الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٣٩
الحديث رقم ٣٣٣٩ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قال رسول الله ﷺ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنْ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ".
٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ".
[الحديث ٣٣٣٩ - طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩]
٣٣٤٠ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمْ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَنَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَفْسِي نَفْسِي ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ".
[الحديث ٣٣٤٠ - طرفاه في: ٣٣٦١، ٤٧١٢]
٣٣٤١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ مِثْلَ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ".
[الحديث ٣٣٤١ - أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ شَرْحِ الْكَلِمَاتِ اللَّاتِي مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ هُودٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَفْصِيِّ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَلِلْبَاقِينَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْأَخِيرِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. وَنُوحٌ هُوَ ابْنُ لَمْكَ - بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا كَافٌ - ابْنُ مَتُّوشَلَخَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - ابْنِ خَنُوخَ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ - وَهُوَ إِدْرِيسُ فِيمَا يُقَالُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَوْلِدَ نُوحٍ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَأَنَّهُ بُعِثَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ عُمُرِهِ أَلْفُ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْغَرَقِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ? قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ? قَالَ عَشَرَةُ قُرُونٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْهُ أَيْ أَوَّلَ النَّظَرِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكِي، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ) وَصَلَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجْهُ الْأَرْضِ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ قَالَ وَجْهُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَزَادَ: تَشَامَخَتِ الْجِبَالُ يَوْمَ الْغَرَقِ وَتَوَاضَعَ هُوَ لِلَّهِ، فَلَمْ يَغْرَقْ وَأُرْسِيَتْ عَلَيْهِ سَفِينَةُ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: (دَأْبٌ حَالٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْفِتَنِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَلَقَدْ أَنْذَرَه نُوحٌ قَوْمَهُ وَخَصَّ نُوحًا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾
الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَعْنَى كَذَلِكَ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَهَادَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِنُوحٍ بِالتَّبْلِيغِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي عِبَادَةِ قَوْمِ نُوحٍ الْأَصْنَامَ.
مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ.
الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشَّفَاعَةِ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (دُعْوَةٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (١) الْوَلِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: (فَرُفِعَتْ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) أَيْ ذِرَاعُ الشَّاةِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَنَهَسَ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ أَيْ أَخَذَ مِنْهَا بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ يَوْمَئِذٍ، حَيْثُ تَكُونُ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الرِّقَاقِ مَعَ تَتِمَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا. فَأَمَّا كَوْنُهُ أَوَّلَ الرُّسُلِ فَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ آدَمَ كَانَ نَبِيًّا وَبِالضَّرُورَةِ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَأَنَّ أَوْلَادَهُ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ هَذَا أَوَّلَ رَسُولٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَوَّلِيَّةُ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِنُوحٍ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِمْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَرْضِ أَهْلٌ أَوْ لِأَنَّ رِسَالَةَ آدَمَ إِلَى بَنِيهِ كَانَتْ كَالتَّرْبِيَةِ لِلْأَوْلَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَسُولٌ أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي عِدَّةِ بِلَادٍ، وَآدَمُ إِنَّمَا
أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ فَقَطْ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِإِدْرِيسَ، وَلَا يَرِدُ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ جَدَّ نُوحٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّيَمُّمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّةِ نَبِيِّنَا بِعُمُومِ الْبَعْثَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا فَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مَقْطُوعٍ: إِنَّ نُوحًا كَانَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ.
الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِرَاءَةِ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ اقْتَرَبَتْ.
٤ - بَاب: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ - إلى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ - إِلَى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ سَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَجَحَ عِنْدَهُ كَوْنُ إِدْرِيسَ لَيْسَ مِنْ أَجْدَادِ نُوحٍ فَلِهَذَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
وَإِلْيَاسُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَهُوَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فَقَرَأَهُ الْأَكْثَرُ بِصُورَةِ الِاسْمِ الْمَذْكُورِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَنُونٍ فِي آخِرِهِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ آلِ يَاسِينَ بِفَصْلِ آلٍ مِنْ يَاسِينَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ سَلَامٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَخْبَرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى إِلْيَاسَ الْمُبْدَأُ بِذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْيَاءُ وَالنُّونُ كَمَا قَالُوا فِي إِدْرِيسَ إِدْرَاسِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ) أَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ، قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ، وَيَعْقُوبُ هُوَ إِسْرَائِيلُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَوَصَلَهُ جُوَيْبِرٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ أَخَذَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ إِدْرِيسَ لَمْ يَكُنْ جَدًّا لِنُوحٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لِأَنَّ إِلْيَاسَ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْدَادِهِ لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ آدَمُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالِابْنِ الصَّالِحِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالتَّلَطُّفِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِيمَا زَعَمَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَمَّا سَاقَ النَّسَبَ الْكَرِيمَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى نُوحٍ قَالَ: ابْنُ لَمْكِ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَأْخُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ خَنُوخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَعْدَ الْأُول نُونٌ بِوَزْنِ ثَمُودَ، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بَدَلَ الْخَاءِ الْأُولَى هَاءٌ، وَقِيلَ: كَالثَّانِي لَكِنْ بَدَلَ الْمُعْجَمَةِ مُهْمَلَةٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِ إِدْرِيسَ فَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدِّرَاسَةِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الصُّحُفَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ سُرْيَانِيٌّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ سُرْيَانِيًّا، وَلَكِنْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قال رسول الله ﷺ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنْ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ".
٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ".
[الحديث ٣٣٣٩ - طرفاه في: ٤٤٨٧، ٧٣٤٩]
٣٣٤٠ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمْ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَنَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَفْسِي نَفْسِي ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ".
[الحديث ٣٣٤٠ - طرفاه في: ٣٣٦١، ٤٧١٢]
٣٣٤١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ مِثْلَ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ".
[الحديث ٣٣٤١ - أطرافه في: ٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧٠، ٤٨٧١، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ شَرْحِ الْكَلِمَاتِ اللَّاتِي مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ هُودٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَفْصِيِّ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَلِلْبَاقِينَ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْأَخِيرِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. وَنُوحٌ هُوَ ابْنُ لَمْكَ - بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا كَافٌ - ابْنُ مَتُّوشَلَخَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - ابْنِ خَنُوخَ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ - وَهُوَ إِدْرِيسُ فِيمَا يُقَالُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَوْلِدَ نُوحٍ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَأَنَّهُ بُعِثَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ عُمُرِهِ أَلْفُ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبَعْدَهَا وَبَعْدَ الْغَرَقِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَحَّحَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ? قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ? قَالَ عَشَرَةُ قُرُونٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْهُ أَيْ أَوَّلَ النَّظَرِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكِي، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ) وَصَلَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجْهُ الْأَرْضِ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ قَالَ وَجْهُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَزَادَ: تَشَامَخَتِ الْجِبَالُ يَوْمَ الْغَرَقِ وَتَوَاضَعَ هُوَ لِلَّهِ، فَلَمْ يَغْرَقْ وَأُرْسِيَتْ عَلَيْهِ سَفِينَةُ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: (دَأْبٌ حَالٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْفِتَنِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَلَقَدْ أَنْذَرَه نُوحٌ قَوْمَهُ وَخَصَّ نُوحًا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾
الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَعْنَى كَذَلِكَ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَهَادَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِنُوحٍ بِالتَّبْلِيغِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي عِبَادَةِ قَوْمِ نُوحٍ الْأَصْنَامَ.
مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ.
الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشَّفَاعَةِ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (دُعْوَةٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (١) الْوَلِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: (فَرُفِعَتْ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) أَيْ ذِرَاعُ الشَّاةِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَنَهَسَ) بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ أَيْ أَخَذَ مِنْهَا بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ يَوْمَئِذٍ، حَيْثُ تَكُونُ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الرِّقَاقِ مَعَ تَتِمَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا. فَأَمَّا كَوْنُهُ أَوَّلَ الرُّسُلِ فَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ آدَمَ كَانَ نَبِيًّا وَبِالضَّرُورَةِ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَأَنَّ أَوْلَادَهُ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ هَذَا أَوَّلَ رَسُولٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَوَّلِيَّةُ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِنُوحٍ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِمْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ آدَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَرْضِ أَهْلٌ أَوْ لِأَنَّ رِسَالَةَ آدَمَ إِلَى بَنِيهِ كَانَتْ كَالتَّرْبِيَةِ لِلْأَوْلَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ رَسُولٌ أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي عِدَّةِ بِلَادٍ، وَآدَمُ إِنَّمَا
أُرْسِلَ إِلَى بَنِيهِ فَقَطْ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِإِدْرِيسَ، وَلَا يَرِدُ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ جَدَّ نُوحٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّيَمُّمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّةِ نَبِيِّنَا بِعُمُومِ الْبَعْثَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا فَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مَقْطُوعٍ: إِنَّ نُوحًا كَانَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ.
الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِرَاءَةِ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ اقْتَرَبَتْ.
٤ - بَاب: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ - إلى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ - إِلَى - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ سَقَطَ لَفْظُ بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَجَحَ عِنْدَهُ كَوْنُ إِدْرِيسَ لَيْسَ مِنْ أَجْدَادِ نُوحٍ فَلِهَذَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
وَإِلْيَاسُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَهُوَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فَقَرَأَهُ الْأَكْثَرُ بِصُورَةِ الِاسْمِ الْمَذْكُورِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَنُونٍ فِي آخِرِهِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ آلِ يَاسِينَ بِفَصْلِ آلٍ مِنْ يَاسِينَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ سَلَامٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَخْبَرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى إِلْيَاسَ الْمُبْدَأُ بِذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْيَاءُ وَالنُّونُ كَمَا قَالُوا فِي إِدْرِيسَ إِدْرَاسِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يُذْكَرُ بِخَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ) أَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ، قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ، وَيَعْقُوبُ هُوَ إِسْرَائِيلُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَوَصَلَهُ جُوَيْبِرٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ أَخَذَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ إِدْرِيسَ لَمْ يَكُنْ جَدًّا لِنُوحٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لِأَنَّ إِلْيَاسَ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْدَادِهِ لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ آدَمُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالِابْنِ الصَّالِحِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالتَّلَطُّفِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِيمَا زَعَمَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَمَّا سَاقَ النَّسَبَ الْكَرِيمَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى نُوحٍ قَالَ: ابْنُ لَمْكِ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَأْخُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ خَنُوخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَعْدَ الْأُول نُونٌ بِوَزْنِ ثَمُودَ، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَذْفِ الْوَاوِ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بَدَلَ الْخَاءِ الْأُولَى هَاءٌ، وَقِيلَ: كَالثَّانِي لَكِنْ بَدَلَ الْمُعْجَمَةِ مُهْمَلَةٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِ إِدْرِيسَ فَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الدِّرَاسَةِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الصُّحُفَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ سُرْيَانِيٌّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ سُرْيَانِيًّا، وَلَكِنْ