الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤١١
الحديث رقم ٣٤١١ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ يُقَالُ ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾ مِثْلُ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلِ الْعِيرَ يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ يُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا قَالَ الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا، يَأْيَسُ يَحْزَنُ ﴿آسَى﴾
⦗١٥٩⦘
أَحْزَنُ وَقَالَ الْحَسَنُ ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْكَةُ الْأَيْكَةُ ﴿يَوْم الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْغَمَامِ الْعَذَابَِ عَلَيْهِمْ.
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ كَظِيمٌ وَهُوَ مَغْمُومٌ
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَمَا تَقَدَّمَ.
(تَكْمِيلٌ):
زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّفَخَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعٌ:
الْأُولَى: نَفْخَةُ إِمَاتَةٍ يَمُوتُ فِيهَا مَنْ بَقِيَ حَيًّا فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ إِحْيَاءٍ يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ وَيُنْشَرُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ.
وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ فَزَعٍ وَصَعْقٍ يُفِيقُونَ مِنْهَا كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ.
وَالرَّابِعَةُ: نَفْخَةُ إِفَاقَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَشْيِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلْ هُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ، وَوَقَعَ التَّغَايُرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَمِعُهُمَا.
فَالْأُولَى: يَمُوتُ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُغْشَى عَلَى مَنْ لَمْ يَمُتْ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَعِيشُ بِهَا مَنْ مَاتَ وَيُفِيقُ بِهَا مَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ بِرَأْيِهِ لَا مَنْ يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ، أَوْ مَنْ يَقُولُهُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالتَّنَازُعِ، أَوِ الْمُرَادُ لَا تُفَضِّلُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلْمَفْضُولِ فَضِيلَةٌ، فَالْإِمَامُ مَثَلًا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَانِ، وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الذَّوَاتِ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّخْيِيرِ إِنَّمَا هِيَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ بِالْمُخَايَرَةِ، لِأَنَّ الْمُخَايَرَةَ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَ أَهْلِ دِينَيْنِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا إِلَى ازْدِرَاءٍ بِالْآخَرِ فَيُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُسْتَنِدًا إِلَى مُقَابَلَةِ الْفَضَائِلِ لِتَحْصِيلِ الرُّجْحَانِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شَهَادَةُ آدَمَ لِمُوسَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ.
(تَنْبِيهٌ):
: قَوْلُهُ: ثُمَّ تَلُومُنِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدَيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِ الْأُمَمِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ أُمَّةَ مُوسَى أَكْثَرُ الْأُمَمِ بَعْدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
٣٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
[الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ذِكْرُ آسِيَةَ وَهِيَ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ إِنَّهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى، وَقِيلَ إِنَّهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ، وَقِيلَ: ابْنَةُ عَمِّ فِرْعَوْنَ. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا مُفْرَدًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ) مُرَّةُ وَالِدُ عَمْرٍو غَيْرُ مُرَّةَ شَيْخِهِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجَمَلِيُّ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ - الْمُرَادِيُّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ
التَّابِعِينَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَطْعِمَةِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ، وَأَمَّا شَيْخُهُ مُرَّةُ فَهُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ أَيْضًا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ الطَّيِّبُ وَمُرَّةُ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (كَمُلَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَصْرِ عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّتَانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، فَلَوْ كَانَتَا غَيْرَ نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَلَّا يَكُونَ فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ وَلَا صِدِّيقَةٌ وَلَا شَهِيدَةٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُنَّ مَوْجُودَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُنَبَّأْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا فُلَانَةٌ وَفُلَانَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَمْ تَثْبُتْ صِفَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ أَوِ الْوِلَايَةِ أَوِ الشَّهَادَةِ إِلَّا لِفُلَانَةٍ وَفُلَانَةٍ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ كَمَالَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ تَقَدُّمِ زَمَانِهِ ﷺ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهِ إِلَّا لِعَائِشَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ فَضْلَ الثَّرِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَيْسِيرِ الْمُؤْنَةِ وَسُهُولَةِ الْإِسَاغَةِ، وَكَانَ أَجَلَّ أَطْعِمَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الْخِصَالِ لَا تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ لَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَحَدِ رُوَاتِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ آسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنٍ لَيْسَتْ نَبِيَّةً، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ قَوْلُهُ ﷺ لَهَا إِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ مَزِيدِ بَسْطٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّرِيدِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَأَمَّا آسِيَةُ فَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْكَمَالِ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهَا لِأَنَّهُ يُطْلَقُ لِتَمَامِ الشَّيْءِ وَتَنَاهِيهِ فِي بَابِهِ، فَالْمُرَادُ بُلُوغُهَا النِّهَايَةَ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لِلنِّسَاءِ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ النِّسَاءِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ نُبِّئَ وَهُنَّ سِتٌّ: حَوَّاءُ وَسَارَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَهَاجَرُ وَآسِيَةُ وَمَرْيَمُ، وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمٍ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ بِإِعْلَامٍ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيٌّ، وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَحْدُثِ التَّنَازُعُ فِيهَا إِلَّا فِي عَصْرِهِ بِقُرْطُبَةَ، وَحَكَى عَنْهُمْ أَقْوَالًا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ، قَالَ: وَحُجَّةُ الْمَانِعِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ قَالَ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ فِيهِنَّ الرِّسَالَةَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي النُّبُوَّةِ فَقَطْ. قَالَ: وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ مَرْيَمَ، وَفِي قِصَّةِ أُمِّ مُوسَى مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهَا مِنْ مُبَادَرَتِهَا
بِإِلْقَاءِ وَلَدِهَا فِي الْبَحْرِ بِمُجَرَّدِ الْوَحْيِ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ فَضَائِلِ آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا اخْتَارَتِ الْقَتْلَ عَلَى الْمُلْكِ وَالْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا عَلَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَكَانَتْ فِرَاسَتُهَا فِي مُوسَى ﵇ صَادِقَةً حِينَ قَالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾
٣٣ - بَاب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ
﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ) هُوَ قَارُونُ بْنُ يصفد بْنِ يصهر ابْنِ عَمِّ مُوسَى، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى قَالَ: وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، النَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ بَغْيِ قَارُونَ فَقِيلَ: الْحَسَدُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ذَهَبَ مُوسَى وَهَارُونُ بِالْأَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ. وَقِيلَ إنَّهُ وَاطَأَ امْرَأَةً مِنَ الْبَغَايَا أَنْ تَقْذِفَ مُوسَى بِنَفْسِهَا فَأَلْهَمَهَا اللَّهُ أَنِ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ الْكِبْرُ لِأَنَّهُ طَغَى بِكَثْرَةِ مَالِهِ. وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ حَتَّى زَادَتْ عَلَى قَامَتِهِ شِبْرًا.
قَوْلُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتَثْقُلَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ يَقُولُ تَثْقُلُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وَاخْتُلِفَ فِي الْعُصْبَةِ فَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أَيِ الْمَرِحِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْطَرُونَ فَلَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَيْكَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْبَبْ … وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرّ
وَذَهَبَ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّ وَيْ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَكَأَنَّ حَرْفُ تَشْبِيهٍ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ هِيَ كَلِمَةٌ مَوْصُولَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُوَسِّعُ وَيُكْثِرُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيَقْدِرُ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَيْ ضَاقَ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِلَّا هَذِهِ الْآثَارَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مُوسَى يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَارُونَ فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ مُوسَى يَقُولُ: مَنْ زَنَى رُجِمَ، فَتَعَالَوْا نَجْعَلُ لِبَغِيٍّ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ إِنَّ مُوسَى فَعَلَ بِهَا فَيُرْجَمُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا خَطَبَهُمْ مُوسَى قَالُوا لَهُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا. فَقَالُوا: فَقَدْ زَنَيْتَ، فجزع، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَرْأَةِ فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا مُوسَى، وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا صَدَقَتْ، فَأَقَرَّتْ بِالْحَقِّ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا يَبْكِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ
فَأْمُرْهَا بِمَا شِئْتَ، فَأَمَرَهَا فَخَسَفَتْ بِقَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ.
وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ قَارُونَ أَنَّهُ حَصَّلَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا حَتَّى قِيلَ: كَانَتْ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ كَانَتْ مِنْ جُلُودٍ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا وَكَانَ يَسْكُنُ تِنِّيسَ، فَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزَ الْحَرُورِيَّ ظَفِرَ بِبَعْضِ كُنُوزِ قَارُونَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى تِنِّيسَ، فَلَمَّا مَاتَ تَأَمَّرَ ابْنُهُ عَلِيٌّ مَكَانَهُ وَتَوَرَّعَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ إِنِّي اسْتَطَيبْتُ لَكَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَخُذْهَا فَقَالَ: أَنَا تَرَكْتُ الْكَثِيرَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطِبْ لِي فَكَيْفَ آخُذُ هَذَا الْقَلِيلَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا.
٣٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلْ الْعِيرَ، يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَأَهْلَ الْعِيرِ. ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. يُقَالُ: إِذَا لَمْ تقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ حَاجَتِي، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا. قَالَ: الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. يَغْنَوْا يَعِيشُوا. يأْيسَ: يحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ: الْأَيْكَةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْغَمَامِ: الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ هُوَ شُعَيْبُ بْنُ ميكيل بْنِ يشجر بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَثْبُتُ. وَقِيلَ: يشجر بْنُ عنقا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صفور بْنِ عنقا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ. وَكَانَ مَدْيَنُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُحْرِقَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدٍ، فَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَنَزِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ فَقَالَ: نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ رَهْطُ شُعَيْبٍ وَأَخْتَانُ مُوسَى. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ.
قَوْلُهُ: (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ - وَاسْأَلِ الْعِيرَ) يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا قَالَ: الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أَيْ أَلْقَيْتُمُوهُ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ فَلَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَتَقُولُ لِلَّذِي لَا يَقْضِي حَاجَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَهَا ظِهْرِيَّةً، أَيْ خَلْفَ ظَهْرِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا بَنِي الْبَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ
أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ بِهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) هَكَذَا وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَكَانَتِكُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ ثُمَّ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس فِي قَوْلِهِ: مَكَانَتِهِمْ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، قَالَ: وَالْمَغْنَى الدَّارُ، الْجَمْعُ مَغَانِي، يَغنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: فَكَيْفَ آسَى أَيْ أَحْزَنُ وَأَنْدَمُ وَأَتَوَجَّعُ الْأَسَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ يحْزَنْ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَمَا تَقَدَّمَ.
(تَكْمِيلٌ):
زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّفَخَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعٌ:
الْأُولَى: نَفْخَةُ إِمَاتَةٍ يَمُوتُ فِيهَا مَنْ بَقِيَ حَيًّا فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ إِحْيَاءٍ يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ وَيُنْشَرُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ.
وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ فَزَعٍ وَصَعْقٍ يُفِيقُونَ مِنْهَا كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ.
وَالرَّابِعَةُ: نَفْخَةُ إِفَاقَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَشْيِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلْ هُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ، وَوَقَعَ التَّغَايُرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَمِعُهُمَا.
فَالْأُولَى: يَمُوتُ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُغْشَى عَلَى مَنْ لَمْ يَمُتْ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَعِيشُ بِهَا مَنْ مَاتَ وَيُفِيقُ بِهَا مَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ بِرَأْيِهِ لَا مَنْ يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ، أَوْ مَنْ يَقُولُهُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالتَّنَازُعِ، أَوِ الْمُرَادُ لَا تُفَضِّلُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلْمَفْضُولِ فَضِيلَةٌ، فَالْإِمَامُ مَثَلًا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَانِ، وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الذَّوَاتِ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّخْيِيرِ إِنَّمَا هِيَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ بِالْمُخَايَرَةِ، لِأَنَّ الْمُخَايَرَةَ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَ أَهْلِ دِينَيْنِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا إِلَى ازْدِرَاءٍ بِالْآخَرِ فَيُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُسْتَنِدًا إِلَى مُقَابَلَةِ الْفَضَائِلِ لِتَحْصِيلِ الرُّجْحَانِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شَهَادَةُ آدَمَ لِمُوسَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ.
(تَنْبِيهٌ):
: قَوْلُهُ: ثُمَّ تَلُومُنِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدَيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِ الْأُمَمِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ أُمَّةَ مُوسَى أَكْثَرُ الْأُمَمِ بَعْدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
٣٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
[الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ذِكْرُ آسِيَةَ وَهِيَ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ إِنَّهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى، وَقِيلَ إِنَّهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ، وَقِيلَ: ابْنَةُ عَمِّ فِرْعَوْنَ. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا مُفْرَدًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ) مُرَّةُ وَالِدُ عَمْرٍو غَيْرُ مُرَّةَ شَيْخِهِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجَمَلِيُّ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ - الْمُرَادِيُّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ
التَّابِعِينَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَطْعِمَةِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ، وَأَمَّا شَيْخُهُ مُرَّةُ فَهُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ أَيْضًا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ الطَّيِّبُ وَمُرَّةُ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (كَمُلَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَصْرِ عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّتَانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، فَلَوْ كَانَتَا غَيْرَ نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَلَّا يَكُونَ فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ وَلَا صِدِّيقَةٌ وَلَا شَهِيدَةٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُنَّ مَوْجُودَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُنَبَّأْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا فُلَانَةٌ وَفُلَانَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَمْ تَثْبُتْ صِفَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ أَوِ الْوِلَايَةِ أَوِ الشَّهَادَةِ إِلَّا لِفُلَانَةٍ وَفُلَانَةٍ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ كَمَالَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ تَقَدُّمِ زَمَانِهِ ﷺ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهِ إِلَّا لِعَائِشَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ فَضْلَ الثَّرِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَيْسِيرِ الْمُؤْنَةِ وَسُهُولَةِ الْإِسَاغَةِ، وَكَانَ أَجَلَّ أَطْعِمَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الْخِصَالِ لَا تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ لَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَحَدِ رُوَاتِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ آسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنٍ لَيْسَتْ نَبِيَّةً، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ قَوْلُهُ ﷺ لَهَا إِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ مَزِيدِ بَسْطٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّرِيدِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَأَمَّا آسِيَةُ فَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْكَمَالِ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهَا لِأَنَّهُ يُطْلَقُ لِتَمَامِ الشَّيْءِ وَتَنَاهِيهِ فِي بَابِهِ، فَالْمُرَادُ بُلُوغُهَا النِّهَايَةَ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لِلنِّسَاءِ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ النِّسَاءِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ نُبِّئَ وَهُنَّ سِتٌّ: حَوَّاءُ وَسَارَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَهَاجَرُ وَآسِيَةُ وَمَرْيَمُ، وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمٍ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ بِإِعْلَامٍ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيٌّ، وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَحْدُثِ التَّنَازُعُ فِيهَا إِلَّا فِي عَصْرِهِ بِقُرْطُبَةَ، وَحَكَى عَنْهُمْ أَقْوَالًا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ، قَالَ: وَحُجَّةُ الْمَانِعِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ قَالَ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ فِيهِنَّ الرِّسَالَةَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي النُّبُوَّةِ فَقَطْ. قَالَ: وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ مَرْيَمَ، وَفِي قِصَّةِ أُمِّ مُوسَى مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهَا مِنْ مُبَادَرَتِهَا
بِإِلْقَاءِ وَلَدِهَا فِي الْبَحْرِ بِمُجَرَّدِ الْوَحْيِ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ فَضَائِلِ آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا اخْتَارَتِ الْقَتْلَ عَلَى الْمُلْكِ وَالْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا عَلَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَكَانَتْ فِرَاسَتُهَا فِي مُوسَى ﵇ صَادِقَةً حِينَ قَالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾
٣٣ - بَاب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ
﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ) هُوَ قَارُونُ بْنُ يصفد بْنِ يصهر ابْنِ عَمِّ مُوسَى، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى قَالَ: وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، النَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ بَغْيِ قَارُونَ فَقِيلَ: الْحَسَدُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ذَهَبَ مُوسَى وَهَارُونُ بِالْأَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ. وَقِيلَ إنَّهُ وَاطَأَ امْرَأَةً مِنَ الْبَغَايَا أَنْ تَقْذِفَ مُوسَى بِنَفْسِهَا فَأَلْهَمَهَا اللَّهُ أَنِ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ الْكِبْرُ لِأَنَّهُ طَغَى بِكَثْرَةِ مَالِهِ. وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ حَتَّى زَادَتْ عَلَى قَامَتِهِ شِبْرًا.
قَوْلُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتَثْقُلَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ يَقُولُ تَثْقُلُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وَاخْتُلِفَ فِي الْعُصْبَةِ فَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أَيِ الْمَرِحِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْطَرُونَ فَلَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَيْكَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْبَبْ … وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرّ
وَذَهَبَ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّ وَيْ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَكَأَنَّ حَرْفُ تَشْبِيهٍ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ هِيَ كَلِمَةٌ مَوْصُولَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُوَسِّعُ وَيُكْثِرُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيَقْدِرُ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَيْ ضَاقَ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِلَّا هَذِهِ الْآثَارَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مُوسَى يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَارُونَ فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ مُوسَى يَقُولُ: مَنْ زَنَى رُجِمَ، فَتَعَالَوْا نَجْعَلُ لِبَغِيٍّ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ إِنَّ مُوسَى فَعَلَ بِهَا فَيُرْجَمُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا خَطَبَهُمْ مُوسَى قَالُوا لَهُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا. فَقَالُوا: فَقَدْ زَنَيْتَ، فجزع، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَرْأَةِ فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا مُوسَى، وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا صَدَقَتْ، فَأَقَرَّتْ بِالْحَقِّ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا يَبْكِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ
فَأْمُرْهَا بِمَا شِئْتَ، فَأَمَرَهَا فَخَسَفَتْ بِقَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ.
وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ قَارُونَ أَنَّهُ حَصَّلَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا حَتَّى قِيلَ: كَانَتْ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ كَانَتْ مِنْ جُلُودٍ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا وَكَانَ يَسْكُنُ تِنِّيسَ، فَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزَ الْحَرُورِيَّ ظَفِرَ بِبَعْضِ كُنُوزِ قَارُونَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى تِنِّيسَ، فَلَمَّا مَاتَ تَأَمَّرَ ابْنُهُ عَلِيٌّ مَكَانَهُ وَتَوَرَّعَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ إِنِّي اسْتَطَيبْتُ لَكَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَخُذْهَا فَقَالَ: أَنَا تَرَكْتُ الْكَثِيرَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطِبْ لِي فَكَيْفَ آخُذُ هَذَا الْقَلِيلَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا.
٣٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلْ الْعِيرَ، يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَأَهْلَ الْعِيرِ. ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. يُقَالُ: إِذَا لَمْ تقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ حَاجَتِي، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا. قَالَ: الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. يَغْنَوْا يَعِيشُوا. يأْيسَ: يحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ: الْأَيْكَةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْغَمَامِ: الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ هُوَ شُعَيْبُ بْنُ ميكيل بْنِ يشجر بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَثْبُتُ. وَقِيلَ: يشجر بْنُ عنقا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صفور بْنِ عنقا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ. وَكَانَ مَدْيَنُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُحْرِقَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدٍ، فَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَنَزِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ فَقَالَ: نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ رَهْطُ شُعَيْبٍ وَأَخْتَانُ مُوسَى. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ.
قَوْلُهُ: (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ - وَاسْأَلِ الْعِيرَ) يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا قَالَ: الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أَيْ أَلْقَيْتُمُوهُ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ فَلَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَتَقُولُ لِلَّذِي لَا يَقْضِي حَاجَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَهَا ظِهْرِيَّةً، أَيْ خَلْفَ ظَهْرِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا بَنِي الْبَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ
أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ بِهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) هَكَذَا وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَكَانَتِكُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ ثُمَّ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس فِي قَوْلِهِ: مَكَانَتِهِمْ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، قَالَ: وَالْمَغْنَى الدَّارُ، الْجَمْعُ مَغَانِي، يَغنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: فَكَيْفَ آسَى أَيْ أَحْزَنُ وَأَنْدَمُ وَأَتَوَجَّعُ الْأَسَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ يحْزَنْ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾