيولكم في الثُّغور مترصِّدين للغزو وأنفسكم على الطَّاعة، وفي «الموطَّأ» حديث أبي هريرة مرفوعًا: «وانتظار الصَّلاة فذلكم الرِّباط». وروى ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يومًا فقال (٢): أتدري يا ابن أخي فيم أُنزِلت (٣) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قلت: لا، قال: أَمَا إنَّه لم يكن في زمان النَّبيِّ ﷺ غزوٌ يرابطون فيه، ولكنَّها نزلت في قومٍ يعمُرون المساجد يصلُّون الصَّلاة في مواقيتها، ثمَّ يذكرون الله فيها، ففيهم أُنزِلت (٤) ﴿اصْبِرُواْ﴾ على الصَّلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُواْ﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مساجدكم. الحديث. وكذا رواه الحاكم بنحوه في «مستدركه»، لكن حَمْل الآية على الأوَّل أظهر كما قاله في «الفتح» وعلى تقدير تسليم أنَّه لم يكن في عهده (٥) ﷺ رباطٌ، فلا يمنع ذلك من الأمر به (٦) والتَّرغيب فيه. انتهى. وعن محمَّد بن كعبٍ: اصبروا على دينكم، وصابروا لوعدي الَّذي وعدتكم به، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم حتَّى يترك دينه لدينكم (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في جميع أموركم وأحوالكم (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]) غدًا إذا لقيتموه تعالى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بعد قوله تعالى: ﴿اصْبِرُواْ﴾ «إلى آخر الآية» فحذف ما بينهما.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِذْ ذَاكَ كَانَ صَوْمُ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الصِّيَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِهِ هُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٢ - بَاب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ
٢٨٩١ - حَدَّثَنِا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ: يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَالَةَ السَّفَرِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالسُّلَامَى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الصُّلْحِ مَعَ بَعْضِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ بَعْدَ خَمْسِينَ بَابًا فِي بَابِ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ.
وَقَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ السَّعْدِيِّ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ: بِالضَّمِّ وَالْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (يُعِينُ) يَأْتِي تَوْجِيهُهُ.
وَقَوْلُهُ: (يُحَامِلُهُ) أَيْ يُسَاعِدُهُ فِي الرُّكُوبِ، وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَعَانَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ قَالَ: وَإِذَا أُجِرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّةِ غَيْرِهِ فَإِذَا حَمَلَ غَيْرَهُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ احْتِسَابًا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا.
وَقَوْلُهُ: (دَلُّ الطَّرِيقِ) بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ بَيَانُهُ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الدِّلَالَةِ.
٧٣ - بَاب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الْآيَةَ، الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ فِي إِطْلَاقِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَطَنُهُ وَيَنْوِي بِالْإِقَامَةِ فِيهِ دَفْعَ الْعَدُوِّ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ، فَبَيْنَ الْمُرَابَطَةِ وَالْحِرَاسَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِالْآيَةِ اخْتِيَارٌ لِأَشْهَرِ التَّفَاسِيرِ، فَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وقَتَادَةَ (اصْبِرُوا) عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ (وَصَابِرُوا) أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ (وَرَابِطُوا) فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (١) (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) زاد مسلمٌ من وجه آخرَ عن عاصمٍ: «في سفر، فمنَّا الصَّائم، ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يومٍ حارٍّ» (أَكْثَرُنَا ظِلًّا مَنْ) وفي الفرع وأصله (٢): «الَّذي» (يَسْتَظِلُّ) من الشَّمس (بِكِسَائِهِ) وزاد مسلمٌ: «ومنَّا من يتَّقي الشَّمس بيده» (وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا) لعجزهم (وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ) بكسر الرَّاء: الإبل الَّتي يُسار عليها -واحدها (٣): راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها- أي: أثاروها إلى الماء للسَّقي وغيره (وَامْتَهَنُوا) بفتح الفوقيَّة والهاء (وَعَالَجُوا) أي: خدموا الصَّائمين وتناولوا السَّقي والعلف، وفي رواية مسلمٍ: «فضربوا الأبنية» أي: البيوت الَّتي يسكنها العرب في الصَّحراء كالخباء والقبَّة «وسقوا الرِّكاب» (فَقَالَ النَّبِيُّ) وفي نسخةٍ: «فقال رسول الله» (ﷺ: ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ) الوافر، وهو أجر ما فعلوه من خدمة الصَّائمين بضرب الأبنية والسَّقي وغير ذلك، لِمَا حصل منهم من النَّفع المتعدِّي، ومثلُ أجر الصُّوَّام؛ لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُّوَّام، وأما الصَّائمون فحصل لهم أجر صومهم القاصر عليهم، ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل للمفطرين من ذلك. ولم تظهر لي المطابقة بين التَّرجمة والحديث. نعم، يحتمل أن يكون ممَّا زاده مسلم، حيث قال: «في سفر»، الشَّامل لسفر الغزو وغيره مع قوله: «فبعثوا الرِّكاب وامتهنوا وعالجوا» المفسَّر بالخدمة.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم» وكذا النَّسائيُّ.
(٧٢) (بابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ).
٢٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم
بن نصر السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافعٍ الصَّنعانيُّ اليمانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: كُلُّ سُلَامَى) بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف اللَّام وفتح الميم، عظام الأصابع (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ) بنصب «كلَّ» على الظَّرفيَّة (يُعِينُ الرَّجُلَ) مبتدأٌ على تأويل المصدر نحو: تسمع بالمعيديِّ، أي: وإعانتك (١) الرَّجل (فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ) بالحاء المهملة، يساعده في الرُّكوب (عَلَيْهَا) أي: الدَّابَّة، ولأبي ذَرٍّ: «عليه» أي: على (٢) الرُّكوب (٣) (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) وخبر المبتدأ قوله: (صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (٤)، وَكُلُّ خَطْوَةٍ) بفتح الخاء المعجمة، المرَّة الواحدة، ولأبي ذَرٍّ: «خُطوة» بضمِّها ما بين القدمين (يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ) بفتح الدَّال المهملة وتشديد اللَّام، أي: الدِّلالة عليه للمحتاج إليه (صَدَقَةٌ).
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «يعين الرَّجل في دابَّته»، وسبق بعض الحديث في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٧].
(٧٣) (بابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) بكسر راء «رِبَاط» وتخفيف الموحَّدة، مصدر: رابَطَ، ووجه المفاعلة في هذا أنَّ كلًّا من الكفَّار والمسلمين ربطوا أنفسهم على حماية طرف (٥) بلادهم من عدوِّهم، والرِّباط مراقبة العدوِّ في الثُّغور المتاخمة لبلادهم بحراسة (٦) مَنْ بها من المسلمين، وهو في الأصل الإقامة على الجهاد، وقيل: الرِّباط مصدر: رابَط، بمعنى: لازمَ، وقيل: هو اسمٌ لما
يُربَط به الشَّيء، أي: يُشدُّ، فكأنَّه يربط نفسه عمَّا يشغله عن ذلك، أو أنَّه يربط فرسه الَّتي يقاتل عليها، وقول ابن حبيبٍ من المالكيَّة: ليس من سكن الرِّباط بأهله وماله وولده مرابطًا، بل من يخرج عن أهله وماله وولده قاصدًا للرِّباط، تعقَّبه في «الفتح» فقال: في إطلاقه نظرٌ، فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدوِّ، ومن ثمَّ اختار كثيرٌ من السَّلف سكنى الثُّغور.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «رباطِ» المجرور (١)، ولأبي ذَرٍّ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ﴾) أي: على مشاقِّ الطَّاعات وما يصيبكم من الشَّدائد (﴿وَصَابِرُواْ﴾) وغالبوا أعداء الله في الصَّبر على شدائد الحرب (﴿وَرَابِطُواْ﴾) أبدانكم وخيولكم في الثُّغور مترصِّدين للغزو وأنفسكم على الطَّاعة، وفي «الموطَّأ» حديث أبي هريرة مرفوعًا: «وانتظار الصَّلاة فذلكم الرِّباط». وروى ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يومًا فقال (٢): أتدري يا ابن أخي فيم أُنزِلت (٣) هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قلت: لا، قال: أَمَا إنَّه لم يكن في زمان النَّبيِّ ﷺ غزوٌ يرابطون فيه، ولكنَّها نزلت في قومٍ يعمُرون المساجد يصلُّون الصَّلاة في مواقيتها، ثمَّ يذكرون الله فيها، ففيهم أُنزِلت (٤) ﴿اصْبِرُواْ﴾ على الصَّلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُواْ﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مساجدكم. الحديث. وكذا رواه الحاكم بنحوه في «مستدركه»، لكن حَمْل الآية على الأوَّل أظهر كما قاله في «الفتح» وعلى تقدير تسليم أنَّه لم يكن في عهده (٥) ﷺ رباطٌ، فلا يمنع ذلك من الأمر به (٦) والتَّرغيب فيه. انتهى. وعن محمَّد بن كعبٍ: اصبروا على دينكم، وصابروا لوعدي الَّذي وعدتكم به، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم حتَّى يترك دينه لدينكم (﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾) في جميع أموركم وأحوالكم (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]) غدًا إذا لقيتموه تعالى، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بعد قوله تعالى: ﴿اصْبِرُواْ﴾ «إلى آخر الآية» فحذف ما بينهما.