الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٦
الحديث رقم ٣٠٦ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستحاضة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٦٩⦘
وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
بَابُ غَسْلِ دَمِ الْمَحِيضِ
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهَا طَمَثْتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حِضْتُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ، يُقَالُ: طَمِثَتِ الْمَرْأَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، تَطْمُثُ بِالضَّمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
٨ - بَاب الِاسْتِحَاضَةِ
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِحَاضَةِ) تقَدَّمَ أَنَّهَا جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَا أَطْهُرُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهَا إِنِّي أُسْتَحَاضُ وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ، وَكَانَتْ قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ، فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَزَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ، وكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَدْرَجٌ، وَقَوْلَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه.
٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهَا طَمَثْتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حِضْتُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ، يُقَالُ: طَمِثَتِ الْمَرْأَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، تَطْمُثُ بِالضَّمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
٨ - بَاب الِاسْتِحَاضَةِ
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِحَاضَةِ) تقَدَّمَ أَنَّهَا جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَا أَطْهُرُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهَا إِنِّي أُسْتَحَاضُ وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ، وَكَانَتْ قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ، فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَزَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ، وكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَدْرَجٌ، وَقَوْلَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه.
٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (ﷺ): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.