الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٤
الحديث رقم ٣٤٤ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٧٧⦘
النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ».
بَابٌ: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوَاحِدِ النَّوَافِلُ مَعَ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ﵀ يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الْفَرِيضَةِ. وَشَذَّ شُرَيْحٌ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِذَا صَحَّتِ النَّوَافِلُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَحَّتِ الْفَرَائِضُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَرَائِضِ مُشْتَرَطٌ لِلنَّوَافِلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. انْتَهَى.
وَقَدِ اعْتَرَفَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قَالَ: لَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ أَيْ مَا لَمْ تُحْدِثْ أَوْ تَجِدِ الْمَاءَ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ مِنْ أَجْلِهَا وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى وَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَالسَّبَخَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَاتٍ هِيَ الْأَرْضُ الْمَالِحَةُ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْبِتُ، وَإِذَا وَصَفْتَ الْأَرْضَ قُلْتَ هِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ، وَأَمَّا الصَّعِيدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ اشْتِرَاطُ التُّرَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُقَالُ مَسَحَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ مِنْهُ جُزْءًا، وَهَذِهِ صِفَةُ التُّرَابِ لَا صِفَةُ الصَّخْرِ مَثَلًا الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْهُ صِلَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَسُّفٌ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْتُ بِرَأْسِي مِنَ الدُّهْنِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ. قُلْتُ: هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ الْمِرَاءِ. انْتَهَى. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبِخَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ قَالَ: وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبِخَةَ دَاخِلَةٌ فِي الطَّيِّبِ، وَلَمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ "لَا ضَيْرَ" أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا
عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقال النبي ﷺ: "اجْمَعُوا لَهَا" فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَاسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ".
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: صَبَأَ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: "الصَّابِئِينَ- وفي نسخة الصابئون- فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ".
[الحديث ٣٤٤ - طرفاه في ٣٥٧١، ٣٤٨]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ ابْنُ مُسَرْهَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَعَوْفٌ بِالْفَاءِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ كُلُّهمْ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّفَرِ: فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا فَنَزَلَ فَقَالَ مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا الْحَدِيثَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مُطَوَّلًا وَالْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاةِ قِصَّةَ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَيْضًا فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ غَزْوَةَ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ هِيَ غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ غَزْوَةً أُخْرَى غَيْرَ غَزْوَةِ
مُؤْتَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، أَعْنِي نَوْمَهُمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكُونَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَامَ، وَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَأَيْضًا فَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَيْقَظَهُ عُمَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي الْقِصَّتَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُغَايَرَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي كُنْتُ شَاهِدًا الْقِصَّةَ. قَالَ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا. لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِمْرَانُ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِالْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ اخْتِلَافُ مَوَاطِنِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ اسْمَ طَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِتَعْيِينِ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ شَبِيهًا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ذِي مِخْبَرٍ أَيْضًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَسْرَيْنَا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ بِمَعْنَى إِذَا سِرْتُ لَيْلًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ السُّرَى سَيْرُ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَقِيلَ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ.
قَوْلُهُ: (وَقَعْنَا وَقْعَةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَهُوَ سُؤَالُ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا أُوقِظُهُمْ
قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) بِنَصْبِ أَوَّلَ ; لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَقَوْلُهُ الرَّابِعُ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَ عَوْفٌ أَنَّهُ نَسِيَ تَسْمِيَةَ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُسَمِّيهِمْ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدُهُ سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ فَسَمَّى أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ. وَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِمْرَانَ رَاوِيَ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ مَنْ شَارَكَ عِمْرَانَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ ذُو مِخْبَرٍ: فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجِئْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ، وَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ مِنَ الْوَحْيِ، كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ إِيقَاظِهِ قَطْعَ الْوَحْيِ فَلَا يُوقِظُونَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَمْرِ الْأَعَمِّ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا) هُوَ مِنَ الْجَلَادَةِ بِمَعْنَى الصَّلَابَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ هُنَا أَجْوَفُ أَيْ رَفِيعُ الصَّوْتِ، يَخْرُجُ صَوْتُهُ مِنْ جَوْفِهِ بِقُوَّةٍ. وَفِي اسْتِعْمَالِهِ التَّكْبِيرَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَخَصَّ التَّكْبِيرَ ; لِأَنَّهُ أَصْلُ الدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي أَصَابَهُمْ) أَيْ مِنْ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا.
قَوْلُهُ: (لَا ضَيْرَ) أَيْ لَا ضَرَرَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَا يُضِيرُ شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَا يَسُوءُ
وَلَا يُضِيرُ وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِقُلُوبِ الصَّحَابَةِ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا بِأَنَّهُمْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ارْتَحِلُوا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَغَافُلٍ أَوْ اسْتِهَانَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّبَبَ فِي الْأَمْرِ بِالِارْتِحَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، بَلْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى وَجَدُوا حَرَّ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِهَا، وَقِيلَ تَحَرُّزًا مِنَ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ انْتِظَارًا لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ غَفْلَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ لِيَسْتَيْقِظَ مَنْ كَانَ نَائِمًا وَيَنْشَطَ مَنْ كَانَ كَسْلَانًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَدِيثَ مَدَنِيٌّ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ؟ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ النَّوْمِ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي قَالَ النَّوَوِيُّ: لَهُ جَوَابَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ: حَالٌ كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ لَا يَنَامُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَحَالٌ يَنَامُ فِيهِ قَلْبُهُ وَهُوَ نَادِرٌ، فَصَادَفَ هَذَا أَيْ قِصَّةَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ قَلْبُهُ ﷺ إِذْ ذَاكَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ، كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ ﷺ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ، وَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَيَانَ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ، فَفِي النَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَلَى أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ، مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَنَامُ قَلْبِي أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالَةُ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْرِقُ بِالنَّوْمِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْحَدَثُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ قَائِلَ هَذَا أَرَادَ تَخْصِيصَ يَقَظَةِ الْقَلْبِ بِإِدْرَاكِ حَالَةِ الِانْتِقَاضِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي خَرَجَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ وَهَذَا كَلَامٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْوِتْرِ فَتُحْمَلُ يَقَظَتُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْيَقَظَةِ لِلْوِتْرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِي النَّوْمِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالْيَقَظَةِ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ وَلَا إِشْكَالَ فِي حَدِيثِ النَّوْمِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطْمَأَنَّ فِي نَوْمِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ تَعَبُ السَّيْرِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ بِكِلَاءَةِ الْفَجْرِ. اهـ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُحَصَّلُهُ تَخْصِيصُ الْيَقَظَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِإِدْرَاكِهِ وَقْتَ الْوِتْرِ إِدْرَاكًا مَعْنَوِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَأَنَّ نَوْمَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَ نَوْمًا مُسْتَغْرِقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بِلَالٍ لَهُ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَوْمَ بِلَالٍ كَانَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ السِّيَاقُ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ.
وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ
الضَّعِيفَةِ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ قَلْبُهُ يَقْظَانًا وَعَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَكِنْ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ النَّوْمِ عَنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ كَمَا يَطْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ حَقٌّ وَوَحْيٌ. فَهَذِهِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةِ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَيَخْرُجُ عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ فِي مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ فِي سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِارْتِحَالَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ.
قَوْلُهُ: (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّدَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْأَذَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِالتَّأْذِينِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ. وَتَرْجَمَ لَهُ خَاصَّةً بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو رِفَاعَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ رِوَايَةٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِتَقَدُّمِ وَقْعَةَ بَدْرٍ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِلَا خِلَافٍ، فَكَيْفَ يَحْضُرُ هَذِهِ الْقِصَّةَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَهُ رِوَايَةٌ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مُنْقَطِعَةً، أَوْ مُتَّصِلَةً لَكِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَنَحْوُهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ إِلَّا أَنْ تَجِيءَ رِوَايَةٌ عَنْ تَابِعِيٍّ غَيْرِ مُخَضْرَمٍ وَصَرَّحَ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا إِنْ وَرَدَتْ رِوَايَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ مَعِي أَوْ مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ عُذْرِهِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَفِيهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ أَصْلًا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَسْأَلَ فَاعِلَهُ عَنِ الْحَالِ فِيهِ لِيُوَضِّحَ لَهُ وَجْهَ الصَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ تَرْكَ الشَّخْصِ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَعِيبٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفِيهِ حُسْنُ الْمُلَاطَفَةِ، وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْكَارِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) وَفِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي الْبَيَانِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِفْهَامِ ; لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الْآيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِهَا. وَدَلَّ قَوْلُهُ يَكْفِيكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمرَادُ بِقَوْلِهِ يَكْفِيكَ أَيْ لِلْأَدَاءِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا فُلَانًا) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ
زَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ عَجَّلَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فَقَطْ ; لِأَنَّهُمَا خُوطِبَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ لَهُمَا فَيُتَّجَهُ إِطْلَاقُ لَفْظِ رَكْبٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَخُصَّا بِالْخِطَابِ ; لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ بِالْإِرْسَالِ.
قَوْلُهُ: (فَابْتَغِيَا) لِلْأَصِيلِيِّ فَابْغِيَا وَلِأَحْمَدَ فَأَبْغِيَانَا وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ يُقَالُ ابْتَغِ الشَّيْءَ أَيْ تَطَلَّبْهُ، وَابْغِ الشَّيْءَ أَيِ اطْلُبْهُ، وَأَبْغِنِي أَيِ اطْلُبْ لِي. وَفِيهِ الْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ دُونَ الْوُقُوفِ عِنْدَ خَرْقِهَا، وَأَنَّ التَّسَبُّبَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) الْمَزَادَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ كَبِيرَةٌ يُزَادُ فِيهَا جِلْدٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَأَوْ هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ لِخُلُوِّ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ - أَيْ مُدَلِّيَةٍ - رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرَّاوِيَةُ.
قَوْلُهُ: (أَمْسِ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَهَذِهِ السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: أَصْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ بَعْدَ حَذْفِ فِي.
قَوْلُهُ: (وَنَفَرْنَا) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ النَّفَرُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ النَّفَرُ النَّاسُ عَنْ كَرَاعٍ. قُلْتُ: وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا ; لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ رِجَالَهَا تَخَلَّفُوا لِطَلَبِ الْمَاءِ. وَخُلُوفٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ جَمْعُ خَالِفٍ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْخَالِفُ الْمُسْتَقِي، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ غَابَ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، أَيْ أَنَّ رِجَالَهَا غَابُوا عَنِ الْحَيِّ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا وَنَفَرْنَا خُلُوفٌ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً زَائِدَةً عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَنَفَرْنَا خُلُوفًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (الصَّابِي) بِلَا هَمْزٍ أَيِ الْمَائِلُ، وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ مِنْ صَبَأَ صُبُوءًا، أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَا لَهَا لَا لَفَاتَ الْمَقْصُودُ، أَوْ نَعَمْ لَمْ يَحْسُنْ بِهِمَا إِذْ فِيهِ تَقْرِيرٌ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَا أَحْسَنَ تَخَلُّصٍ. وَفِيهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ (١) عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّمَا أَخَذُوهَا وَاسْتَجَازُوا أَخْذَ مَائِهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً حَرْبِيَّةً، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَهْدٌ فَضَرُورَةُ الْعَطَشِ تُبِيحُ لِلْمُسْلِمِ الْمَاءَ الْمَمْلُوكَ لِغَيْرِهِ عَلَى عِوَضٍ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّارِعِ تُفْدَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَّغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَتَّضِحُ الْحِكْمَةُ فِي رَبْطِ الْأَفْوَاهِ بَعْدَ فَتْحِهَا، وَإِطْلَاقِ الْأَفْوَاهِ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مَزَادَةٍ سِوَى فَمٍ وَاحِدٍ، وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْبَرَكَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِمُشَارَكَةِ رِيقِهِ الطَّاهِرِ الْمُبَارَكِ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْكَأَ) أَيْ رَبَطَ، وَقَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ) أَيْ فَتَحَ وَالْعَزَالِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا جَمْعُ عَزْلَاءَ بِإِسْكَانِ الزَّايِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ، وَلِكُلِّ مَزَادَةٍ عِزَالَانِ مِنْ أَسْفَلِهَا.
قَوْلُهُ: (أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مِنْ أَسْقَى، أَوْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ سَقَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ سَقَوْا غَيْرَهَمْ كَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا وَاسْتَقَوْا هُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى) بِنَصْبِ آخِرَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْ أَعْطَى اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ أَعْطَى الْخَبَرُ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْرِفَةٌ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَصْلَحَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِتَأْخِيرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا عَمَّنْ سَقَى وَاسْتَقَى، وَلَا يُقَالُ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ غَيْرِ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ لَمْ تَكُنْ
مُحْتَاجَةً إِذْ ذَاكَ إِلَى السَّقْيِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فَسَقَى عَلَى غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ أَصْلُهُ ايْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ وَلَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَفِيهَا لُغَاتٌ جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَبَلَغَ بِهَا غَيْرُهُ عِشْرِينَ، وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَةٌ لِبَيَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ مِلْأَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَمْلَأُ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لَهَا) فِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْمُحْتَاجِ بِرِضَا الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ تَعَيَّنَ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْهِبَاتِ وَالْإِبَاحَاتِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنَ الْمُعْطِي وَالْآخِذِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَسَوِيقَةٍ) الْعَجْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالسَّوِيقَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَذَا الدَّقِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ كَثِيرًا وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَجْوَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَهَا تَعَلَّمِينَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ اعْلَمِي، وَلِلْأَصِيلِيِّ قَالُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عَلَمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَا رَزِئْنَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ أَيْ نَقَصْنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَاءِ مِمَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْجَدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَائِهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُخْتَلِطًا، وَهَذَا أَبْدَعُ وَأَغْرَبُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا نَقَصْنَا مِنْ مِقْدَارِ مَائِكِ شَيْئًا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا النَّجَاسَةَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّكَرُّمِ وَالتَّفَضُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا) أَيْ أَشَارَتْ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (يُغِيرُونَ) بِالضَّمِّ مِنْ أَغَارَ أَيْ دَفَعَ الْخَيْلَ فِي الْحَرْبِ.
قَوْلُهُ: (الصِّرْمَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْيَاتًا مُجْتَمِعَةً مِنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا) هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَا مَوْصُولَةٌ، وَأَرَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَكُمْ عَمْدًا لَا غَفْلَةً وَلَا نِسْيَانًا، بَلْ مُرَاعَاةً لِمَا سَبَقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ فِي مُرَاعَاةِ الصُّحْبَةِ الْيَسِيرَةِ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ سَبَبًا لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَدْرِي يَعْنِي رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ: وَمَا مَوْصُولَةٌ وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا نَافِيَةٌ وَأَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ. وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَإِنَّ بِالْكَسْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا أَعْلَمُ حَالَكُمْ فِي تَخَلُّفِكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا.
وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْكُفَّارِ بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ رِقَّ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ فِي الرِّقِّ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا فَكَيْفَ وَقَعَ إِطْلَاقُهَا وَتَزْوِيدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: أُطْلِقَتْ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ الَّذِي جَرَّ دُخُولَ قَوْمِهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ عَهْدٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيَحْتَاجُ
إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ احْتِمَالًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ بِثَمَنٍ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِعْطَائِهَا مَا ذَكَرَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَقَوَّمَةٌ، وَالْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَضَمَانُ الْمِثْلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ. وَيَنْعَكِسُ مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا يَجِبُ الْعِوَضُ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ جَوَازُ طَعَامِ الْمُخَارَجَةِ ; لِأَنَّهُمْ تَخَارَجُوا فِي عِوَضِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَبَأَ. . . إِلَخْ) هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: صَبَأَ فُلَانٌ: انْخَلَعَ. وَأَصْبَأَ، أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ. . . إِلَخْ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ عَمِّ نُوحٍ ﵇. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أُصِبْ أَمَلْ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّابِئِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّابِئِ الْمَنْسُوبِ لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُعَنِّفْ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ. . . إِلَخْ) مُرَادُهُ إِلْحَاقُ خَوْفِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِخَوْفِ الْعَطَشِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، لَكِنْ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا وَهُوَ أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ فِي الْقِصَّةِ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَقُلْ تَيَمَّمَ، وَقَالَ فِيهِ لَوِ اغْتَسَلْتُ مِتُّ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ فِيهَا فَتَيَمَّمَ. انْتَهَى. وَرَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، وَالسِّيَاقُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَوْهَمَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَلَا الْآيَةَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلَاهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي.
وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعَنِّفْ) حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ لَمْ يَلُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرًا، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ بِزِيَادَةِ هَاءِ الضَّمِيرِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي
الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ
كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ ﷺ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) ﵁ (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ﷺ) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله ﵊: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) ﵊ (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره ﵊ بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع
حضور (١) الشَّيطان فيه كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) ﵊ ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالوَضُوءِ) بفتح الواو (٢) (فَتَوَضَّأَ) ﷺ وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذِّن بها كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر (٣) «المواقيت» [خ¦٥٩٥] (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ) أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) أي: موجودٌ بالكليَّة، و «ماءَ» بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ، أي: معي، تعقَّبه العينيُّبأنَّ كلمة «لا» لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس» فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ» أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له (قَالَ) ﵊: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وفي رواية سَلْم (٤) بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره (٥) أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ) ﵊ (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: «ونسيه» (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) ﵊ لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من
الابتغاء، وللأَصيليِّ: «فابغيا» وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ، أي: فاطلبا (المَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح (١) أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو (٢) عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط «من ماءٍ» عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَالمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ (٣) فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأ و «بالماء» متعلِّقٌ به، و «أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس» بدلُ بعضٍ من كلٍّ، أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ، أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة» فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي» لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمسُ» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و «أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر، أي: عهدي متلبِّسٌ (٤) بالماء في أمس، ولم يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ «عهدي» -كما مرَّ- قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ «العهد» مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ. انتهى.
(وَنَفَرُنَا) أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب (٥)، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييعلى الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ، أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]
بالنَّصب (١)، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه؟! قال: والأوجه ما قاله الكِرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: «خُلُوفٌ» بالرَّفع خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟!) بالهمز، من صبأ؛ أي (٣): خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَىبتسهيله (٤) ياءً من: صبا يصبو إذا مال (٥)، أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ لكونه ﵊ كان (٦) صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى (٧) رسول الله» (ﷺ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما (وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) ﵊، من التَّفريغ (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفرغ» من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِالمَزَادَتَيْنِ) جمع في موضع التَّثنية على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]
(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ) أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المُهمَلة والزَّايِ وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتحالياء، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّايِ والمدِّ، أي: فم المزادتين (١) الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان (٢) من أسفلها (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ من «سقى» فتُكسَر، أو قطعٍ من «أسقى» فتُفتَح، أي: اسقوا غيركم (٣) كالدَّوابِّ (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سَقَى) ولابن عساكر: «فسقى من شاء» (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من (٤) سقى» لأنَّه (٥) لنفسه، و «سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و «استقى» (٦) قِيلَ: بمعنى سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته (٧) لماشيته (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: (أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ) (٨) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما
أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنَّها كانت كافرةً حربيَّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلَّا فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: قَسَمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة، أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً (١)) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ، أي: امتلاءً (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم (٢) آياته وباهر دلائل (٣) نبوَّته ﷺ، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا (٤) واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين (٥)، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها (٦) أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي روايةٍ: «ما بين» (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أوَّلهما، ولكريمة: «ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ» بضمِّهما (٧) مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و «الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال (٨) الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ) أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: «فجعلوها» أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله ﷺ، وللأَصيليِّ: «قالوا لها» أي: الصَّحابة بأمره ﷺ (تَعْلَمِينَ)
بفتح التَّاء (١) وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في فرع «اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من «باب عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام (٢)، أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ، أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه (٣) من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمز، ولابن عساكر: «سقانا» (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» (مَا) وللأَصيليِّ: «فقالوا لها: ما» (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ) أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: «إلى (٤) هذا الرَّجل الذي» (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان (٥) المناسب التَّعبير بـ «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض (وَقَالَتْ) أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه (٦) يُشار بهما (٧) عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة لأنَّها (٨) يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي) أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ﷺ (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقّ، فآمنت بعد ذلك (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: «بعد يُغيرون» بضمِّ الياء من «أغار»، ويجوز فتحها من «غار» وهو قليلٌ (٩) (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها
(فَقَالَتْ) أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي أعتقد (١) (أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال (٢)، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا (٣) ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: «ما أَرى هؤلاء» بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: «ما أُرى» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ «إن هؤلاءِ» بكسر الهمزة، كذا في الفرع، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ما أدري أنَّ» بالدَّال بعد الألف، و «أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر (٤)، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا (٥) مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ).
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٧١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في الفرع: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف في تفسير: (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، وقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) وقال البيضاويُّ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ المَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ العَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه أو رفيقه ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يتيمَّم» أي: مع وجود الماء.
(وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث ﵁ (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فتلا»: (﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «فَذَكَرَ ذلك» أي: عمرٌو للنَّبيِّ (ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عَمْرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يعنِّفه» بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر، أي: لم يلُمْه رسول الله ﷺ، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرٍو ولم يذكر «التَّيمُّم» (١)، ولم يقل عمرٌو الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ ﷺ كما
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوَاحِدِ النَّوَافِلُ مَعَ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا ﵀ يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الْفَرِيضَةِ. وَشَذَّ شُرَيْحٌ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِذَا صَحَّتِ النَّوَافِلُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَحَّتِ الْفَرَائِضُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَرَائِضِ مُشْتَرَطٌ لِلنَّوَافِلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. انْتَهَى.
وَقَدِ اعْتَرَفَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قَالَ: لَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ أَيْ مَا لَمْ تُحْدِثْ أَوْ تَجِدِ الْمَاءَ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ مِنْ أَجْلِهَا وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى وَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَالسَّبَخَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَاتٍ هِيَ الْأَرْضُ الْمَالِحَةُ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْبِتُ، وَإِذَا وَصَفْتَ الْأَرْضَ قُلْتَ هِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ، وَأَمَّا الصَّعِيدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ اشْتِرَاطُ التُّرَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُقَالُ مَسَحَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ مِنْهُ جُزْءًا، وَهَذِهِ صِفَةُ التُّرَابِ لَا صِفَةُ الصَّخْرِ مَثَلًا الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْهُ صِلَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَسُّفٌ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْتُ بِرَأْسِي مِنَ الدُّهْنِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ. قُلْتُ: هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ الْمِرَاءِ. انْتَهَى. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبِخَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ قَالَ: وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبِخَةَ دَاخِلَةٌ فِي الطَّيِّبِ، وَلَمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ "لَا ضَيْرَ" أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا
عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقال النبي ﷺ: "اجْمَعُوا لَهَا" فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَاسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ".
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: صَبَأَ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: "الصَّابِئِينَ- وفي نسخة الصابئون- فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ".
[الحديث ٣٤٤ - طرفاه في ٣٥٧١، ٣٤٨]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ ابْنُ مُسَرْهَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَعَوْفٌ بِالْفَاءِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ كُلُّهمْ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّفَرِ: فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا فَنَزَلَ فَقَالَ مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا الْحَدِيثَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مُطَوَّلًا وَالْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاةِ قِصَّةَ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَيْضًا فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ غَزْوَةَ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ هِيَ غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ غَزْوَةً أُخْرَى غَيْرَ غَزْوَةِ
مُؤْتَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، أَعْنِي نَوْمَهُمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكُونَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَامَ، وَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَأَيْضًا فَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَيْقَظَهُ عُمَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي الْقِصَّتَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُغَايَرَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي كُنْتُ شَاهِدًا الْقِصَّةَ. قَالَ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا. لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِمْرَانُ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِالْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ اخْتِلَافُ مَوَاطِنِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ اسْمَ طَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِتَعْيِينِ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ شَبِيهًا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ذِي مِخْبَرٍ أَيْضًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَسْرَيْنَا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ بِمَعْنَى إِذَا سِرْتُ لَيْلًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ السُّرَى سَيْرُ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَقِيلَ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ.
قَوْلُهُ: (وَقَعْنَا وَقْعَةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَهُوَ سُؤَالُ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا أُوقِظُهُمْ
قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) بِنَصْبِ أَوَّلَ ; لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَقَوْلُهُ الرَّابِعُ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَ عَوْفٌ أَنَّهُ نَسِيَ تَسْمِيَةَ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُسَمِّيهِمْ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدُهُ سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ فَسَمَّى أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ. وَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِمْرَانَ رَاوِيَ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ مَنْ شَارَكَ عِمْرَانَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ ذُو مِخْبَرٍ: فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجِئْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ، وَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ مِنَ الْوَحْيِ، كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ إِيقَاظِهِ قَطْعَ الْوَحْيِ فَلَا يُوقِظُونَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَمْرِ الْأَعَمِّ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا) هُوَ مِنَ الْجَلَادَةِ بِمَعْنَى الصَّلَابَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ هُنَا أَجْوَفُ أَيْ رَفِيعُ الصَّوْتِ، يَخْرُجُ صَوْتُهُ مِنْ جَوْفِهِ بِقُوَّةٍ. وَفِي اسْتِعْمَالِهِ التَّكْبِيرَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَخَصَّ التَّكْبِيرَ ; لِأَنَّهُ أَصْلُ الدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي أَصَابَهُمْ) أَيْ مِنْ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا.
قَوْلُهُ: (لَا ضَيْرَ) أَيْ لَا ضَرَرَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَا يُضِيرُ شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَا يَسُوءُ
وَلَا يُضِيرُ وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِقُلُوبِ الصَّحَابَةِ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا بِأَنَّهُمْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ارْتَحِلُوا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَغَافُلٍ أَوْ اسْتِهَانَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّبَبَ فِي الْأَمْرِ بِالِارْتِحَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، بَلْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى وَجَدُوا حَرَّ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِهَا، وَقِيلَ تَحَرُّزًا مِنَ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ انْتِظَارًا لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ غَفْلَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ لِيَسْتَيْقِظَ مَنْ كَانَ نَائِمًا وَيَنْشَطَ مَنْ كَانَ كَسْلَانًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَدِيثَ مَدَنِيٌّ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ؟ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ النَّوْمِ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي قَالَ النَّوَوِيُّ: لَهُ جَوَابَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ: حَالٌ كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ لَا يَنَامُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَحَالٌ يَنَامُ فِيهِ قَلْبُهُ وَهُوَ نَادِرٌ، فَصَادَفَ هَذَا أَيْ قِصَّةَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ قَلْبُهُ ﷺ إِذْ ذَاكَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ، كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ ﷺ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ، وَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَيَانَ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ، فَفِي النَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَلَى أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ، مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَنَامُ قَلْبِي أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالَةُ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْرِقُ بِالنَّوْمِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْحَدَثُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ قَائِلَ هَذَا أَرَادَ تَخْصِيصَ يَقَظَةِ الْقَلْبِ بِإِدْرَاكِ حَالَةِ الِانْتِقَاضِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي خَرَجَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ وَهَذَا كَلَامٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْوِتْرِ فَتُحْمَلُ يَقَظَتُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْيَقَظَةِ لِلْوِتْرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِي النَّوْمِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالْيَقَظَةِ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ وَلَا إِشْكَالَ فِي حَدِيثِ النَّوْمِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطْمَأَنَّ فِي نَوْمِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ تَعَبُ السَّيْرِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ بِكِلَاءَةِ الْفَجْرِ. اهـ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُحَصَّلُهُ تَخْصِيصُ الْيَقَظَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِإِدْرَاكِهِ وَقْتَ الْوِتْرِ إِدْرَاكًا مَعْنَوِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَأَنَّ نَوْمَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَ نَوْمًا مُسْتَغْرِقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بِلَالٍ لَهُ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَوْمَ بِلَالٍ كَانَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ السِّيَاقُ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ.
وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ
الضَّعِيفَةِ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ قَلْبُهُ يَقْظَانًا وَعَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَكِنْ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ النَّوْمِ عَنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ كَمَا يَطْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ حَقٌّ وَوَحْيٌ. فَهَذِهِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةِ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَيَخْرُجُ عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ فِي مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ فِي سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِارْتِحَالَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ.
قَوْلُهُ: (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّدَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْأَذَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِالتَّأْذِينِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ. وَتَرْجَمَ لَهُ خَاصَّةً بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو رِفَاعَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ رِوَايَةٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ. قُلْتُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِتَقَدُّمِ وَقْعَةَ بَدْرٍ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِلَا خِلَافٍ، فَكَيْفَ يَحْضُرُ هَذِهِ الْقِصَّةَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَهُ رِوَايَةٌ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مُنْقَطِعَةً، أَوْ مُتَّصِلَةً لَكِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَنَحْوُهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ إِلَّا أَنْ تَجِيءَ رِوَايَةٌ عَنْ تَابِعِيٍّ غَيْرِ مُخَضْرَمٍ وَصَرَّحَ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا إِنْ وَرَدَتْ رِوَايَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ مَعِي أَوْ مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ عُذْرِهِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَفِيهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ أَصْلًا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَسْأَلَ فَاعِلَهُ عَنِ الْحَالِ فِيهِ لِيُوَضِّحَ لَهُ وَجْهَ الصَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ تَرْكَ الشَّخْصِ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَعِيبٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفِيهِ حُسْنُ الْمُلَاطَفَةِ، وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْكَارِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) وَفِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي الْبَيَانِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِفْهَامِ ; لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الْآيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِهَا. وَدَلَّ قَوْلُهُ يَكْفِيكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمرَادُ بِقَوْلِهِ يَكْفِيكَ أَيْ لِلْأَدَاءِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا فُلَانًا) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ
زَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ عَجَّلَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فَقَطْ ; لِأَنَّهُمَا خُوطِبَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ لَهُمَا فَيُتَّجَهُ إِطْلَاقُ لَفْظِ رَكْبٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَخُصَّا بِالْخِطَابِ ; لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ بِالْإِرْسَالِ.
قَوْلُهُ: (فَابْتَغِيَا) لِلْأَصِيلِيِّ فَابْغِيَا وَلِأَحْمَدَ فَأَبْغِيَانَا وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ يُقَالُ ابْتَغِ الشَّيْءَ أَيْ تَطَلَّبْهُ، وَابْغِ الشَّيْءَ أَيِ اطْلُبْهُ، وَأَبْغِنِي أَيِ اطْلُبْ لِي. وَفِيهِ الْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ دُونَ الْوُقُوفِ عِنْدَ خَرْقِهَا، وَأَنَّ التَّسَبُّبَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) الْمَزَادَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ كَبِيرَةٌ يُزَادُ فِيهَا جِلْدٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَأَوْ هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ لِخُلُوِّ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ - أَيْ مُدَلِّيَةٍ - رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرَّاوِيَةُ.
قَوْلُهُ: (أَمْسِ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَهَذِهِ السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: أَصْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ بَعْدَ حَذْفِ فِي.
قَوْلُهُ: (وَنَفَرْنَا) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ النَّفَرُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ النَّفَرُ النَّاسُ عَنْ كَرَاعٍ. قُلْتُ: وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا ; لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ رِجَالَهَا تَخَلَّفُوا لِطَلَبِ الْمَاءِ. وَخُلُوفٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ جَمْعُ خَالِفٍ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْخَالِفُ الْمُسْتَقِي، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ غَابَ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، أَيْ أَنَّ رِجَالَهَا غَابُوا عَنِ الْحَيِّ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا وَنَفَرْنَا خُلُوفٌ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً زَائِدَةً عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَنَفَرْنَا خُلُوفًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (الصَّابِي) بِلَا هَمْزٍ أَيِ الْمَائِلُ، وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ مِنْ صَبَأَ صُبُوءًا، أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَا لَهَا لَا لَفَاتَ الْمَقْصُودُ، أَوْ نَعَمْ لَمْ يَحْسُنْ بِهِمَا إِذْ فِيهِ تَقْرِيرٌ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَا أَحْسَنَ تَخَلُّصٍ. وَفِيهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ (١) عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّمَا أَخَذُوهَا وَاسْتَجَازُوا أَخْذَ مَائِهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً حَرْبِيَّةً، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَهْدٌ فَضَرُورَةُ الْعَطَشِ تُبِيحُ لِلْمُسْلِمِ الْمَاءَ الْمَمْلُوكَ لِغَيْرِهِ عَلَى عِوَضٍ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّارِعِ تُفْدَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَّغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَتَّضِحُ الْحِكْمَةُ فِي رَبْطِ الْأَفْوَاهِ بَعْدَ فَتْحِهَا، وَإِطْلَاقِ الْأَفْوَاهِ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مَزَادَةٍ سِوَى فَمٍ وَاحِدٍ، وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْبَرَكَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِمُشَارَكَةِ رِيقِهِ الطَّاهِرِ الْمُبَارَكِ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْكَأَ) أَيْ رَبَطَ، وَقَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ) أَيْ فَتَحَ وَالْعَزَالِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا جَمْعُ عَزْلَاءَ بِإِسْكَانِ الزَّايِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ، وَلِكُلِّ مَزَادَةٍ عِزَالَانِ مِنْ أَسْفَلِهَا.
قَوْلُهُ: (أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مِنْ أَسْقَى، أَوْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ سَقَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ سَقَوْا غَيْرَهَمْ كَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا وَاسْتَقَوْا هُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى) بِنَصْبِ آخِرَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْ أَعْطَى اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ أَعْطَى الْخَبَرُ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْرِفَةٌ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَصْلَحَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِتَأْخِيرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا عَمَّنْ سَقَى وَاسْتَقَى، وَلَا يُقَالُ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ غَيْرِ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ لَمْ تَكُنْ
مُحْتَاجَةً إِذْ ذَاكَ إِلَى السَّقْيِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فَسَقَى عَلَى غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ أَصْلُهُ ايْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ وَلَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَفِيهَا لُغَاتٌ جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَبَلَغَ بِهَا غَيْرُهُ عِشْرِينَ، وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَةٌ لِبَيَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ مِلْأَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَمْلَأُ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لَهَا) فِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْمُحْتَاجِ بِرِضَا الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ تَعَيَّنَ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْهِبَاتِ وَالْإِبَاحَاتِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنَ الْمُعْطِي وَالْآخِذِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَسَوِيقَةٍ) الْعَجْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالسَّوِيقَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَذَا الدَّقِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ كَثِيرًا وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَجْوَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَهَا تَعَلَّمِينَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ اعْلَمِي، وَلِلْأَصِيلِيِّ قَالُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عَلَمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَا رَزِئْنَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ أَيْ نَقَصْنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَاءِ مِمَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْجَدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَائِهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُخْتَلِطًا، وَهَذَا أَبْدَعُ وَأَغْرَبُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا نَقَصْنَا مِنْ مِقْدَارِ مَائِكِ شَيْئًا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا النَّجَاسَةَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّكَرُّمِ وَالتَّفَضُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا) أَيْ أَشَارَتْ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (يُغِيرُونَ) بِالضَّمِّ مِنْ أَغَارَ أَيْ دَفَعَ الْخَيْلَ فِي الْحَرْبِ.
قَوْلُهُ: (الصِّرْمَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْيَاتًا مُجْتَمِعَةً مِنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا) هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَا مَوْصُولَةٌ، وَأَرَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَكُمْ عَمْدًا لَا غَفْلَةً وَلَا نِسْيَانًا، بَلْ مُرَاعَاةً لِمَا سَبَقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ فِي مُرَاعَاةِ الصُّحْبَةِ الْيَسِيرَةِ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ سَبَبًا لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَدْرِي يَعْنِي رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ: وَمَا مَوْصُولَةٌ وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا نَافِيَةٌ وَأَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ. وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَإِنَّ بِالْكَسْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا أَعْلَمُ حَالَكُمْ فِي تَخَلُّفِكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا.
وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْكُفَّارِ بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ رِقَّ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ فِي الرِّقِّ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا فَكَيْفَ وَقَعَ إِطْلَاقُهَا وَتَزْوِيدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: أُطْلِقَتْ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ الَّذِي جَرَّ دُخُولَ قَوْمِهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ عَهْدٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيَحْتَاجُ
إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ احْتِمَالًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ بِثَمَنٍ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِعْطَائِهَا مَا ذَكَرَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَقَوَّمَةٌ، وَالْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَضَمَانُ الْمِثْلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ. وَيَنْعَكِسُ مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا يَجِبُ الْعِوَضُ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ جَوَازُ طَعَامِ الْمُخَارَجَةِ ; لِأَنَّهُمْ تَخَارَجُوا فِي عِوَضِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَبَأَ. . . إِلَخْ) هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: صَبَأَ فُلَانٌ: انْخَلَعَ. وَأَصْبَأَ، أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ. . . إِلَخْ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ عَمِّ نُوحٍ ﵇. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أُصِبْ أَمَلْ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّابِئِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّابِئِ الْمَنْسُوبِ لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُعَنِّفْ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ. . . إِلَخْ) مُرَادُهُ إِلْحَاقُ خَوْفِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِخَوْفِ الْعَطَشِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، لَكِنْ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا وَهُوَ أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ فِي الْقِصَّةِ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَقُلْ تَيَمَّمَ، وَقَالَ فِيهِ لَوِ اغْتَسَلْتُ مِتُّ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ فِيهَا فَتَيَمَّمَ. انْتَهَى. وَرَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، وَالسِّيَاقُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَوْهَمَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَلَا الْآيَةَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلَاهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي.
وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعَنِّفْ) حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ لَمْ يَلُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرًا، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ بِزِيَادَةِ هَاءِ الضَّمِيرِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي
الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ
كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ ﷺ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) ﵁ (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ﷺ) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله ﵊: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) ﵊ (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره ﵊ بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع
حضور (١) الشَّيطان فيه كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) ﵊ ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالوَضُوءِ) بفتح الواو (٢) (فَتَوَضَّأَ) ﷺ وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذِّن بها كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر (٣) «المواقيت» [خ¦٥٩٥] (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ) أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) أي: موجودٌ بالكليَّة، و «ماءَ» بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ، أي: معي، تعقَّبه العينيُّبأنَّ كلمة «لا» لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس» فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ» أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له (قَالَ) ﵊: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وفي رواية سَلْم (٤) بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره (٥) أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ) ﵊ (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: «ونسيه» (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) ﵊ لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من
الابتغاء، وللأَصيليِّ: «فابغيا» وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ، أي: فاطلبا (المَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح (١) أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو (٢) عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط «من ماءٍ» عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَالمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ (٣) فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأ و «بالماء» متعلِّقٌ به، و «أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس» بدلُ بعضٍ من كلٍّ، أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ، أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة» فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي» لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمسُ» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و «أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر، أي: عهدي متلبِّسٌ (٤) بالماء في أمس، ولم يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ «عهدي» -كما مرَّ- قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ «العهد» مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ. انتهى.
(وَنَفَرُنَا) أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب (٥)، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييعلى الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ، أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]
بالنَّصب (١)، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه؟! قال: والأوجه ما قاله الكِرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: «خُلُوفٌ» بالرَّفع خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟!) بالهمز، من صبأ؛ أي (٣): خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَىبتسهيله (٤) ياءً من: صبا يصبو إذا مال (٥)، أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ لكونه ﵊ كان (٦) صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى (٧) رسول الله» (ﷺ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما (وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) ﵊، من التَّفريغ (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفرغ» من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِالمَزَادَتَيْنِ) جمع في موضع التَّثنية على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]
(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ) أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المُهمَلة والزَّايِ وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتحالياء، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّايِ والمدِّ، أي: فم المزادتين (١) الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان (٢) من أسفلها (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ من «سقى» فتُكسَر، أو قطعٍ من «أسقى» فتُفتَح، أي: اسقوا غيركم (٣) كالدَّوابِّ (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سَقَى) ولابن عساكر: «فسقى من شاء» (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من (٤) سقى» لأنَّه (٥) لنفسه، و «سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و «استقى» (٦) قِيلَ: بمعنى سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته (٧) لماشيته (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: (أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ) (٨) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما
أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنَّها كانت كافرةً حربيَّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلَّا فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: قَسَمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة، أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً (١)) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ، أي: امتلاءً (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم (٢) آياته وباهر دلائل (٣) نبوَّته ﷺ، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا (٤) واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين (٥)، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها (٦) أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي روايةٍ: «ما بين» (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أوَّلهما، ولكريمة: «ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ» بضمِّهما (٧) مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و «الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال (٨) الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ) أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: «فجعلوها» أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله ﷺ، وللأَصيليِّ: «قالوا لها» أي: الصَّحابة بأمره ﷺ (تَعْلَمِينَ)
بفتح التَّاء (١) وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في فرع «اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من «باب عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام (٢)، أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ، أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه (٣) من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمز، ولابن عساكر: «سقانا» (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» (مَا) وللأَصيليِّ: «فقالوا لها: ما» (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ) أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: «إلى (٤) هذا الرَّجل الذي» (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان (٥) المناسب التَّعبير بـ «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض (وَقَالَتْ) أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه (٦) يُشار بهما (٧) عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة لأنَّها (٨) يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي) أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ﷺ (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقّ، فآمنت بعد ذلك (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: «بعد يُغيرون» بضمِّ الياء من «أغار»، ويجوز فتحها من «غار» وهو قليلٌ (٩) (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها
(فَقَالَتْ) أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي أعتقد (١) (أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال (٢)، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا (٣) ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: «ما أَرى هؤلاء» بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: «ما أُرى» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ «إن هؤلاءِ» بكسر الهمزة، كذا في الفرع، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ما أدري أنَّ» بالدَّال بعد الألف، و «أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر (٤)، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا (٥) مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ).
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٧١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في الفرع: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف في تفسير: (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، وقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) وقال البيضاويُّ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ المَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ العَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه أو رفيقه ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يتيمَّم» أي: مع وجود الماء.
(وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث ﵁ (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فتلا»: (﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «فَذَكَرَ ذلك» أي: عمرٌو للنَّبيِّ (ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عَمْرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يعنِّفه» بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر، أي: لم يلُمْه رسول الله ﷺ، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرٍو ولم يذكر «التَّيمُّم» (١)، ولم يقل عمرٌو الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ ﷺ كما