«نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٥٦

الحديث رقم ٢٩٥٦ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٩٥٦ في صحيح البخاري

«نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.»

إسناد حديث رقم ٢٩٥٦ من صحيح البخاري

٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

شرح حديث ٢٩٥٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَصِّ الْحَدِيثِ.

ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَاقَهُ هُنَا بِلَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَقَيَّدَ التَّرْجَمَةَ هُنَاكَ بِمَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَوْلُهُ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا الْوُجُودِيَّةِ.

١٠٩ - بَاب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ

٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.

٢٩٥٧ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ

[الحديث ٢٩٥٧ - طرفه في: ٧١٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ) يُقَاتَلُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَلَمْ يَزِدِ الْبُخَارِيُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُقَاتَلَةُ لِلدَّفْعِ عَنِ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِهِ حَقِيقَةً أَوْ قُدَّامَهُ، وَوَرَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ.

قَوْلُهُ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ)

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ الْحَدِيثَ، الْجُمْلَةُ الْأُولَى طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَسَبَقَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ عَادَتَهُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ النُّسْخَةِ - وَهِيَ شُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنْ يُصَدِّرَ بِأَوَّلِ حَدِيثٍ فِيهَا وَيَعْطِفَ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَمِعَهَا هَكَذَا، وَأَنَّ مُسْلِمًا فِي نُسْخَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَلَكَ طَرِيقًا نَحْوَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَيْتَ وَكَيْتَ. وَتَكَلَّفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: وَجْهُ مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ) الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ الْإِمَامُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْهُ وَيَنْصُرَهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الزَّمَانِ لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَخْذِ الْعَهْدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، فَهُمْ فِي الصُّورَةِ أَمَامَهُ وَفِي الْحَقِيقَةِ خَلْفَهُ فَنَاسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْخَلْفُ أَوِ الْأَمَامُ.

وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ كَذَا هُنَا، قِيلَ: اسْتَعْمَلَ الْقَوْلَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ، حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَمَرَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ أَمَرَ، وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَالَ هُنَا حَكَمَ، ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَيْلِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ أَيْ: وِزْرًا، وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ لِدَلَالَةِ مُقَابِلِهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ تَبْعِيضِيَّةً، أَيْ: فَإِنَّ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا يَقُولُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ مُنَّةً بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ بِلَا رَيْبٍ ; وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ. وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ: سُتْرَةٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَيَكُفُّ أَذَى بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ كُلُّ قَائِمٍ بِأُمُورِ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَالَ: السَّمْعُ) لأولي الأمر بإجابة أقوالهم (وَالطَّاعَةُ) لأوامرهم (حَقٌّ) واجبٌ، وهو شاملٌ لأمراء المسلمين في عهد رسول الله وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة (مَا لَمْ يُؤْمَرْ) أحدكم (بِالمَعْصِيَةِ) لله، ولأبي ذَرٍّ: «بمعصية» (فَإِذَا أُمِرَ) أحدكم (بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ) لهم (وَلَا طَاعَةَ) إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنمَّا الطَّاعة في المعروف، والفعلان مفتوحان، والمراد نفي الحقيقة الشَّرعيَّة لا الوجوديَّة.

(١٠٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُقَاتَلُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (مِنْ وَرَاءِ الإِمَامِ) القائم بأمور الأنام (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (١).

٢٩٥٦ - ٢٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) في الآخرة.

وهذا طرفٌ من حديثٍ، وقد سبق الكلام فيه في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٨] و «الجمعة» [خ¦٨٧٦] ومطابقته لما ترجم له هنا غير بيِّنةٍ، لكن قال ابن المُنَيِّر: إنَّ معنى «يقاتل من ورائه» أي: من أمامه، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنَّهم وإن تقدَّموا في الصُّورة فهم أتباعه في الحقيقة،

والنَّبيُّ تقدَّم غيره عليه بصورة الزَّمان، لكنَّ المتقدِّم عليه مأخوذٌ عهده أن يؤمن به وينصره كآحاد أمَّته، ولذلك ينزل عيسى ابن مريم (١) مأمومًا، فهم في الصورة أمامه، وفي الحقيقة خلفه، فناسب ذلك قوله: «يقاتل من ورائه» وهذا كما تراه في غايةٍ من التَّكلُّف، والظَّاهر أنَّه إنَّما ذكره جريًا على عادته أن يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً (٢) لتضمُّنه معنى (٣) الدَّلالة المطلوبة منه وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

(وَبِهَذَا الإِسْنَادِ) السَّابق قال : (مَنْ أَطَاعَنِي) فيما أَمرتُ به (٤) (فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنَّه في الحقيقة مبلِّغٌ، و (٥) الآمر هو الله ﷿ (وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ) أمير السريَّة أو الأمراء مطلقًا فيما يأمرونه (٦) به (فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ (٧) الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) قيل: وسبب قوله ذلك أنَّ قريشًا ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم، فأعلمهم أنَّ طاعة الأمراء حقٌّ واجبٌ (وَإِنَّمَا الإِمَامُ) القائم بحقوق الأنام (جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم وتشديد النُّون، سترةٌ ووقايةٌ يمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويحمي بيضة الإسلام (يُقَاتَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، معه الكفَّار والبغاة (مِنْ وَرَائِهِ) أي: أمامه، فعبَّر بالوراء عنه كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم (٨)، فالمراد المقاتلة للدَّفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقةً أو قدَّامه، فإن لم يقاتل من ورائه، وأبى (٩) عليه مرج أمر

النَّاس، وسطا القويُّ على الضَّعيف، وضُيِّعت الحدود والفرائض (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله (١) مبنيًّا للمفعول، فلا يعتقد من قاتل عنه أنَّه حماه، بل ينبغي أن يعتقد أنَّه احتمى به لأنَّه فئته، وبه قويت همَّته، وفيه إشارةٌ إلى صحَّة تعدُّد الجهات، وألَّا يُعدَّ من التَّناقض وإن تُوهِّم فيه ذلك؛ لأنَّ كونه جُنَّة يقتضي أن يتقدَّم، وكونه يقاتل من أمامه يقتضي أن يتأخَّر، فجُمِعَ بينهما باعتبارين وجهتين (فَإِنْ أَمَرَ) رعيَّته (بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ) فيهم (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ) الأمر والعدل (أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ) أي: أمر أو حكم (بِغَيْرِهِ) أي: بغير تقوى الله وعدله (فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ) وزرًا، كذا ثبتت هذه -يعني: «وزرًا» (٢) - في بعض طرق الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحُذِفَت هنا لدلالة مقابلِه السَّابق عليه، و «منه» (٣) للتَّبعيض، فيكون المراد أنَّ بعض الوزر عليه، أو المراد أنَّ الوبال الحاصل منه عليه لا على المأمور، وحكى صاحب «الفتح»: أنَّه وقع في رواية أبي زيدٍ (٤) المروزيِّ: «فإنَّ (٥) عليه مُنَّةً» بضمِّ الميم وتشديد النُّون، بعدها هاء (٦) تأنيثٍ، قال: وهي (٧) تصحيفٌ بلا ريبٍ، وبالأولى جزم أبو ذرٍّ.

(١١٠) (بابُ البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ) على (أَلَّا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى المَوْتِ) أي: على ألَّا يفرُّوا ولو ماتوا (لِقَوْلِه تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَصِّ الْحَدِيثِ.

ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَاقَهُ هُنَا بِلَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَقَيَّدَ التَّرْجَمَةَ هُنَاكَ بِمَا وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَوْلُهُ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا الْوُجُودِيَّةِ.

١٠٩ - بَاب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ

٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.

٢٩٥٧ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ

[الحديث ٢٩٥٧ - طرفه في: ٧١٣٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ) يُقَاتَلُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَلَمْ يَزِدِ الْبُخَارِيُّ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُقَاتَلَةُ لِلدَّفْعِ عَنِ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَلْفِهِ حَقِيقَةً أَوْ قُدَّامَهُ، وَوَرَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ.

قَوْلُهُ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ)

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ الْحَدِيثَ، الْجُمْلَةُ الْأُولَى طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَسَبَقَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ عَادَتَهُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ النُّسْخَةِ - وَهِيَ شُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنْ يُصَدِّرَ بِأَوَّلِ حَدِيثٍ فِيهَا وَيَعْطِفَ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَمِعَهَا هَكَذَا، وَأَنَّ مُسْلِمًا فِي نُسْخَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَلَكَ طَرِيقًا نَحْوَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَيْتَ وَكَيْتَ. وَتَكَلَّفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: وَجْهُ مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ) الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ الْإِمَامُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْهُ وَيَنْصُرَهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الزَّمَانِ لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَخْذِ الْعَهْدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، فَهُمْ فِي الصُّورَةِ أَمَامَهُ وَفِي الْحَقِيقَةِ خَلْفَهُ فَنَاسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْخَلْفُ أَوِ الْأَمَامُ.

وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ كَذَا هُنَا، قِيلَ: اسْتَعْمَلَ الْقَوْلَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ، حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَمَرَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ أَمَرَ، وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَالَ هُنَا حَكَمَ، ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَيْلِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ أَيْ: وِزْرًا، وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ لِدَلَالَةِ مُقَابِلِهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ تَبْعِيضِيَّةً، أَيْ: فَإِنَّ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا يَقُولُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ مُنَّةً بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ بِلَا رَيْبٍ ; وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ. وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ: سُتْرَةٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَيَكُفُّ أَذَى بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ كُلُّ قَائِمٍ بِأُمُورِ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَالَ: السَّمْعُ) لأولي الأمر بإجابة أقوالهم (وَالطَّاعَةُ) لأوامرهم (حَقٌّ) واجبٌ، وهو شاملٌ لأمراء المسلمين في عهد رسول الله وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة (مَا لَمْ يُؤْمَرْ) أحدكم (بِالمَعْصِيَةِ) لله، ولأبي ذَرٍّ: «بمعصية» (فَإِذَا أُمِرَ) أحدكم (بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ) لهم (وَلَا طَاعَةَ) إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنمَّا الطَّاعة في المعروف، والفعلان مفتوحان، والمراد نفي الحقيقة الشَّرعيَّة لا الوجوديَّة.

(١٠٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُقَاتَلُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (مِنْ وَرَاءِ الإِمَامِ) القائم بأمور الأنام (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (١).

٢٩٥٦ - ٢٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) في الآخرة.

وهذا طرفٌ من حديثٍ، وقد سبق الكلام فيه في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٨] و «الجمعة» [خ¦٨٧٦] ومطابقته لما ترجم له هنا غير بيِّنةٍ، لكن قال ابن المُنَيِّر: إنَّ معنى «يقاتل من ورائه» أي: من أمامه، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنَّهم وإن تقدَّموا في الصُّورة فهم أتباعه في الحقيقة،

والنَّبيُّ تقدَّم غيره عليه بصورة الزَّمان، لكنَّ المتقدِّم عليه مأخوذٌ عهده أن يؤمن به وينصره كآحاد أمَّته، ولذلك ينزل عيسى ابن مريم (١) مأمومًا، فهم في الصورة أمامه، وفي الحقيقة خلفه، فناسب ذلك قوله: «يقاتل من ورائه» وهذا كما تراه في غايةٍ من التَّكلُّف، والظَّاهر أنَّه إنَّما ذكره جريًا على عادته أن يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً (٢) لتضمُّنه معنى (٣) الدَّلالة المطلوبة منه وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

(وَبِهَذَا الإِسْنَادِ) السَّابق قال : (مَنْ أَطَاعَنِي) فيما أَمرتُ به (٤) (فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنَّه في الحقيقة مبلِّغٌ، و (٥) الآمر هو الله ﷿ (وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ) أمير السريَّة أو الأمراء مطلقًا فيما يأمرونه (٦) به (فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ (٧) الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) قيل: وسبب قوله ذلك أنَّ قريشًا ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم، فأعلمهم أنَّ طاعة الأمراء حقٌّ واجبٌ (وَإِنَّمَا الإِمَامُ) القائم بحقوق الأنام (جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم وتشديد النُّون، سترةٌ ووقايةٌ يمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويحمي بيضة الإسلام (يُقَاتَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، معه الكفَّار والبغاة (مِنْ وَرَائِهِ) أي: أمامه، فعبَّر بالوراء عنه كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم (٨)، فالمراد المقاتلة للدَّفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقةً أو قدَّامه، فإن لم يقاتل من ورائه، وأبى (٩) عليه مرج أمر

النَّاس، وسطا القويُّ على الضَّعيف، وضُيِّعت الحدود والفرائض (وَيُتَّقَى بِهِ) بضمِّ أوَّله (١) مبنيًّا للمفعول، فلا يعتقد من قاتل عنه أنَّه حماه، بل ينبغي أن يعتقد أنَّه احتمى به لأنَّه فئته، وبه قويت همَّته، وفيه إشارةٌ إلى صحَّة تعدُّد الجهات، وألَّا يُعدَّ من التَّناقض وإن تُوهِّم فيه ذلك؛ لأنَّ كونه جُنَّة يقتضي أن يتقدَّم، وكونه يقاتل من أمامه يقتضي أن يتأخَّر، فجُمِعَ بينهما باعتبارين وجهتين (فَإِنْ أَمَرَ) رعيَّته (بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ) فيهم (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ) الأمر والعدل (أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ) أي: أمر أو حكم (بِغَيْرِهِ) أي: بغير تقوى الله وعدله (فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ) وزرًا، كذا ثبتت هذه -يعني: «وزرًا» (٢) - في بعض طرق الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحُذِفَت هنا لدلالة مقابلِه السَّابق عليه، و «منه» (٣) للتَّبعيض، فيكون المراد أنَّ بعض الوزر عليه، أو المراد أنَّ الوبال الحاصل منه عليه لا على المأمور، وحكى صاحب «الفتح»: أنَّه وقع في رواية أبي زيدٍ (٤) المروزيِّ: «فإنَّ (٥) عليه مُنَّةً» بضمِّ الميم وتشديد النُّون، بعدها هاء (٦) تأنيثٍ، قال: وهي (٧) تصحيفٌ بلا ريبٍ، وبالأولى جزم أبو ذرٍّ.

(١١٠) (بابُ البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ) على (أَلَّا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى المَوْتِ) أي: على ألَّا يفرُّوا ولو ماتوا (لِقَوْلِه تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله