الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٩٥
الحديث رقم ٣٢٩٥ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صفة إبليس وجنوده.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ لِقَوْلِهِ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بَخْسًا نَقْصًا قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ قَالَ اللهُ ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ
⦗١٢٧⦘
الْحِسَابِ
٣٢٩٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَأبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب أَن يُنكر بِقَلْبِه وَيَنْبَغِي لمن أَمر بِمَعْرُوف أَن يكون كَامِل الْخَيْر لَا وصم فِيهِ وَقد قَالَ شُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِلَّا أَنه يجب عِنْد الْجَمَاعَة أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر من لَا يفعل ذَيْنك وَقَالَ جمَاعَة من النَّاس يجب على متعاطي الكاس أَن ينْهَى جمَاعَة الْجلاس وَفِيه وصف جَهَنَّم بِأَمْر عَظِيم روى مُسلم عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا " يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا سَبْعُونَ ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها " وَلابْن وهب عَن زيد بن أسلم عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " فَبَيْنَمَا هم يجرونها إِذْ شَردت عَلَيْهِم شَرْدَةً فلوا أَنهم أدركوها لأحرق من فِي الْجمع "
(رَوَاهُ غنْدر عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْفِتَن -
١١ - (بابُ صِفَةِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة إِبْلِيس، وَفِي بَيَان جُنُوده. وَالْكَلَام فِي صفته وَحَقِيقَة أمره على أَنْوَاع:
الأول فِي اسْمه: هَل هُوَ مُشْتَقّ أَو لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: هُوَ اسْم أعجمي، وَلِهَذَا منع من الصّرْف للعلمية والعجمة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: لَو كَانَ عَرَبيا لصرف كإكليل، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا لم يصرف وَإِن كَانَ عَرَبيا لقلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب، فشبهوه بالعجمي، وَهَذَا فِيهِ نظر، لِأَن كَون قلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب لَيْسَ عِلّة من الْعِلَل الْمَانِعَة لاسم من الصّرْف، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم عَرَبِيّ مُشْتَقّ من: أبلس، إِذا يئس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أبلس من رَحْمَة الله إِذا يئس، وَمِنْه سمي إِبْلِيس، وَكَانَ اسْمه: عزازيل، قيل: من ادّعى أَنه عَرَبِيّ فقد غلط وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ عِنْد الْمَلَائِكَة عزازيل، ثمَّ أبلس بعد، وَهَذَا يُؤَيّد قَول من ادّعى أَنه عَرَبِيّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن اسْمه الْحَارِث. وَأما كنيته، فَقيل: كَانَت كنيته أَبَا مرّة، وَقيل: أَبُو الْعُمر، وَقيل: أَبُو كرْدُوس.
النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أصل خلقه روى الطَّبَرِيّ من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج عَن صَالح مولى التؤمة وَشريك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن من الْمَلَائِكَة قَبيلَة من الْجِنّ، وَكَانَ إِبْلِيس مِنْهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس: سمي قَبيلَة الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِبْلِيس حَيّ من أَحيَاء الْمَلَائِكَة، يُقَال لَهُم: الْجِنّ، خلقُوا من نَار السمُوم، وخلقت الْمَلَائِكَة كلهم من النُّور غير هَذَا الْحَيّ. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّه من الشَّيَاطِين، وَلم يكن من الْمَلَائِكَة قطّ، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: {إلَاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ} (الْكَهْف: ٠٥) . وَقَالَ مقَاتل: لَا من الْمَلَائِكَة وَلَا من الْجِنّ، بل هُوَ خلق مُنْفَردا من النَّار كَمَا خلق آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الطين. وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: كَانَ إِبْلِيس من الْجِنّ الَّذين يعْملُونَ فِي الأَرْض الْفساد، فَأسرهُ بعض الْمَلَائِكَة فَذهب بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَيُقَال: كَانَ نوع من الْجِنّ سكان الأَرْض، وَكَانَ فيهم الْملك والنبوة وَالدّين والشريعة، فاستمروا على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ طغوا وأفسدوا وجحدوا الربوبية وسفكوا الدِّمَاء، فَأرْسل الله إِلَيْهِم جنداً من السَّمَاء فَقَاتلُوا مَعَهم قتالاً شَدِيدا فطردهم إِلَى جزائر الْبَحْر، وأسروا مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فِيمَن أسر: عزازيل، وَهُوَ إِذْ ذَاك صبي، وَنَشَأ مَعَ الْمَلَائِكَة وَتكلم بكلامهم وَتعلم من علمهمْ، وَأخذ يسوسهم وطالت أَيَّامه حَتَّى صَار رَئِيسا فيهم حَتَّى أَرَادَ الله تَعَالَى خلق آدم، وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق. وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: إِبْلِيس أصل الجان وَالشَّيَاطِين، وَهُوَ أَبُو الْكل، وروى مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ: الجان أَبُو الْجِنّ كلهم، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر.
النَّوْع الثَّالِث: فِي حَده وَصفته: أما حَده: فَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي (تَفْسِيره) هُوَ شخص روحاني خلق من نَار السمُوم، وَهُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَقد ركبت فيهم الشَّهَوَات، مُشْتَقّ من الإبلاس وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر. وَأما صفته: فَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ: كَانَ الله قد حسن خلقه وشرفه وَكَرمه وَملكه على سَمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض، وَجعله مَعَ ذَلِك من خَزَائِن الْجنَّة، فاستكبر على الله تَعَالَى وَادّعى الربوبية، ودعا من كَانَ تَحت يَده إِلَى طَاعَته وعبادته، فمسخه الله شَيْطَانا رجيماً، وشوه خلقه وسلبه مَا كَانَ خوله، ولعنه
وطرده عَن سماواته فِي العاجل، ثمَّ جعل مَسْكَنه ومسكن شيعته وَأَتْبَاعه فِي الْآخِرَة نَار جَهَنَّم. انْتهى. وَكَانَ يُقَال لَهُ: طَاوس الْمَلَائِكَة لحسنه، ثمَّ مسخه الله تَعَالَى. وَقَالَ عبد الْملك بن أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ إِبْلِيس يَأْتِي يحيى بن زَكَرِيَّا، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، طَمَعا أَن يفتنه، وَعرف ذَلِك يحيى مِنْهُ، وَكَانَ يَأْتِيهِ فِي صور شَتَّى، فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تَأتِينِي فِي صُورَتك الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا، فَأَتَاهُ فِيهَا فَإِذا هُوَ مُشَوه الْخلق كريه المنظر، جسده جَسَد خِنْزِير وَوَجهه وَجه قرد وَعَيناهُ مشقوقتان طولا وأسنانه كلهَا عظم وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ لحية ويداه فِي مَنْكِبَيْه وَله يدان آخرَانِ فِي جانبيه وأصابعه خلقَة وَاحِدَة وَعَلِيهِ لِبَاس الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَفِي وَسطه منْطقَة من جُلُود السبَاع، فِيهَا كيزان معلقَة وَعَلِيهِ جلاجل، وَفِي يَده جرس عَظِيم وعَلى رَأسه بَيْضَة من حَدِيدَة معوجة كالخطاف، فَقَالَ يحيى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيحك مَا الَّذِي شوه خلقتك؟ فَقَالَ: كنت طَاوس الْمَلَائِكَة فعصيت الله فمسخني فِي أخس صُورَة، وَهِي مَا ترى. قَالَ: فَمَا هَذِه الكيزان؟ قَالَ: شهوات بني آدم. قَالَ: فَمَا هَذِه الجرس؟ قَالَ: صَوت المعازف وَالنوح، قَالَ: فَمَا هَذِه الخطاطيف؟ قَالَ: أخطف بهَا عُقُولهمْ. قَالَ: فَأَيْنَ تسكن؟ قَالَ: فِي صُدُورهمْ وَأجْرِي فِي عروقهم، قَالَ: فَمَا الَّذِي يعصمهم مِنْك؟ قَالَ: بغض الدُّنْيَا وَحب الْآخِرَة.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَوْلَاده وَجُنُوده. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بلغنَا أَن لإبليس أَوْلَادًا كثيرين، واعتماده على خَمْسَة مِنْهُم: شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، وَقَالَ مقَاتل: لإبليس ألف ولد ينْكح نَفسه ويلد ويبيض كل يَوْم مَا أَرَادَ، وَمن أَوْلَاده: الْمَذْهَب وخنزب وهفاف وَمرَّة والولهان والمتقاضي، وَجعل كل وَاحِد مِنْهُم على أَمر ذكرته فِي (تاريخي الْكَبِير) وَمن ذُريَّته: الأقنص وَهَامة بن الأقنص ويلزون وَهُوَ الْمُوكل بالأسواق وَأمه طرطية، وَيُقَال: بل هِيَ حاضنتهم، ذكره النقاش، قَالُوا: باضت ثَلَاثِينَ بَيْضَة: عشرَة بالشرق، وَعشرَة بالمغرب، وَعشرَة فِي وسط الأَرْض، وَأَنه خرج من كل بيض جنس من الشَّيَاطِين كالعفاريت والغيلان والحيات، وأسماؤهم مُخْتَلفَة كلهم عَدو لبني آدم، أعاذنا الله من شرهم، وَله جنود يرسلهم إِلَى إضلال بني آدم، وَقد روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا، قَالَ: إِذا أصبح إِبْلِيس يبْعَث جُنُوده، فَيَقُول: من أضلّ مُسلما ألبسته التَّاج الحَدِيث، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: عرش إِبْلِيس على الْبَحْر، فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس، فأعظمهم عِنْده أعظمهم فتْنَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ: دُحورَاً مَطْرُودِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويقذفون من كل جَانب دحوراً وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٨ ٩) . وَفسّر يقذفون بقوله: يرْمونَ، ودحوراً بقوله: مطرودين، كَأَنَّهُ جعل الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول جمعا، وَقد فسره عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد كَذَلِك.
وِاصِبٌ دَائِمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٩) . وَفسّر الواصب بقوله: دَائِم، وَقد ذكره البُخَارِيّ وَمَا بعده اتِّفَاقًا واستطراداً.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَدْحُورَاً مَطْرُودَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوماً مَدْحُورًا} (الْإِسْرَاء: ٩٣) . وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، والمدحور مفعول من الدَّحْر، وَهُوَ الدّفع والإبعار من قَوْلك: دحرته أدحره دحراً ودحوراً. وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : عَن قَتَادَة: دحوراً: قذفا فِي النَّار.
يُقالُ مَرِيداً مُتَمَرِّدَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن يدعونَ إلَاّ شَيْطَانا مرِيدا} (النِّسَاء: ٧١١) . وَفسّر مرِيدا بقوله: متمرداً.
بَتَّكَهُ قَطَعَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ولآمرنَّهُم فليبتكن آذان الْأَنْعَام} (النِّسَاء: ٩١١) . أَي: ليقطعن، وَفسّر: بتكه، بِمَعْنى: قطعه وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي الْبحيرَة. وَهِي إِذا نتجت خَمْسَة أبطن، وَكَانَ آخرهَا ذكرا شَقوا أذنها، وَلم ينتفعوا بهَا، وَالتَّقْدِير: ولآمرنهم بتبتيك آذانهن، وليبتكنها.
واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسَانُ والرَّجْلُ الرَّجَّالَّةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِب وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْر
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك، واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٤٦) . وَفسّر قَوْله: استفزز، بقوله: استخف، وَيُرِيد بالصوت الْغناء والمزامير، وَفسّر الْخَيل بالفرسان، وَفسّر الرجل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْجِيم بالرجالة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، ثمَّ قَالَ وَاحِد الرجالة راجل، وَمثله بقوله: صَاحب وَصَحب، فَإِن الصحب جمع صَاحب والتجر، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع تَاجر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل خيل سَارَتْ فِي مَعْصِيّة، وكل رجل مشت فِيهَا وكل مَا أُصِيب من حرَام فَهُوَ للشَّيْطَان، وَقَالَ غَيره: مشاركته فِي الْأَمْوَال الْبحيرَة والسائبة، وَفِي الْأَوْلَاد عِنْد الْغَزْو وَعند الحروب.
لأحْتَنِكَنَّ: لأَستَأصِلَنَّ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لأحتنكن ذُريَّته إلَاّ قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٦) . وَفسّر: لأحتنكنَّ، بقوله: لأستأصلنَّ من الاستئصال.
قَرِينٌ شَيْطَانٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ لَهُ قرين} (الزخرف: ٦٣) . وَفسّر القرين بالشيطان، وَفَسرهُ مُجَاهِد كَذَلِك.
٨٦٢٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عِيسَى عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إلَيَّ هِشامٌ أنَّهُ سَمِعَهُ ووَعَاهُ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حتَّى كانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا ودَعا ثُمَّ قَالَ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتَانِي فِيما فِيهِ شِفَائِي أتَانِي رَجُلان فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فقالَ أحَدُهُمَا لِلآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ قَالَ فِيما ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وجُفَّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فأيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرَوانَ فخَرَجَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كأنَّهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجتْهُ فَقَالَ لَا أمَّا أنَا فَقَدْ شَفَانِي الله وَخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ ذَلِكَ علَى النَّاسِ شَرَّاً ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ. .
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السحر إِنَّمَا يتم باستعانة الشَّيْطَان على ذَلِك، وَهِي من جملَة صِفَاته القبيحة. وَإِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى عَن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) ، هُوَ اللَّيْث بن سعد، رَحمَه الله، هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو بكر عبد الله بن دَاوُد عَن عِيسَى ابْن حَمَّاد النجيبي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث. قَوْله: (ووعاه) ، أَي: حفظه. قَوْله: (يخيل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من تخيل الشَّيْء
كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأَصله الظَّن. قَوْله: (ذَات يَوْم) إِنَّمَا لم يتَصَرَّف لِأَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن معنى: كَانَ ذَات يَوْم قِطْعَة من الزَّمَان ذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الإسم. قَوْله: (أشعرت) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني) ، ويروى: أنبأني، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (مطبوب) ، أَي: مسحور، والطب جَاءَ بِمَعْنى: السحر. قَوْله: (مَن طبه؟) أَي: مَن سحره؟ قَوْله: (فِي مشط ومشاقة) ، الْمشْط فِيهِ لُغَات: ضم الْمِيم وَإِسْكَان الشين وَضمّهَا أَيْضا وَكسر الْمِيم بِإِسْكَان الشين، والمشاقة: بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يغزل من الْكَتَّان. قلت: المشاقة مَا يخرج من الْكتاب حِين يمشق، والمشق: جذب الشَّيْء ليمتد وَيطول. قَوْله: (وجف طلعة ذكر) ، الجف، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء: وَهُوَ وعَاء طلع النّخل، وَهُوَ الغشاء الَّذِي يكون عَلَيْهِ وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلِهَذَا قَيده بقوله: ذكر، وَهُوَ الَّذِي يدعى بالكفري، وَقَالَ ابْن فَارس: جف الطّلع، وعاؤها، يُقَال: إِنَّه شَيْء ينثر من جُذُوع النّخل، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويروى فِي مشط ومشاقة فِي جف طلعة، قَالَ: المشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس واللحية عِنْد التسريح بالمشط، قَالَ: وجف طلعة، أَي: فِي جوفها. وَقَوله: (ذكر) ، الذَّكر من النّخل الَّذِي يُؤْخَذ طلعه فَيجْعَل مِنْهُ فِي طلع النَّخْلَة المثمرة فَيصير بذلك تَمرا، وَلَو لم يَجْعَل فِيهِ لَكَانَ شيصاً لَا نوى فِيهِ، وَلَا يكَاد يساغ. قَوْله: (فِي بِئْر ذروان) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، ويروى: ذِي أروان، وَكِلَاهُمَا صَحِيح مَشْهُور، وَالْأول أصح، وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ فِي بُسْتَان بني زُرَيْق، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف، من الْيَهُود. قَوْله: (كَأَنَّهَا رُؤُوس الشَّيَاطِين) ، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا مستدقة كرؤوس الْحَيَّات، والحية يُقَال لَهَا: الشَّيْطَان. وَالْآخر: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الأشكال، وَهُوَ مثل فِي استقباح صورتهَا وهول منظرها كصورة الشَّيَاطِين. قَوْله: (أَن يثير ذَلِك على النَّاس شرا) يُرِيد فِي إِظْهَاره، وَقيل: إِنَّمَا امْتنع عَن تعْيين السَّاحر لِئَلَّا تقوم أنفس الْمُسلمين فَيَقَع بَينهم وَبَين قبيل السَّاحر فتْنَة. قَوْله: (ثمَّ دفنت الْبِئْر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَفِيه: أَن آثَار الْفِعْل الْحَرَام يجب إِزَالَتهَا، وَقد مر الْبَحْث فِي هَذَا مُسْتَوفى فِي: بَاب هَل يُعْفَى عَن الذِّمِّيّ إِذا سحر؟ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد.
٩٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ عنْ يَحْيَى ابنِ سَعِيدٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثُ عُقَدٍ يَضْرِبُ علَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكانها علَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فارْقُدْ فإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها فأصْبَحَ نَشِيِطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. (انْظُر الحَدِيث ٤١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحد من أَفعَال الشَّيْطَان وَصِفَاته القبيحة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ فِي: بَاب عقد الشَّيْطَان على قافية الرَّأْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهنا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، واسْمه عبد الله الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَهُوَ يروي عَن أَخِيه عبد الحميد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمعنى: يعْقد، يتَكَلَّم عَلَيْهِ، والقافية: مُؤخر الرَّأْس، وَمِنْه قافية الشّعْر. قَوْله: (انْحَلَّت عقده) ، وَهُوَ جمع عقدَة، وَلِهَذَا أكده بقوله: كلهَا.
٠٧٢٣ - حدَّثنا عُثُمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلِ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلٌ نامَ لَيْلَهُ حتَّى أصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن بَوْل الشَّيْطَان فِي أذن الرجل النَّائِم كل لَيْلَة من صِفَاته القبيحة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق، وَعبد الله
هُوَ ابْن مَسْعُود. وَمضى الحَدِيث فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب إِذا نَام وَلم يصلِّ بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل ... إِلَى آخِره.
١٧٢٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْد عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أما إنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ وَقَالَ بِسْمُ الله اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتنَا فَرُزِقَا ولَدَاً لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن من صِفَات الشَّيْطَان ضَرَره الْعَام للْمُؤْمِنين، وَهُوَ من صِفَاته الذميمة القبيحة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال، وَعند الوقاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٧٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ وإذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ. وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلوُعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبها فإنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أوِ الشَّيْطَانِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشامٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان) . مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه أَبُو نعيم، وَأَبُو عَليّ، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (حَتَّى تبرز) ، أَي: حَتَّى تظهر. قَوْله: (وَلَا تَحَيَّنُوا) من التحين، وَهُوَ طلب وَقت مَعْلُوم (وقرنا الشَّيْطَان) جانبا رَأسه. قَوْله: (لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ هِشَام) ، الْقَائِل بِهَذَا هُوَ عَبدة بن سُلَيْمَان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة.
٨٠ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا يُونُس عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مر بَين يَدي أحدكُم شَيْء وَهُوَ يُصَلِّي فليمنعه فَإِن أَبى فليمنعه فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان " وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الله الْعَبْدي الْبَصْرِيّ وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يرد الْمصلى من مر بَين يَدَيْهِ
(وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم حَدثنَا عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ وكلني رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام فَأَخَذته فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكر الحَدِيث فَقَالَ إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ لن يزَال من الله حَافظ وَلَا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صدقك وَهُوَ كذوب ذَاك الشَّيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ذَاك الشَّيْطَان " وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مُؤذن
الْبَصْرَة وعَوْف الْأَعرَابِي والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوكَالَة فِي بَاب إِذا وكل رجال بِعَين مَا ذكره هُنَا قَالَ وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -
٦٧٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسوُلُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ منْ خَلَقَ كذَا مَنْ خَلَقَ كذَا حتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فإذَا بَلَغَهُ فلْيَسْتَعِذِ بِاللَّه ولْيَنْتَهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعَن هَارُون بن مَعْرُوف وَمُحَمّد بن عباد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن هَارُون بن مَعْرُوف بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَعَن أَحْمد بن سعيد وَعَن هَارُون ابْن سعيد.
قَوْله: (من خلق كَذَا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يزَال النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا خلق الله، فَمن خلق الله؟ قَوْله: (فليستعذ باالله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلْيقل آمَنت بِاللَّه) . وَلأبي دَاوُد: (فَإِذا قَالُوا ذَلِك فَقولُوا: الله أحد الله الصَّمد الْآيَة، ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم) . وَمعنى: فليستعذ، أَي: قل أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، من الْأَعْرَاض والشبهات الْوَاهِيَة الشيطانية. قَوْله: (ولينته) ، أَي: عَن الاسترسال مَعَه فِي ذَلِك بِإِثْبَات الْبَرَاهِين القاطعة الحقانية، على أَن لَا خَالق لَهُ بِإِبْطَال التسلسل، وَنَحْوه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لينته أَي: ليترك التفكر فِي هَذَا الخاطر، وليستعذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَإِن لم يزل التفكر بالاستعاذة فَليقمْ وليشتغل بِأَمْر آخر، وَإِنَّمَا أمره بذلك وَلم يَأْمُرهُ بِالتَّأَمُّلِ والاحتجاج لِأَن الْعلم باستغنائه عَن الموجد أَمر ضَرُورِيّ لَا يقبل المناظرة لَهُ، وَعَلِيهِ، وَلِأَن السَّبَب فِي مثله إحساس الْمَرْء فِي عَالم الْحس، وَمَا دَامَ هُوَ كَذَلِك لَا يزِيد فكره إلَاّ زيغاً عَن الْحق، وَمن كَانَ هَذَا حَاله فَلَا علاج لَهُ إلَاّ اللجاء إِلَى الله تَعَالَى والاعتصام بحوله وقوته. وَقَالَ الْمَازرِيّ: الخواطر على قسمَيْنِ، فالتي لَا تَسْتَقِر وَلَا تجلبها شُبْهَة هِيَ الَّتِي تدفع بالأعراض عَنْهَا، وعَلى هَذَا ينزل الحَدِيث، وعَلى مثلهَا يُطلق اسْم الوسوسة. وَأما الخواطر المستقرة الناشئة عَن الشُّبْهَة فَهِيَ لَا تنْدَفع إلَاّ بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال.
٨٧٢٣ - حدثناالحُمَيْدِيُّ حدَّثَنَا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ أخْبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل إبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنْسَانِيهُ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أمَرَ الله بِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا أنسانيه إلَاّ الشَّيْطَان) والْحميدِي بن عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِي غَيره أَيْضا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.
٩٧٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينِارٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُشِيرُ إلَى المَشْرِقِ فَقَالَ هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيّطَانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (هَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَا، حرف وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا. قلت: هُوَ حرف من حُرُوف المعجم، وَمن حُرُوف الزِّيَادَة وَهِي حرف تَنْبِيه. قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) ، نسب الطُّلُوع إِلَى قرن الشَّيْطَان مَعَ أَن الطُّلُوع للشمس لكَونه مُقَارنًا لطلوع الشَّمْس، وَالْغَرَض أَن منشأ الْفِتَن هُوَ جِهَة الْمشرق، وَقد كَانَ كَمَا أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٠٨٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَجَنحَ اللَّيْلُ أوْ كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فإذَا ذهَبَ ساعَةٌ مِنَ العَشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وأغْلِقْ بابَكَ واذكُرِ اسْمَ الله وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله وأوْكِ سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وخَمِّرْ إنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وَلَوْ تَعْرُضُ علَيْهِ شَيْئَاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر) . وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أَحْمد بن عُثْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا استجنح) أَي: إِذا أظلم، ومادته: جِيم وَنون وحاء، وَقَالَ ابْن سَيّده: جنح اللَّيْل يجنح جنوحاً وجنحاً إِذا أظلم، وَيُقَال: إِذا أقبل ظلامه، والجنح، بِضَم الْجِيم وَكسرهَا لُغَتَانِ: وَهُوَ ظلام اللَّيْل، وأصل الجنح الْميل. وَقيل: جنح اللَّيْل أول مَا يظلم. قَوْله: (أَو كَانَ جنح اللَّيْل) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو قَالَ: كَانَ جنح اللَّيْل، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: استجنع، بِالْعينِ الْمُهْملَة بدل الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف، وَعند الْأصيلِيّ: وَأول اللَّيْل بدل: قَوْله: إِذا كَانَ جنح اللَّيْل، وَكَانَ هَذِه تَامَّة بِمَعْنى وجد أَو حصل. قَوْله: (فكفوا صِبْيَانكُمْ) ، أَي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار، وَفِي رِوَايَة: فاكفتوا، ومادته: كَاف وَفَاء وتاء مثناة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: ضموهم إِلَيْكُم، وكل من ضممته إِلَى شَيْء فقد كفته، وَفِي رِوَايَة: وَلَا تُرْسِلُوا صِبْيَانكُمْ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّمَا خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة الَّتِي يلوذ بهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهم غَالِبا. وَالذكر الَّذِي يستعصم بِهِ مَعْدُوم عِنْدهم، وَالشَّيَاطِين عِنْد انتشارهم يتعلقون بِمَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بِهِ، فَلذَلِك خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْحكمَة فِي انتشارهم حِينَئِذٍ أَن حركتهم فِي اللَّيْل أمكن مِنْهَا لَهُم فِي النَّهَار، لِأَن الظلام أجمع لَهُم من غَيره، وَكَذَلِكَ كل سَواد، وَيُقَال: إِن الشَّيَاطِين تستعين بالظلمة وَتكره النُّور وتشأم بِهِ. قَوْله: (فخلوهم) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وأغلق) من الإغلاق، فَلهَذَا يُقَال: الْبَاب مغلق، وَلَا يُقَال: مغلوق، وَإِنَّمَا قَالَ: فكفوا، بِصِيغَة الْجمع، وَقَالَ: أغلق بِصِيغَة الْإِفْرَاد لِأَن المُرَاد بقوله: أغلق لكل وَاحِد، وَهُوَ عَام بِحَسب الْمَعْنى، أَو هُوَ فِي معنى الْمُفْرد إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تفِيد التَّوْزِيع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كف أَنْت صبيك، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا شكّ أَن مُقَابلَة الْمُفْرد بالمفرد تفِيد التَّوْزِيع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا قَالَه الْكرْمَانِي.
قَوْله: (وأطفىء) أَمر من الإطفاء إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ جَاءَ فِي (الصَّحِيح) : أَن الفويسقة جرت الفتيلة فأحرقت أهل الْبَيْت، وَهُوَ عَام يدْخل فِيهِ السراج وَغَيره، وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فَإِن خيف حريق بِسَبَبِهَا دخلت فِي الْأَمر بالإطفاء، وَإِن أَمن ذَلِك كَمَا هُوَ من الْغَالِب فَالظَّاهِر أَنه لَا بَأْس بهَا لانْتِفَاء الْعلَّة، وَسبب ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على خمرة فجرت الفتيلة الْفَأْرَة فأحرقت من الْخمْرَة مِقْدَار الدِّرْهَم، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك نبه عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة، فَجَاءَت بهَا وألقتها بَين يَدي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مَوضِع دِرْهَم. قَوْله: (وأوك) أَمر من الإيكاء، وَهُوَ الشد، والوكاء: اسْم مَا يشد بِهِ فَم الْقرْبَة، وَهُوَ مَمْدُود مَهْمُوز، والسقاء بِكَسْر السِّين: اللَّبن، وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء. قَوْله: (وخمِّر) ، أَمر من التخمير وَهُوَ التغطية، وللتخمير فَوَائِد: صِيَانة من الشَّيَاطِين والنجاسات والحشرات وَغَيرهَا، وَمن الوباء الَّذِي ينزل فِي لَيْلَة من السّنة، وَفِي رِوَايَة أَن فِي السّنة لليلة وَفِي رِوَايَة يَوْمًا ينزل وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو شَيْء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء إلَاّ نزل فِيهِ ذَلِك الوباء. قَالَ اللَّيْث بن سعد: والأعاجم يَتَّقُونَ ذَلِك فِي كانون الأول. قَوْله: (وَلَو تعرض عَلَيْهِ شَيْئا) بِضَم الرَّاء وَكسرهَا، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تقدر أَن تغطي فَلَا أقل من أَن تعرض عَلَيْهِ عوداً، أَي: تعرضه عَلَيْهِ بِالْعرضِ وتمده عَلَيْهِ عرضا، أَي: خلاف الطول. قَوْله: (شَيْئا) ، وَفِي رِوَايَة: عوداً، هَذَا مُطلق فِي الْآنِية الَّتِي فِيهَا شراب أَو طَعَام. قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو حميد السَّاعِدِيّ، قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدح لبن من النقيع لَيْسَ مخمراً. قَالَ: ألَا خمرته، وَلَو تعرض عَلَيْهِ عوداً قَالَ أَبُو حميد: إِنَّمَا أَمر بالأسقية إِن توكأ لَيْلًا، وبالأبواب أَن تغلق لَيْلًا انْتهى. فَهَذَا أَبُو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بِاللَّيْلِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ خلاف ظَاهر اللَّفْظ لَيْسَ بِحجَّة، وَلَا يلْزم غَيره من الْمُجْتَهدين مُوَافَقَته على تَفْسِيره. وَأما إِذا كَانَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يُخَالِفهُ فَإِن كَانَ مُجملا يرجع إِلَى تَأْوِيله، وَيجب الْحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُجملا لَا يحل لَهُ حمله على شَيْء إلَاّ بتوقيف، وَكَذَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِمذهب الرَّاوِي عندنَا، بل يتَمَسَّك بِالْعُمُومِ، وَقد يُقَال: أَبُو حميد قَالَ: أمرنَا، وَهَذَا رِوَايَة لَا تَفْسِير، وَهُوَ مَرْفُوع على الْمُخْتَار، وَلَا تنَافِي بَين رِوَايَة أبي حميد وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي يَوْم، إِذْ لَيْسَ فِي أَحدهمَا نفي للْآخر وهما ثابتان. فَإِن قلت: مَا حكم أوَامِر هَذَا الْبَاب؟ قلت: جَمِيعهَا من بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {واشهدوا إِذا تبايعتم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ على الْإِيجَاب، وغايته أَن يكون من بَاب النّدب، بل قد جعله كثير من الْأُصُولِيِّينَ قسما مُنْفَردا بِنَفسِهِ عَن الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَيَنْبَغِي للمرء أَن يمتثل أمره، فَمن امتثل أمره سلم من الضَّرَر بحول الله وقوته، وَمَتى وَالْعِيَاذ بِاللَّه خَالف إِن كَانَ عناداً خلد فَاعله فِي النَّار، وَإِن كَانَ عَن خطأ أَو غلط فَلَا يحرم شرب مَا فِي الْإِنَاء أَو أكله، وَالله أعلم.
٨٦ - (حَدثنِي مَحْمُود بن غيلَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن صَفِيَّة ابْنة حييّ قَالَت كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معتكفا فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته ثمَّ قُمْت فَانْقَلَبت فَقَامَ معي لِيقلبنِي وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد فَمر رجلَانِ من الْأَنْصَار فَلَمَّا رَأيا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَسْرعَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة بنت حييّ فَقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله قَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا سوءا أَو قَالَ شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِن الشَّيْطَان وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث مر فِي كتاب الِاعْتِكَاف فِي بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَانْقَلَبت " من الانقلاب وَهُوَ الرُّجُوع مُطلقًا وَالْمعْنَى هُنَا
فَرَجَعت فَقَامَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معي لِيقلبنِي أَي لأرجع إِلَى بَيْتِي فَقَامَ معي يصحبني قَوْله " على رِسْلكُمَا " بِكَسْر الرَّاء أَي على هيئتكما فَمَا هُنَا شَيْء تكرهانه قَوْله " إِن الشَّيْطَان يجْرِي " قيل هُوَ على ظَاهره إِن الله جعل لَهُ قُوَّة وقدرة على الجري فِي بَاطِن الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَقيل اسْتِعَارَة لِكَثْرَة وسوسته فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقهُ كَمَا لَا يُفَارق دَمه وَقيل أَنه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن بِحَيْثُ يصل إِلَى الْقلب وَفِيه التَّحَرُّز عَن سوء الظَّن بِالنَّاسِ وَفِيه كَمَال شفقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أمته لِأَنَّهُ خَافَ أَن يلقِي الشَّيْطَان فِي قلبهما شَيْئا فيهلكان فَإِن ظن السوء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كفر
٨٧ - (حَدثنَا عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن عدي بن ثَابت عَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورجلان يستبان فأحدهما احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا ذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان فَقَالَ وَهل بِي جُنُون) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان تكَرر ذكره وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَسليمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة الْخُزَاعِيّ وَقد مر فِي الْغسْل والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عمر بن حَفْص وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن هناد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَوْله " يستبان " أَي يتشاتمان قَوْله " أوداجه " جمع ودج بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ عرق فِي الْحلق فِي المذبح وانتفاخ الْأَوْدَاج كِنَايَة عَن شدَّة الْغَضَب (فَإِن قلت) لكل أحد ودجان وَهنا ذكر الْأَوْدَاج بِالْجمعِ (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين} أَو لِأَن كل قِطْعَة من الودج يُسمى ودجا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَزجّ الحواجب قَوْله " مَا يجد " من وجد يجد وجدا وموجدة إِذا غضب وَوجد يجد وجدانا إِذا لَقِي مَا يَطْلُبهُ قَوْله " هَل بِي جُنُون " قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا كَلَام من لم يتفقه فِي دين الله وَلم يتهذب بأنوار الشَّرِيعَة المكرمة وتوهم أَن الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بالمجانين وَلم يعلم أَن الْغَضَب من نزغات الشَّيْطَان وَيحْتَمل أَنه كَانَ من الْمُنَافِقين أَو من جُفَاة الْأَعْرَاب انْتهى والاستعاذة من الشَّيْطَان تذْهب الْغَضَب وَهُوَ أقوى السِّلَاح على دفع كَيده وَفِي حَدِيث عَطِيَّة " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ " وَعَن أبي الدَّرْدَاء " أقرب مَا يكون العَبْد من غضب الله إِذا غضب " وَقَالَ بكر بن عبد الله " اطفئوا نَار الْغَضَب بِذكر نَار جَهَنَّم " وَفِي بعض الْكتب قَالَ الله تَعَالَى " ابْن آدم اذْكُرْنِي إِذا غضِبت أذكرك إِذا غضِبت " وروى الْجَوْزِيّ فِي ترغيبه عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ قَالَ إِبْلِيس أَنا جَمْرَة فِي جَوف ابْن آدم إِذا غضب حميته وَإِذا رَضِي منيته -
٣٨٢٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَن سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِن كانَ بَيْنَهُمَا ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ولَمْ يُسَلَّطْ علَيْهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام بن مَنْصُور إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يضرّهُ) يَعْنِي: لم يُسَلط عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وإلَاّ فَلَا يَخْلُو من الوسوسة.
قَالَ وحدَّثنا الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
أَي: قَالَ شُعْبَة: وَحدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لشعبة شَيْخَانِ فِيهِ.
//
٨٩ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه صلى صَلَاة فَقَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ يقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فَذكره) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومحمود هُوَ ابْن غيلَان الْمروزِي وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَفْتُوحَة ابْن سوار الْفَزارِيّ الْمروزِي والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَمُحَمّد بن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت على البارحة أَو كلمة نَحْوهَا ليقطع عَليّ الصَّلَاة فأمكنني الله مِنْهُ وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد حَتَّى تصبحوا أَو تنظروا إِلَيْهِ كلكُمْ فَذكرت قَول أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي} قَالَ روح فَرده خاسئا قَوْله " فَذكره " أَي فَذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ
٩٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط فَإِذا قضي أقبل فَإِذا ثوب بهَا أدبر فَإِذا قضى أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْإِنْسَان وَقَلبه فَيَقُول اذكر كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يدْرِي أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فَإِذا لم يدر ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا سجد سَجْدَتي السَّهْو) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو والْحَدِيث قد مر فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أذن بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان إِلَى آخِره
٩١ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل بني آدم يطعن الشَّيْطَان فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِين يُولد غير عِيسَى بن مَرْيَم ذهب يطعن فطعن فِي الْحجاب) الْمُطَابقَة فِي هَذَا وَفِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث بَينهَا وَبَين التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَؤُلَاء الروَاة قد تكَرر ذكرهم قَوْله " يطعن " بِضَم الْعين يُقَال طعن بِالرُّمْحِ وَمَا أشبهه يطعن بِضَم الْعين من بَاب نصر ينصر وَطعن فِي الْعرض وَالنّسب يطعن بِفَتْح الْعين فيهمَا على الْمَشْهُور وَقيل باللغتين فيهمَا قَوْله " فِي جَنْبَيْهِ " بالتثنية فِي رِوَايَة أبي ذَر والجرجاني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي جنبه بِالْإِفْرَادِ وَحكى عِيَاض أَن فِي كِتَابه من رِوَايَة الْأصيلِيّ من تَحْتَهُ الَّذِي هُوَ ضد فَوق قَالَ وَهُوَ تَصْحِيف قَوْله " بِأُصْبُعِهِ " بِالْإِفْرَادِ أَو بالتثنية أَيْضا على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجنب قَوْله " فِي الْحجاب " هُوَ الْجلْدَة الَّتِي فِيهَا الْجَنِين وَتسَمى المشيمة قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَقيل الْحجاب الثَّوْب الَّذِي يلف فِيهِ الْمَوْلُود وَفِيه فَضِيلَة ظَاهِرَة لعيسى وَأمه عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأَرَادَ الشَّيْطَان التَّمَكُّن من أمه فَمَنعه الله مِنْهَا ببركة أمهَا حنة بنت فاقوذ بن ماثان حَيْثُ قَالَت {وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم} وروى عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن الْمُنْذر بن النُّعْمَان الْأَفْطَس سمع وهب بن مُنَبّه يَقُول لما ولد عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَت الشَّيَاطِين إِبْلِيس فَقَالُوا أَصبَحت الْأَصْنَام منكسة فَقَالَ هَذَا حَادث مَكَانكُمْ وطار حَتَّى بلغ خافقي الأَرْض فَلم يجد شَيْئا ثمَّ جَاءَ الْبحار فَلم يقدر على شَيْء ثمَّ طَار فَوجدَ عِيسَى قد ولد عِنْد مد ودحمار وَإِذا الْمَلَائِكَة قد حفت بِهِ فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ إِن نَبيا قد ولد البارحة وَلَا حملت أُنْثَى وَلَا وضعت قطّ إِلَّا وَأَنا بحضرتها إِلَّا هَذِه فأيسوا من أَن يعبدوا الْأَصْنَام فِي هَذِه الْبَلدة وَفِي لفظ بعد هَذِه
اللَّيْلَة وَلَكِن ائْتُوا بني آدم بالخفة والعجلة. قَوْله إِلَّا هَذِه يُخَالف مَا فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن يؤول وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام يشاركون عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ قَول قَتَادَة قَالَ وَإِن لم يكن كَذَلِك بطلت الخصوصية وَلَا يلْزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه فَإِن ذَلِك نخس فَاسد فَلم يعرض الشَّيْطَان لخواص الْأَوْلِيَاء بأنواع الإغواء والمفاسد وَمَعَ ذَلِك فقد عصمهم الله بقوله {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} -
٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .
مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.
حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً
بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.
٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .
مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.
حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً
بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.
٨٨٢٣ - قالَ وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي هِلَالٍ أنَّ أبَا الأسْوَدِ أخْبَرَهُ عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ والْعَنَانُ الْغَمَامُ بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ فتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذِبَةٍ. .
أورد هَذَا التَّعْلِيق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم أخبرنَا اللَّيْث حَدثنَا ابْن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إِن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء فتسترق الشَّيَاطِين السّمع فتوحيه إِلَى الْكُهَّان فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة من عِنْد أنفسهم، فَانْظُر بَينهمَا إِلَى التَّفَاوُت فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَأَبُو الْأسود فِي الروَاة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (بِالْأَمر) يتَعَلَّق بقوله: (تَتَحَدَّث) . وَقَوله: (والعنان الْغَمَام) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين المتعلِّق والمتعلَّق. قَوْله: (يكون) ، جملَة وَقعت حَالا من قَوْله: (بِالْأَمر) . قَوْله: (فتقرها) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ ابْن التِّين: لما تقرر من أَن كل فعل مضاعف مُتَعَدٍّ يكون بِالضَّمِّ إلَاّ أحرف شواذ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: قررت الْكَلَام فِي أذن الْأَصَم إِذا وضعت فمك على صماخه فتلقيه فِيهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّه ترديد الْكَلَام فِي أذن الأبكم حَتَّى يفهم. قَوْله: (كَمَا تقر القارورة) ، يُرِيد بِهِ تطبيق رَأس القارورة
بِرَأْس الْوِعَاء الَّذِي يفرغ مِنْهَا فِيهِ. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: مَعْنَاهُ يكون لما يلقيه الكاهن حس كحس القارورة عِنْد تحريكها مَعَ الْيَد أَو على الصفاء، وَفِي التَّوْضِيح: وَيُقَال: بالزاي، وَهُوَ مَا يسمع من حس الزجاجة حِين يحك بهَا على شَيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فتقرها، يرْوى من الْإِقْرَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يلقيها كَمَا يسْتَقرّ الشَّيْء فِي قراره.
٩٨٢٣ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ.
عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق من أهل وَاسِط، وروى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع، وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الْحُدُود، قَالَ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ بواسط. قلت: هُوَ من الْأَفْرَاد، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : حَدِيث: التثاؤب من الشَّيْطَان، ثمَّ علم عَلامَة البُخَارِيّ حرف (خَ) ثمَّ قَالَ فِي صفة إِبْلِيس: عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ، ثمَّ علم عَلامَة النَّسَائِيّ (س) ثمَّ قَالَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: عَن أَحْمد بن حَرْب إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَسَيَأْتِي. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: لما وعده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، حَدِيث: (إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب (خَ)) وَفِي الْأَدَب عَن آدم، وَفِيه وَفِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ (د) فِي الْأَدَب (ت) فِي الاستيذان جَمِيعًا عَن الْحسن عَليّ (س) فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ، ثمَّ قَالَ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن عجلَان، يَعْنِي: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِم بن يزِيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (التثاؤب) ، مصدر من تثاءب يتثاءب، وَالِاسْم الثؤباء. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، وَإِنَّمَا جعله من الشَّيْطَان كَرَاهَة لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون مَعَ ثقل الْبدن وامتلائه وميله إِلَى الكسل وَالنَّوْم، وأضافه إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَى إِعْطَاء النَّفس شهواتها، وَأَرَادَ بِهِ التحذير من السَّبَب الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمطعم والشبع، فيثقل عَن الطَّاعَات ويكسل عَن الْخيرَات. قَوْله: (فَإِذا تثاءب) هُوَ فعل ماضي من بَاب تفَاعل، وَأَصله من: الثأب، ومادته: ثاء مُثَلّثَة وهمزة وباء مُوَحدَة، وتثاءب بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، ويروى بِالْوَاو: تثاوب، وَقيل: لَا يُقَال: تثاءب، مخففاً بل تثأب، بِالتَّشْدِيدِ فِي الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال: تثاوب، بِالْوَاو. وَأما حَدِيث التثاوب فَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم لدفع البخارات المختنقة فِي عضلات الفك، وَهُوَ إِنَّمَا ينشأ من امتلاء الْمعدة وَثقل الْبدن وَيُورث الكسل وَسُوء الْفَهم والغفلة. قَوْله: (فليرده) أَي: ليكظم وليضع يَده على الْفَم لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من تَشْوِيه صورته وَدخُول فَمه وضحكه مِنْهُ. قَوْله: (إِذا قَالَ هَا) ، كلمة: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب، فَإِذا قَالَ: هَا، يَعْنِي: إِذا بَالغ فِي التثاؤب، ضحك الشَّيْطَان فَرحا بذلك، وَلذَلِك قَالُوا: لم يتثاءب نَبِي قطّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن فتح فَاه وَلم يضمه بَصق فِيهِ وَقَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ.
٠٩٢٣ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحيَى حدَّثَنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أخْبَرَنَا عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصاحَ إبْلِيسُ أيْ عِبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ فنَظَرَ حُذَيْفَةُ فإذَا هُوَ بِأبِيهِ الْيَمانِ فَقَالَ أَي عِبَادَ الله أَبى أبي فَوَالله مَا احْتَجَزُوا حتَّى قتَلُوهُ فَقال حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قَالَ عُرْوَةُ فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .
زَكَرِيَّاء بن يحيى بن عمر أبي السكن الطَّائِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي
عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن إِسْحَاق وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة أَيْضا.
قَوْله: (أَي عباد الله) ، يَعْنِي: يَا عباد الله. قَوْله: (أخراكم) أَي: الطَّائِفَة الْمُتَأَخِّرَة، أَي: يَا عباد الله احْذَرُوا الَّذين من وَرَائِكُمْ متأخرين عَنْكُم، أَو اقْتُلُوهُمْ، وَالْخطاب للْمُسلمين، أَرَادَ إِبْلِيس تغليطهم لِيُقَاتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا. فَرَجَعت الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة قَاصِدين لقِتَال الْأُخْرَى ظانين أَنهم من الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة والطائفة الْأُخْرَى، أَي تضاربت الطائفتان، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب للْكَافِرِينَ، أَي: اقْتُلُوا أخراكم، فَرَجَعت أولاهم فتجالد أولى الْكفَّار، وَأُخْرَى الْمُسلمين. قَوْله: (فَنظر حُذَيْفَة بن الْيَمَان) فَإِذا هُوَ بِأَبِيهِ يَعْنِي: الْيَمَان، بتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون بِلَا يَاء بعْدهَا، وَهُوَ لقب واسْمه: حسيل، مصغر الحسل بالمهملتين: ابْن جَابر الْعَبْسِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ، أسلم مَعَ حُذَيْفَة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَشهد أحدا وأصابه الْمُسلمُونَ فِي المعركة فَقَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ من الْمُشْركين، وَحُذَيْفَة يَصِيح وَيَقُول: هُوَ أبي لَا تقتلوه، وَلم يُسمع مِنْهُ. قَوْله: (مَا احتجزوا) ، أَي: مَا امْتَنعُوا مِنْهُ، وَيُقَال لكل من ترك شَيْئا: انحجز عَنهُ. قَوْله: (غفر الله لكم) ، دَعَا لمن قَتَلُوهُ من غير علم، لِأَنَّهُ عذرهمْ، وَتصدق حُذَيْفَة بديته على من أَصَابَهُ، وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله هُوَ عقبَة بن مَسْعُود فعفى عَنهُ. قَوْله: (بَقِيَّة خير) ، بَقِيَّة دُعَاء واستغفار لقَاتل الْيَمَان حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ: مَا زَالَ فِي حُذَيْفَة بَقِيَّة حزن على أَبِيه من قتل الْمُسلمين.
١٩٢٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنْ أشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقِ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا سألتُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الْتِفاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أحَدِكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ١٥٧) .
الْحسن بن الرّبيع بن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْكُوفِي، وَأَشْعَث، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث الْمَذْكُور، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .
أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه
رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.
٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .
أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.
٣٩٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيُ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وكانَتُ لَهُ حِرْزَاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حتَّى يُمْسِي ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَاّ أحَدٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (الحَدِيث ٣٩٢٣ طرفه فِي: ٣٠٤٦) .
سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (عدل) ، بِفَتْح الْعين، أَي: مثل ثَوَاب إِعْتَاق عشر رِقَاب. قَوْله: (حرْزا) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْموضع الْحصين وَيُسمى التعويذ أَيْضا حرْزا. قَوْله: (يَوْمه) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الْيَوْم الَّذِي دَعَا فِيهِ بِهَذَا الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاعْتِرَاف بالوحدانية، وعَلى الشُّكْر لله وَالْإِقْرَار بقدرته على كل شَيْء. قَوْله: (عمل) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: أحد. قَوْله: (من ذَلِك) ، أَي: من الْعَمَل الَّذِي عمله الأول.
٤٩٢٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَميدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنَ زَيْدٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَاه سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ علَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعِنْدَهُ نِساءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصْوَاتُهُنَّ فلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ فأذِنَ لَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أضُحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسُولَ الله قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللَاّتِي كُنَّ عِنْدِي فلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فأنْتَ يَا رسولَ الله كُنْتُ أحَقَّ أنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَي عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولَا تَهَبْنَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْنَ نَعَمْ أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سالِكَاً فَجَّاً إلَاّ سَلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ.
على بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَفِيه أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم صَالح وَمن بعده.
قَوْله: (يكلمنه) ، أَي: يكلمن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ويستكثرنه) ، أَي: يطلبن كثيرا من كَلَامه وَجَوَابه، وَيحْتَمل أَن يكون من الْعَطاء، وَيُؤَيِّدهُ أَنه ورد فِي رِوَايَة أَنَّهُنَّ يردن النَّفَقَة. قَوْله: (عالية أصواتهن) ، هَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: يكلمنه، وأصواتهن، بِالرَّفْع لِأَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمله فعله، وعلو أصواتهن يحمل على أَنه كَانَ قبل النَّهْي عَن رفع الصَّوْت، أَو يحمل على أَنه لاجتماعهن، حصل لغط من كلامهن أَو يكون فِيهِنَّ من هِيَ جهيرة الصَّوْت أَو يحمل على أَنَّهُنَّ لما علِمْنَ عَفوه وصفحه سمحن فِي رفع الصَّوْت. قَوْله: (يبتدرون) ، أَي: يتسارعن، وَالْجُمْلَة حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: قُلْنَ. قَوْله: (وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضْحك) ، جملَة حَالية. قَوْله: (أضْحك الله سنك) ، لَيْسَ دُعَاء بِكَثْرَة الضحك حَتَّى يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: {فليضحكوا قَلِيلا} (التَّوْبَة: ٢٨) . بل المُرَاد لَازمه وَهُوَ السرُور، أَو الْآيَة لَيست عَامَّة شَامِلَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه الْكرْمَانِي. وَفِيه نظر، وَالْوَجْه هُوَ الأول. قَوْله: (يهين) بِفَتْح الْهَاء من: الهيبة. قَوْله: (أَي: عدوات) ، أَي: يَا عدوات. قَوْله: (أفظ وَأَغْلظ) ، والفظاظة والغلظ بِمَعْنى وَاحِد، هِيَ عبارَة عَن شدَّة الْخلق وخشونة الْجَانِب. فَإِن قلت: الأفظ والأغلظ يَقْتَضِي الشّركَة فِي أصل الْفِعْل، فَيلْزم أَن يكون رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فظاً غليظاً، وَقد نفى الله عَنهُ ذَلِك بقوله: {وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك} (آل عمرَان: ٩٥١) . قلت: لَا يلْزم مِنْهُ إلَاّ نفس الفظاظة والغلظ، وَهُوَ أَعم من كَونه فظاً غليظاً، لِأَنَّهُمَا صفة مشبهة يدلان على الثُّبُوت وَالْعَام لَا يسْتَلْزم الْخَاص أَو الْأَفْضَل لَيْسَ بِمَعْنى الزِّيَادَة، لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض} (النَّجْم: ٢٣) . هَذَا كُله كَلَام الْكرْمَانِي، وَفِي النَّفس مِنْهُ قلق، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِنَّه على المفاضلة، وَإِن الْقدر الَّذِي بَينهمَا فِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ مَا كَانَ إغلاظه على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، قَالَ الله تَعَالَى: {جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٧، وَالتَّحْرِيم: ٩) . قَوْله: (فجاً) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْجِيم هُوَ: الطَّرِيق الْوَاسِع، وَقيل: هُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنه ضرب مثلا لبعد الشَّيْطَان وأعوانه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَنه لَا سَبِيل لَهُم عَلَيْهِم، أَي: إِنَّك إِذا سلكت فِي أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر تنفذ فِيهِ وَلَا تتركه فييأس الشَّيْطَان من أَن يوسوس فِيهِ فتتركه وتسلك غَيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الطَّرِيق على الْحَقِيقَة، لِأَن الله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . فَلَا يخافه إِذا فِي فج لِأَنَّهُ لَا يرَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون عمر أفضل من أَيُّوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ قَالَ: {مسنى الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب} (ص: ١٤) . قلت: لَا، إِذْ التَّرْكِيب لَا يدل إلَاّ على الزَّمَان الْمَاضِي
وَذَلِكَ أَيْضا مَخْصُوص بِحَال من الْإِسْلَام، فَلَيْسَ على ظَاهره، وَأَيْضًا هُوَ مُقَيّد بِحَال سلوك الطَّرِيق، فَجَاز أَن يلقاه فِي غير تِلْكَ الْحَالة. انْتهى. قلت: الْجَواب الْأَخير موجه، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا أوجه من الْكل وَالله أعلم. وَفِيه فضل لين الْجَانِب والرفق وَفِيه: فضل عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه حلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا يكون
وَفِيه: لَا يَنْبَغِي الدُّخُول على أحد إلَاّ بعد الاسْتِئْذَان.
٥٩٢٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ.
إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه ثَعْلَبَة بن دِينَار، وَيزِيد، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف فِي أَوله: هُوَ يزِيد بن الْهَاد، والهاد أحد أجداده لِأَن يزِيد هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَيُقَال: يزِيد بن عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن عَمْرو، وَهُوَ الْهَاد بن عبد الله وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم ابْن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي، مَاتَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن بشر بن الحكم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ.
قَوْله: (أرَاهُ) أَي: أَظُنهُ. قَوْله: (فليستنثر) ، أَمر من الاستنثار، وَهُوَ نثر مَا فِي الْأنف بِنَفس. قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقيل: أَن يستنشق المَاء ثمَّ يسْتَخْرج مَا فِيهِ من أَذَى أَو مخاط، وَكَذَلِكَ الانتنثار، وَقيل: فليستنثر أَكثر فَائِدَة من قَوْله: فليستنشق، لِأَن الاستنثار يَقع على الِاسْتِنْشَاق بِغَيْر عكس، فقد يستنشق وَلَا يستنثر، والاستنثار من تَمام فَائِدَة الِاسْتِنْشَاق، لِأَن حَقِيقَة الِاسْتِنْشَاق جذب المَاء برِيح الْأنف إِلَى أقصاه، والاستنثار إِخْرَاج ذَلِك المَاء. قلت: وَمِمَّا يدل على أَن الاستنثار غير الِاسْتِنْشَاق مَا روى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل المَاء فِي أَنفه ثمَّ ليستنثر، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وروى: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يستنشق ثَلَاثًا فِي كل مرّة يستنثر، وَقد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الاستنثار فِي الْوضُوء حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة أبي إِدْرِيس عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر، وَفِي: بَاب الِاسْتِجْمَار أَيْضا من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ لينتثر. .) الحَدِيث، وَمَرَّتْ زِيَادَة الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على خيشومه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْمُعْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أقْصَى الْأنف، وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ الْأنف. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ المنخران وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة، يُقَال: رجل أخشم إِذا لم يجد رَائِحَة الطّيب، وَقيل: الأخشم منتن الخيشوم، وَقيل: الأخشم الَّذِي لَا يجد ريح الشَّيْء أصلا وَهُوَ الخشام، والخشم مَا يسيل من الخيشوم، ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن هَذَا يَقع لكل نَائِم، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: هَذَا يَقع لمن يحترس من الشَّيْطَان بِشَيْء من الذّكر، فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن فِي ذكر الله حرْزا من الشَّيْطَان.
٢١ - (بابُ ذِكْرِ الجِنِّ وثَوَابِهِمْ وعِقَابِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجود الْجِنّ، وَفِي بَيَان أَنهم يثابون بِالْخَيرِ ويعاقبون بِالشَّرِّ، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:
الأول: فِي وجود الْجِنّ: فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية، رَحمَه الله: لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ، وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين: كالجهمية والمعتزلة، من يُنكر ذَلِك، وَأَن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرين بذلك، وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ قد تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تواتراً مَعْلُوما بالاضطرار، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه (الشَّامِل) : اعلموا، رحمكم الله، إِن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا، وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدين وَلَا يتشبث بالشريعة، وَإِنَّمَا الْعجب
من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ فِي (شرح الْإِرْشَاد) : وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم إيَّاهُم على قلَّة مبالاتهم وركاكة ديانتهم، فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عَقْلِي، وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على إثباتهم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني: وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما، وينفون وجودهم الْآن، وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يُرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا لَا يُرون لأَنهم لَا ألوان لَهُم. وَقَالَ عبد الْجَبَّار المعتزلي: الدَّلِيل على إثباتهم السّمع دون الْعقل إِذْ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة، لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير أَن يكون بَينهمَا تعلق.
النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان ابْتِدَاء خلق الْجِنّ: قَالَ أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي فِي (الْمُبْتَدَأ) : حَدثنَا عُثْمَان بن الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سليط الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: خلق الله الْجِنّ قبل آدم بألفي سنة، وَيُقَال: عمروا الأَرْض ألفي سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها. وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر: حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الأَرْض، فَكَانُوا يعْبدُونَ الله تَعَالَى، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدِّمَاء، وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ: يُوسُف، فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِم جنداً من الْمَلَائِكَة كَانُوا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا كَانَ فيهم إِبْلِيس، وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم عَنْهَا وألحقوهم بجزائر الْبَحْر، وَسكن إِبْلِيس والجند الَّذِي كَانُوا مَعَه الأَرْض فهان عَلَيْهِم الْعَمَل وأحبوا الْمكْث فِيهَا.
النَّوْع الثَّالِث فِي بَيَان خلقهمْ مماذا؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم) . فَثَبت أَن أصل الْجِنّ النَّار، كَمَا أَن أصل الْإِنْس الطين. وَحكى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن عَن قَوْله: {خلقتني من نَار} (الْأَعْرَاف: ٢١، وص: ٦٧) . فَهَذَا أَيْضا يدل على أَن أصل الْجِنّ النَّار. فَإِن قلت: يجوز أَن يكذب فِي ذَلِك أَو يَظُنّهُ وَلَا يكون لَهُ علم بِهِ. قلت: لَو لم يكن الْأَمر على مَا قَالَه لأنزل الله تَعَالَى تَكْذِيبه، لِأَن عدم تَكْذِيب الْكَاذِب مِمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَوْف وَالْجهل قَبِيح. فَإِن قلت: فِي النَّار من اليبس مَا لَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا والحياة فِي وجودهَا يحْتَاج إِلَى رُطُوبَة. قلت: فَالله قَادر على أَن يفعل رُطُوبَة فِي تِلْكَ النَّار بِمِقْدَار مَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا، مَعَ أَن أَبَا هَاشم جوز وجود الْحَيَاة مَعَ عدم التنفس، وَيَقُول: إِن أهل النَّار لَا يتنفسون.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَنهم أجسام وَأَنَّهُمْ على صور مُخْتَلفَة، قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ: الْجِنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، وَيجوز أَن تكون رقيقَة وَأَن تكون رقيقَة وَأَن تكون كثيفة خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: إِنَّهُم أجسام رقيقَة ولرقتها لَا نراهم قُلْنَا: الرقة لَيْسَ بمانعة عَن الرُّؤْيَة فِي بَاب الرُّؤْيَة، وَيجوز أَن تكون الْأَجْسَام الكثيفة مَوْجُودَة وَلَا نرَاهَا إِذا لم يخلق الله فِينَا الْإِدْرَاك، وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ عَن القَاضِي أبي بكر: نَحن نقُول إِنَّمَا رَآهُمْ من رَآهُمْ لِأَن الله خلق لَهُم الرُّؤْيَة، وَأَن من لم يخلق لَهُ الرُّؤْيَة لَا يراهم وَأَنَّهُمْ أجساد مؤلفة وجثث، وَقَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهُم أجساد رقيقَة بسيطة. وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: أجسام الْجِنّ رقيقَة ولضعف أبصارنا لَا نراهم لَا لعِلَّة أُخْرَى، وَلَو قوى الله أبصارنا أَو كثف أجسامهم لرأيناهم. وَقَالَ السُّهيْلي: الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث: صنف على صور الْحَيَّات، وصنف على صُورَة كلاب سود، وصنف ريح طيارة. أَو قَالَ: هفافة ذُو أَجْنِحَة، وهم يتصورون فِي صور الْحَيَّات والعقارب، وَفِي صور الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صور الطير، وَفِي صور بني أَدَم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشياطين على تَغْيِير خلقهمْ والانتقال فِي الصُّور، وَإِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ الله كَلِمَات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال، إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله من صُورَة إِلَى صور أُخْرَى. وَأما أَن يصور نَفسه فَذَاك محَال.
النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن الْجِنّ على أَنْوَاع مِنْهُم: الغول، وَهُوَ العفريت، قَالُوا: إِن الغول حَيَوَان لم تحكمه الطبيعة وَأَنه لما خرج مُنْفَردا توحش وَلم يسْتَأْنس وَطلب القفار، ويتلون فِي ضروب من الصُّور ويتراءى فِي اللَّيْل وَفِي أَوْقَات الخلوات لمن كَانَ مُسَافِرًا وَحده فيتوهم أَنه إِنْسَان ويضل الْمُسَافِر عَن الطَّرِيق، وَمِنْهُم: السعلاة، وَهِي مُغَايرَة للغول، وَأكْثر مَا يُوجد فِي الفيافي إِذا ظَفرت بِإِنْسَان ترقصه وتلعب بِهِ كَمَا تلعب السنور بالفأر، وَمِنْهُم: الغدار، وَهُوَ يُوجد بِأَكْنَافِ الْيمن وَرُبمَا يُوجد فِي أَرض
مصر إِذا عاينه الْإِنْسَان خر مغشياً عَلَيْهِ. وَمِنْهُم: الولهان، يُوجد فِي جزائر الْبَحْر وَهُوَ فِي صُورَة إِنْسَان رَاكب على نعَامَة يَأْكُل النَّاس الَّذين يقذفهم الْبَحْر، وَمِنْهُم: الشق، كَنِصْف آدَمِيّ بالطول زَعَمُوا أَن النسناس مركبه يظْهر للنَّاس فِي أسفارهم. وَمِنْهُم: من يأنس بالآدميين وَلَا يؤذيهم. وَمِنْهُم: من يختطف النِّسَاء الْأَبْكَار. وَمِنْهُم: من هُوَ فِي صُورَة الوزغ. وَمِنْهُم: من هُوَ على صُورَة الْكلاب.
النَّوْع السَّادِس: فِي وَجه تَسْمِيَة الْجِنّ بِهَذَا الإسم: قَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون، وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد، وَالْجنَّة مَا واراك من سلَاح، قَالَ: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة ضرب من الْجِنّ، قَالَ الراجز:
يلعبن أحوالي من حن وجن
وَقَالَ أَبُو عُمَيْر الزَّاهِد: الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم، وَوَقع فِي كَلَام السُّهيْلي: فِي النتائج أَن الْجِنّ يَشْمَل الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار.
النَّوْع السَّابِع: فِي بَيَان أَن الْجِنّ هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون؟ وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَهَذَا قَول سَاقِط. الثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. الثَّالِث: أَن جَمِيعهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. وَاخْتلفُوا فِي صفة أكلهم وشربهم، فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضع وَلَا بلع، وَهَذَا قَول لَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل، وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أُميَّة بن محشي، وَفِيه: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه، فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقى مَا فِي بَطْنه. وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن الْجِنّ: مَا هم؟ وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون ويموتون؟ فَقَالَ: هم أَجنَاس، فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتناكحون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون مِنْهُم: السعالي والغول والقطرب وَغير ذَلِك، رَوَاهُ أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ عَنهُ.
النَّوْع الثَّامِن: فِي بَيَان تَكْلِيف الْجِنّ: قَالَ أَبُو عمر: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَة مكلفون مخاطبون. لقَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس} (الْأَنْعَام: ٠٣١، والرحمن: ٣٣) . وَذكر عَن الحشوية أَنهم مضطرون إِلَى أفعالهم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بمكلفين، وعَلى القَوْل بتكليفهم: هَل لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب أم لَا؟ وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على قَوْلَيْنِ: فَقيل: لَا ثَوَاب لَهُم إلَاّ النجَاة من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، حَكَاهُ ابْن حزم وَغَيره عَنهُ، وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: حَدثنَا دَاوُد عَن عمر والضبي حَدثنَا عفيف بن سَالم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن لَيْث بن أبي سليم، قَالَ: ثَوَاب الْجِنّ أَن يجاروا من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا. القَوْل الثَّانِي: أَنهم يثابون على الطَّاعَة ويعاقبون على الْمعْصِيَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَنقل أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَأحمد، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ: نعم، لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن كَافِر الْجِنّ يعذب فِي الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى: {النَّار مثواكم} (الْأَنْعَام: ٨٢١) . وَاخْتلفُوا فِي مؤمني الْجِنّ، هَل يدْخلُونَ الْجنَّة؟ على أَرْبَعَة أَقْوَال: وَالْجُمْهُور على أَنهم يدْخلُونَهَا، حَكَاهُ ابْن حزم فِي (الْملَل) عَن ابْن أبي ليلى، وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس. قَالَ: وَبِه نقُول، ثمَّ اخْتلفُوا هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ؟ فروى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك أَنهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ، وَعَن مُجَاهِد أَنهم يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون ويلهمون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب، وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة، نراهم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. القَوْل الثَّانِي: إِنَّهُم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، حَكَاهُ ابْن تَيْمِية، وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم. القَوْل الثَّالِث: أَنهم على الْأَعْرَاف. القَوْل الرَّابِع: الْوَقْف. وروى الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الكنجرودي فِي (أَمَالِيهِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب) . فسألنا عَن ثوابهم، فَقَالَ: على الْأَعْرَاف، وَلَيْسوا فِي الْجنَّة. فَقَالُوا: مَا الْأَعْرَاف؟ قَالَ: حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الْأَشْجَار وَالثِّمَار، وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر جدا، ثمَّ إِن مؤمني الْجِنّ إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يرَوْنَ الله تَعَالَى؟ فقد وَقع فِي كَلَام عبد السَّلَام فِي (الْقَوَاعِد الصُّغْرَى) مَا يدل على أَنهم لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى. وَأَن الرُّؤْيَة مَخْصُوصَة بمؤمني الْبشر، فَإِنَّهُ صرح بِأَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى فِي الْجنَّة، وَمُقْتَضى هَذَا أَن الْجِنّ لَا يرونه.
النَّوْع التَّاسِع: هَل كَانَ فيهم نَبِي مِنْهُم أَو لَا؟ فروى
الطَّبَرِيّ من طَرِيق الضَّحَّاك بن مُزَاحم، إِثْبَات ذَلِك، وَجُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفاً على أَنه لم يكن من الْجِنّ نَبِي قطّ وَلَا رَسُول، وَلم تكن الرُّسُل إلَاّ من الْإِنْس، وَنقل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن جريج وَمُجاهد والكلبي وَأبي عبيد والواحدي، وَذكر إِسْحَاق بن بشر فِي (الْمُبْتَدَأ) : عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجِنّ قتلوا نَبيا لَهُم قبل آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اسْمه يُوسُف، وَأَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِم رَسُولا وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ. وَمن ذهب إِلَى قَول الضَّحَّاك يسْتَدلّ أَيْضا بقوله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم ... } (الْأَنْعَام: ٠٣١) . الْآيَة.
النَّوْع الْعَاشِر: فِي بَيَان فِرَقِ الْجِنّ قد أخبر الله تَعَالَى عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا: {وَأَنا منَّا الصالحون ومنَّا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قدداً} (الْجِنّ: ١١) . أَي: مَذَاهِب شَتَّى مُسلمُونَ ويهود، وَكَانَ جن نَصِيبين يهوداً. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي (كتاب النَّاسِخ والمنسوخ) : حَدثنَا مطلب بن زِيَاد عَن السّديّ، قَالَ: فِي الْجِنّ قدرية ومرجئة وشيعة، وَحكى السّديّ أَيْضا عَن أشياخه أَن فِي الْجِنّ الْمُؤمن وَالْكَافِر والمعتزلة والجهمية وَجَمِيع الْفرق.
فَوَائِد: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الشَّيَاطِين أَوْلَاد إِبْلِيس لَا يموتون إلَاّ مَعَه، وَالْجِنّ يموتون قبله. وَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ أَبُو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما خلق الله شوما أَبَا الْجِنّ، وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار، فَقَالَ تبَارك وَتَعَالَى: تمنَّ. فَقَالَ: أتمنَّى أَن نَرى وَلَا نُرى، وَأَن نغيب فِي الثرى، وَأَن يصير كهلنا شَابًّا. فَأعْطِي ذَلِك، فهم يَرون وَلَا يُرون، وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا، يَعْنِي: مثل الصَّبِي ثمَّ يرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَسُئِلَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْحَنْبَلِيّ عَن الْجِنّ: (هَل تصح الصَّلَاة خَلفهم؟ قَالَ: نعم، لأَنهم مكلفون، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل إِلَيْهِم.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} إِلَى قَوْلِهِ {عَمَّا يَعْمَلُون} (الْأَنْعَام: ٠٣١) .
اللَّام فِي: لقَوْله، للتَّعْلِيل للتَّرْجَمَة لأجل الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَجه الِاسْتِدْلَال إِن قَوْله تَعَالَى: ينذرونكم، يدل على الْعقَاب، وَقَوله: {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} (الْأَنْعَام: ٢٣١، والأحقاف: ٩١) . يدل على الثَّوَاب، وَتَمام الْآيَة.
بَخْساً نَقْصاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً} (الْجِنّ: ٣١) . فسر البخس بقوله: (نقصا) قَالَ الْفراء: البخس: النَّقْص، والرهق: الظُّلم، فدلت الْآيَة أَن من يكفر يخَاف، وَالْخَوْف يدل على كَون الْجِنّ مكلفين لِأَن الْآيَة فيهم.
وقالَ مُجَاهِدٌ {وجعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً} (الصافات: ٨٥١) . قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ المَلَائِكَةُ بَناتُ الله وأُمَّهَاتُهُمْ بَناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ قَالَ الله: {ولَقَدْ عَلِمْتُ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} (الصافات: ٨٥١) . ستُحْضَرُ لِلْحِسابِ {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} (ي س: ٥٧) . عِنْد الحِسَابِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تعال: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} أَن كفار قُرَيْش قَالُوا: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَأُمَّهَات الْمَلَائِكَة هن بَنَات سروات الْجِنّ أَي: ساداتهم، والسروات جمع سراة جمع سري وَهُوَ نَادِر شَاذ، لِأَن فعلات لَا يجمع على فعلة، كَذَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْجَوْهَرِي: السرو سخاء فِي مُرُوءَة، يُقَال: سرا يسرو سري بِالْكَسْرِ يسري سرواً فيهمَا، وسرو يسرو سراوة، أَي: صَار سرياً، وَجمع السّري: سراة، وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره، وَجمع السراة سراوات، وَأثر مُجَاهِد الْمُعَلق أخرجه ابْن جرير من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَنهُ بِزِيَادَة، فَقَالَ أَبُو بكر: فَمن أمهاتهن؟ فَقَالُوا: بَنَات سروات الْجِنّ، يحسبون أَنهم خلقُوا مِمَّا خلق مِنْهُ إِبْلِيس، لَعنه الله. انْتهى. وَوَقع هَهُنَا أمهاتهن، وَالصَّوَاب: أمهاتهم، مثل مَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون} (الصافات: ٨٥١) . وَقَبله: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} (الصافات: ٨٥١) . أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه أَي: بَين الله وَبَين الْجنَّة نسبا، وَهُوَ زعمهم أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله سموا الْمَلَائِكَة جنَّة لاجتنانهم عَن الْأَبْصَار، وَالْمعْنَى: جعلُوا بِمَا قَالُوهُ نِسْبَة بَين الله وَبَين الْمَلَائِكَة، وأثبتوا بذلك جنسية جَامِعَة لله وللملائكة تعال الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: قَالُوا لعنهم الله بل تزوج من الْجِنّ فَخرج مِنْهَا الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم: الْجِنّ، وَمِنْهُم إِبْلِيس هم بَنَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَقَالَ الْحسن: أشركوا الشَّيْطَان فِي عبَادَة الله فَهُوَ النّسَب الَّذِي
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَأبي بن كَعْب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِب أَن يُنكر بِقَلْبِه وَيَنْبَغِي لمن أَمر بِمَعْرُوف أَن يكون كَامِل الْخَيْر لَا وصم فِيهِ وَقد قَالَ شُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِلَّا أَنه يجب عِنْد الْجَمَاعَة أَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر من لَا يفعل ذَيْنك وَقَالَ جمَاعَة من النَّاس يجب على متعاطي الكاس أَن ينْهَى جمَاعَة الْجلاس وَفِيه وصف جَهَنَّم بِأَمْر عَظِيم روى مُسلم عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا " يُؤْتى بجهنم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا سَبْعُونَ ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها " وَلابْن وهب عَن زيد بن أسلم عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " فَبَيْنَمَا هم يجرونها إِذْ شَردت عَلَيْهِم شَرْدَةً فلوا أَنهم أدركوها لأحرق من فِي الْجمع "
(رَوَاهُ غنْدر عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور غنْدر وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْفِتَن -
١١ - (بابُ صِفَةِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صفة إِبْلِيس، وَفِي بَيَان جُنُوده. وَالْكَلَام فِي صفته وَحَقِيقَة أمره على أَنْوَاع:
الأول فِي اسْمه: هَل هُوَ مُشْتَقّ أَو لَا؟ فَقَالَ جمَاعَة: هُوَ اسْم أعجمي، وَلِهَذَا منع من الصّرْف للعلمية والعجمة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: لَو كَانَ عَرَبيا لصرف كإكليل، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا لم يصرف وَإِن كَانَ عَرَبيا لقلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب، فشبهوه بالعجمي، وَهَذَا فِيهِ نظر، لِأَن كَون قلَّة نَظِيره فِي كَلَام الْعَرَب لَيْسَ عِلّة من الْعِلَل الْمَانِعَة لاسم من الصّرْف، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم عَرَبِيّ مُشْتَقّ من: أبلس، إِذا يئس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أبلس من رَحْمَة الله إِذا يئس، وَمِنْه سمي إِبْلِيس، وَكَانَ اسْمه: عزازيل، قيل: من ادّعى أَنه عَرَبِيّ فقد غلط وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن روى الطَّبَرِيّ عَن ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ عِنْد الْمَلَائِكَة عزازيل، ثمَّ أبلس بعد، وَهَذَا يُؤَيّد قَول من ادّعى أَنه عَرَبِيّ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن اسْمه الْحَارِث. وَأما كنيته، فَقيل: كَانَت كنيته أَبَا مرّة، وَقيل: أَبُو الْعُمر، وَقيل: أَبُو كرْدُوس.
النَّوْع الثَّانِي: فِي بَيَان أصل خلقه روى الطَّبَرِيّ من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج عَن صَالح مولى التؤمة وَشريك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِن من الْمَلَائِكَة قَبيلَة من الْجِنّ، وَكَانَ إِبْلِيس مِنْهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس: سمي قَبيلَة الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِبْلِيس حَيّ من أَحيَاء الْمَلَائِكَة، يُقَال لَهُم: الْجِنّ، خلقُوا من نَار السمُوم، وخلقت الْمَلَائِكَة كلهم من النُّور غير هَذَا الْحَيّ. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِنَّه من الشَّيَاطِين، وَلم يكن من الْمَلَائِكَة قطّ، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: {إلَاّ إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ} (الْكَهْف: ٠٥) . وَقَالَ مقَاتل: لَا من الْمَلَائِكَة وَلَا من الْجِنّ، بل هُوَ خلق مُنْفَردا من النَّار كَمَا خلق آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الطين. وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: كَانَ إِبْلِيس من الْجِنّ الَّذين يعْملُونَ فِي الأَرْض الْفساد، فَأسرهُ بعض الْمَلَائِكَة فَذهب بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَيُقَال: كَانَ نوع من الْجِنّ سكان الأَرْض، وَكَانَ فيهم الْملك والنبوة وَالدّين والشريعة، فاستمروا على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ طغوا وأفسدوا وجحدوا الربوبية وسفكوا الدِّمَاء، فَأرْسل الله إِلَيْهِم جنداً من السَّمَاء فَقَاتلُوا مَعَهم قتالاً شَدِيدا فطردهم إِلَى جزائر الْبَحْر، وأسروا مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فِيمَن أسر: عزازيل، وَهُوَ إِذْ ذَاك صبي، وَنَشَأ مَعَ الْمَلَائِكَة وَتكلم بكلامهم وَتعلم من علمهمْ، وَأخذ يسوسهم وطالت أَيَّامه حَتَّى صَار رَئِيسا فيهم حَتَّى أَرَادَ الله تَعَالَى خلق آدم، وَاتفقَ لَهُ مَا اتّفق. وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: إِبْلِيس أصل الجان وَالشَّيَاطِين، وَهُوَ أَبُو الْكل، وروى مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ: الجان أَبُو الْجِنّ كلهم، كَمَا أَن آدم أَبُو الْبشر.
النَّوْع الثَّالِث: فِي حَده وَصفته: أما حَده: فَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي (تَفْسِيره) هُوَ شخص روحاني خلق من نَار السمُوم، وَهُوَ أَبُو الشَّيَاطِين، وَقد ركبت فيهم الشَّهَوَات، مُشْتَقّ من الإبلاس وَهُوَ الْيَأْس من الْخَيْر. وَأما صفته: فَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ: كَانَ الله قد حسن خلقه وشرفه وَكَرمه وَملكه على سَمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض، وَجعله مَعَ ذَلِك من خَزَائِن الْجنَّة، فاستكبر على الله تَعَالَى وَادّعى الربوبية، ودعا من كَانَ تَحت يَده إِلَى طَاعَته وعبادته، فمسخه الله شَيْطَانا رجيماً، وشوه خلقه وسلبه مَا كَانَ خوله، ولعنه
وطرده عَن سماواته فِي العاجل، ثمَّ جعل مَسْكَنه ومسكن شيعته وَأَتْبَاعه فِي الْآخِرَة نَار جَهَنَّم. انْتهى. وَكَانَ يُقَال لَهُ: طَاوس الْمَلَائِكَة لحسنه، ثمَّ مسخه الله تَعَالَى. وَقَالَ عبد الْملك بن أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ إِبْلِيس يَأْتِي يحيى بن زَكَرِيَّا، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، طَمَعا أَن يفتنه، وَعرف ذَلِك يحيى مِنْهُ، وَكَانَ يَأْتِيهِ فِي صور شَتَّى، فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تَأتِينِي فِي صُورَتك الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا، فَأَتَاهُ فِيهَا فَإِذا هُوَ مُشَوه الْخلق كريه المنظر، جسده جَسَد خِنْزِير وَوَجهه وَجه قرد وَعَيناهُ مشقوقتان طولا وأسنانه كلهَا عظم وَاحِد وَلَيْسَ لَهُ لحية ويداه فِي مَنْكِبَيْه وَله يدان آخرَانِ فِي جانبيه وأصابعه خلقَة وَاحِدَة وَعَلِيهِ لِبَاس الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَفِي وَسطه منْطقَة من جُلُود السبَاع، فِيهَا كيزان معلقَة وَعَلِيهِ جلاجل، وَفِي يَده جرس عَظِيم وعَلى رَأسه بَيْضَة من حَدِيدَة معوجة كالخطاف، فَقَالَ يحيى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيحك مَا الَّذِي شوه خلقتك؟ فَقَالَ: كنت طَاوس الْمَلَائِكَة فعصيت الله فمسخني فِي أخس صُورَة، وَهِي مَا ترى. قَالَ: فَمَا هَذِه الكيزان؟ قَالَ: شهوات بني آدم. قَالَ: فَمَا هَذِه الجرس؟ قَالَ: صَوت المعازف وَالنوح، قَالَ: فَمَا هَذِه الخطاطيف؟ قَالَ: أخطف بهَا عُقُولهمْ. قَالَ: فَأَيْنَ تسكن؟ قَالَ: فِي صُدُورهمْ وَأجْرِي فِي عروقهم، قَالَ: فَمَا الَّذِي يعصمهم مِنْك؟ قَالَ: بغض الدُّنْيَا وَحب الْآخِرَة.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَوْلَاده وَجُنُوده. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بلغنَا أَن لإبليس أَوْلَادًا كثيرين، واعتماده على خَمْسَة مِنْهُم: شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، وَقَالَ مقَاتل: لإبليس ألف ولد ينْكح نَفسه ويلد ويبيض كل يَوْم مَا أَرَادَ، وَمن أَوْلَاده: الْمَذْهَب وخنزب وهفاف وَمرَّة والولهان والمتقاضي، وَجعل كل وَاحِد مِنْهُم على أَمر ذكرته فِي (تاريخي الْكَبِير) وَمن ذُريَّته: الأقنص وَهَامة بن الأقنص ويلزون وَهُوَ الْمُوكل بالأسواق وَأمه طرطية، وَيُقَال: بل هِيَ حاضنتهم، ذكره النقاش، قَالُوا: باضت ثَلَاثِينَ بَيْضَة: عشرَة بالشرق، وَعشرَة بالمغرب، وَعشرَة فِي وسط الأَرْض، وَأَنه خرج من كل بيض جنس من الشَّيَاطِين كالعفاريت والغيلان والحيات، وأسماؤهم مُخْتَلفَة كلهم عَدو لبني آدم، أعاذنا الله من شرهم، وَله جنود يرسلهم إِلَى إضلال بني آدم، وَقد روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا، قَالَ: إِذا أصبح إِبْلِيس يبْعَث جُنُوده، فَيَقُول: من أضلّ مُسلما ألبسته التَّاج الحَدِيث، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: عرش إِبْلِيس على الْبَحْر، فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس، فأعظمهم عِنْده أعظمهم فتْنَة.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُقْذَفُونَ يُرْمَوْنَ: دُحورَاً مَطْرُودِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ويقذفون من كل جَانب دحوراً وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٨ ٩) . وَفسّر يقذفون بقوله: يرْمونَ، ودحوراً بقوله: مطرودين، كَأَنَّهُ جعل الْمصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول جمعا، وَقد فسره عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد كَذَلِك.
وِاصِبٌ دَائِمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم عَذَاب واصب} (الصافات: ٩) . وَفسّر الواصب بقوله: دَائِم، وَقد ذكره البُخَارِيّ وَمَا بعده اتِّفَاقًا واستطراداً.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَدْحُورَاً مَطْرُودَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوماً مَدْحُورًا} (الْإِسْرَاء: ٩٣) . وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، والمدحور مفعول من الدَّحْر، وَهُوَ الدّفع والإبعار من قَوْلك: دحرته أدحره دحراً ودحوراً. وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : عَن قَتَادَة: دحوراً: قذفا فِي النَّار.
يُقالُ مَرِيداً مُتَمَرِّدَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن يدعونَ إلَاّ شَيْطَانا مرِيدا} (النِّسَاء: ٧١١) . وَفسّر مرِيدا بقوله: متمرداً.
بَتَّكَهُ قَطَعَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ولآمرنَّهُم فليبتكن آذان الْأَنْعَام} (النِّسَاء: ٩١١) . أَي: ليقطعن، وَفسّر: بتكه، بِمَعْنى: قطعه وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي الْبحيرَة. وَهِي إِذا نتجت خَمْسَة أبطن، وَكَانَ آخرهَا ذكرا شَقوا أذنها، وَلم ينتفعوا بهَا، وَالتَّقْدِير: ولآمرنهم بتبتيك آذانهن، وليبتكنها.
واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسَانُ والرَّجْلُ الرَّجَّالَّةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِب وصَحْبٍ وتاجِرٍ وتَجْر
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك، واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك} (الْإِسْرَاء: ٤٦) . وَفسّر قَوْله: استفزز، بقوله: استخف، وَيُرِيد بالصوت الْغناء والمزامير، وَفسّر الْخَيل بالفرسان، وَفسّر الرجل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْجِيم بالرجالة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، ثمَّ قَالَ وَاحِد الرجالة راجل، وَمثله بقوله: صَاحب وَصَحب، فَإِن الصحب جمع صَاحب والتجر، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع تَاجر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كل خيل سَارَتْ فِي مَعْصِيّة، وكل رجل مشت فِيهَا وكل مَا أُصِيب من حرَام فَهُوَ للشَّيْطَان، وَقَالَ غَيره: مشاركته فِي الْأَمْوَال الْبحيرَة والسائبة، وَفِي الْأَوْلَاد عِنْد الْغَزْو وَعند الحروب.
لأحْتَنِكَنَّ: لأَستَأصِلَنَّ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لأحتنكن ذُريَّته إلَاّ قَلِيلا} (الْإِسْرَاء: ٢٦) . وَفسّر: لأحتنكنَّ، بقوله: لأستأصلنَّ من الاستئصال.
قَرِينٌ شَيْطَانٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ لَهُ قرين} (الزخرف: ٦٣) . وَفسّر القرين بالشيطان، وَفَسرهُ مُجَاهِد كَذَلِك.
٨٦٢٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عِيسَى عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إلَيَّ هِشامٌ أنَّهُ سَمِعَهُ ووَعَاهُ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حتَّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حتَّى كانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا ودَعا ثُمَّ قَالَ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتَانِي فِيما فِيهِ شِفَائِي أتَانِي رَجُلان فَقَعَدَ أحَدُهُمَا عِنْدَ رأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فقالَ أحَدُهُمَا لِلآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ قَالَ فِيما ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وجُفَّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فأيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرَوانَ فخَرَجَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كأنَّهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجتْهُ فَقَالَ لَا أمَّا أنَا فَقَدْ شَفَانِي الله وَخَشِيتُ أنْ يُثِيرَ ذَلِكَ علَى النَّاسِ شَرَّاً ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ. .
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السحر إِنَّمَا يتم باستعانة الشَّيْطَان على ذَلِك، وَهِي من جملَة صِفَاته القبيحة. وَإِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن إِبْرَاهِيم ابْن مُوسَى عَن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عِيسَى بن يُونُس نَحوه.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) ، هُوَ اللَّيْث بن سعد، رَحمَه الله، هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو بكر عبد الله بن دَاوُد عَن عِيسَى ابْن حَمَّاد النجيبي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث. قَوْله: (ووعاه) ، أَي: حفظه. قَوْله: (يخيل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من تخيل الشَّيْء
كَذَا وَلَيْسَ كَذَلِك، وَأَصله الظَّن. قَوْله: (ذَات يَوْم) إِنَّمَا لم يتَصَرَّف لِأَن إضافتها من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم، لِأَن معنى: كَانَ ذَات يَوْم قِطْعَة من الزَّمَان ذَات يَوْم، أَي: صَاحِبَة هَذَا الإسم. قَوْله: (أشعرت) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني) ، ويروى: أنبأني، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (مطبوب) ، أَي: مسحور، والطب جَاءَ بِمَعْنى: السحر. قَوْله: (مَن طبه؟) أَي: مَن سحره؟ قَوْله: (فِي مشط ومشاقة) ، الْمشْط فِيهِ لُغَات: ضم الْمِيم وَإِسْكَان الشين وَضمّهَا أَيْضا وَكسر الْمِيم بِإِسْكَان الشين، والمشاقة: بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يغزل من الْكَتَّان. قلت: المشاقة مَا يخرج من الْكتاب حِين يمشق، والمشق: جذب الشَّيْء ليمتد وَيطول. قَوْله: (وجف طلعة ذكر) ، الجف، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء: وَهُوَ وعَاء طلع النّخل، وَهُوَ الغشاء الَّذِي يكون عَلَيْهِ وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَلِهَذَا قَيده بقوله: ذكر، وَهُوَ الَّذِي يدعى بالكفري، وَقَالَ ابْن فَارس: جف الطّلع، وعاؤها، يُقَال: إِنَّه شَيْء ينثر من جُذُوع النّخل، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويروى فِي مشط ومشاقة فِي جف طلعة، قَالَ: المشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس واللحية عِنْد التسريح بالمشط، قَالَ: وجف طلعة، أَي: فِي جوفها. وَقَوله: (ذكر) ، الذَّكر من النّخل الَّذِي يُؤْخَذ طلعه فَيجْعَل مِنْهُ فِي طلع النَّخْلَة المثمرة فَيصير بذلك تَمرا، وَلَو لم يَجْعَل فِيهِ لَكَانَ شيصاً لَا نوى فِيهِ، وَلَا يكَاد يساغ. قَوْله: (فِي بِئْر ذروان) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، ويروى: ذِي أروان، وَكِلَاهُمَا صَحِيح مَشْهُور، وَالْأول أصح، وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ فِي بُسْتَان بني زُرَيْق، بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف، من الْيَهُود. قَوْله: (كَأَنَّهَا رُؤُوس الشَّيَاطِين) ، قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا مستدقة كرؤوس الْحَيَّات، والحية يُقَال لَهَا: الشَّيْطَان. وَالْآخر: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الأشكال، وَهُوَ مثل فِي استقباح صورتهَا وهول منظرها كصورة الشَّيَاطِين. قَوْله: (أَن يثير ذَلِك على النَّاس شرا) يُرِيد فِي إِظْهَاره، وَقيل: إِنَّمَا امْتنع عَن تعْيين السَّاحر لِئَلَّا تقوم أنفس الْمُسلمين فَيَقَع بَينهم وَبَين قبيل السَّاحر فتْنَة. قَوْله: (ثمَّ دفنت الْبِئْر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَفِيه: أَن آثَار الْفِعْل الْحَرَام يجب إِزَالَتهَا، وَقد مر الْبَحْث فِي هَذَا مُسْتَوفى فِي: بَاب هَل يُعْفَى عَن الذِّمِّيّ إِذا سحر؟ فِي أَوَاخِر الْجِهَاد.
٩٦٢٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أُوَيْسٍ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ عنْ يَحْيَى ابنِ سَعِيدٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثُ عُقَدٍ يَضْرِبُ علَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكانها علَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فارْقُدْ فإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّها فأصْبَحَ نَشِيِطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. (انْظُر الحَدِيث ٤١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحد من أَفعَال الشَّيْطَان وَصِفَاته القبيحة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب التَّهَجُّد بِاللَّيْلِ فِي: بَاب عقد الشَّيْطَان على قافية الرَّأْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَهنا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، واسْمه عبد الله الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَهُوَ يروي عَن أَخِيه عبد الحميد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمعنى: يعْقد، يتَكَلَّم عَلَيْهِ، والقافية: مُؤخر الرَّأْس، وَمِنْه قافية الشّعْر. قَوْله: (انْحَلَّت عقده) ، وَهُوَ جمع عقدَة، وَلِهَذَا أكده بقوله: كلهَا.
٠٧٢٣ - حدَّثنا عُثُمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلِ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَجُلٌ نامَ لَيْلَهُ حتَّى أصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٤١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن بَوْل الشَّيْطَان فِي أذن الرجل النَّائِم كل لَيْلَة من صِفَاته القبيحة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق، وَعبد الله
هُوَ ابْن مَسْعُود. وَمضى الحَدِيث فِي كتاب التَّهَجُّد فِي: بَاب إِذا نَام وَلم يصلِّ بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل ... إِلَى آخِره.
١٧٢٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمِ بنِ أبِي الجَعْد عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أما إنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ وَقَالَ بِسْمُ الله اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقَتنَا فَرُزِقَا ولَدَاً لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن من صِفَات الشَّيْطَان ضَرَره الْعَام للْمُؤْمِنين، وَهُوَ من صِفَاته الذميمة القبيحة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال، وَعند الوقاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٧٢٣ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا طَلَعَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَبْرُزَ وإذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتَّى تَغِيبَ. وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلوُعَ الشَّمْسِ ولَا غُرُوبها فإنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أوِ الشَّيْطَانِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشامٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني الشَّيْطَان) . مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه أَبُو نعيم، وَأَبُو عَليّ، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (حَتَّى تبرز) ، أَي: حَتَّى تظهر. قَوْله: (وَلَا تَحَيَّنُوا) من التحين، وَهُوَ طلب وَقت مَعْلُوم (وقرنا الشَّيْطَان) جانبا رَأسه. قَوْله: (لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ هِشَام) ، الْقَائِل بِهَذَا هُوَ عَبدة بن سُلَيْمَان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة.
٨٠ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا يُونُس عَن حميد بن هِلَال عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مر بَين يَدي أحدكُم شَيْء وَهُوَ يُصَلِّي فليمنعه فَإِن أَبى فليمنعه فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان " وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَيُونُس هُوَ ابْن عبد الله الْعَبْدي الْبَصْرِيّ وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب يرد الْمصلى من مر بَين يَدَيْهِ
(وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم حَدثنَا عَوْف عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ وكلني رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام فَأَخَذته فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكر الحَدِيث فَقَالَ إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ لن يزَال من الله حَافظ وَلَا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صدقك وَهُوَ كذوب ذَاك الشَّيْطَان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " ذَاك الشَّيْطَان " وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مُؤذن
الْبَصْرَة وعَوْف الْأَعرَابِي والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوكَالَة فِي بَاب إِذا وكل رجال بِعَين مَا ذكره هُنَا قَالَ وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -
٦٧٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسوُلُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يأتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ منْ خَلَقَ كذَا مَنْ خَلَقَ كذَا حتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فإذَا بَلَغَهُ فلْيَسْتَعِذِ بِاللَّه ولْيَنْتَهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعَن هَارُون بن مَعْرُوف وَمُحَمّد بن عباد وَعَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن هَارُون بن مَعْرُوف بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَعَن أَحْمد بن سعيد وَعَن هَارُون ابْن سعيد.
قَوْله: (من خلق كَذَا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لَا يزَال النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا خلق الله، فَمن خلق الله؟ قَوْله: (فليستعذ باالله) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلْيقل آمَنت بِاللَّه) . وَلأبي دَاوُد: (فَإِذا قَالُوا ذَلِك فَقولُوا: الله أحد الله الصَّمد الْآيَة، ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم) . وَمعنى: فليستعذ، أَي: قل أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، من الْأَعْرَاض والشبهات الْوَاهِيَة الشيطانية. قَوْله: (ولينته) ، أَي: عَن الاسترسال مَعَه فِي ذَلِك بِإِثْبَات الْبَرَاهِين القاطعة الحقانية، على أَن لَا خَالق لَهُ بِإِبْطَال التسلسل، وَنَحْوه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لينته أَي: ليترك التفكر فِي هَذَا الخاطر، وليستعذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الشَّيْطَان، فَإِن لم يزل التفكر بالاستعاذة فَليقمْ وليشتغل بِأَمْر آخر، وَإِنَّمَا أمره بذلك وَلم يَأْمُرهُ بِالتَّأَمُّلِ والاحتجاج لِأَن الْعلم باستغنائه عَن الموجد أَمر ضَرُورِيّ لَا يقبل المناظرة لَهُ، وَعَلِيهِ، وَلِأَن السَّبَب فِي مثله إحساس الْمَرْء فِي عَالم الْحس، وَمَا دَامَ هُوَ كَذَلِك لَا يزِيد فكره إلَاّ زيغاً عَن الْحق، وَمن كَانَ هَذَا حَاله فَلَا علاج لَهُ إلَاّ اللجاء إِلَى الله تَعَالَى والاعتصام بحوله وقوته. وَقَالَ الْمَازرِيّ: الخواطر على قسمَيْنِ، فالتي لَا تَسْتَقِر وَلَا تجلبها شُبْهَة هِيَ الَّتِي تدفع بالأعراض عَنْهَا، وعَلى هَذَا ينزل الحَدِيث، وعَلى مثلهَا يُطلق اسْم الوسوسة. وَأما الخواطر المستقرة الناشئة عَن الشُّبْهَة فَهِيَ لَا تنْدَفع إلَاّ بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال.
٨٧٢٣ - حدثناالحُمَيْدِيُّ حدَّثَنَا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌ وَقَالَ أخْبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل إبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنْسَانِيهُ إلَاّ الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أمَرَ الله بِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا أنسانيه إلَاّ الشَّيْطَان) والْحميدِي بن عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِي غَيره أَيْضا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.
٩٧٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينِارٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُشِيرُ إلَى المَشْرِقِ فَقَالَ هَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا إنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيّطَانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (هَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَا، حرف وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا. قلت: هُوَ حرف من حُرُوف المعجم، وَمن حُرُوف الزِّيَادَة وَهِي حرف تَنْبِيه. قَوْله: (من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان) ، نسب الطُّلُوع إِلَى قرن الشَّيْطَان مَعَ أَن الطُّلُوع للشمس لكَونه مُقَارنًا لطلوع الشَّمْس، وَالْغَرَض أَن منشأ الْفِتَن هُوَ جِهَة الْمشرق، وَقد كَانَ كَمَا أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٠٨٢٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي عَطاءٌ عنْ جَابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَجَنحَ اللَّيْلُ أوْ كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فإذَا ذهَبَ ساعَةٌ مِنَ العَشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وأغْلِقْ بابَكَ واذكُرِ اسْمَ الله وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله وأوْكِ سِقَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وخَمِّرْ إنَاءَكَ واذْكُرِ اسْمَ الله وَلَوْ تَعْرُضُ علَيْهِ شَيْئَاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر) . وَيحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَمُحَمّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أَحْمد بن عُثْمَان وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا استجنح) أَي: إِذا أظلم، ومادته: جِيم وَنون وحاء، وَقَالَ ابْن سَيّده: جنح اللَّيْل يجنح جنوحاً وجنحاً إِذا أظلم، وَيُقَال: إِذا أقبل ظلامه، والجنح، بِضَم الْجِيم وَكسرهَا لُغَتَانِ: وَهُوَ ظلام اللَّيْل، وأصل الجنح الْميل. وَقيل: جنح اللَّيْل أول مَا يظلم. قَوْله: (أَو كَانَ جنح اللَّيْل) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو قَالَ: كَانَ جنح اللَّيْل، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: استجنع، بِالْعينِ الْمُهْملَة بدل الْحَاء، وَهُوَ تَصْحِيف، وَعند الْأصيلِيّ: وَأول اللَّيْل بدل: قَوْله: إِذا كَانَ جنح اللَّيْل، وَكَانَ هَذِه تَامَّة بِمَعْنى وجد أَو حصل. قَوْله: (فكفوا صِبْيَانكُمْ) ، أَي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار، وَفِي رِوَايَة: فاكفتوا، ومادته: كَاف وَفَاء وتاء مثناة من فَوق، وَمَعْنَاهُ: ضموهم إِلَيْكُم، وكل من ضممته إِلَى شَيْء فقد كفته، وَفِي رِوَايَة: وَلَا تُرْسِلُوا صِبْيَانكُمْ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّمَا خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَن النَّجَاسَة الَّتِي يلوذ بهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهم غَالِبا. وَالذكر الَّذِي يستعصم بِهِ مَعْدُوم عِنْدهم، وَالشَّيَاطِين عِنْد انتشارهم يتعلقون بِمَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بِهِ، فَلذَلِك خيف على الصّبيان فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْحكمَة فِي انتشارهم حِينَئِذٍ أَن حركتهم فِي اللَّيْل أمكن مِنْهَا لَهُم فِي النَّهَار، لِأَن الظلام أجمع لَهُم من غَيره، وَكَذَلِكَ كل سَواد، وَيُقَال: إِن الشَّيَاطِين تستعين بالظلمة وَتكره النُّور وتشأم بِهِ. قَوْله: (فخلوهم) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وأغلق) من الإغلاق، فَلهَذَا يُقَال: الْبَاب مغلق، وَلَا يُقَال: مغلوق، وَإِنَّمَا قَالَ: فكفوا، بِصِيغَة الْجمع، وَقَالَ: أغلق بِصِيغَة الْإِفْرَاد لِأَن المُرَاد بقوله: أغلق لكل وَاحِد، وَهُوَ عَام بِحَسب الْمَعْنى، أَو هُوَ فِي معنى الْمُفْرد إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تفِيد التَّوْزِيع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كف أَنْت صبيك، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا شكّ أَن مُقَابلَة الْمُفْرد بالمفرد تفِيد التَّوْزِيع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا قَالَه الْكرْمَانِي.
قَوْله: (وأطفىء) أَمر من الإطفاء إِنَّمَا أَمر بذلك لِأَنَّهُ جَاءَ فِي (الصَّحِيح) : أَن الفويسقة جرت الفتيلة فأحرقت أهل الْبَيْت، وَهُوَ عَام يدْخل فِيهِ السراج وَغَيره، وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فَإِن خيف حريق بِسَبَبِهَا دخلت فِي الْأَمر بالإطفاء، وَإِن أَمن ذَلِك كَمَا هُوَ من الْغَالِب فَالظَّاهِر أَنه لَا بَأْس بهَا لانْتِفَاء الْعلَّة، وَسبب ذَلِك أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على خمرة فجرت الفتيلة الْفَأْرَة فأحرقت من الْخمْرَة مِقْدَار الدِّرْهَم، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك نبه عَلَيْهِ ابْن الْعَرَبِيّ وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَت فَأْرَة فَأخذت تجر الفتيلة، فَجَاءَت بهَا وألقتها بَين يَدي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْخمْرَة الَّتِي كَانَ قَاعِدا عَلَيْهَا، فأحرقت مِنْهَا مَوضِع دِرْهَم. قَوْله: (وأوك) أَمر من الإيكاء، وَهُوَ الشد، والوكاء: اسْم مَا يشد بِهِ فَم الْقرْبَة، وَهُوَ مَمْدُود مَهْمُوز، والسقاء بِكَسْر السِّين: اللَّبن، وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء. قَوْله: (وخمِّر) ، أَمر من التخمير وَهُوَ التغطية، وللتخمير فَوَائِد: صِيَانة من الشَّيَاطِين والنجاسات والحشرات وَغَيرهَا، وَمن الوباء الَّذِي ينزل فِي لَيْلَة من السّنة، وَفِي رِوَايَة أَن فِي السّنة لليلة وَفِي رِوَايَة يَوْمًا ينزل وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو شَيْء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء إلَاّ نزل فِيهِ ذَلِك الوباء. قَالَ اللَّيْث بن سعد: والأعاجم يَتَّقُونَ ذَلِك فِي كانون الأول. قَوْله: (وَلَو تعرض عَلَيْهِ شَيْئا) بِضَم الرَّاء وَكسرهَا، وَمَعْنَاهُ: إِن لم تقدر أَن تغطي فَلَا أقل من أَن تعرض عَلَيْهِ عوداً، أَي: تعرضه عَلَيْهِ بِالْعرضِ وتمده عَلَيْهِ عرضا، أَي: خلاف الطول. قَوْله: (شَيْئا) ، وَفِي رِوَايَة: عوداً، هَذَا مُطلق فِي الْآنِية الَّتِي فِيهَا شراب أَو طَعَام. قلت: روى مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أَخْبرنِي أَبُو حميد السَّاعِدِيّ، قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدح لبن من النقيع لَيْسَ مخمراً. قَالَ: ألَا خمرته، وَلَو تعرض عَلَيْهِ عوداً قَالَ أَبُو حميد: إِنَّمَا أَمر بالأسقية إِن توكأ لَيْلًا، وبالأبواب أَن تغلق لَيْلًا انْتهى. فَهَذَا أَبُو حميد قيد الإيكاء والإغلاق بِاللَّيْلِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ خلاف ظَاهر اللَّفْظ لَيْسَ بِحجَّة، وَلَا يلْزم غَيره من الْمُجْتَهدين مُوَافَقَته على تَفْسِيره. وَأما إِذا كَانَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يُخَالِفهُ فَإِن كَانَ مُجملا يرجع إِلَى تَأْوِيله، وَيجب الْحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مُجملا لَا يحل لَهُ حمله على شَيْء إلَاّ بتوقيف، وَكَذَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِمذهب الرَّاوِي عندنَا، بل يتَمَسَّك بِالْعُمُومِ، وَقد يُقَال: أَبُو حميد قَالَ: أمرنَا، وَهَذَا رِوَايَة لَا تَفْسِير، وَهُوَ مَرْفُوع على الْمُخْتَار، وَلَا تنَافِي بَين رِوَايَة أبي حميد وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي يَوْم، إِذْ لَيْسَ فِي أَحدهمَا نفي للْآخر وهما ثابتان. فَإِن قلت: مَا حكم أوَامِر هَذَا الْبَاب؟ قلت: جَمِيعهَا من بَاب الْإِرْشَاد إِلَى الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {واشهدوا إِذا تبايعتم} (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ على الْإِيجَاب، وغايته أَن يكون من بَاب النّدب، بل قد جعله كثير من الْأُصُولِيِّينَ قسما مُنْفَردا بِنَفسِهِ عَن الْوُجُوب وَالنَّدْب، وَيَنْبَغِي للمرء أَن يمتثل أمره، فَمن امتثل أمره سلم من الضَّرَر بحول الله وقوته، وَمَتى وَالْعِيَاذ بِاللَّه خَالف إِن كَانَ عناداً خلد فَاعله فِي النَّار، وَإِن كَانَ عَن خطأ أَو غلط فَلَا يحرم شرب مَا فِي الْإِنَاء أَو أكله، وَالله أعلم.
٨٦ - (حَدثنِي مَحْمُود بن غيلَان قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن صَفِيَّة ابْنة حييّ قَالَت كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معتكفا فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته ثمَّ قُمْت فَانْقَلَبت فَقَامَ معي لِيقلبنِي وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة بن زيد فَمر رجلَانِ من الْأَنْصَار فَلَمَّا رَأيا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَسْرعَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة بنت حييّ فَقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله قَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا سوءا أَو قَالَ شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِن الشَّيْطَان وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث مر فِي كتاب الِاعْتِكَاف فِي بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله " فَانْقَلَبت " من الانقلاب وَهُوَ الرُّجُوع مُطلقًا وَالْمعْنَى هُنَا
فَرَجَعت فَقَامَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معي لِيقلبنِي أَي لأرجع إِلَى بَيْتِي فَقَامَ معي يصحبني قَوْله " على رِسْلكُمَا " بِكَسْر الرَّاء أَي على هيئتكما فَمَا هُنَا شَيْء تكرهانه قَوْله " إِن الشَّيْطَان يجْرِي " قيل هُوَ على ظَاهره إِن الله جعل لَهُ قُوَّة وقدرة على الجري فِي بَاطِن الْإِنْسَان مجْرى الدَّم وَقيل اسْتِعَارَة لِكَثْرَة وسوسته فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقهُ كَمَا لَا يُفَارق دَمه وَقيل أَنه يلقِي وسوسته فِي مسام لَطِيفَة من الْبدن بِحَيْثُ يصل إِلَى الْقلب وَفِيه التَّحَرُّز عَن سوء الظَّن بِالنَّاسِ وَفِيه كَمَال شفقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أمته لِأَنَّهُ خَافَ أَن يلقِي الشَّيْطَان فِي قلبهما شَيْئا فيهلكان فَإِن ظن السوء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كفر
٨٧ - (حَدثنَا عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن عدي بن ثَابت عَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورجلان يستبان فأحدهما احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا ذهب عَنهُ مَا يجد لَو قَالَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ذهب عَنهُ مَا يجد فَقَالُوا لَهُ إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان فَقَالَ وَهل بِي جُنُون) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان تكَرر ذكره وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَسليمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره دَال مُهْملَة الْخُزَاعِيّ وَقد مر فِي الْغسْل والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عمر بن حَفْص وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن هناد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَوْله " يستبان " أَي يتشاتمان قَوْله " أوداجه " جمع ودج بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ عرق فِي الْحلق فِي المذبح وانتفاخ الْأَوْدَاج كِنَايَة عَن شدَّة الْغَضَب (فَإِن قلت) لكل أحد ودجان وَهنا ذكر الْأَوْدَاج بِالْجمعِ (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين} أَو لِأَن كل قِطْعَة من الودج يُسمى ودجا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَزجّ الحواجب قَوْله " مَا يجد " من وجد يجد وجدا وموجدة إِذا غضب وَوجد يجد وجدانا إِذا لَقِي مَا يَطْلُبهُ قَوْله " هَل بِي جُنُون " قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا كَلَام من لم يتفقه فِي دين الله وَلم يتهذب بأنوار الشَّرِيعَة المكرمة وتوهم أَن الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بالمجانين وَلم يعلم أَن الْغَضَب من نزغات الشَّيْطَان وَيحْتَمل أَنه كَانَ من الْمُنَافِقين أَو من جُفَاة الْأَعْرَاب انْتهى والاستعاذة من الشَّيْطَان تذْهب الْغَضَب وَهُوَ أقوى السِّلَاح على دفع كَيده وَفِي حَدِيث عَطِيَّة " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ " وَعَن أبي الدَّرْدَاء " أقرب مَا يكون العَبْد من غضب الله إِذا غضب " وَقَالَ بكر بن عبد الله " اطفئوا نَار الْغَضَب بِذكر نَار جَهَنَّم " وَفِي بعض الْكتب قَالَ الله تَعَالَى " ابْن آدم اذْكُرْنِي إِذا غضِبت أذكرك إِذا غضِبت " وروى الْجَوْزِيّ فِي ترغيبه عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة قَالَ قَالَ إِبْلِيس أَنا جَمْرَة فِي جَوف ابْن آدم إِذا غضب حميته وَإِذا رَضِي منيته -
٣٨٢٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَن سالِمِ بنِ أبِي الجَعْدِ عنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتَى أهْلَهُ قَالَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِن كانَ بَيْنَهُمَا ولَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ولَمْ يُسَلَّطْ علَيْهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ أخرجه: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام بن مَنْصُور إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يضرّهُ) يَعْنِي: لم يُسَلط عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وإلَاّ فَلَا يَخْلُو من الوسوسة.
قَالَ وحدَّثنا الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
أَي: قَالَ شُعْبَة: وَحدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لشعبة شَيْخَانِ فِيهِ.
//
٨٩ - (حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه صلى صَلَاة فَقَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ يقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فَذكره) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومحمود هُوَ ابْن غيلَان الْمروزِي وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى مَفْتُوحَة ابْن سوار الْفَزارِيّ الْمروزِي والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الْأَسير أَو الْغَرِيم يرْبط فِي الْمَسْجِد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن روح وَمُحَمّد بن جَعْفَر كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت على البارحة أَو كلمة نَحْوهَا ليقطع عَليّ الصَّلَاة فأمكنني الله مِنْهُ وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد حَتَّى تصبحوا أَو تنظروا إِلَيْهِ كلكُمْ فَذكرت قَول أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي} قَالَ روح فَرده خاسئا قَوْله " فَذكره " أَي فَذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ
٩٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط فَإِذا قضي أقبل فَإِذا ثوب بهَا أدبر فَإِذا قضى أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْإِنْسَان وَقَلبه فَيَقُول اذكر كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يدْرِي أَثلَاثًا صلى أم أَرْبعا فَإِذا لم يدر ثَلَاثًا صلى أَو أَرْبعا سجد سَجْدَتي السَّهْو) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو والْحَدِيث قد مر فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي بَاب تفكر الرجل الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أذن بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان إِلَى آخِره
٩١ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كل بني آدم يطعن الشَّيْطَان فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِين يُولد غير عِيسَى بن مَرْيَم ذهب يطعن فطعن فِي الْحجاب) الْمُطَابقَة فِي هَذَا وَفِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث بَينهَا وَبَين التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهَؤُلَاء الروَاة قد تكَرر ذكرهم قَوْله " يطعن " بِضَم الْعين يُقَال طعن بِالرُّمْحِ وَمَا أشبهه يطعن بِضَم الْعين من بَاب نصر ينصر وَطعن فِي الْعرض وَالنّسب يطعن بِفَتْح الْعين فيهمَا على الْمَشْهُور وَقيل باللغتين فيهمَا قَوْله " فِي جَنْبَيْهِ " بالتثنية فِي رِوَايَة أبي ذَر والجرجاني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي جنبه بِالْإِفْرَادِ وَحكى عِيَاض أَن فِي كِتَابه من رِوَايَة الْأصيلِيّ من تَحْتَهُ الَّذِي هُوَ ضد فَوق قَالَ وَهُوَ تَصْحِيف قَوْله " بِأُصْبُعِهِ " بِالْإِفْرَادِ أَو بالتثنية أَيْضا على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجنب قَوْله " فِي الْحجاب " هُوَ الْجلْدَة الَّتِي فِيهَا الْجَنِين وَتسَمى المشيمة قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَقيل الْحجاب الثَّوْب الَّذِي يلف فِيهِ الْمَوْلُود وَفِيه فَضِيلَة ظَاهِرَة لعيسى وَأمه عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأَرَادَ الشَّيْطَان التَّمَكُّن من أمه فَمَنعه الله مِنْهَا ببركة أمهَا حنة بنت فاقوذ بن ماثان حَيْثُ قَالَت {وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم} وروى عبد الرَّزَّاق فِي تَفْسِيره عَن الْمُنْذر بن النُّعْمَان الْأَفْطَس سمع وهب بن مُنَبّه يَقُول لما ولد عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَتَت الشَّيَاطِين إِبْلِيس فَقَالُوا أَصبَحت الْأَصْنَام منكسة فَقَالَ هَذَا حَادث مَكَانكُمْ وطار حَتَّى بلغ خافقي الأَرْض فَلم يجد شَيْئا ثمَّ جَاءَ الْبحار فَلم يقدر على شَيْء ثمَّ طَار فَوجدَ عِيسَى قد ولد عِنْد مد ودحمار وَإِذا الْمَلَائِكَة قد حفت بِهِ فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ إِن نَبيا قد ولد البارحة وَلَا حملت أُنْثَى وَلَا وضعت قطّ إِلَّا وَأَنا بحضرتها إِلَّا هَذِه فأيسوا من أَن يعبدوا الْأَصْنَام فِي هَذِه الْبَلدة وَفِي لفظ بعد هَذِه
اللَّيْلَة وَلَكِن ائْتُوا بني آدم بالخفة والعجلة. قَوْله إِلَّا هَذِه يُخَالف مَا فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن يؤول وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام يشاركون عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هُوَ قَول قَتَادَة قَالَ وَإِن لم يكن كَذَلِك بطلت الخصوصية وَلَا يلْزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه فَإِن ذَلِك نخس فَاسد فَلم يعرض الشَّيْطَان لخواص الْأَوْلِيَاء بأنواع الإغواء والمفاسد وَمَعَ ذَلِك فقد عصمهم الله بقوله {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} -
٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .
مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.
حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً
بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.
٧٨٢٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأمَ فَقُلْتُ منْ هاهُنَا قالُوا أبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ أفِيكُمُ الَّذِي أجارَهُ الله مِنَ الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .
مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، والمغيرة بن مقسم الضَّبِّيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعلقمة بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَاسم أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا جدا، وَأخرجه بأتم مِنْهُ فِي فضل عمار وَحُذَيْفَة عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل أَيْضا، وَأخرجه أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب على مَا يَجِيء عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب. وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَعَن يحيى بن جَعْفَر وَعَن يزِيد بن هَارُون وَفِي مَنَاقِب ابْن مَسْعُود عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (أفيكم؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أَفِي الْعرَاق؟ قَوْله: (الَّذِي أجاره الله) ، أَي: مَنعه وحماه من الشَّيْطَان، وَهُوَ عمار بن يَاسر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسيصرح بِهِ البُخَارِيّ فِي الحَدِيث الَّذِي بعده، وَفِي التَّوْضِيح يجوز أَن يكون قَالَه أَبُو الدَّرْدَاء لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار) ، أَو يكون شهد لَهُ: أَن الله أجاره من الشَّيْطَان.
حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ الَّذِي أجارَهُ الله علىَ لِسانِ نَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي عَمَّارَاً
بِهَذَا بَين البُخَارِيّ أَن المُرَاد من قَول أبي الدَّرْدَاء: أفيكم الَّذِي أجاره الله من الشَّيْطَان؟ أَنه عمار بن يَاسر الَّذِي هُوَ من السَّابِقين فِي الْإِسْلَام الْمنزل فِيهِ: {إلَاّ من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ٦٠١) . وَقد قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ: مرْحَبًا بالطيب المطيب.
٨٨٢٣ - قالَ وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي هِلَالٍ أنَّ أبَا الأسْوَدِ أخْبَرَهُ عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ والْعَنَانُ الْغَمَامُ بالأمْرِ يَكُونُ فِي الأرْضِ فتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةَ كَذِبَةٍ. .
أورد هَذَا التَّعْلِيق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم أخبرنَا اللَّيْث حَدثنَا ابْن أبي جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إِن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء فتسترق الشَّيَاطِين السّمع فتوحيه إِلَى الْكُهَّان فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة من عِنْد أنفسهم، فَانْظُر بَينهمَا إِلَى التَّفَاوُت فِي الْإِسْنَاد والمتن، وَأَبُو الْأسود فِي الروَاة هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (بِالْأَمر) يتَعَلَّق بقوله: (تَتَحَدَّث) . وَقَوله: (والعنان الْغَمَام) ، جملَة مُعْتَرضَة بَين المتعلِّق والمتعلَّق. قَوْله: (يكون) ، جملَة وَقعت حَالا من قَوْله: (بِالْأَمر) . قَوْله: (فتقرها) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ ابْن التِّين: لما تقرر من أَن كل فعل مضاعف مُتَعَدٍّ يكون بِالضَّمِّ إلَاّ أحرف شواذ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: قررت الْكَلَام فِي أذن الْأَصَم إِذا وضعت فمك على صماخه فتلقيه فِيهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّه ترديد الْكَلَام فِي أذن الأبكم حَتَّى يفهم. قَوْله: (كَمَا تقر القارورة) ، يُرِيد بِهِ تطبيق رَأس القارورة
بِرَأْس الْوِعَاء الَّذِي يفرغ مِنْهَا فِيهِ. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: مَعْنَاهُ يكون لما يلقيه الكاهن حس كحس القارورة عِنْد تحريكها مَعَ الْيَد أَو على الصفاء، وَفِي التَّوْضِيح: وَيُقَال: بالزاي، وَهُوَ مَا يسمع من حس الزجاجة حِين يحك بهَا على شَيْء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فتقرها، يرْوى من الْإِقْرَار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يلقيها كَمَا يسْتَقرّ الشَّيْء فِي قراره.
٩٨٢٣ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ.
عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق من أهل وَاسِط، وروى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع، وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الْحُدُود، قَالَ: مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ بواسط. قلت: هُوَ من الْأَفْرَاد، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقَالَ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : حَدِيث: التثاؤب من الشَّيْطَان، ثمَّ علم عَلامَة البُخَارِيّ حرف (خَ) ثمَّ قَالَ فِي صفة إِبْلِيس: عَن عَاصِم بن عَليّ عَنهُ بِهِ، ثمَّ علم عَلامَة النَّسَائِيّ (س) ثمَّ قَالَ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة: عَن أَحْمد بن حَرْب إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَسَيَأْتِي. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: لما وعده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، حَدِيث: (إِن الله يحب العطاس وَيكرهُ التثاؤب (خَ)) وَفِي الْأَدَب عَن آدم، وَفِيه وَفِي بَدْء الْخلق عَن عَاصِم بن عَليّ (د) فِي الْأَدَب (ت) فِي الاستيذان جَمِيعًا عَن الْحسن عَليّ (س) فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ، ثمَّ قَالَ: قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن عجلَان، يَعْنِي: عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقَاسِم بن يزِيد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (التثاؤب) ، مصدر من تثاءب يتثاءب، وَالِاسْم الثؤباء. قَوْله: (من الشَّيْطَان) ، وَإِنَّمَا جعله من الشَّيْطَان كَرَاهَة لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون مَعَ ثقل الْبدن وامتلائه وميله إِلَى الكسل وَالنَّوْم، وأضافه إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَى إِعْطَاء النَّفس شهواتها، وَأَرَادَ بِهِ التحذير من السَّبَب الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمطعم والشبع، فيثقل عَن الطَّاعَات ويكسل عَن الْخيرَات. قَوْله: (فَإِذا تثاءب) هُوَ فعل ماضي من بَاب تفَاعل، وَأَصله من: الثأب، ومادته: ثاء مُثَلّثَة وهمزة وباء مُوَحدَة، وتثاءب بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، ويروى بِالْوَاو: تثاوب، وَقيل: لَا يُقَال: تثاءب، مخففاً بل تثأب، بِالتَّشْدِيدِ فِي الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال: تثاوب، بِالْوَاو. وَأما حَدِيث التثاوب فَهُوَ النَّفس الَّذِي ينفتح مِنْهُ الْفَم لدفع البخارات المختنقة فِي عضلات الفك، وَهُوَ إِنَّمَا ينشأ من امتلاء الْمعدة وَثقل الْبدن وَيُورث الكسل وَسُوء الْفَهم والغفلة. قَوْله: (فليرده) أَي: ليكظم وليضع يَده على الْفَم لِئَلَّا يبلغ الشَّيْطَان مُرَاده من تَشْوِيه صورته وَدخُول فَمه وضحكه مِنْهُ. قَوْله: (إِذا قَالَ هَا) ، كلمة: هَا، حِكَايَة صَوت المتثاوب، فَإِذا قَالَ: هَا، يَعْنِي: إِذا بَالغ فِي التثاؤب، ضحك الشَّيْطَان فَرحا بذلك، وَلذَلِك قَالُوا: لم يتثاءب نَبِي قطّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن فتح فَاه وَلم يضمه بَصق فِيهِ وَقَالَ: هَا، ضحك مِنْهُ.
٠٩٢٣ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحيَى حدَّثَنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أخْبَرَنَا عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصاحَ إبْلِيسُ أيْ عِبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ فنَظَرَ حُذَيْفَةُ فإذَا هُوَ بِأبِيهِ الْيَمانِ فَقَالَ أَي عِبَادَ الله أَبى أبي فَوَالله مَا احْتَجَزُوا حتَّى قتَلُوهُ فَقال حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قَالَ عُرْوَةُ فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه. .
زَكَرِيَّاء بن يحيى بن عمر أبي السكن الطَّائِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي
عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن إِسْحَاق وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة أَيْضا.
قَوْله: (أَي عباد الله) ، يَعْنِي: يَا عباد الله. قَوْله: (أخراكم) أَي: الطَّائِفَة الْمُتَأَخِّرَة، أَي: يَا عباد الله احْذَرُوا الَّذين من وَرَائِكُمْ متأخرين عَنْكُم، أَو اقْتُلُوهُمْ، وَالْخطاب للْمُسلمين، أَرَادَ إِبْلِيس تغليطهم لِيُقَاتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا. فَرَجَعت الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة قَاصِدين لقِتَال الْأُخْرَى ظانين أَنهم من الْمُشْركين. قَوْله: (فاجتلدت هِيَ) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُتَقَدّمَة والطائفة الْأُخْرَى، أَي تضاربت الطائفتان، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب للْكَافِرِينَ، أَي: اقْتُلُوا أخراكم، فَرَجَعت أولاهم فتجالد أولى الْكفَّار، وَأُخْرَى الْمُسلمين. قَوْله: (فَنظر حُذَيْفَة بن الْيَمَان) فَإِذا هُوَ بِأَبِيهِ يَعْنِي: الْيَمَان، بتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون بِلَا يَاء بعْدهَا، وَهُوَ لقب واسْمه: حسيل، مصغر الحسل بالمهملتين: ابْن جَابر الْعَبْسِي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ، أسلم مَعَ حُذَيْفَة وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَشهد أحدا وأصابه الْمُسلمُونَ فِي المعركة فَقَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ من الْمُشْركين، وَحُذَيْفَة يَصِيح وَيَقُول: هُوَ أبي لَا تقتلوه، وَلم يُسمع مِنْهُ. قَوْله: (مَا احتجزوا) ، أَي: مَا امْتَنعُوا مِنْهُ، وَيُقَال لكل من ترك شَيْئا: انحجز عَنهُ. قَوْله: (غفر الله لكم) ، دَعَا لمن قَتَلُوهُ من غير علم، لِأَنَّهُ عذرهمْ، وَتصدق حُذَيْفَة بديته على من أَصَابَهُ، وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله هُوَ عقبَة بن مَسْعُود فعفى عَنهُ. قَوْله: (بَقِيَّة خير) ، بَقِيَّة دُعَاء واستغفار لقَاتل الْيَمَان حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ: مَا زَالَ فِي حُذَيْفَة بَقِيَّة حزن على أَبِيه من قتل الْمُسلمين.
١٩٢٣ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنْ أشْعَثَ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقِ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا سألتُ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الْتِفاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أحَدِكُمْ. (انْظُر الحَدِيث ١٥٧) .
الْحسن بن الرّبيع بن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْكُوفِي، وَأَشْعَث، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن أبي الشعْثَاء، مؤنث الْأَشْعَث الْمَذْكُور، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن أبي الْأَحْوَص إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .
أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه
رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.
٢٩٢٣ - حدَّثنا أبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أبِيهِ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثنا الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتادَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ ولْيَتَعَوَّذْ بِاللَّه مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لَا تَضُرُّهِ. .
أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج، مر فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة الْحَارِث بن الربعِي الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْنه شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم الدِّمَشْقِي عَن الْأَوْزَاعِيّ ... إِلَى آخِره، فالطريق الأولى أَعلَى، وَلَكِن فِي الثَّانِيَة التَّصْرِيح بتحديث عبد الله بن أبي قَتَادَة ليحيى بن أبي كثير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَة) ، الرُّؤْيَا على وزن: فعلى، بِلَا تَنْوِين، وَجَمعهَا: رؤًى، مثل: رعًى، يُقَال: رأى فِي مَنَامه رُؤْيا، وَفِي الْيَقَظَة رأى رُؤْيَة، قيل: إِن الرُّؤْيَا أَيْضا تكون فِي الْيَقَظَة، وَعَلِيهِ تَفْسِير الْجُمْهُور فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إلَاّ فتْنَة للنَّاس} (الْإِسْرَاء: ٠٦) . إِن الرُّؤْيَا هَهُنَا فِي الْيَقَظَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرُّؤْيَا بِمَعْنى: الرُّؤْيَة إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَام دون الْيَقَظَة، فَلَا جرم، فرق بَينهمَا بِحرف التَّأْنِيث. وَقَالَ الواحدي: الرُّؤْيَا مصدر كالبُشرى، إلَاّ أَنه لما صَار اسْما لهَذَا المتخيل فِي الْمَنَام جرى مجْرى الْأَسْمَاء، وَقيل: يجوز ترك همزها تَخْفِيفًا. وَقَوله: الصَّالِحَة، إِمَّا صفة مُوضحَة للرؤيا، لِأَن غير الصَّالِحَة تسمى: بالحلم، أَو مخصصة، وَالصَّلَاح إِمَّا بِاعْتِبَار صورتهَا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار تعبيرها، وَيُقَال لَهَا: الرُّؤْيَا الصادقة والرؤيا الْحَسَنَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى الصَّالِحَة الْحَسَنَة: وَيحْتَمل أَن تجْرِي على ظَاهرهَا، وَأَن تجْرِي على الصادقة، وَالْمرَاد بهَا صِحَّتهَا وَتَفْسِير رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُبَشِّرَات على الأول ظَاهر، لِأَن الْبشَارَة كل خبر صدق يتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، واستعمالها فِي الْخَيْر أَكثر، وعَلى الثَّانِي مؤول، أما على التغليب أَو يحمل على أصل اللُّغَة وإضافتها إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة اخْتِصَاص وإكرام لسلامتها من التَّخْلِيط وطهارتها عَن حُضُور الشَّيْطَان. قَوْله: (والحلم من الشَّيْطَان) أَي: الرُّؤْيَا الْغَيْر الصَّالِحَة أَي: الكاذبة، أَو السَّيئَة، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الشَّيْطَان لِأَن الرُّؤْيَا الكاذبة يُرِيد بهَا الشَّيْطَان ليسيء ظَنّه ويحزنه ويقل حَظه من شكر الله، وَلِهَذَا أمره بالبصق عَن يسَاره. وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: الرُّؤْيَا والحلم بِمَعْنى وَاحِد، لِأَن الْحلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي نَومه، غير أَن صَاحب الشَّرْع خص الْخَيْر باسم الرُّؤْيَا وَالشَّر باسم الْحلم. قَوْله: (فَإِذا حلم أحدكُم) ، بِفَتْح اللَّام، قَالَ ابْن التِّين: وحلم، بِضَم اللَّام عَنهُ بِمَعْنى: عفى عَنهُ، وحلم بِالْكَسْرِ، يُقَال: حلم الْأَدِيم إِذا شب قبل أَن يدبغ. قَوْله: (حلما) ، مصدر بِضَم اللَاّم وسكونها: وَيجمع على: أَحْلَام فِي الْقلَّة: وحلوم، فِي الْكَثْرَة، وَإِنَّمَا جمع وَإِن كَانَ مصدرا لاخْتِلَاف أَنْوَاعه، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَمَّا يرَاهُ الرَّائِي فِي مَنَامه حسنا كَانَ أَو مَكْرُوها. قَوْله: (يخافه) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: حلماً. قَوْله: (فليبصق) ، دحراً للشَّيْطَان بذلك كرمي الْجمار، كَمَا يتفل عِنْد الشَّيْء القذر يرَاهُ وَلَا شَيْء أقذر من الشَّيْطَان، وَذكر الشمَال لِأَن الْعَرَب عِنْدهَا إتْيَان الشَّرّ كُله من قبل الشمَال، وَلذَلِك سمتها الشؤمى، وَكَانُوا يتشاءمون بِمَا جَاءَ من قبلهَا من الطير، وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهَا كثير عمل وَلَا بَطش وَلَا أكل وَلَا شرب. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن الْحلم، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار أَن الْحلم هُوَ الرُّؤْيَا السَّيئَة الكاذبة الْمَكْرُوهَة، والرؤيا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي تكون عَن حَدِيث النَّفس وشهواتها، وَكَذَلِكَ رُؤْيا التهويل والتخويف يدْخلهُ الشَّيْطَان على الْإِنْسَان ليشوش عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَة، وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ، لِأَنَّهُ من تخيلاته، فَإِذا فعل الْمَأْمُور بِهِ صَادِقا أذهب الله عَنهُ مَا أَصَابَهُ من ذَلِك.
٣٩٢٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيُ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وكانَتُ لَهُ حِرْزَاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حتَّى يُمْسِي ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَاّ أحَدٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (الحَدِيث ٣٩٢٣ طرفه فِي: ٣٠٤٦) .
سمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمدنِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب التَّسْبِيح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (عدل) ، بِفَتْح الْعين، أَي: مثل ثَوَاب إِعْتَاق عشر رِقَاب. قَوْله: (حرْزا) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْموضع الْحصين وَيُسمى التعويذ أَيْضا حرْزا. قَوْله: (يَوْمه) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى الْيَوْم الَّذِي دَعَا فِيهِ بِهَذَا الْكَلَام الْمُشْتَمل على الِاعْتِرَاف بالوحدانية، وعَلى الشُّكْر لله وَالْإِقْرَار بقدرته على كل شَيْء. قَوْله: (عمل) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: أحد. قَوْله: (من ذَلِك) ، أَي: من الْعَمَل الَّذِي عمله الأول.
٤٩٢٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَميدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنَ زَيْدٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ أبَاه سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ علَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعِنْدَهُ نِساءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةً أصْوَاتُهُنَّ فلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ فأذِنَ لَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أضُحَكَ الله سِنَّكَ يَا رسُولَ الله قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللَاّتِي كُنَّ عِنْدِي فلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فأنْتَ يَا رسولَ الله كُنْتُ أحَقَّ أنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَي عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ أتَهَبْنَنِي ولَا تَهَبْنَ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُلْنَ نَعَمْ أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سالِكَاً فَجَّاً إلَاّ سَلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ.
على بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله فرقهما، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم وَفِيه أَرْبَعَة من التَّابِعين وهم صَالح وَمن بعده.
قَوْله: (يكلمنه) ، أَي: يكلمن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ويستكثرنه) ، أَي: يطلبن كثيرا من كَلَامه وَجَوَابه، وَيحْتَمل أَن يكون من الْعَطاء، وَيُؤَيِّدهُ أَنه ورد فِي رِوَايَة أَنَّهُنَّ يردن النَّفَقَة. قَوْله: (عالية أصواتهن) ، هَذِه الْجُمْلَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: يكلمنه، وأصواتهن، بِالرَّفْع لِأَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمله فعله، وعلو أصواتهن يحمل على أَنه كَانَ قبل النَّهْي عَن رفع الصَّوْت، أَو يحمل على أَنه لاجتماعهن، حصل لغط من كلامهن أَو يكون فِيهِنَّ من هِيَ جهيرة الصَّوْت أَو يحمل على أَنَّهُنَّ لما علِمْنَ عَفوه وصفحه سمحن فِي رفع الصَّوْت. قَوْله: (يبتدرون) ، أَي: يتسارعن، وَالْجُمْلَة حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: قُلْنَ. قَوْله: (وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضْحك) ، جملَة حَالية. قَوْله: (أضْحك الله سنك) ، لَيْسَ دُعَاء بِكَثْرَة الضحك حَتَّى يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: {فليضحكوا قَلِيلا} (التَّوْبَة: ٢٨) . بل المُرَاد لَازمه وَهُوَ السرُور، أَو الْآيَة لَيست عَامَّة شَامِلَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه الْكرْمَانِي. وَفِيه نظر، وَالْوَجْه هُوَ الأول. قَوْله: (يهين) بِفَتْح الْهَاء من: الهيبة. قَوْله: (أَي: عدوات) ، أَي: يَا عدوات. قَوْله: (أفظ وَأَغْلظ) ، والفظاظة والغلظ بِمَعْنى وَاحِد، هِيَ عبارَة عَن شدَّة الْخلق وخشونة الْجَانِب. فَإِن قلت: الأفظ والأغلظ يَقْتَضِي الشّركَة فِي أصل الْفِعْل، فَيلْزم أَن يكون رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فظاً غليظاً، وَقد نفى الله عَنهُ ذَلِك بقوله: {وَلَو كنت فظاً غليظ الْقلب لانفضوا من حولك} (آل عمرَان: ٩٥١) . قلت: لَا يلْزم مِنْهُ إلَاّ نفس الفظاظة والغلظ، وَهُوَ أَعم من كَونه فظاً غليظاً، لِأَنَّهُمَا صفة مشبهة يدلان على الثُّبُوت وَالْعَام لَا يسْتَلْزم الْخَاص أَو الْأَفْضَل لَيْسَ بِمَعْنى الزِّيَادَة، لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض} (النَّجْم: ٢٣) . هَذَا كُله كَلَام الْكرْمَانِي، وَفِي النَّفس مِنْهُ قلق، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِنَّه على المفاضلة، وَإِن الْقدر الَّذِي بَينهمَا فِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ مَا كَانَ إغلاظه على الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ، قَالَ الله تَعَالَى: {جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٧، وَالتَّحْرِيم: ٩) . قَوْله: (فجاً) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْجِيم هُوَ: الطَّرِيق الْوَاسِع، وَقيل: هُوَ الطَّرِيق بَين الجبلين، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنه ضرب مثلا لبعد الشَّيْطَان وأعوانه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَنه لَا سَبِيل لَهُم عَلَيْهِم، أَي: إِنَّك إِذا سلكت فِي أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر تنفذ فِيهِ وَلَا تتركه فييأس الشَّيْطَان من أَن يوسوس فِيهِ فتتركه وتسلك غَيره، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الطَّرِيق على الْحَقِيقَة، لِأَن الله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . فَلَا يخافه إِذا فِي فج لِأَنَّهُ لَا يرَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون عمر أفضل من أَيُّوب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ قَالَ: {مسنى الشَّيْطَان بِنصب وَعَذَاب} (ص: ١٤) . قلت: لَا، إِذْ التَّرْكِيب لَا يدل إلَاّ على الزَّمَان الْمَاضِي
وَذَلِكَ أَيْضا مَخْصُوص بِحَال من الْإِسْلَام، فَلَيْسَ على ظَاهره، وَأَيْضًا هُوَ مُقَيّد بِحَال سلوك الطَّرِيق، فَجَاز أَن يلقاه فِي غير تِلْكَ الْحَالة. انْتهى. قلت: الْجَواب الْأَخير موجه، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا أوجه من الْكل وَالله أعلم. وَفِيه فضل لين الْجَانِب والرفق وَفِيه: فضل عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِيه حلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَايَة مَا يكون
وَفِيه: لَا يَنْبَغِي الدُّخُول على أحد إلَاّ بعد الاسْتِئْذَان.
٥٩٢٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عِيسَى بنِ طَلْحَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ.
إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه ثَعْلَبَة بن دِينَار، وَيزِيد، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف فِي أَوله: هُوَ يزِيد بن الْهَاد، والهاد أحد أجداده لِأَن يزِيد هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد، وَيُقَال: يزِيد بن عبد الله بن شَدَّاد بن أُسَامَة بن عَمْرو، وَهُوَ الْهَاد بن عبد الله وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم ابْن الْحَارِث أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ الْقرشِي، مَاتَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن بشر بن الحكم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ.
قَوْله: (أرَاهُ) أَي: أَظُنهُ. قَوْله: (فليستنثر) ، أَمر من الاستنثار، وَهُوَ نثر مَا فِي الْأنف بِنَفس. قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقيل: أَن يستنشق المَاء ثمَّ يسْتَخْرج مَا فِيهِ من أَذَى أَو مخاط، وَكَذَلِكَ الانتنثار، وَقيل: فليستنثر أَكثر فَائِدَة من قَوْله: فليستنشق، لِأَن الاستنثار يَقع على الِاسْتِنْشَاق بِغَيْر عكس، فقد يستنشق وَلَا يستنثر، والاستنثار من تَمام فَائِدَة الِاسْتِنْشَاق، لِأَن حَقِيقَة الِاسْتِنْشَاق جذب المَاء برِيح الْأنف إِلَى أقصاه، والاستنثار إِخْرَاج ذَلِك المَاء. قلت: وَمِمَّا يدل على أَن الاستنثار غير الِاسْتِنْشَاق مَا روى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل المَاء فِي أَنفه ثمَّ ليستنثر، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وروى: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يستنشق ثَلَاثًا فِي كل مرّة يستنثر، وَقد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الاستنثار فِي الْوضُوء حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة أبي إِدْرِيس عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: من تَوَضَّأ فليستنثر، وَمن استجمر فليوتر، وَفِي: بَاب الِاسْتِجْمَار أَيْضا من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليجعل فِي أَنفه مَاء ثمَّ لينتثر. .) الحَدِيث، وَمَرَّتْ زِيَادَة الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على خيشومه) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الْمُعْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ أقْصَى الْأنف، وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ الْأنف. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ المنخران وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة، يُقَال: رجل أخشم إِذا لم يجد رَائِحَة الطّيب، وَقيل: الأخشم منتن الخيشوم، وَقيل: الأخشم الَّذِي لَا يجد ريح الشَّيْء أصلا وَهُوَ الخشام، والخشم مَا يسيل من الخيشوم، ثمَّ ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن هَذَا يَقع لكل نَائِم، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: هَذَا يَقع لمن يحترس من الشَّيْطَان بِشَيْء من الذّكر، فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن فِي ذكر الله حرْزا من الشَّيْطَان.
٢١ - (بابُ ذِكْرِ الجِنِّ وثَوَابِهِمْ وعِقَابِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجود الْجِنّ، وَفِي بَيَان أَنهم يثابون بِالْخَيرِ ويعاقبون بِالشَّرِّ، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع:
الأول: فِي وجود الْجِنّ: فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية، رَحمَه الله: لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ، وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين: كالجهمية والمعتزلة، من يُنكر ذَلِك، وَأَن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرين بذلك، وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ قد تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، تواتراً مَعْلُوما بالاضطرار، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه (الشَّامِل) : اعلموا، رحمكم الله، إِن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا، وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدين وَلَا يتشبث بالشريعة، وَإِنَّمَا الْعجب
من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ فِي (شرح الْإِرْشَاد) : وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم إيَّاهُم على قلَّة مبالاتهم وركاكة ديانتهم، فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عَقْلِي، وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على إثباتهم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني: وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما، وينفون وجودهم الْآن، وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يُرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا لَا يُرون لأَنهم لَا ألوان لَهُم. وَقَالَ عبد الْجَبَّار المعتزلي: الدَّلِيل على إثباتهم السّمع دون الْعقل إِذْ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة، لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير أَن يكون بَينهمَا تعلق.
النَّوْع الثَّانِي فِي بَيَان ابْتِدَاء خلق الْجِنّ: قَالَ أَبُو حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي فِي (الْمُبْتَدَأ) : حَدثنَا عُثْمَان بن الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سليط الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: خلق الله الْجِنّ قبل آدم بألفي سنة، وَيُقَال: عمروا الأَرْض ألفي سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها. وَقَالَ إِسْحَاق بن بشر: حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الأَرْض، فَكَانُوا يعْبدُونَ الله تَعَالَى، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدِّمَاء، وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ: يُوسُف، فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله عَلَيْهِم جنداً من الْمَلَائِكَة كَانُوا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا كَانَ فيهم إِبْلِيس، وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم عَنْهَا وألحقوهم بجزائر الْبَحْر، وَسكن إِبْلِيس والجند الَّذِي كَانُوا مَعَه الأَرْض فهان عَلَيْهِم الْعَمَل وأحبوا الْمكْث فِيهَا.
النَّوْع الثَّالِث فِي بَيَان خلقهمْ مماذا؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَخلق الجان من مارج من نَار} (الرَّحْمَن: ٥١) . وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خلقت الْمَلَائِكَة من نور وَخلق الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم) . فَثَبت أَن أصل الْجِنّ النَّار، كَمَا أَن أصل الْإِنْس الطين. وَحكى الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن عَن قَوْله: {خلقتني من نَار} (الْأَعْرَاف: ٢١، وص: ٦٧) . فَهَذَا أَيْضا يدل على أَن أصل الْجِنّ النَّار. فَإِن قلت: يجوز أَن يكذب فِي ذَلِك أَو يَظُنّهُ وَلَا يكون لَهُ علم بِهِ. قلت: لَو لم يكن الْأَمر على مَا قَالَه لأنزل الله تَعَالَى تَكْذِيبه، لِأَن عدم تَكْذِيب الْكَاذِب مِمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَوْف وَالْجهل قَبِيح. فَإِن قلت: فِي النَّار من اليبس مَا لَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا والحياة فِي وجودهَا يحْتَاج إِلَى رُطُوبَة. قلت: فَالله قَادر على أَن يفعل رُطُوبَة فِي تِلْكَ النَّار بِمِقْدَار مَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا، مَعَ أَن أَبَا هَاشم جوز وجود الْحَيَاة مَعَ عدم التنفس، وَيَقُول: إِن أهل النَّار لَا يتنفسون.
النَّوْع الرَّابِع: فِي أَنهم أجسام وَأَنَّهُمْ على صور مُخْتَلفَة، قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ: الْجِنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، وَيجوز أَن تكون رقيقَة وَأَن تكون رقيقَة وَأَن تكون كثيفة خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم: إِنَّهُم أجسام رقيقَة ولرقتها لَا نراهم قُلْنَا: الرقة لَيْسَ بمانعة عَن الرُّؤْيَة فِي بَاب الرُّؤْيَة، وَيجوز أَن تكون الْأَجْسَام الكثيفة مَوْجُودَة وَلَا نرَاهَا إِذا لم يخلق الله فِينَا الْإِدْرَاك، وَحكى أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ عَن القَاضِي أبي بكر: نَحن نقُول إِنَّمَا رَآهُمْ من رَآهُمْ لِأَن الله خلق لَهُم الرُّؤْيَة، وَأَن من لم يخلق لَهُ الرُّؤْيَة لَا يراهم وَأَنَّهُمْ أجساد مؤلفة وجثث، وَقَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة: إِنَّهُم أجساد رقيقَة بسيطة. وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: أجسام الْجِنّ رقيقَة ولضعف أبصارنا لَا نراهم لَا لعِلَّة أُخْرَى، وَلَو قوى الله أبصارنا أَو كثف أجسامهم لرأيناهم. وَقَالَ السُّهيْلي: الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث: صنف على صور الْحَيَّات، وصنف على صُورَة كلاب سود، وصنف ريح طيارة. أَو قَالَ: هفافة ذُو أَجْنِحَة، وهم يتصورون فِي صور الْحَيَّات والعقارب، وَفِي صور الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صور الطير، وَفِي صور بني أَدَم. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشياطين على تَغْيِير خلقهمْ والانتقال فِي الصُّور، وَإِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ الله كَلِمَات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال، إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله من صُورَة إِلَى صور أُخْرَى. وَأما أَن يصور نَفسه فَذَاك محَال.
النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن الْجِنّ على أَنْوَاع مِنْهُم: الغول، وَهُوَ العفريت، قَالُوا: إِن الغول حَيَوَان لم تحكمه الطبيعة وَأَنه لما خرج مُنْفَردا توحش وَلم يسْتَأْنس وَطلب القفار، ويتلون فِي ضروب من الصُّور ويتراءى فِي اللَّيْل وَفِي أَوْقَات الخلوات لمن كَانَ مُسَافِرًا وَحده فيتوهم أَنه إِنْسَان ويضل الْمُسَافِر عَن الطَّرِيق، وَمِنْهُم: السعلاة، وَهِي مُغَايرَة للغول، وَأكْثر مَا يُوجد فِي الفيافي إِذا ظَفرت بِإِنْسَان ترقصه وتلعب بِهِ كَمَا تلعب السنور بالفأر، وَمِنْهُم: الغدار، وَهُوَ يُوجد بِأَكْنَافِ الْيمن وَرُبمَا يُوجد فِي أَرض
مصر إِذا عاينه الْإِنْسَان خر مغشياً عَلَيْهِ. وَمِنْهُم: الولهان، يُوجد فِي جزائر الْبَحْر وَهُوَ فِي صُورَة إِنْسَان رَاكب على نعَامَة يَأْكُل النَّاس الَّذين يقذفهم الْبَحْر، وَمِنْهُم: الشق، كَنِصْف آدَمِيّ بالطول زَعَمُوا أَن النسناس مركبه يظْهر للنَّاس فِي أسفارهم. وَمِنْهُم: من يأنس بالآدميين وَلَا يؤذيهم. وَمِنْهُم: من يختطف النِّسَاء الْأَبْكَار. وَمِنْهُم: من هُوَ فِي صُورَة الوزغ. وَمِنْهُم: من هُوَ على صُورَة الْكلاب.
النَّوْع السَّادِس: فِي وَجه تَسْمِيَة الْجِنّ بِهَذَا الإسم: قَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون، وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد، وَالْجنَّة مَا واراك من سلَاح، قَالَ: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة ضرب من الْجِنّ، قَالَ الراجز:
يلعبن أحوالي من حن وجن
وَقَالَ أَبُو عُمَيْر الزَّاهِد: الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم، وَوَقع فِي كَلَام السُّهيْلي: فِي النتائج أَن الْجِنّ يَشْمَل الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار.
النَّوْع السَّابِع: فِي بَيَان أَن الْجِنّ هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون؟ وَلِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَهَذَا قَول سَاقِط. الثَّانِي: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. الثَّالِث: أَن جَمِيعهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. وَاخْتلفُوا فِي صفة أكلهم وشربهم، فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضع وَلَا بلع، وَهَذَا قَول لَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل، وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أُميَّة بن محشي، وَفِيه: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه، فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقى مَا فِي بَطْنه. وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن الْجِنّ: مَا هم؟ وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون ويموتون؟ فَقَالَ: هم أَجنَاس، فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتناكحون وَلَا يتوالدون، وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون ويتوالدون مِنْهُم: السعالي والغول والقطرب وَغير ذَلِك، رَوَاهُ أَبُو عمر بِإِسْنَادِهِ عَنهُ.
النَّوْع الثَّامِن: فِي بَيَان تَكْلِيف الْجِنّ: قَالَ أَبُو عمر: الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَة مكلفون مخاطبون. لقَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس} (الْأَنْعَام: ٠٣١، والرحمن: ٣٣) . وَذكر عَن الحشوية أَنهم مضطرون إِلَى أفعالهم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بمكلفين، وعَلى القَوْل بتكليفهم: هَل لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب أم لَا؟ وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على قَوْلَيْنِ: فَقيل: لَا ثَوَاب لَهُم إلَاّ النجَاة من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، حَكَاهُ ابْن حزم وَغَيره عَنهُ، وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: حَدثنَا دَاوُد عَن عمر والضبي حَدثنَا عفيف بن سَالم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن لَيْث بن أبي سليم، قَالَ: ثَوَاب الْجِنّ أَن يجاروا من النَّار، ثمَّ يُقَال لَهُم: كونُوا تُرَابا. القَوْل الثَّانِي: أَنهم يثابون على الطَّاعَة ويعاقبون على الْمعْصِيَة، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَنقل أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَأحمد، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ: نعم، لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن كَافِر الْجِنّ يعذب فِي الْآخِرَة لقَوْله تَعَالَى: {النَّار مثواكم} (الْأَنْعَام: ٨٢١) . وَاخْتلفُوا فِي مؤمني الْجِنّ، هَل يدْخلُونَ الْجنَّة؟ على أَرْبَعَة أَقْوَال: وَالْجُمْهُور على أَنهم يدْخلُونَهَا، حَكَاهُ ابْن حزم فِي (الْملَل) عَن ابْن أبي ليلى، وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس. قَالَ: وَبِه نقُول، ثمَّ اخْتلفُوا هَل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ؟ فروى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك أَنهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ، وَعَن مُجَاهِد أَنهم يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون ويلهمون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب، وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة، نراهم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. القَوْل الثَّانِي: إِنَّهُم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم، وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، حَكَاهُ ابْن تَيْمِية، وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم. القَوْل الثَّالِث: أَنهم على الْأَعْرَاف. القَوْل الرَّابِع: الْوَقْف. وروى الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الكنجرودي فِي (أَمَالِيهِ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحسن عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب) . فسألنا عَن ثوابهم، فَقَالَ: على الْأَعْرَاف، وَلَيْسوا فِي الْجنَّة. فَقَالُوا: مَا الْأَعْرَاف؟ قَالَ: حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الْأَشْجَار وَالثِّمَار، وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر جدا، ثمَّ إِن مؤمني الْجِنّ إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يرَوْنَ الله تَعَالَى؟ فقد وَقع فِي كَلَام عبد السَّلَام فِي (الْقَوَاعِد الصُّغْرَى) مَا يدل على أَنهم لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى. وَأَن الرُّؤْيَة مَخْصُوصَة بمؤمني الْبشر، فَإِنَّهُ صرح بِأَن الْمَلَائِكَة لَا يرَوْنَ الله تَعَالَى فِي الْجنَّة، وَمُقْتَضى هَذَا أَن الْجِنّ لَا يرونه.
النَّوْع التَّاسِع: هَل كَانَ فيهم نَبِي مِنْهُم أَو لَا؟ فروى
الطَّبَرِيّ من طَرِيق الضَّحَّاك بن مُزَاحم، إِثْبَات ذَلِك، وَجُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفاً على أَنه لم يكن من الْجِنّ نَبِي قطّ وَلَا رَسُول، وَلم تكن الرُّسُل إلَاّ من الْإِنْس، وَنقل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن جريج وَمُجاهد والكلبي وَأبي عبيد والواحدي، وَذكر إِسْحَاق بن بشر فِي (الْمُبْتَدَأ) : عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجِنّ قتلوا نَبيا لَهُم قبل آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، اسْمه يُوسُف، وَأَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِم رَسُولا وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ. وَمن ذهب إِلَى قَول الضَّحَّاك يسْتَدلّ أَيْضا بقوله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم ... } (الْأَنْعَام: ٠٣١) . الْآيَة.
النَّوْع الْعَاشِر: فِي بَيَان فِرَقِ الْجِنّ قد أخبر الله تَعَالَى عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا: {وَأَنا منَّا الصالحون ومنَّا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قدداً} (الْجِنّ: ١١) . أَي: مَذَاهِب شَتَّى مُسلمُونَ ويهود، وَكَانَ جن نَصِيبين يهوداً. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي (كتاب النَّاسِخ والمنسوخ) : حَدثنَا مطلب بن زِيَاد عَن السّديّ، قَالَ: فِي الْجِنّ قدرية ومرجئة وشيعة، وَحكى السّديّ أَيْضا عَن أشياخه أَن فِي الْجِنّ الْمُؤمن وَالْكَافِر والمعتزلة والجهمية وَجَمِيع الْفرق.
فَوَائِد: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الشَّيَاطِين أَوْلَاد إِبْلِيس لَا يموتون إلَاّ مَعَه، وَالْجِنّ يموتون قبله. وَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ أَبُو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما خلق الله شوما أَبَا الْجِنّ، وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار، فَقَالَ تبَارك وَتَعَالَى: تمنَّ. فَقَالَ: أتمنَّى أَن نَرى وَلَا نُرى، وَأَن نغيب فِي الثرى، وَأَن يصير كهلنا شَابًّا. فَأعْطِي ذَلِك، فهم يَرون وَلَا يُرون، وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا، يَعْنِي: مثل الصَّبِي ثمَّ يرد إِلَى أرذل الْعُمر. وَسُئِلَ أَبُو الْبَقَاء العكبري الْحَنْبَلِيّ عَن الْجِنّ: (هَل تصح الصَّلَاة خَلفهم؟ قَالَ: نعم، لأَنهم مكلفون، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل إِلَيْهِم.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} إِلَى قَوْلِهِ {عَمَّا يَعْمَلُون} (الْأَنْعَام: ٠٣١) .
اللَّام فِي: لقَوْله، للتَّعْلِيل للتَّرْجَمَة لأجل الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَجه الِاسْتِدْلَال إِن قَوْله تَعَالَى: ينذرونكم، يدل على الْعقَاب، وَقَوله: {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} (الْأَنْعَام: ٢٣١، والأحقاف: ٩١) . يدل على الثَّوَاب، وَتَمام الْآيَة.
بَخْساً نَقْصاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخساً} (الْجِنّ: ٣١) . فسر البخس بقوله: (نقصا) قَالَ الْفراء: البخس: النَّقْص، والرهق: الظُّلم، فدلت الْآيَة أَن من يكفر يخَاف، وَالْخَوْف يدل على كَون الْجِنّ مكلفين لِأَن الْآيَة فيهم.
وقالَ مُجَاهِدٌ {وجعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَباً} (الصافات: ٨٥١) . قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ المَلَائِكَةُ بَناتُ الله وأُمَّهَاتُهُمْ بَناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ قَالَ الله: {ولَقَدْ عَلِمْتُ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} (الصافات: ٨٥١) . ستُحْضَرُ لِلْحِسابِ {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} (ي س: ٥٧) . عِنْد الحِسَابِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تعال: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} أَن كفار قُرَيْش قَالُوا: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَأُمَّهَات الْمَلَائِكَة هن بَنَات سروات الْجِنّ أَي: ساداتهم، والسروات جمع سراة جمع سري وَهُوَ نَادِر شَاذ، لِأَن فعلات لَا يجمع على فعلة، كَذَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الْجَوْهَرِي: السرو سخاء فِي مُرُوءَة، يُقَال: سرا يسرو سري بِالْكَسْرِ يسري سرواً فيهمَا، وسرو يسرو سراوة، أَي: صَار سرياً، وَجمع السّري: سراة، وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره، وَجمع السراة سراوات، وَأثر مُجَاهِد الْمُعَلق أخرجه ابْن جرير من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَنهُ بِزِيَادَة، فَقَالَ أَبُو بكر: فَمن أمهاتهن؟ فَقَالُوا: بَنَات سروات الْجِنّ، يحسبون أَنهم خلقُوا مِمَّا خلق مِنْهُ إِبْلِيس، لَعنه الله. انْتهى. وَوَقع هَهُنَا أمهاتهن، وَالصَّوَاب: أمهاتهم، مثل مَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون} (الصافات: ٨٥١) . وَقَبله: {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} (الصافات: ٨٥١) . أَي: جعل مشركو مَكَّة بَينه أَي: بَين الله وَبَين الْجنَّة نسبا، وَهُوَ زعمهم أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله سموا الْمَلَائِكَة جنَّة لاجتنانهم عَن الْأَبْصَار، وَالْمعْنَى: جعلُوا بِمَا قَالُوهُ نِسْبَة بَين الله وَبَين الْمَلَائِكَة، وأثبتوا بذلك جنسية جَامِعَة لله وللملائكة تعال الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: قَالُوا لعنهم الله بل تزوج من الْجِنّ فَخرج مِنْهَا الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم: الْجِنّ، وَمِنْهُم إِبْلِيس هم بَنَات الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك، وَقَالَ الْحسن: أشركوا الشَّيْطَان فِي عبَادَة الله فَهُوَ النّسَب الَّذِي