«نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٠٥

الحديث رقم ٣٢٠٥ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما جاء في قوله وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٢٠٥ في صحيح البخاري

«نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٣٢٠٥

٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٢٠٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقُولُ وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ: لِيَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي كِتَابِ الْأَهْوَالِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قَالَ: يُجْمَعَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي النَّارِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا أَيْضًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَبْكِيتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمَا كَانَتْ بَاطِلًا.

وَقِيلَ: إِنَّهُمَا خُلِقَا مِنَ النَّارِ فَأُعِيدَا فِيهَا. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا، فَإِنَّ لِلَّهِ فِي النَّارِ مَلَائِكَةٌ وَحِجَارَةٌ وَغَيْرُهَا لِتَكُونَ لِأَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَآلَةً مِنْ آلَاتِ الْعَذَابِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ هِيَ مُعَذَّبَةً. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِمَا وُصِفَا بِأَنَّهُمَا يَسْبَحَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى يَكُونُ فِي النَّارِ وَكَانَا فِي النَّارِ يُعَذَّبُ بِهِمَا أَهْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَبْرَحَانِ مِنْهُمَا فَصَارَا كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ.

وقد تقدمت كلها مشروحة في كتاب الكسوف،

وقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ كَذَا فِي الْأُصُولِ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

٥ - بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ﴿قَاصِفًا﴾ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً. ﴿إِعْصَارٌ﴾ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ. ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ. ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً.

٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.

٣٢٠٦ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ. فَقال النبي : "مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ عاد [٢٤ الأحقاف]: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الْآيَةَ.

[الحديث ٣٢٠٦ - طرفه في: ٤٨٢٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَاصِفًا﴾ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ تُحَطِّمُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْقَاصِفُ الَّتِي تُفَرِّقُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا.

قَوْلُهُ: ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحٌ مُلَقِّحَةٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾

وَأَنَّ أَصْلَ لَوَاقِحَ مَلَاقِحُ وَوَاحِدُهَا مُلَقِّحَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وِفَاقًا لِابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمَا قَالُوا: لَوَاقِحُ جَمْعُ لَاقِحَةٍ وَلَاقِحٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَإِنْ قِيلَ الرِّيحُ مُلَقِّحَةٌ لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ قِيلَ لَهَا لَوَاقِحُ؟ فَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُجْعَلَ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي تُلَقِّحُ بِمُرُورِهَا عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَكُونُ فِيهَا اللِّقَاحُ، فَيُقَالُ رِيحٌ لَاقِحٌ كَمَا يُقَالُ مَاءٌ مَلَاقِحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُ رِيحِ الْعَذَابِ بِأَنَّهَا عَقِيمٌ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ وَصْفَهَا بِاللَّقْحِ لِكَوْنِ اللَّقْحِ يَقَعُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ: لَيْلٌ نَائِمٌ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهَا لَاقِحَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُلَقِّحَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ لَقْحَهَا حَمْلُهَا الْمَاءَ، وَإِلْقَاحُهَا عَمَلُهَا فِي السَّحَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ فَتُلَقِّحُ السَّحَابَ، وَتَمُرُّ بِهِ فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ، ثُمَّ تُمْطِرُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: جَعَلَ الرِّيحَ لَاقِحًا لِأَنَّهَا تُقِلُّ السَّحَابَ وَتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتَسْتَدِرُّهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرِّيحِ الْجَنُوبِ: لَاقِحٌ وَحَامِلٌ، وَلِلشَّمَالِ: حَائِلٌ وَعَقِيمٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إِعْصَارٌ﴾ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْإِعْصَارُ الرِّيحُ، وَالنَّارُ السَّمُومُ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْإِعْصَارُ رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ يَقُولُ: صِرٌّ بَرْدٌ. كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (نُشُرًا مُتَفَرِّقَةً) هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ: (نُشُرًا) أَيْ مِنْ كُلِّ مَهَبٍّ وَجَانِبٍ وَنَاحِيَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (نُصِرْتُ بِالصَّبَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ هِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ، وَالدَّبُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ مُقَابِلُهَا، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَقِيلَ إِنَّ الصَّبَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ إِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لَا عَلَى الْفَخْرِ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِهَا.

ثَانِيهِمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ (مَخِيلَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ هِيَ السَّحَابَةُ الَّتِي يُخَالُ فِيهَا الْمَطَرُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ أَمْطَرَتْ إِلَّا فِي الْعَذَابِ، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَيُقَالُ مَطَرَتْ، وَقَوْلُهُ سُرِّيَ عَنْهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ تَذَكُّرُ مَا يَذْهَلُ الْمَرْءُ عَنْهُ مِمَّا وَقَعَ لِلْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ السَّيْرِ فِي سَبِيلِهِمْ خَشْيَةً مِنْ وُقُوعِ مِثْلِ مَا أَصَابَهُمْ. وَفِيهِ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْشَى النَّبِيُّ أَنْ يُعَذَّبَ الْقَوْمُ وَهُوَ فِيهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى كَرَامَةٍ لَهُ وَرِفْعَةٍ، فَلَا يُتَخَيَّلُ انْحِطَاطُ دَرَجَتِهِ أَصْلًا. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِ، كَانَ إِذَا رَأَى فَعَلَ كَذَا.

وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ بِالْمَذْكُورِينَ أَوْ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَوْ مَقَامُ الْخَوْفِ يَقْتَضِي غَلَبَةُ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَأَوْلَى مِنَ الْجَمِيعِ أَنْ يُقَالَ خَشِيَ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ فِيهِمْ أَنْ يَقَعَ بِهِمُ الْعَذَابُ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتَقُولُ وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ: لِيَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي كِتَابِ الْأَهْوَالِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قَالَ: يُجْمَعَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي النَّارِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا أَيْضًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَبْكِيتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمَا كَانَتْ بَاطِلًا.

وَقِيلَ: إِنَّهُمَا خُلِقَا مِنَ النَّارِ فَأُعِيدَا فِيهَا. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا، فَإِنَّ لِلَّهِ فِي النَّارِ مَلَائِكَةٌ وَحِجَارَةٌ وَغَيْرُهَا لِتَكُونَ لِأَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَآلَةً مِنْ آلَاتِ الْعَذَابِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ هِيَ مُعَذَّبَةً. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِمَا وُصِفَا بِأَنَّهُمَا يَسْبَحَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى يَكُونُ فِي النَّارِ وَكَانَا فِي النَّارِ يُعَذَّبُ بِهِمَا أَهْلُهُمَا بِحَيْثُ لَا يَبْرَحَانِ مِنْهُمَا فَصَارَا كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ.

وقد تقدمت كلها مشروحة في كتاب الكسوف،

وقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ كَذَا فِي الْأُصُولِ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

٥ - بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ﴿قَاصِفًا﴾ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً. ﴿إِعْصَارٌ﴾ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ. ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ. ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً.

٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ.

٣٢٠٦ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ. فَقال النبي : "مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ عاد [٢٤ الأحقاف]: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الْآيَةَ.

[الحديث ٣٢٠٦ - طرفه في: ٤٨٢٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَاصِفًا﴾ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ تُحَطِّمُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْقَاصِفُ الَّتِي تُفَرِّقُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا.

قَوْلُهُ: ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحٌ مُلَقِّحَةٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾

وَأَنَّ أَصْلَ لَوَاقِحَ مَلَاقِحُ وَوَاحِدُهَا مُلَقِّحَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وِفَاقًا لِابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمَا قَالُوا: لَوَاقِحُ جَمْعُ لَاقِحَةٍ وَلَاقِحٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَإِنْ قِيلَ الرِّيحُ مُلَقِّحَةٌ لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ قِيلَ لَهَا لَوَاقِحُ؟ فَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُجْعَلَ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي تُلَقِّحُ بِمُرُورِهَا عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَكُونُ فِيهَا اللِّقَاحُ، فَيُقَالُ رِيحٌ لَاقِحٌ كَمَا يُقَالُ مَاءٌ مَلَاقِحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُ رِيحِ الْعَذَابِ بِأَنَّهَا عَقِيمٌ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ وَصْفَهَا بِاللَّقْحِ لِكَوْنِ اللَّقْحِ يَقَعُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ: لَيْلٌ نَائِمٌ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهَا لَاقِحَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُلَقِّحَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ لَقْحَهَا حَمْلُهَا الْمَاءَ، وَإِلْقَاحُهَا عَمَلُهَا فِي السَّحَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ فَتُلَقِّحُ السَّحَابَ، وَتَمُرُّ بِهِ فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ، ثُمَّ تُمْطِرُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: جَعَلَ الرِّيحَ لَاقِحًا لِأَنَّهَا تُقِلُّ السَّحَابَ وَتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتَسْتَدِرُّهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرِّيحِ الْجَنُوبِ: لَاقِحٌ وَحَامِلٌ، وَلِلشَّمَالِ: حَائِلٌ وَعَقِيمٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إِعْصَارٌ﴾ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْإِعْصَارُ الرِّيحُ، وَالنَّارُ السَّمُومُ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْإِعْصَارُ رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾

قَوْلُهُ: ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ يَقُولُ: صِرٌّ بَرْدٌ. كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (نُشُرًا مُتَفَرِّقَةً) هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ: (نُشُرًا) أَيْ مِنْ كُلِّ مَهَبٍّ وَجَانِبٍ وَنَاحِيَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (نُصِرْتُ بِالصَّبَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ هِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ، وَالدَّبُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ مُقَابِلُهَا، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَقِيلَ إِنَّ الصَّبَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ إِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لَا عَلَى الْفَخْرِ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِهَا.

ثَانِيهِمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ (مَخِيلَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ هِيَ السَّحَابَةُ الَّتِي يُخَالُ فِيهَا الْمَطَرُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ أَمْطَرَتْ إِلَّا فِي الْعَذَابِ، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَيُقَالُ مَطَرَتْ، وَقَوْلُهُ سُرِّيَ عَنْهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ تَذَكُّرُ مَا يَذْهَلُ الْمَرْءُ عَنْهُ مِمَّا وَقَعَ لِلْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ السَّيْرِ فِي سَبِيلِهِمْ خَشْيَةً مِنْ وُقُوعِ مِثْلِ مَا أَصَابَهُمْ. وَفِيهِ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْشَى النَّبِيُّ أَنْ يُعَذَّبَ الْقَوْمُ وَهُوَ فِيهِمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى كَرَامَةٍ لَهُ وَرِفْعَةٍ، فَلَا يُتَخَيَّلُ انْحِطَاطُ دَرَجَتِهِ أَصْلًا. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِ، كَانَ إِذَا رَأَى فَعَلَ كَذَا.

وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ بِالْمَذْكُورِينَ أَوْ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَوْ مَقَامُ الْخَوْفِ يَقْتَضِي غَلَبَةُ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَأَوْلَى مِنَ الْجَمِيعِ أَنْ يُقَالَ خَشِيَ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ فِيهِمْ أَنْ يَقَعَ بِهِمُ الْعَذَابُ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله