«يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٣

الحديث رقم ٢٩٣ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل ما يصيب من فرج المرأة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٩٣ في صحيح البخاري

«يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ.

كِتَابُ الْحَيْضِ وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

بَابُ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ وَقَوْلُِ النَّبِيِّ : هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِيِّ أَكْثَرُ

إسناد حديث رقم ٢٩٣ من صحيح البخاري

٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٩٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا، لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ.

(تَنْبِيهٌ): فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ جِنَاسٌ تَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ، عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوجِ الْبَوْلِ (١) فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) يَعْنِي أَبَاهُ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ نَظِيرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي الْإِسْنَادِ.

قَوْلُهُ: (مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أَيْ يَغْسِلُ الرَّجُلُ الْعُضْوَ الَّذِي مَسَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) صرِيحٌ فِي تَأْخِيرِ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ الذَّكَرِ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فِيهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي) هُوَ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هوَ الْمُصَنِّفُ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (الْغُسْلُ أَحْوَطُ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّاسِخُ وَلَا يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ، فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ الِاغْتِسَالُ.

قَوْلُهُ: (الْأَخِيرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الْآخَرُ بِالْمَدِّ بِغَيْرِ يَاءٍ أَيْ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنِ اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ وَلِلْأَصِيلِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الْآخَرَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَالْمَاءُ أَنْقَى وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا.

وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الصَّعْبُ مُخَالَفَةُ الْبُخَارِيِّ وَحُكْمُهُ بِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَجِلَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ الْغُسْلُ أَحْوَطُ أَيْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي الْأُصُولِ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ بِجَوَازِ تَرْكِ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فَمُعْتَرَضٌ، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ ارْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ

مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّهُ قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ، فَسَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ: وَمِنَ التَّابِعِينَ الْأَعْمَشُ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَطِيبُ نَفْسِي إِذَا لَمْ أُنْزِلَ حَتَّى أَغْتَسِلَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ النَّاسِ لِأَخْذِنَا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: حَدِيثُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَى أَنْ قَالَ: فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا - يَعْنِي مِنَ الْحِجَازِيِّينَ - فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُنْزِلَ اهـ.

فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْغُسْلِ - وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَنَابَةِ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا أحد وَعِشْرُونَ، وَالْبَقِيَّةُ تَعْلِيقٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، وَهُوَ حَدِيثُ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَاهُ وَسِوَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي الْغُسْلِ بِصَاعٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَدِيثِهِ فِي الِاغْتِسَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةٌ، وَالْمَوْصُولُ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ، فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا عَنْهُمْ فَتَزِيدُ عِدَّةُ الْخَالِصِ مِنَ الْمَرْفُوعِ ثَلَاثَةً، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - كِتَاب الْحَيْضِ

وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [٢٢٢ البقرة]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْحَيْضِ) أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَيْضِ، وَالْمَحِيضُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَيْضُ، وَقِيلَ زَمَانُهُ، وَقِيلَ مَكَانُهُ.

قَوْلُهُ: (أَذًى) قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ الْحَيْضُ أَذًى لِنَتَنِهِ وَقَذَرِهِ وَنَجَاسَتِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَذَى الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحِيضَ أَذًى يَعْت زِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَوْضِعَهُ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَأَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُجَامِعُهُنَّ فِي الْحَيْضِ؟ يَعْنِي خِلَافًا لِلْيَهُودِ، فَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ هُوَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، بالمُهمَلة (١) فيهما، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة َقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد في الثَّلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٩٢] أنَّ أبا أيُّوب سمعه من رسول الله بلا واسطةٍ، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنًى، وإن توافقا في بعضٍ فيكون سمعه من النبي مرَّةً ومن أُبيِّ بن كعب (٢) مرَّة، فذكره -أي: أُبيًّا- للتَّقوية أو لغرضٍ (٣) غيره (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «امرأته» (فَلَمْ يُنْزِلْ؟) في السَّابقة: «فلم يُمْنِ» وهما بمعنًى واحدٍ (قَالَ) : (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ) أي: يغسل الرَّجل (٤) المذكور العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، ففي «مسَّ» ضميرٌ، وهو فاعله يعود إلى كلمة: «ما»، وموضعها نصبٌ مفعولٌ (٥) لـ «يغسل» (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصَّلاة كما زاد فيه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن هشام، وفيه التَّصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) هو (٦) أصرح في الدَّلالة على ترك الغسل من الحديث السَّابق.

والحديث سداسيُّ الإسناد، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والإفراد والعنعنة.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف، وقائل ذلك هو الرَّاوي عنه: (الغُسْلُ) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم يُنزِل، وفي الفرع: «الغَسل» بفتح الغين، ليس إلَّا (أَحْوَطُ) أي: أكثر احتياطًا في أمر الدِّين من الاكتفاء بغسل الفرج، والوضوء المذكور في الحديث السَّابق وفتوى من ذكر من الصَّحابة، أي: على تقدير عدم ثبوت النَّاسخ وظهور التَّرجيح (وَذَاكَ الأخِيرُ) بالمُثنَّاة من غير مدٍّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «الآخِر» بالمدِّ من غير مُثنَّاةٍ، أي: آخر الأمرين من فعل الشَّارع، وهو يشير إلى أنَّ حديث الباب غير منسوخٍ، بل ناسخٌ لما قبله، وضبطه البدر ابن (١) الدَّمامينيِّ كابن التَّين: «الآخَر» بفتح الخاء، أي: ذاك الوجه الآخر أو (٢) الحديث الآخر الدَّال على عدم الغسل (إِنَّمَا) ولابن عساكر: «وإنَّما» بالواو، والأليق حذفها، وهو يناسب رواية: فتح خاء «الآخر» (بَيَّنَّا) وللأَصيليِّ: «بينَّاه» (لاِخْتِلَافِهِمْ) أي: إنَّما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصَّحابة في الوجوب وعدمه، ولاختلاف المحدِّثين في صحَّته وعدمها، ولكريمة وابن عساكر: «و (٣) إنما بيَّنَّا اختلافهم»، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: «إنَّما بيَّنَّا الحديث الآخر لاختلافهم والماء أنقى» وقال (٤) البدر بن الدَّمامينيِّ كالسَّفاقسيِّ: فيه جنوحٌ لمذهب داود، وتعقَّب هذا القول البرماويُّ بأنَّه إنَّما يكون ميلًا لمذهب داود إذا فتحت خاء «آخَر»، أمَّا «بالكسر» فيكون جزمًا بالنَّسخ، والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصَّواب.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من الغسل وأحكامه شَرَعَ في الكلام على الحيض والنِّفاس والاستحاضة، فقال (١):

((٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في الفرع بإثباتها، مع رقم علامة إسقاطها عند ابن عساكر والأَصيليِّ.

هذا (كِتَابُ) بيان أحكام (الحَيْضِ) وما يُذكَر معه من الاستحاضة والنَّفاس، ولأبي ذَرٍّ: تقديم «كتاب» على «البسملة»، وفي روايةٍ: «باب» بدل «كتاب»، والتَّعبير بـ «الكتاب» أَوْلى كما لايخفى، وترجم بالحيض لكثرة وقوعه، وله أسماءٌ عشرةٌ: الحيض، والطَّمث، والضَّحك، والإكبار، والإعصار، والدِّراس (٢)، والعِرَاك، والفِرَاك -بالفاء- والطَّمس، والنِّفاس، ومنه قوله لعائشة: «أنَُفِسْتِ؟»، والحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشَّجرة (٣) إذا سال صمغها، وفي الشَّرع: دمٌ يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقاتٍ

معتادةٍ، والاستحاضة: الدَّم الخارج في غير أوقاته ويسيل من عرقٍ فمه في أدنىالرَّحم، اسمه: العاذل -بالذَّال المُعجَمة- قاله الأزهريُّ (١)، وحكى ابن سِيْدَهإهمالها، والجوهريُّبدل اللَّام راءٌ.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿» (٢) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الحيض»، المجرور بإضافة «كتابٍ» إليه، وفي روايةٍ: «قولُ الله» بالرَّفع: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) مصدرٌ كالمجيء والمبيت، أي: الحيض، أي: عن حكمه، وروى الطَّبريُّ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الذي سأل أوَّلًا عن ذلك: أبو (٣) الدَّحْدَاح، وسبب نزول الآية ما روى (٤) مسلمٌ عن أنسٍ: أنَّ اليهود كانوا (٥) إذا حاضت المرأةفيهم (٦) أخرجوها من البيوت، فسأل الصَّحابةُ رسولَ الله ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، وقال النَّبيُّ : «افعلوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح» (﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾) أي: الحيض، مُستقذَرٌ يؤذي من يقربه لنتنهونجاسته (﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾) فاجتنبوا مجامعتهنَّ في نفس الدَّم، أي: حال سيلانه أو زمن الحيض أو الفرج، والأوَّل هو الأصحُّ، وهو اقتصادٌ بين

إفراط اليهود الآخذين في ذلك بإخراجهنَّ من البيوت، وتفريط النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض، وإنَّما وصفه بأنَّه أذًى، ورتَّب الحكم عليه بالفاء؛ إشعارًا بأنَّه العلَّة (﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾) تأكيدٌ للحكم وبيانٌ لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدلُّ عليه صريحًا قراءة: «يطَّهرن» بالتَّشديد، بمعنى: يغتسلن، والتزامًا (١) قوله: (﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾) فإنَّه يقتضي تأخُّر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض، جاز قربانها قبل الغسل (﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾) أي: المأتَى الذي أمركم الله به، وحلَّله لكم (﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾) مِنَ الذُّنوب (﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]) المتنزِّهين عنِ الفواحش والأقذار كمُجامعة الحائض، والإتيان في غير المأتيِّ، كذا ذُكِرتِ الآية كلُّها في رواية ابن عساكر، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «﴿فَاعْتَزِلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وللأَصيليِّ كذلك: «إلى قوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ».

(١) هذا (بابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين «بابٍ» بالقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة لتاليه (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ) بجرِّ «قول» ورفعه على ما لا يخفى: (هَذَا) أي: الحيض (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) لأنَّه من أصل خلقتهنَّ الذي فيه صلاحهنَّ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] المُفسَّر بأصلحناها للولادة بردِّ الحيض إليها بعد عقرها، وقد روى الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: إنَّ ابتداء الحيض كان على حوَّاء

بعد أن أُهبِطت (١) مِنَ الجنَّة، قال في «الفتح»: وهذا التَّعليق المذكور وصله المؤلِّف بلفظ: «شيءٌ»، في (٢) طريقٍ أخرى بعد خمسة أبوابٍ. انتهى. يعني: في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف بالبيت» [خ¦٣٠٥] وتعقَّبه البرماويُّ فقال: ليس في الباب المذكور: «شيءٌ»، بل هو الحديث الذي أورده البخاريُّ في هذا الباب، فلا حاجة لادِّعاء وصله بموضعٍ (٣) آخر. نعم لفظه هناك (٤): «أمرٌ» بدل «شيءٌ»، فـ «شيء» إمَّا رواية بالمعنى، وإما أنَّه مرويٌّ أيضًا. انتهى. والصَّواب: ما قاله ابن حجرٍ، فإنَّه في الباب المذكور كذلك. نعم قال فيه: «فإنَّ ذلك شيءٌ»، بدل قوله هنا (٥): «هذا شيءٌ» (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبد الله بن مسعودٍ وعائشة: (كَانَ أَوَّلُ) بالرَّفع: اسم كان (مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحيض: نائبٌ عنِ الفاعل (عَلَى) نساء (بَنِي إِسْرَائِيلَ) خبر كان، وكأنَّه يشير إلى حديث عبد الرَّزَّاق عن ابن مسعودٍ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان الرِّجال والنِّساء في بني إسرائيل يصلُّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوَّف (٦) للرَّجل، فألقى الله عليهنَّ الحيض، ومنعهنَّ المساجد، وعنده عن (٧) عائشة نحوه.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ (٨)، وسقط لغير أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٩) «قال أبو عبد الله»: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ) أنَّ هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم (أَكْثَرُ) بالمُثلَّثة، أي: أشمل من قول بعضهم السَّابق لأنَّه يتناول بنات (١٠) بني إسرائيل وغيرهنَّ، وقال الدَّاوديُّ:

ليس بينهما مخالفةٌ، فإنَّ نساء بني إسرائيل من بنات آدم. انتهى. والمُخالَفة -كما ترى- ظاهرةٌ، فإنَّ هذا القول يلزم منه أنَّ غير نساء بني إسرائيل لم يُرسَل عليهنَّ الحيض، والحديث ظاهرٌ في أنَّ جميع بنات آدم كتب الله عليهنَّ الحيض، إسرائيليَّاتٍ كنَّ أو غيرهنَّ، وأجاب الحافظ ابن حجرٍبأنَّه يمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتَّعميم بأنَّ الذي أُرسِل على نساء (١) بني إسرائيل طول مكثه بهنَّ، عقوبةً لهنَّ، لا ابتداء وجوده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يقول: لا ابتداء وجوده، والخبر فيه: أوَّل ما أرسل، وبينه وبين كلامه منافاةٌ، وأيضًا من (٢) أين ورد أنَّ الحيض طال مكثه في (٣) نساء (٤) بني إسرائيل؟ ومن نقل هذا؟ ثمَّ أجاببأنَّه يمكن أنَّ الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبةً لهنَّ ولأزواجهنَّ (٥)، لكثرة عنادهم ومضت على ذلك مُدَّةٌ، ثمَّ إنَّ الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النَّسل، فلمَّا أعاده عليهنَّ كان ذلك أوَّل الحيض بالنَّسبة إلى مدَّة الانقطاع، فأطلق الأوَّليَّة عليه بهذا الاعتبار لأنَّها من الأمور النِّسبيَّة، وأجاب في «المصابيح» بالحمل على أنَّ المرادَ بإرسال الحيض إرسالُ حكمه بمعنى: أنَّ كون الحيض مانعًا (٦) ابتُدِئ بالإسرائيليَّات، وحمل الحديث على قضاء الله على بنات آدم بوجود (٧) الحيض، كما هو الظَّاهر منه. انتهى.

فائدة: الذي يحيض من الحيوانات: المرأة والضَّبع والخفَّاش والأرنب والحوت (٨)، ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك، وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمروٍ (٩) مرفوعًا: «الأرنب تحيض» وزاد بعضهم: النَّاقة والوزغة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا، لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ.

(تَنْبِيهٌ): فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ جِنَاسٌ تَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ، عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوجِ الْبَوْلِ (١) فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) يَعْنِي أَبَاهُ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ نَظِيرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي الْإِسْنَادِ.

قَوْلُهُ: (مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أَيْ يَغْسِلُ الرَّجُلُ الْعُضْوَ الَّذِي مَسَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) صرِيحٌ فِي تَأْخِيرِ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ الذَّكَرِ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فِيهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي) هُوَ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هوَ الْمُصَنِّفُ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (الْغُسْلُ أَحْوَطُ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّاسِخُ وَلَا يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ، فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ الِاغْتِسَالُ.

قَوْلُهُ: (الْأَخِيرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الْآخَرُ بِالْمَدِّ بِغَيْرِ يَاءٍ أَيْ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنِ اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ وَلِلْأَصِيلِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الْآخَرَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَالْمَاءُ أَنْقَى وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا.

وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الصَّعْبُ مُخَالَفَةُ الْبُخَارِيِّ وَحُكْمُهُ بِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَجِلَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ الْغُسْلُ أَحْوَطُ أَيْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي الْأُصُولِ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ بِجَوَازِ تَرْكِ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فَمُعْتَرَضٌ، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ ارْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ

مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّهُ قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ، فَسَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ: وَمِنَ التَّابِعِينَ الْأَعْمَشُ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَطِيبُ نَفْسِي إِذَا لَمْ أُنْزِلَ حَتَّى أَغْتَسِلَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ النَّاسِ لِأَخْذِنَا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: حَدِيثُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَى أَنْ قَالَ: فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا - يَعْنِي مِنَ الْحِجَازِيِّينَ - فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُنْزِلَ اهـ.

فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْغُسْلِ - وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَنَابَةِ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا أحد وَعِشْرُونَ، وَالْبَقِيَّةُ تَعْلِيقٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، وَهُوَ حَدِيثُ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَاهُ وَسِوَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي الْغُسْلِ بِصَاعٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَدِيثِهِ فِي الِاغْتِسَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةٌ، وَالْمَوْصُولُ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ، فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا عَنْهُمْ فَتَزِيدُ عِدَّةُ الْخَالِصِ مِنَ الْمَرْفُوعِ ثَلَاثَةً، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - كِتَاب الْحَيْضِ

وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [٢٢٢ البقرة]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْحَيْضِ) أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَيْضِ، وَالْمَحِيضُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَيْضُ، وَقِيلَ زَمَانُهُ، وَقِيلَ مَكَانُهُ.

قَوْلُهُ: (أَذًى) قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ الْحَيْضُ أَذًى لِنَتَنِهِ وَقَذَرِهِ وَنَجَاسَتِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَذَى الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحِيضَ أَذًى يَعْت زِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَوْضِعَهُ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَأَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُجَامِعُهُنَّ فِي الْحَيْضِ؟ يَعْنِي خِلَافًا لِلْيَهُودِ، فَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ هُوَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، بالمُهمَلة (١) فيهما، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة َقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد في الثَّلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٩٢] أنَّ أبا أيُّوب سمعه من رسول الله بلا واسطةٍ، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنًى، وإن توافقا في بعضٍ فيكون سمعه من النبي مرَّةً ومن أُبيِّ بن كعب (٢) مرَّة، فذكره -أي: أُبيًّا- للتَّقوية أو لغرضٍ (٣) غيره (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «امرأته» (فَلَمْ يُنْزِلْ؟) في السَّابقة: «فلم يُمْنِ» وهما بمعنًى واحدٍ (قَالَ) : (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ) أي: يغسل الرَّجل (٤) المذكور العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، ففي «مسَّ» ضميرٌ، وهو فاعله يعود إلى كلمة: «ما»، وموضعها نصبٌ مفعولٌ (٥) لـ «يغسل» (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصَّلاة كما زاد فيه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن هشام، وفيه التَّصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) هو (٦) أصرح في الدَّلالة على ترك الغسل من الحديث السَّابق.

والحديث سداسيُّ الإسناد، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والإفراد والعنعنة.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف، وقائل ذلك هو الرَّاوي عنه: (الغُسْلُ) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم يُنزِل، وفي الفرع: «الغَسل» بفتح الغين، ليس إلَّا (أَحْوَطُ) أي: أكثر احتياطًا في أمر الدِّين من الاكتفاء بغسل الفرج، والوضوء المذكور في الحديث السَّابق وفتوى من ذكر من الصَّحابة، أي: على تقدير عدم ثبوت النَّاسخ وظهور التَّرجيح (وَذَاكَ الأخِيرُ) بالمُثنَّاة من غير مدٍّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «الآخِر» بالمدِّ من غير مُثنَّاةٍ، أي: آخر الأمرين من فعل الشَّارع، وهو يشير إلى أنَّ حديث الباب غير منسوخٍ، بل ناسخٌ لما قبله، وضبطه البدر ابن (١) الدَّمامينيِّ كابن التَّين: «الآخَر» بفتح الخاء، أي: ذاك الوجه الآخر أو (٢) الحديث الآخر الدَّال على عدم الغسل (إِنَّمَا) ولابن عساكر: «وإنَّما» بالواو، والأليق حذفها، وهو يناسب رواية: فتح خاء «الآخر» (بَيَّنَّا) وللأَصيليِّ: «بينَّاه» (لاِخْتِلَافِهِمْ) أي: إنَّما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصَّحابة في الوجوب وعدمه، ولاختلاف المحدِّثين في صحَّته وعدمها، ولكريمة وابن عساكر: «و (٣) إنما بيَّنَّا اختلافهم»، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: «إنَّما بيَّنَّا الحديث الآخر لاختلافهم والماء أنقى» وقال (٤) البدر بن الدَّمامينيِّ كالسَّفاقسيِّ: فيه جنوحٌ لمذهب داود، وتعقَّب هذا القول البرماويُّ بأنَّه إنَّما يكون ميلًا لمذهب داود إذا فتحت خاء «آخَر»، أمَّا «بالكسر» فيكون جزمًا بالنَّسخ، والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصَّواب.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من الغسل وأحكامه شَرَعَ في الكلام على الحيض والنِّفاس والاستحاضة، فقال (١):

((٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في الفرع بإثباتها، مع رقم علامة إسقاطها عند ابن عساكر والأَصيليِّ.

هذا (كِتَابُ) بيان أحكام (الحَيْضِ) وما يُذكَر معه من الاستحاضة والنَّفاس، ولأبي ذَرٍّ: تقديم «كتاب» على «البسملة»، وفي روايةٍ: «باب» بدل «كتاب»، والتَّعبير بـ «الكتاب» أَوْلى كما لايخفى، وترجم بالحيض لكثرة وقوعه، وله أسماءٌ عشرةٌ: الحيض، والطَّمث، والضَّحك، والإكبار، والإعصار، والدِّراس (٢)، والعِرَاك، والفِرَاك -بالفاء- والطَّمس، والنِّفاس، ومنه قوله لعائشة: «أنَُفِسْتِ؟»، والحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشَّجرة (٣) إذا سال صمغها، وفي الشَّرع: دمٌ يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقاتٍ

معتادةٍ، والاستحاضة: الدَّم الخارج في غير أوقاته ويسيل من عرقٍ فمه في أدنىالرَّحم، اسمه: العاذل -بالذَّال المُعجَمة- قاله الأزهريُّ (١)، وحكى ابن سِيْدَهإهمالها، والجوهريُّبدل اللَّام راءٌ.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿» (٢) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الحيض»، المجرور بإضافة «كتابٍ» إليه، وفي روايةٍ: «قولُ الله» بالرَّفع: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) مصدرٌ كالمجيء والمبيت، أي: الحيض، أي: عن حكمه، وروى الطَّبريُّ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الذي سأل أوَّلًا عن ذلك: أبو (٣) الدَّحْدَاح، وسبب نزول الآية ما روى (٤) مسلمٌ عن أنسٍ: أنَّ اليهود كانوا (٥) إذا حاضت المرأةفيهم (٦) أخرجوها من البيوت، فسأل الصَّحابةُ رسولَ الله ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، وقال النَّبيُّ : «افعلوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح» (﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾) أي: الحيض، مُستقذَرٌ يؤذي من يقربه لنتنهونجاسته (﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾) فاجتنبوا مجامعتهنَّ في نفس الدَّم، أي: حال سيلانه أو زمن الحيض أو الفرج، والأوَّل هو الأصحُّ، وهو اقتصادٌ بين

إفراط اليهود الآخذين في ذلك بإخراجهنَّ من البيوت، وتفريط النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض، وإنَّما وصفه بأنَّه أذًى، ورتَّب الحكم عليه بالفاء؛ إشعارًا بأنَّه العلَّة (﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾) تأكيدٌ للحكم وبيانٌ لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدلُّ عليه صريحًا قراءة: «يطَّهرن» بالتَّشديد، بمعنى: يغتسلن، والتزامًا (١) قوله: (﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾) فإنَّه يقتضي تأخُّر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض، جاز قربانها قبل الغسل (﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾) أي: المأتَى الذي أمركم الله به، وحلَّله لكم (﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾) مِنَ الذُّنوب (﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]) المتنزِّهين عنِ الفواحش والأقذار كمُجامعة الحائض، والإتيان في غير المأتيِّ، كذا ذُكِرتِ الآية كلُّها في رواية ابن عساكر، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «﴿فَاعْتَزِلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وللأَصيليِّ كذلك: «إلى قوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ».

(١) هذا (بابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين «بابٍ» بالقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة لتاليه (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ) بجرِّ «قول» ورفعه على ما لا يخفى: (هَذَا) أي: الحيض (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) لأنَّه من أصل خلقتهنَّ الذي فيه صلاحهنَّ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] المُفسَّر بأصلحناها للولادة بردِّ الحيض إليها بعد عقرها، وقد روى الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: إنَّ ابتداء الحيض كان على حوَّاء

بعد أن أُهبِطت (١) مِنَ الجنَّة، قال في «الفتح»: وهذا التَّعليق المذكور وصله المؤلِّف بلفظ: «شيءٌ»، في (٢) طريقٍ أخرى بعد خمسة أبوابٍ. انتهى. يعني: في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف بالبيت» [خ¦٣٠٥] وتعقَّبه البرماويُّ فقال: ليس في الباب المذكور: «شيءٌ»، بل هو الحديث الذي أورده البخاريُّ في هذا الباب، فلا حاجة لادِّعاء وصله بموضعٍ (٣) آخر. نعم لفظه هناك (٤): «أمرٌ» بدل «شيءٌ»، فـ «شيء» إمَّا رواية بالمعنى، وإما أنَّه مرويٌّ أيضًا. انتهى. والصَّواب: ما قاله ابن حجرٍ، فإنَّه في الباب المذكور كذلك. نعم قال فيه: «فإنَّ ذلك شيءٌ»، بدل قوله هنا (٥): «هذا شيءٌ» (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبد الله بن مسعودٍ وعائشة: (كَانَ أَوَّلُ) بالرَّفع: اسم كان (مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحيض: نائبٌ عنِ الفاعل (عَلَى) نساء (بَنِي إِسْرَائِيلَ) خبر كان، وكأنَّه يشير إلى حديث عبد الرَّزَّاق عن ابن مسعودٍ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان الرِّجال والنِّساء في بني إسرائيل يصلُّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوَّف (٦) للرَّجل، فألقى الله عليهنَّ الحيض، ومنعهنَّ المساجد، وعنده عن (٧) عائشة نحوه.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ (٨)، وسقط لغير أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٩) «قال أبو عبد الله»: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ) أنَّ هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم (أَكْثَرُ) بالمُثلَّثة، أي: أشمل من قول بعضهم السَّابق لأنَّه يتناول بنات (١٠) بني إسرائيل وغيرهنَّ، وقال الدَّاوديُّ:

ليس بينهما مخالفةٌ، فإنَّ نساء بني إسرائيل من بنات آدم. انتهى. والمُخالَفة -كما ترى- ظاهرةٌ، فإنَّ هذا القول يلزم منه أنَّ غير نساء بني إسرائيل لم يُرسَل عليهنَّ الحيض، والحديث ظاهرٌ في أنَّ جميع بنات آدم كتب الله عليهنَّ الحيض، إسرائيليَّاتٍ كنَّ أو غيرهنَّ، وأجاب الحافظ ابن حجرٍبأنَّه يمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتَّعميم بأنَّ الذي أُرسِل على نساء (١) بني إسرائيل طول مكثه بهنَّ، عقوبةً لهنَّ، لا ابتداء وجوده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يقول: لا ابتداء وجوده، والخبر فيه: أوَّل ما أرسل، وبينه وبين كلامه منافاةٌ، وأيضًا من (٢) أين ورد أنَّ الحيض طال مكثه في (٣) نساء (٤) بني إسرائيل؟ ومن نقل هذا؟ ثمَّ أجاببأنَّه يمكن أنَّ الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبةً لهنَّ ولأزواجهنَّ (٥)، لكثرة عنادهم ومضت على ذلك مُدَّةٌ، ثمَّ إنَّ الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النَّسل، فلمَّا أعاده عليهنَّ كان ذلك أوَّل الحيض بالنَّسبة إلى مدَّة الانقطاع، فأطلق الأوَّليَّة عليه بهذا الاعتبار لأنَّها من الأمور النِّسبيَّة، وأجاب في «المصابيح» بالحمل على أنَّ المرادَ بإرسال الحيض إرسالُ حكمه بمعنى: أنَّ كون الحيض مانعًا (٦) ابتُدِئ بالإسرائيليَّات، وحمل الحديث على قضاء الله على بنات آدم بوجود (٧) الحيض، كما هو الظَّاهر منه. انتهى.

فائدة: الذي يحيض من الحيوانات: المرأة والضَّبع والخفَّاش والأرنب والحوت (٨)، ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك، وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمروٍ (٩) مرفوعًا: «الأرنب تحيض» وزاد بعضهم: النَّاقة والوزغة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله