«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ. وَقَالَ: كَانَ يَنْفُخُ عَلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٥٩

الحديث رقم ٣٣٥٩ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٣٥٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ. وَقَالَ: كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ

إسناد حديث رقم ٣٣٥٩ من صحيح البخاري

٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٣٥٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَوْ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ

٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ".

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ مَعْنَاهُ أَبٌ رَاحِمٌ، وَالْخَلِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَهُوَ مِنَ الْخُلَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ الْقَلْبَ فَصَارَتْ خِلَالَهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى.

وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَقِيلَ: الْخُلَّةُ أَصْلُهَا الِاسْتِصْفَاءُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَخُلَّةُ اللَّهِ لَهُ نَصْرُهُ وَجَعْلُهُ إِمَامًا، وَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى رَبِّهِ وَقَصْرِهِ حَاجَتَهُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ النَّحْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ آزَرَ - وَاسْمُهُ تَارَحُ بِمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - ابْنُ نَاحُورَ - بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ - ابْنِ شَارُوخَ - بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ - ابْنِ رَاغُوءَ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - ابْنِ فَالَخَ - بِفَاءٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - ابْنِ عَبِيرَ - وَيُقَالُ عَابِرَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - ابْنِ شَالِخَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - ابْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. لَا يَخْتَلِفُ جُمْهُورُ أَهْلِ النَّسَبِ وَلَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا فِي النُّطْقِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ. نَعَمْ سَاقَ ابْنُ حِبَّانَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ شَاذٌّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ) يَعْنِي الْأَوَّاهُ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ، وَلَمْ يَقُلْ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَوَّاهُ؟ قَالَ: الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ فِي الدُّعَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُوقِنُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْحَفِيظُ، الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ سِرًّا ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ سِرًّا. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُنِيبُ: الْفَقِيهُ الْمُوَفَّقُ. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُسيحُ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوَّاهٌ﴾ قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ أَوَّاهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَوَّهْ أَوَّهْ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهُ لَأَوَّاهٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَلُزُومًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عِشْرِينَ حَدِيثًا:

أَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى

يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَيُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً لَا يَقُومُ لَهَا الْبَشَرُ، وَيُقَالُ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي خُصُوصِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عُرْيَانًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلُهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَمْتَازُ بِشَيْءٍ يُخَصُّ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَضِيلَةُ الْمُطْلَقَةُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدا لِهَذَا فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ.

وَقَدْ ثَبَتَ لِإِبْرَاهِيمَ أَوَّلِيَّاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَوَّلُ مَنْ ضَافَ الضَّيْفَ، وَقَصَّ الشَّارِبَ وَاخْتَتَنَ وَرَأَى الشَّيْبَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَتَيْتُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ فِي كِتَابِي إِقَامَةُ الدَّلَائِلِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَوَائِلِ وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رُؤْيَةِ الصُّوَرِ فِي الْبَيْتِ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ مَضَى أَيْضًا فِي الْحَجِّ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْلَامِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ يَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، وَمُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي أَنَّهُمَا خَالَفَا يَحْيَى الْقَطَّانَ فِي الْإِسْنَادِ فَلَمْ يَقُولَا فِيهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، وَرِوَايَةُ مُعْتَمِرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي قِصَّةِ يَعْقُوبَ.

خَامِسُهَا: حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَ بَعْضِ شَرْحِهِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، ذَكَرَ مِنْهُ هُنَا طَرَفًا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ.

سَادِسُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ .

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً، تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وتَابَعَهُ عَجْلَانُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.

سَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ، رُوِينَاهُ بِالتَّشْدِيدِ عَنِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي التَّخْفِيفِ، وَأَنْكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ التَّشْدِيدَ أَصْلًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ، فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَكَانٍ، وَقِيلَ: اسْمُ آلَةِ النَّجَّارِ، فَعَلَى الثَّانِي هُوَ بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ اللُّغَتَانِ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَعَكَسَهُ الدَّاوُدِيُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ التَّشْدِيدَ فِي الْآلَةِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فَقِيلَ هِيَ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ ثَنِيَّةٌ بِالسَّرَاةِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ الْآلَةُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْخِتَانِ، فَاخْتَتَنَ بِقَدُّومٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ عَجِلْتَ قَبْلَ أَنْ نَأْمُرَكَ بِآلَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَرِهْتُ أَنْ أُؤَخِّرَ أَمْرَكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً) يَعْنِي أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَصَرَّحَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَقْدِيمُ رِوَايَةِ أَبِي الْيَمَانِ بَعْدَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَالَّذِي هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَتَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا مُتَابَعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ فَوَصَلَهَا مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا مَرَّتْ بِهِ ثَمَانُونَ وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَجْلَانَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ،

وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَوَصَلَهَا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً عِنْدَ اخْتِتَانِهِ. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْمَتْنِ شَيْءٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ مِقْدَارُ عُمُرِهِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعَقِيقَةِ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِثْلُهُ وَزَادَ: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ حُسِبَ مِنْ مَبْدَأ نُبُوَّتِهِ وَالثَّانِي مِنْ مَبْدَأ مَوْلِدِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ مُهْمَلَةٌ الرُّعَيْنِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ مِصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيٌّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ فِي النِّكَاحِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَلَمْ يَقَعْ رَفْعُهُ هُنَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَلَا كَرِيمَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَالْحَدِيثُ فِي الْأَصْلِ مَرْفُوعٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَكَمَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْبَزَّارِ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ غَالِبًا لَا يُصَرِّحُ بِرَفْعِ كَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجَيِّدُ أَنْ يُقَالَ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْجَمْعِ لِأَنَّهُ جَمْعُ كَذْبَةٍ بِسُكُونِ الذَّالِ، وَهُوَ اسْمٌ لَا صِفَةٌ لِأَنَّكَ تَقُولُ كَذَبَ كَذْبَةً كَمَا تَقُولُ رَكَعَ رَكْعَةً وَلَوْ كَانَ صِفَةً لَكَنَ فِي الْجَمْعِ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ فَقَالَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وَقَوْلُهُ لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ انْتَهَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذِكْرُ الْكَوْكَبِ يَقْتَضِي أَنَّهَا أَرْبَعٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فَيَحْتَاجُ فِي ذِكْرِ الْكَوْكَبِ إِلَى تَأْوِيلٍ، قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي سَارَةَ، وَالَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الطُّرُقُ ذِكْرُ سَارَةَ دُونَ الْكَوْكَبِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعَدَّ مَعَ أَنَّهُ أَدْخَلُ مِنْ ذِكْرِ سَارَةَ لِمَا نُقِلَ أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَالِ الطُّفُولِيَّةِ فَلَمْ يَعُدَّهَا لِأَنَّ حَالَ الطُّفُولِيَّةِ لَيْسَتْ بِحَالِ تَكْلِيفٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَكِنَّهُ قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّوْبِيخُ، وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ أنَّهُ قَالَ تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ أَوْ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ فِي الْكَذَبَاتِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ الْكَذِبَ عَلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلًا يَعْتَقِدُهُ السَّامِعُ كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ مَحْضٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ أَيْ سَأُسْقَمُ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ كَثِيرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنِّي سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ سَقِيمُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَكُمْ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ تَأْخُذُهُ الْحُمَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا، وَقَوْلُهُ:

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَالَهُ تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَصْنَامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ وَقَطْعًا لِقَوْمِهِ فِي قَوْلِهِمْ أنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ يُتَجَوَّزُ فِيهِ فِي الشَّرْطِ

الْمُتَّصِلِ، وَلِهَذَا أَرْدَفَ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُشْتَرَطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَهَذَا خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ثُمَّ يَقُولُ: فَاسْأَلُوهُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

وَقَوْلُهُ: هَذِهِ أُخْتِي يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا، قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: دَلَالَةُ الْعَقْلِ تَصْرِفُ ظَاهِرَ إِطْلَاقِ الْكَذِبِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْلَ قَطَعَ بِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ لِيُعْلَمَ صِدْقُ مَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَلَا ثِقَةَ مَعَ تَجْوِيزِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ الْكَذِبِ مِنْهُ، وإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ بِصُورَةِ الْكَذِبِ عِنْدَ السَّامِعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَلَمْ يَصْدُرْ ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي إِطْلَاقَ الْكَذِبِ عَلَى ذَلِكَ - إِلَّا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِعُلُوِّ مَقَامِهِ، وَإِلَّا فَالْكَذِبُ الْمَحْضُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ يَجُوزُ، وَقَدْ يَجِبُ لِتَحَمُّلِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ دَفْعًا لِأَعْظَمِهِمَا، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ إِيَّاهَا كَذَبَاتٍ فَلَا يُرِيدُ أَنَّهَا تُذَمُّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا مُخِلًّا لَكِنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ فِي مَوَاضِعَ وَهَذَا مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ) خَصَّهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِصَّةَ سَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَيْضًا فِي ذَاتِ اللَّهِ لَكِنْ تَضَمَّنَتْ حَظًّا لِنَفْسِهِ وَنَفْعًا لَهُ بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي ذَاتِ اللَّهِ مَحْضًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ الْمَذْكُورَةِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَاللَّهِ إِنْ جَادَلَ بِهِنَّ إِلَّا عَنْ دِينِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ وَكَانَتْ النَّاسِ، وَاسْمُ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِ عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ سَبَأ وَأنَّهُ كَانَ عَلَى مِصْرَ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ وَقِيلَ: اسْمُهُ صَادُوقٌ وَحَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَكَانَ عَلَى الْأُرْدُنِ، وَقِيلَ: سِنَانُ بْنُ عُلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُرَيْجِ (١) بْنِ عِمْلَاقَ بْنِ لَاوِدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَيُقَالُ أنَّهُ أَخُو الضَّحَّاكِ الَّذِي مَلَكَ الْأَقَالِيمَ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي إِنَّ هُنَا رَجُلًا وَفِي كِتَابِ التِّيجَانِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ رَجُلٌ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَشْتَرِي مِنْهُ الْقَمْحَ فَنَمَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَهُ لِلْمَلِكِ أنِّي رَأَيْتُهَا تَطْحَنُ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي إِعْطَاءِ الْمَلِكِ لَهَا هَاجَرَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَخْدُمَ نَفْسَهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ يُوسُفَ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ يَعْنِي سورَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي وَالِدِ سَارَةَ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْمَهُ هَارَانُ فَقِيلَ: هُوَ مَلِكُ حَرَّانَ وَأنَّ إِبْرَاهِيمَ تَزَوَّجَهَا لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ إِلَى حَرَّانَ، وَقِيلَ: هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَالنَّقَّاشُ وَاسْتُبْعِدَ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ، وَتَوَافَقَ الِاسْمَانِ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ أَبِيهَا تَوْبَلَ.

قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. . إِلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَعْلَمَهَا بِذَلِكَ لِئَلَّا تُكَذِّبَهُ عِنْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، وَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا دَخَلَ

أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ فَأَتَاهُ فَقَالَ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، الْحَدِيثَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهَمَا بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَحَسَّ بِأَنَّ الْمَلِكَ سَيَطْلُبُهَا مِنْهُ فَأَوْصَاهَا بِمَا أَوْصَاهَا، فَلَمَّا وَقَعَ مَا حَسِبَهُ أَعَادَ عَلَيْهَا الْوَصِيَّةَ. وَاخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الظَّالِمَ يُرِيدُ اغْتِصَابهَا عَلَى نَفْسِهَا أُخْتًا كَانَتْ أَوْ زَوْجَةً، فَقِيلَ: كَانَ مِنْ دِينِ ذَلِكَ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ إِلَّا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ، كَذَا قِيلَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَتِمَّةٍ وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ دَفْعَ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ اغْتِصَابَ الْمَلِكِ إِيَّاهَا وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا فِي الْحَيَاةِ حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى قَتْلِهِ وَإِعْدَامِهِ أَوْ حَبْسِهِ وَإِضْرَارِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهَا أَخًا فَإِنَّ الْغَيْرَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَخِ خَاصَّةً لَا مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ فَلَا يُبَالِي بِهِ.

وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْ عَلِمَ أَنَّكِ امْرَأَتِي أَلْزَمَنِي بِالطَّلَاقِ، وَالتَّقْرِيرُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَاءَ صَرِيحًا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقِيلَ: كَانَ مِنْ دِينِ الْمَلِكِ أَنَّ الْأَخَ أَحَقُّ بِأَنْ تَكُونَ أُخْتُهُ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ هِيَ أُخْتِي اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْجَبَّارُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِيهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ هِيَ أُخْتِي وَأَنَا زَوْجُهَا فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ هِيَ أُخْتِي؟ وَأَيْضًا فَالْجَوَابُ إِنَّمَا يُفِيدُ لَوْ كَانَ الْجَبَّارُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَا أَنْ يَغْتَصِبَهَا نَفْسَهَا. وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَقْتُلَ زَوْجَهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ هِيَ أُخْتِي، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَادِلًا خَطَبَهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرْجُو مُدَافَعَتَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا خَلَصَ مِنَ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا، وَهَذَا أُخِذَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ) يَشْكُلُ عَلَيْهِ كَوْنُ لُوطٍ كَانَ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَرْضِ الْأَرْضُ الَّتِي وَقَعَ لَهُ فِيهَا مَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوطٌ إِذْ ذَاكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا ذَهَبَ يُنَاوِلُهَا يَدَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَلِكِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَغُطَّ هُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ اخْتَنَقَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ مَصْرُوعٌ، قِيلَ: الْغَطُّ صَوْتُ النَّائِمِ مِنْ شِدَّةِ النَّفْخِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فَغَطَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالصَّوَابُ ضَمُّهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ عُوقِبَ تَارَةً بِقَبْضِ يَدِهِ وَتَارَةً بِالصِرَاعِهِ. وَقَوْلُهُ: فَدَعَتْ مِنَ الدُّعَاءِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِهَا إِنْ كُنْتُ مَعَ كَوْنِهَا قَاطِعَةً بِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا ذَكَرَتْهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ هَضْمًا لِنَفْسِهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ لَهَا ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَيَّ، فَفَعَلَتْ. فِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يَقُولُوا هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ، قَالَ: فَأُرْسِلَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي.

قَوْلُهُ: (فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ حَاجِبٍ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ

الصَّرَعِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الْمُتَمَرِّدُ مِنَ الْجِنِّ، وَكَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْجِنِّ جِدًّا وَيَرَوْنَ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ الْخَوَارِقِ مِنْ فِعْلِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) أَيْ وَهَبَهَا لَهَا لِتَخْدُمَهَا لِأَنَّهُ أَعْظَمَهَا أَنْ تَخْدِمَ نَفْسَهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي وَأَعْطِهَا آجَرَ، ذَكَرَهَا بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْهَاءِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهِيَ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ، وَيُقَالُ إِنَّ أَبَاهَا كَانَ مِنْ مُلُوكِ الْقِبْطِ وَإِنَّهَا مِنْ حَفْنَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ بِمِصْرَ، قَالَ الْيَعْقُوبِيُّ: كَانَتْ مَدِينَةٌ انْتَهَى، وَهِيَ الْآنَ كَفْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلِصْنَا بِالْبَرِّ الشَّرْقِيِّ مِنَ الصَّعِيدِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَشْمُونَيْنِ، وَفِيهَا آثَارٌ عَظِيمَةٌ بَاقِيَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ) فِي رِوَايَةٍ الأعرج: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ.

قَوْلُهُ: (مَهْيَمْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مَتهْيًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ مَهْيَنْ بِنُونٍ وَهِيَ بَدَلُ الْمِيمِ، وَكَأَنَّ الْمُسْتَمْلِيَ لَمَّا سَمِعَهَا بِنُونٍ ظَنَّهَا نُونَ تَنْوِينٍ، وَيُقَالُ أنَّ الْخَلِيلَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَمَعْنَاهَا مَا الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ: (رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ - أَوِ الْفَاجِرِ - فِي نَحْرِهِ) هَذَا مَثَلٌ تَقُولُهُ الْعَرَبُ لِمَنْ أَرَادَ أَمْرًا بَاطِلًا فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً، أَيْ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ، وَكَبَتَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ أَيْ رَدَّهُ خَاسِئًا، وَيُقَالُ أَصْلُهُ كَبَدَ أَيْ بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الدَّالُ مُثَنَّاةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَأَخْدَمَ مَعْطُوفًا عَلَى كَبَتَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَخْدَمَ هُوَ الْكَافِرُ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) كَأَن خَاطَبَ بِذَلِكَ الْعَرَبَ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِمْ لِلْفَلَوَاتِ الَّتِي بِهَا مَوَاقِعُ الْقَطْرِ لِأَجْلِ رَعْيِ دَوَابِّهِمْ، فَفِيهِ تَمَسُّكٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَاءِ السَّمَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْبَعَهَا لِهَاجَرَ فَعَاشَ وَلَدُهَا بِهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادُهَا، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يُقَالُ لَهُ مَاءُ السَّمَاءِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَلَدُ هَاجَرَ وَقَدْ رُبِّيَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَهِيَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ.

وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نَسَبِهِمْ وَصَفَائِهِ فَأَشْبَهَ مَاءَ السَّمَاءِ وَعَلَى هَذَا فَلَا مُتَمَسِّكَ فِيهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِمَاءِ السَّمَاءِ عَامِرُ وَلَدُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ بُقْيَا بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْغِطْرِيفِ وَهُوَ جَدُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، قَالُوا: إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَحِطَ النَّاسُ أَقَامَ لَهُمْ مَالَهُ مَقَامَ الْمَطَرِ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِبَاحَةُ الْمَعَارِيضِ، وَالرُّخْصَةُ فِي الِانْقِيَادِ لِلظَّالِمِ وَالْغَاصِبِ، وَقَبُولُ صِلَةِ الْمَلِكِ الظَّالِمِ، وَقَبُولُ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَكِفَايَةُ الرَّبِّ لِمَنْ أَخْلَصَ فِي الدُّعَاءِ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ. وَفِيهِ ابْتِلَاءُ الصَّالِحِينَ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُقَالُ أنَّ اللَّهَ كَشَفَ لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى رَأَى حَالَ الْمَلِكِ مَعَ سَارَةَ مُعَايَنَةً وَأنَّهُ لَمْ يَصِلْ مِنْهَا إِلَى شَيْءٍ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي التِّيجَانِ وَلَفْظُهُ: فَأَمَرَ بِإِدْخَالِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَحَّى إِبْرَاهِيمَ إِلَى خَارِجِ الْقَصْرِ وَقَامَ إِلَى سَارَةَ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَصْرَ لِإِبْرَاهِيمَ كَالْقَارُورَةِ الصَّافِيَةِ فَصَارَ يَرَاهُمَا وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمَا، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَابَهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ مِنَ الْكَرْبِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مَشْرُوعًا لِلْأُمَمِ قَبْلَنَا وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا بِالْأَنْبِيَاءِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ سَارَةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ) كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ مَشَايِخِهِ - وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْهُ فَأَوْرَدَهُ هَكَذَا، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي أَمَاكِنَ عَدِيدَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) هُوَ ابْنُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَنيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ حِجَازِيُّونَ مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ فَصَاعِدًا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَأَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ.

قَوْلُهُ: (أُمِّ شَرِيكٍ) فِي رِوَايَةِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَوْ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ

٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ".

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إِلَى ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ مَعْنَاهُ أَبٌ رَاحِمٌ، وَالْخَلِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَهُوَ مِنَ الْخُلَّةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ الْقَلْبَ فَصَارَتْ خِلَالَهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى.

وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَقِيلَ: الْخُلَّةُ أَصْلُهَا الِاسْتِصْفَاءُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوَالِي وَيُعَادِي فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَخُلَّةُ اللَّهِ لَهُ نَصْرُهُ وَجَعْلُهُ إِمَامًا، وَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى رَبِّهِ وَقَصْرِهِ حَاجَتَهُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي تَفْسِيرِ النَّحْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ آزَرَ - وَاسْمُهُ تَارَحُ بِمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ - ابْنُ نَاحُورَ - بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ - ابْنِ شَارُوخَ - بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ - ابْنِ رَاغُوءَ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - ابْنِ فَالَخَ - بِفَاءٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - ابْنِ عَبِيرَ - وَيُقَالُ عَابِرَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ - ابْنِ شَالِخَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - ابْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. لَا يَخْتَلِفُ جُمْهُورُ أَهْلِ النَّسَبِ وَلَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا فِي النُّطْقِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ. نَعَمْ سَاقَ ابْنُ حِبَّانَ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ شَاذٌّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ) يَعْنِي الْأَوَّاهُ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الرَّحِيمُ، وَلَمْ يَقُلْ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَوَّاهُ؟ قَالَ: الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ فِي الدُّعَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُوقِنُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْحَفِيظُ، الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ سِرًّا ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ سِرًّا. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُنِيبُ: الْفَقِيهُ الْمُوَفَّقُ. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْأَوَّاهُ الْمُسيحُ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوَّاهٌ﴾ قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ أَوَّاهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَوَّهْ أَوَّهْ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهُ لَأَوَّاهٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَلُزُومًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عِشْرِينَ حَدِيثًا:

أَحَدُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى

يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَيُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً لَا يَقُومُ لَهَا الْبَشَرُ، وَيُقَالُ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي خُصُوصِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عُرْيَانًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلُهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَمْتَازُ بِشَيْءٍ يُخَصُّ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَضِيلَةُ الْمُطْلَقَةُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدا لِهَذَا فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ.

وَقَدْ ثَبَتَ لِإِبْرَاهِيمَ أَوَّلِيَّاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَوَّلُ مَنْ ضَافَ الضَّيْفَ، وَقَصَّ الشَّارِبَ وَاخْتَتَنَ وَرَأَى الشَّيْبَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَتَيْتُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ فِي كِتَابِي إِقَامَةُ الدَّلَائِلِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَوَائِلِ وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رُؤْيَةِ الصُّوَرِ فِي الْبَيْتِ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ مَضَى أَيْضًا فِي الْحَجِّ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْلَامِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

رَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ يَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، وَمُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي أَنَّهُمَا خَالَفَا يَحْيَى الْقَطَّانَ فِي الْإِسْنَادِ فَلَمْ يَقُولَا فِيهِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ، وَرِوَايَةُ مُعْتَمِرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي قِصَّةِ يَعْقُوبَ.

خَامِسُهَا: حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي الْمَنَامِ الطَّوِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَ بَعْضِ شَرْحِهِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، ذَكَرَ مِنْهُ هُنَا طَرَفًا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ.

سَادِسُهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ .

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً، تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وتَابَعَهُ عَجْلَانُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.

سَابِعُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ، رُوِينَاهُ بِالتَّشْدِيدِ عَنِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي التَّخْفِيفِ، وَأَنْكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ التَّشْدِيدَ أَصْلًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ، فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَكَانٍ، وَقِيلَ: اسْمُ آلَةِ النَّجَّارِ، فَعَلَى الثَّانِي هُوَ بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ اللُّغَتَانِ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَعَكَسَهُ الدَّاوُدِيُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ التَّشْدِيدَ فِي الْآلَةِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فَقِيلَ هِيَ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ ثَنِيَّةٌ بِالسَّرَاةِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ الْآلَةُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْخِتَانِ، فَاخْتَتَنَ بِقَدُّومٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ عَجِلْتَ قَبْلَ أَنْ نَأْمُرَكَ بِآلَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَرِهْتُ أَنْ أُؤَخِّرَ أَمْرَكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَقَالَ: بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً) يَعْنِي أَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَصَرَّحَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَقْدِيمُ رِوَايَةِ أَبِي الْيَمَانِ بَعْدَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَالَّذِي هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَتَابَعَهُ عَجْلَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا مُتَابَعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ فَوَصَلَهَا مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا مَرَّتْ بِهِ ثَمَانُونَ وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَجْلَانَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ،

وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَوَصَلَهَا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، فَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً عِنْدَ اخْتِتَانِهِ. وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْمَتْنِ شَيْءٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ مِقْدَارُ عُمُرِهِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعَقِيقَةِ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِثْلُهُ وَزَادَ: وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ حُسِبَ مِنْ مَبْدَأ نُبُوَّتِهِ وَالثَّانِي مِنْ مَبْدَأ مَوْلِدِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبَعْدَ التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ مُهْمَلَةٌ الرُّعَيْنِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ مِصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَأَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيٌّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ فِي النِّكَاحِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَلَمْ يَقَعْ رَفْعُهُ هُنَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَلَا كَرِيمَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَالْحَدِيثُ فِي الْأَصْلِ مَرْفُوعٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَكَمَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالْبَزَّارِ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ غَالِبًا لَا يُصَرِّحُ بِرَفْعِ كَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِهِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: الْجَيِّدُ أَنْ يُقَالَ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْجَمْعِ لِأَنَّهُ جَمْعُ كَذْبَةٍ بِسُكُونِ الذَّالِ، وَهُوَ اسْمٌ لَا صِفَةٌ لِأَنَّكَ تَقُولُ كَذَبَ كَذْبَةً كَمَا تَقُولُ رَكَعَ رَكْعَةً وَلَوْ كَانَ صِفَةً لَكَنَ فِي الْجَمْعِ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ فَقَالَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وَقَوْلُهُ لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ انْتَهَى.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذِكْرُ الْكَوْكَبِ يَقْتَضِي أَنَّهَا أَرْبَعٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فَيَحْتَاجُ فِي ذِكْرِ الْكَوْكَبِ إِلَى تَأْوِيلٍ، قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي سَارَةَ، وَالَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الطُّرُقُ ذِكْرُ سَارَةَ دُونَ الْكَوْكَبِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعَدَّ مَعَ أَنَّهُ أَدْخَلُ مِنْ ذِكْرِ سَارَةَ لِمَا نُقِلَ أَنَّهُ قَالَهُ فِي حَالِ الطُّفُولِيَّةِ فَلَمْ يَعُدَّهَا لِأَنَّ حَالَ الطُّفُولِيَّةِ لَيْسَتْ بِحَالِ تَكْلِيفٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَكِنَّهُ قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّوْبِيخُ، وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى قَوْمِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ أنَّهُ قَالَ تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ أَوْ تَهَكُّمًا بِهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ فِي الْكَذَبَاتِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ الْكَذِبَ عَلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلًا يَعْتَقِدُهُ السَّامِعُ كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْأَمْرَيْنِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ مَحْضٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إِنِّي سَقِيمٌ أَيْ سَأُسْقَمُ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ كَثِيرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنِّي سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ سَقِيمُ الْحُجَّةِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَكُمْ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ تَأْخُذُهُ الْحُمَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا، وَقَوْلُهُ:

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا قَالَهُ تَمْهِيدًا لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَصْنَامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ وَقَطْعًا لِقَوْمِهِ فِي قَوْلِهِمْ أنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ يُتَجَوَّزُ فِيهِ فِي الشَّرْطِ

الْمُتَّصِلِ، وَلِهَذَا أَرْدَفَ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُشْتَرَطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ أَيْ فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَهَذَا خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ثُمَّ يَقُولُ: فَاسْأَلُوهُمْ إِلَى آخِرِهِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

وَقَوْلُهُ: هَذِهِ أُخْتِي يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا، قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: دَلَالَةُ الْعَقْلِ تَصْرِفُ ظَاهِرَ إِطْلَاقِ الْكَذِبِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْلَ قَطَعَ بِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ لِيُعْلَمَ صِدْقُ مَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَلَا ثِقَةَ مَعَ تَجْوِيزِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ الْكَذِبِ مِنْهُ، وإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ بِصُورَةِ الْكَذِبِ عِنْدَ السَّامِعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَلَمْ يَصْدُرْ ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي إِطْلَاقَ الْكَذِبِ عَلَى ذَلِكَ - إِلَّا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِعُلُوِّ مَقَامِهِ، وَإِلَّا فَالْكَذِبُ الْمَحْضُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ يَجُوزُ، وَقَدْ يَجِبُ لِتَحَمُّلِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ دَفْعًا لِأَعْظَمِهِمَا، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ إِيَّاهَا كَذَبَاتٍ فَلَا يُرِيدُ أَنَّهَا تُذَمُّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا مُخِلًّا لَكِنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ فِي مَوَاضِعَ وَهَذَا مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ) خَصَّهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِصَّةَ سَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَيْضًا فِي ذَاتِ اللَّهِ لَكِنْ تَضَمَّنَتْ حَظًّا لِنَفْسِهِ وَنَفْعًا لَهُ بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي ذَاتِ اللَّهِ مَحْضًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ الْمَذْكُورَةِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَاللَّهِ إِنْ جَادَلَ بِهِنَّ إِلَّا عَنْ دِينِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ وَكَانَتْ النَّاسِ، وَاسْمُ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِ عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ سَبَأ وَأنَّهُ كَانَ عَلَى مِصْرَ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ وَقِيلَ: اسْمُهُ صَادُوقٌ وَحَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَكَانَ عَلَى الْأُرْدُنِ، وَقِيلَ: سِنَانُ بْنُ عُلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُرَيْجِ (١) بْنِ عِمْلَاقَ بْنِ لَاوِدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَيُقَالُ أنَّهُ أَخُو الضَّحَّاكِ الَّذِي مَلَكَ الْأَقَالِيمَ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي إِنَّ هُنَا رَجُلًا وَفِي كِتَابِ التِّيجَانِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ رَجُلٌ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَشْتَرِي مِنْهُ الْقَمْحَ فَنَمَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَهُ لِلْمَلِكِ أنِّي رَأَيْتُهَا تَطْحَنُ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي إِعْطَاءِ الْمَلِكِ لَهَا هَاجَرَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَخْدُمَ نَفْسَهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الطَّوِيلِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ يُوسُفَ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ يَعْنِي سورَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي وَالِدِ سَارَةَ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْمَهُ هَارَانُ فَقِيلَ: هُوَ مَلِكُ حَرَّانَ وَأنَّ إِبْرَاهِيمَ تَزَوَّجَهَا لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ إِلَى حَرَّانَ، وَقِيلَ: هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَالنَّقَّاشُ وَاسْتُبْعِدَ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ، وَتَوَافَقَ الِاسْمَانِ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ أَبِيهَا تَوْبَلَ.

قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. . إِلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَعْلَمَهَا بِذَلِكَ لِئَلَّا تُكَذِّبَهُ عِنْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، وَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا دَخَلَ

أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ فَأَتَاهُ فَقَالَ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، الْحَدِيثَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهَمَا بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَحَسَّ بِأَنَّ الْمَلِكَ سَيَطْلُبُهَا مِنْهُ فَأَوْصَاهَا بِمَا أَوْصَاهَا، فَلَمَّا وَقَعَ مَا حَسِبَهُ أَعَادَ عَلَيْهَا الْوَصِيَّةَ. وَاخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الظَّالِمَ يُرِيدُ اغْتِصَابهَا عَلَى نَفْسِهَا أُخْتًا كَانَتْ أَوْ زَوْجَةً، فَقِيلَ: كَانَ مِنْ دِينِ ذَلِكَ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ إِلَّا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ، كَذَا قِيلَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَتِمَّةٍ وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ دَفْعَ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ اغْتِصَابَ الْمَلِكِ إِيَّاهَا وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ إِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا فِي الْحَيَاةِ حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى قَتْلِهِ وَإِعْدَامِهِ أَوْ حَبْسِهِ وَإِضْرَارِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهَا أَخًا فَإِنَّ الْغَيْرَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَخِ خَاصَّةً لَا مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ فَلَا يُبَالِي بِهِ.

وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْ عَلِمَ أَنَّكِ امْرَأَتِي أَلْزَمَنِي بِالطَّلَاقِ، وَالتَّقْرِيرُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ جَاءَ صَرِيحًا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقِيلَ: كَانَ مِنْ دِينِ الْمَلِكِ أَنَّ الْأَخَ أَحَقُّ بِأَنْ تَكُونَ أُخْتُهُ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ هِيَ أُخْتِي اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْجَبَّارُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِيهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ هِيَ أُخْتِي وَأَنَا زَوْجُهَا فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ هِيَ أُخْتِي؟ وَأَيْضًا فَالْجَوَابُ إِنَّمَا يُفِيدُ لَوْ كَانَ الْجَبَّارُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَا أَنْ يَغْتَصِبَهَا نَفْسَهَا. وَذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَأْيِ الْجَبَّارِ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَقْتُلَ زَوْجَهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ هِيَ أُخْتِي، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَادِلًا خَطَبَهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرْجُو مُدَافَعَتَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا خَلَصَ مِنَ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ مِمَّا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا، وَهَذَا أُخِذَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ) يَشْكُلُ عَلَيْهِ كَوْنُ لُوطٍ كَانَ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَرْضِ الْأَرْضُ الَّتِي وَقَعَ لَهُ فِيهَا مَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ لُوطٌ إِذْ ذَاكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا ذَهَبَ يُنَاوِلُهَا يَدَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَلِكِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَغُطَّ هُوَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ اخْتَنَقَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ مَصْرُوعٌ، قِيلَ: الْغَطُّ صَوْتُ النَّائِمِ مِنْ شِدَّةِ النَّفْخِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فَغَطَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالصَّوَابُ ضَمُّهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ عُوقِبَ تَارَةً بِقَبْضِ يَدِهِ وَتَارَةً بِالصِرَاعِهِ. وَقَوْلُهُ: فَدَعَتْ مِنَ الدُّعَاءِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ: فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِهَا إِنْ كُنْتُ مَعَ كَوْنِهَا قَاطِعَةً بِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا ذَكَرَتْهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ هَضْمًا لِنَفْسِهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ لَهَا ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَيَّ، فَفَعَلَتْ. فِي رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يَقُولُوا هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ، قَالَ: فَأُرْسِلَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي.

قَوْلُهُ: (فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ حَاجِبٍ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ

الصَّرَعِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الْمُتَمَرِّدُ مِنَ الْجِنِّ، وَكَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْجِنِّ جِدًّا وَيَرَوْنَ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ الْخَوَارِقِ مِنْ فِعْلِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) أَيْ وَهَبَهَا لَهَا لِتَخْدُمَهَا لِأَنَّهُ أَعْظَمَهَا أَنْ تَخْدِمَ نَفْسَهَا. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي وَأَعْطِهَا آجَرَ، ذَكَرَهَا بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْهَاءِ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهِيَ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ، وَيُقَالُ إِنَّ أَبَاهَا كَانَ مِنْ مُلُوكِ الْقِبْطِ وَإِنَّهَا مِنْ حَفْنَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ بِمِصْرَ، قَالَ الْيَعْقُوبِيُّ: كَانَتْ مَدِينَةٌ انْتَهَى، وَهِيَ الْآنَ كَفْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلِصْنَا بِالْبَرِّ الشَّرْقِيِّ مِنَ الصَّعِيدِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَشْمُونَيْنِ، وَفِيهَا آثَارٌ عَظِيمَةٌ بَاقِيَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ) فِي رِوَايَةٍ الأعرج: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ.

قَوْلُهُ: (مَهْيَمْ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مَتهْيًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ مَهْيَنْ بِنُونٍ وَهِيَ بَدَلُ الْمِيمِ، وَكَأَنَّ الْمُسْتَمْلِيَ لَمَّا سَمِعَهَا بِنُونٍ ظَنَّهَا نُونَ تَنْوِينٍ، وَيُقَالُ أنَّ الْخَلِيلَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَمَعْنَاهَا مَا الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ: (رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ - أَوِ الْفَاجِرِ - فِي نَحْرِهِ) هَذَا مَثَلٌ تَقُولُهُ الْعَرَبُ لِمَنْ أَرَادَ أَمْرًا بَاطِلًا فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً، أَيْ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ، وَكَبَتَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ أَيْ رَدَّهُ خَاسِئًا، وَيُقَالُ أَصْلُهُ كَبَدَ أَيْ بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الدَّالُ مُثَنَّاةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَأَخْدَمَ مَعْطُوفًا عَلَى كَبَتَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَخْدَمَ هُوَ الْكَافِرُ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) كَأَن خَاطَبَ بِذَلِكَ الْعَرَبَ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِمْ لِلْفَلَوَاتِ الَّتِي بِهَا مَوَاقِعُ الْقَطْرِ لِأَجْلِ رَعْيِ دَوَابِّهِمْ، فَفِيهِ تَمَسُّكٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَاءِ السَّمَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْبَعَهَا لِهَاجَرَ فَعَاشَ وَلَدُهَا بِهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ أَوْلَادُهَا، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يُقَالُ لَهُ مَاءُ السَّمَاءِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَلَدُ هَاجَرَ وَقَدْ رُبِّيَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَهِيَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ.

وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نَسَبِهِمْ وَصَفَائِهِ فَأَشْبَهَ مَاءَ السَّمَاءِ وَعَلَى هَذَا فَلَا مُتَمَسِّكَ فِيهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِمَاءِ السَّمَاءِ عَامِرُ وَلَدُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ بُقْيَا بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْغِطْرِيفِ وَهُوَ جَدُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، قَالُوا: إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَحِطَ النَّاسُ أَقَامَ لَهُمْ مَالَهُ مَقَامَ الْمَطَرِ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِبَاحَةُ الْمَعَارِيضِ، وَالرُّخْصَةُ فِي الِانْقِيَادِ لِلظَّالِمِ وَالْغَاصِبِ، وَقَبُولُ صِلَةِ الْمَلِكِ الظَّالِمِ، وَقَبُولُ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَكِفَايَةُ الرَّبِّ لِمَنْ أَخْلَصَ فِي الدُّعَاءِ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ. وَفِيهِ ابْتِلَاءُ الصَّالِحِينَ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُقَالُ أنَّ اللَّهَ كَشَفَ لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى رَأَى حَالَ الْمَلِكِ مَعَ سَارَةَ مُعَايَنَةً وَأنَّهُ لَمْ يَصِلْ مِنْهَا إِلَى شَيْءٍ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي التِّيجَانِ وَلَفْظُهُ: فَأَمَرَ بِإِدْخَالِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَحَّى إِبْرَاهِيمَ إِلَى خَارِجِ الْقَصْرِ وَقَامَ إِلَى سَارَةَ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَصْرَ لِإِبْرَاهِيمَ كَالْقَارُورَةِ الصَّافِيَةِ فَصَارَ يَرَاهُمَا وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمَا، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَابَهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ مِنَ الْكَرْبِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مَشْرُوعًا لِلْأُمَمِ قَبْلَنَا وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا بِالْأَنْبِيَاءِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ سَارَةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ) كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ مَشَايِخِهِ - وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ عَنْهُ فَأَوْرَدَهُ هَكَذَا، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي أَمَاكِنَ عَدِيدَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) هُوَ ابْنُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَنيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ حِجَازِيُّونَ مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ فَصَاعِدًا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَأَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ.

قَوْلُهُ: (أُمِّ شَرِيكٍ) فِي رِوَايَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله