«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٨٦

الحديث رقم ٣١٨٦ من كتاب «كتاب الجزية» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إثم الغادر للبر والفاجر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣١٨٦ في صحيح البخاري

«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ: يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٣١٨٦

٣١٨٦ - ٣١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣١٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ وقذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ ، فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ - أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ - فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ - أَوْ أُبَيٍّ - فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي الْبِئْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ طَرْحِ جِيَفِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبِئْرِ وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ)

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ عَلَى أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِيهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَمَضَى شَرْحُهُ أَيْضًا. وَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ) أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَبَى النَّبِيُّ أَنْ يَبِيعَهُمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ أَنْ يَبِيعَهُمْ جَسَدَ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا حَاجَةَ لَنَا بِثَمَنِهِ وَلَا جَسَدِهِ، فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ بَذَلُوا فِيهِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَأَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَادَةَ تَشْهَدُ أَنَّ أَهْلَ قَتْلَى بَدْرٍ لَوْ فَهِمُوا أَنَّهُ يَقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءَ أَجْسَادِهِمْ لَبَذَلُوا فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَهَذَا شَاهِدٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ.

٢٢ - بَاب إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ

٣١٨٦، ٣١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ - وَقَالَ الْآخَرُ: يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ.

٣١٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

[الحديث ٣١٨٨ - أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١]

٣١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قال رسول الله : "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَرٍّ لِفَاجِرِ أَوْ بَرٍّ، أَوْ مِنْ فَاجِرٍ لِبَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ. وَبَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةِ السَّابِقَةِ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.

ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا وَثَانِيهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ مَعًا: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ. وَقَوْلُهُ وَعَنْ ثَابِتٍ قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ شُعْبَةُ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا، قَالَ فِي مَوْضِعَيْنِ: وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، فَيَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُرَقِّمْ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتٍ رَقْمَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ - يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ) لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ يُنْصَبُ وَلَا يُرَى، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عِنْدَ اسْتِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ كَأَنَّهُ عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ اللِّوَاءِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّأْسِ فَنُصِبَ عِنْدَ السُّفْلِ زِيَادَةً فِي فَضِيحَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيُنَ غَالِبًا تَمْتَدُّ إِلَى الْأَلْوِيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِامْتِدَادِهَا إِلَى الَّتِي بَدَتْ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَيَزْدَادُ بِهَا فَضِيحَتُهُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ:

قَوْلُهُ: (يُنْصَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغَدْرَتِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِلْعَرَبِ بِنَحْرِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ لِلْوَفَاءِ رَايَةً بَيْضَاءَ، وَلِلْغَدْرِ رَايَةً سَوْدَاءَ، لِيَلُومُوا الْغَادِرَ وَيَذُمُّوهُ، فَاقْتَضَى الْحَدِيثُ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْغَادِرِ لِيَشْتَهِرَ بِصِفَتِهِ فِي الْقِيَامَةِ، فَيَذُمُّهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَأَمَّا الْوَفَاءُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ لِوَاءُ الْحَمْدِ لِنَبِيِّنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغَدْرِ قَرِيبًا وَالْكَلَامُ عَلَى اللِّوَاءِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّايَةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَفِي الْحَدِيثِ غِلَظُ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لَاسِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَى الْغَدْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْإِمَامِ إِذَا غَدَرَ فِي عُهُودِهِ لِرَعِيَّتِهِ أَوْ لِمُقَاتِلَتِهِ أَوْ لِلْإِمَامَةِ الَّتِي تَقَلَّدَهَا وَالْتَزَمَ الْقِيَامَ بِهَا، فَمَتَى خَانَ فِيهَا أَوْ تَرَكَ الرِّفْقَ فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَهْيُ الرَّعِيَّةِ عَنِ الْغَدْرِ بِالْإِمَامِ، فَلَا تَخْرُجُ عَلَيْهِ وَلَا تَتَعَرَّضُ لِمَعْصِيَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مَا الْمَانِعُ مِنْ حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا وَأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ عَمْرٍو رَاوِي الْحَدِيثِ هُوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِآبَائِهِمْ لِقَوْلِهِ فِيهِ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِيَةُ فِي الْفِتَنِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأُمَّهَاتِهِمْ فَقَدْ يُخَصُّ هَذَا مِنَ الْعُمُومِ. وَتَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ الَّذِينَ يَغْدِرُونَ كَمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ وَبَاقِيهِ فِي الْحَجِّ، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِالتَّرْجَمَةِ غُمُوضٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُهُ أَنَّ مَحَارِمَ اللَّهِ عُهُودُهُ إِلَى عِبَادِهِ، فَمَنِ انْتَهَكَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ غَادِرًا، وَكَانَ النَّبِيُّ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ أَمَّنَ النَّاسَ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْقِتَالَ بِمَكَّةَ حَرَامٌ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَغْدِرَ بِهِمْ أَحَدٌ فِيمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْأَمَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُهُ أَنَّ النَّصَّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ اخْتُصَّتْ بِالْحُرْمَةِ إِلَّا فِي السَّاعَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِ الْبِرُّ فِيهَا، إِذْ كُلُّ بُقْعَةٍ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا اخْتُصَّتْ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا إِذْ مَعْنَاهُ لَا تَغْدِرُوا بِالْأَئِمَّةِ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ الْوَفَاءِ بِالْخُرُوجِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحْرِيمِ الْغَدْرِ، أَوْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ

النَّبِيَّ لَمْ يَغْدِرْ بِاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ، بَلْ كَانَ بِإِحْلَالِ اللَّهِ لَهُ سَاعَةً، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ لَهُ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ سَبَبِ الْفَتْحِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَدْرُ قُرَيْشٍ بِخُزَاعَةَ حُلَفَاءِ النَّبِيِّ لَمَّا تَحَارَبُوا مَعَ بَنِي بَكْرٍ حُلَفَاءِ قُرَيْشٍ، فَأَمَدَّتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ وَأَعَانُوهُمْ عَلَى خُزَاعَةَ وَبَيَّتُوهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ :

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مُفَصَّلًا، فَكَانَ عَاقِبَةُ نَقْضِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ بِمَا فَعَلُوهُ أَنْ غَزَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحُوا مَكَّةَ وَاضْطَرُّوا إِلَى طَلَبِ الْأَمَانِ وَصَارُوا بَعْدَ الْعِزِّ وَالْقُوَّةِ فِي غَايَةِ الْوَهَنِ إِلَى أَنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُهُمْ لِذَلِكَ كَارِهٌ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْبَرِّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْفَاجِرِ إِلَى خُزَاعَةَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَمْ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ فَرْضِ الْخُمُسِ وَالْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ - وَهِيَ فِي التَّحْقِيقِ بَقَايَا الْجِهَادِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ، كَمَا أُفْرِدَتِ الْعُمْرَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي صِفَةِ نَقْشِ الْخَاتَمِ، وَحَدِيثِهِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْقَدَحِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، وَحَدِيثِ خَوْلَةَ: إِنَّ رِجَالًا يَخُوضُونَ، وَحَدِيثِ تَرِكَةِ الزُّبَيْرِ، وَحَدِيثِ سُؤَالِ هَوَازِنَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَحَدِيثِ إِعْطَاءِ جَابِرٍ مِنْ تَمْرِ خَيْبَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَحَدِيثِهِ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ فَهَذِهِ فِي الْخُمُسِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا، وَحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَنْ سَحَرَ، وَحَدِيثِ عَوْفٍ فِي الْمَلَاحِمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ وَفِيهَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ وقذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ ، فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ - أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ - فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ - أَوْ أُبَيٍّ - فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي الْبِئْرِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ طَرْحِ جِيَفِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبِئْرِ وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ)

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ عَلَى أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِيهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَمَضَى شَرْحُهُ أَيْضًا. وَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ) أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَبَى النَّبِيُّ أَنْ يَبِيعَهُمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ أَنْ يَبِيعَهُمْ جَسَدَ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا حَاجَةَ لَنَا بِثَمَنِهِ وَلَا جَسَدِهِ، فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ بَذَلُوا فِيهِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَأَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَادَةَ تَشْهَدُ أَنَّ أَهْلَ قَتْلَى بَدْرٍ لَوْ فَهِمُوا أَنَّهُ يَقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءَ أَجْسَادِهِمْ لَبَذَلُوا فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَهَذَا شَاهِدٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ.

٢٢ - بَاب إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ

٣١٨٦، ٣١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ - وَقَالَ الْآخَرُ: يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ.

٣١٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

[الحديث ٣١٨٨ - أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١]

٣١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قال رسول الله : "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَرٍّ لِفَاجِرِ أَوْ بَرٍّ، أَوْ مِنْ فَاجِرٍ لِبَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ. وَبَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةِ السَّابِقَةِ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.

ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا وَثَانِيهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ مَعًا: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ. وَقَوْلُهُ وَعَنْ ثَابِتٍ قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ شُعْبَةُ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا، قَالَ فِي مَوْضِعَيْنِ: وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، فَيَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُرَقِّمْ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتٍ رَقْمَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ - يُرَى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ) لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ يُنْصَبُ وَلَا يُرَى، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عِنْدَ اسْتِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ كَأَنَّهُ عُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ اللِّوَاءِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّأْسِ فَنُصِبَ عِنْدَ السُّفْلِ زِيَادَةً فِي فَضِيحَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيُنَ غَالِبًا تَمْتَدُّ إِلَى الْأَلْوِيَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِامْتِدَادِهَا إِلَى الَّتِي بَدَتْ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَيَزْدَادُ بِهَا فَضِيحَتُهُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ:

قَوْلُهُ: (يُنْصَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغَدْرَتِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِلْعَرَبِ بِنَحْرِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ لِلْوَفَاءِ رَايَةً بَيْضَاءَ، وَلِلْغَدْرِ رَايَةً سَوْدَاءَ، لِيَلُومُوا الْغَادِرَ وَيَذُمُّوهُ، فَاقْتَضَى الْحَدِيثُ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْغَادِرِ لِيَشْتَهِرَ بِصِفَتِهِ فِي الْقِيَامَةِ، فَيَذُمُّهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَأَمَّا الْوَفَاءُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ لِوَاءُ الْحَمْدِ لِنَبِيِّنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغَدْرِ قَرِيبًا وَالْكَلَامُ عَلَى اللِّوَاءِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّايَةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَفِي الْحَدِيثِ غِلَظُ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ لَاسِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَى الْغَدْرِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْإِمَامِ إِذَا غَدَرَ فِي عُهُودِهِ لِرَعِيَّتِهِ أَوْ لِمُقَاتِلَتِهِ أَوْ لِلْإِمَامَةِ الَّتِي تَقَلَّدَهَا وَالْتَزَمَ الْقِيَامَ بِهَا، فَمَتَى خَانَ فِيهَا أَوْ تَرَكَ الرِّفْقَ فَقَدْ غَدَرَ بِعَهْدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَهْيُ الرَّعِيَّةِ عَنِ الْغَدْرِ بِالْإِمَامِ، فَلَا تَخْرُجُ عَلَيْهِ وَلَا تَتَعَرَّضُ لِمَعْصِيَتِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مَا الْمَانِعُ مِنْ حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا وَأَنَّ الَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ عَمْرٍو رَاوِي الْحَدِيثِ هُوَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِآبَائِهِمْ لِقَوْلِهِ فِيهِ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِيَةُ فِي الْفِتَنِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأُمَّهَاتِهِمْ فَقَدْ يُخَصُّ هَذَا مِنَ الْعُمُومِ. وَتَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ الَّذِينَ يَغْدِرُونَ كَمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ وَبَاقِيهِ فِي الْحَجِّ، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِالتَّرْجَمَةِ غُمُوضٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُهُ أَنَّ مَحَارِمَ اللَّهِ عُهُودُهُ إِلَى عِبَادِهِ، فَمَنِ انْتَهَكَ مِنْهَا شَيْئًا كَانَ غَادِرًا، وَكَانَ النَّبِيُّ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ أَمَّنَ النَّاسَ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْقِتَالَ بِمَكَّةَ حَرَامٌ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَغْدِرَ بِهِمْ أَحَدٌ فِيمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْأَمَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُهُ أَنَّ النَّصَّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ اخْتُصَّتْ بِالْحُرْمَةِ إِلَّا فِي السَّاعَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِ الْبِرُّ فِيهَا، إِذْ كُلُّ بُقْعَةٍ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا اخْتُصَّتْ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا إِذْ مَعْنَاهُ لَا تَغْدِرُوا بِالْأَئِمَّةِ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ؛ لِأَنَّ إِيجَابَ الْوَفَاءِ بِالْخُرُوجِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحْرِيمِ الْغَدْرِ، أَوْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ

النَّبِيَّ لَمْ يَغْدِرْ بِاسْتِحْلَالِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ، بَلْ كَانَ بِإِحْلَالِ اللَّهِ لَهُ سَاعَةً، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ لَهُ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ سَبَبِ الْفَتْحِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَدْرُ قُرَيْشٍ بِخُزَاعَةَ حُلَفَاءِ النَّبِيِّ لَمَّا تَحَارَبُوا مَعَ بَنِي بَكْرٍ حُلَفَاءِ قُرَيْشٍ، فَأَمَدَّتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ وَأَعَانُوهُمْ عَلَى خُزَاعَةَ وَبَيَّتُوهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ :

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْمَغَازِي مُفَصَّلًا، فَكَانَ عَاقِبَةُ نَقْضِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ بِمَا فَعَلُوهُ أَنْ غَزَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحُوا مَكَّةَ وَاضْطَرُّوا إِلَى طَلَبِ الْأَمَانِ وَصَارُوا بَعْدَ الْعِزِّ وَالْقُوَّةِ فِي غَايَةِ الْوَهَنِ إِلَى أَنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُهُمْ لِذَلِكَ كَارِهٌ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْبَرِّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْفَاجِرِ إِلَى خُزَاعَةَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَمْ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ فَرْضِ الْخُمُسِ وَالْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ - وَهِيَ فِي التَّحْقِيقِ بَقَايَا الْجِهَادِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ، كَمَا أُفْرِدَتِ الْعُمْرَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي صِفَةِ نَقْشِ الْخَاتَمِ، وَحَدِيثِهِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْقَدَحِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، وَحَدِيثِ خَوْلَةَ: إِنَّ رِجَالًا يَخُوضُونَ، وَحَدِيثِ تَرِكَةِ الزُّبَيْرِ، وَحَدِيثِ سُؤَالِ هَوَازِنَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَحَدِيثِ إِعْطَاءِ جَابِرٍ مِنْ تَمْرِ خَيْبَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَحَدِيثِهِ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ فَهَذِهِ فِي الْخُمُسِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا، وَحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَنْ سَحَرَ، وَحَدِيثِ عَوْفٍ فِي الْمَلَاحِمِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ وَفِيهَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عِشْرُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله