«إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٦٤

الحديث رقم ٣٤٦٤ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٤٦٤ في صحيح البخاري

«إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا فَقَالَ أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الْغَنَمُ فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي فَقَالَ

⦗١٧٢⦘

لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللهُ فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ بَصَرِي وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَاللهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلهِ فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ.»

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَيُقَالُ الْوَصِيدُ الْبَابُ ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ رَيْعًا فَضَرَبَ اللهُ ﴿عَلَى آذَانِهِمْ﴾ فَنَامُوا ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ.

حَدِيثُ الْغَارِ

إسناد حديث رقم ٣٤٦٤ من صحيح البخاري

٣٤٦٤ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٤٦٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَيْرِ إِبَانَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْهَمْزِ، أَيْ: نَخَسَ مَوْضِعَ الْجُرْحِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ فَجَّرَ الْجُرْحَ بِذُبَابَةِ السَّهْمِ فَلَمْ يَنْفَعْهُ فَحَزَّ مَوْضِعَهُ بِالسِّكِّينِ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّ الْجُرْحَ كَانَ فِي يَدِهِ.

قَوْلُهُ: (فَمَا رَقَأَ الدَّمُ) بِالْقَافِ وَالْهَمْزِ، أَيْ: لَمْ يَنْقَطِعْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ ﷿: بَادَرَنِي عَبْدِي نفسه) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِعْجَالِ الْمَذْكُورِ الْمَوْتَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ جَارٍ مَجْرَى التَّعْلِيلِ لِلْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ بِتَعَاطِي سَبَبِهِ مِنْ إِنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ فَجَعَلَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارًا عَصَى اللَّهَ بِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعَاقِبَهُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَزَّهَا لِإِرَادَةِ الْمَوْتِ لَا لِقَصْدِ الْمُدَاوَاةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الِانْتِفَاعُ بِهَا. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ: بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ: حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَنْ قُتِلَ فَقَدْ مَاتَ قَبْلَ أَجَلِهِ لِمَا يُوهِمُهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ كَانَ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَاشَ، لَكِنَّهُ بَادَرَ فَتَقَدَّمَ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي تَخْلِيدَ الْمُوَحِّدِ فِي النَّارِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ مِنْ حَيْثُ التَّسَبُّبِ فِي ذَلِكَ وَالْقَصْدِ لَهُ وَالِاخْتِيَارِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةَ لِوُجُودِ صُورَتِهَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَةَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَى انْقِضَاءِ أَجَلِهِ فَاخْتَارَ هُوَ قَتْلَ نَفْسِهِ فَاسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَةَ لِعِصْيَانِهِ.

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: قَضَاءُ اللَّهِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ، فَالْمُطْلَقُ يَمْضِي عَلَى الْوَجْهِ بِلَا صَارِفٍ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، مِثَالُهُ أَنْ يُقَدَّرَ لِوَاحِدٍ أَنَّ يَعِيشَ عِشْرِينَ سَنَةً إِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ وَثَلَاثِينَ سَنَةً إِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَعْلَمُ بِهِ الْمَخْلُوقُ كَمَلَكِ الْمَوْتِ مَثَلًا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا عَلِمَهُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فَالْوَاقِعُ مِنْهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ وَالْعَبْدُ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْخِصَالِ يَفْعَلُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَصَارَ كَافِرًا.

ثَانِيهَا: كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْلِ وَعُوقِبَ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَةِ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِ.

ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ مَا كَالْوَقْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ السَّابِقُونَ أَوِ الْوَقْتِ الَّذِي يُعَذَّبُ فِيهِ الْمُوَحِّدُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ.

رَابِعُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ جَنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ كَالْفِرْدَوْسِ مَثَلًا.

خَامِسُهَا: أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ في سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْوِيفِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ.

سَادِسُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ إِنْ شِئْتَ اسْتِمْرَارَ ذَلِكَ.

سَابِعُهَا: قَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْعُ مَنْ مَضَى أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَكْفُرُونَ بِفِعْلِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ سَوَاءٌ كَانَتْ نَفْسَ الْقَاتِلِ أَمْ غَيْرِهِ، وَقَتْلُ الْغَيْرِ يُؤْخَذُ تَحْرِيمُهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَفِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ حُقُوقِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ حَيْثُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلَ نُفُوسِهِمْ وَأَنَّ الْأَنْفُسَ مِلْكُ اللَّهِ. وَفِيهِ التَّحْدِيثُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَفَضِيلَةُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَتَرْكُ التَّضَجُّرِ مِنَ الْآلَامِ لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى أَشَدَّ مِنْهَا. وَفِيهِ تَحْرِيمُ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ. وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ السِّرَايَةِ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْقَتْلِ. وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ فِي التَّحْدِيثِ وَكَيْفِيَّةُ الضَّبْطِ لَهُ وَالتَّحَفُّظُ فِيهِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالْإِشَارَةُ إِلَى ضَبْطِ الْمُحَدِّثِ وَتَوْثِيقِهِ لِمَنْ حَدَّثَهُ لِيَرْكَنَ السَّامِعُ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - باب حَدِيث أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ

٣٤٦٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ . ح.

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ،

أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ ﷿ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ، إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ هَذَا عني قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ.

فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الإبل، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الغَنَم، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِه الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ به فِي سَفَرِي. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ به الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي. وقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ.

[الحديث ٣٤٦٤ - طرفه في: ٦٦٥٣]

قَوْلُهُ: (حَدِيثُ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى) هَكَذَا تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) هُوَ السَّرْمَارِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَبَعْدَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ نِسْبَةٌ إِلَى سَرْمَارَةَ مِنْ قُرَى بُخَارَى، الزَّاهِدُ الْمُجَاهِدُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.

قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) يُقَالُ: إِنْ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي اللُّقَطَةِ وَعِدَّةِ مَوَاضِعَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، لَكِنْ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ بِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، وَجَوَّزَ أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ، وَسَاقَهُ عَنِ الْجَوْزَقِيِّ،

عَنْ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدَانَ، عَنِ الذُّهْلِيِّ بِطُولِهِ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ سَوَاءٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، لِإِسْحَاقَ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ صَرَّحَ بِهِ شَيْبَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (بَدَا لِلَّهِ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أَيْ: سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَأَرَادَ إِظْهَارَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَافِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ هَمَّامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَلَعَلَّ التَّغْيِيرَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ، مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا نَظَرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا، وَالْمَعْنَى أَظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى أَرَادَ قَضَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَبَطْنَاهُ عَلَى مُتْقِنِي شُيُوخِنَا بِالْهَمْزِ، أَيِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، قَالَ: رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ خَطَأٌ، انْتَهَى. وَسَبَقَ إِلَى التَّخْطِئَةِ أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مُوَجَّهٌ كَمَا تَرَى، وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، وَأَمَّا الْبَدْءُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ تَغَيُّرُ الْأَمْرِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا.

قَوْلُهُ: (قَذِرَنِي النَّاسُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ اشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ قَذِرُونِي النَّاسُ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ.

قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَأَيُّ الْمَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (الْإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، هُوَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ هَمَّامٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي شَكَّ فِي ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ) أَيِ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِلَ، وَالْعُشَرَاءُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ هِيَ الْحَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَرَقَهَا الْفَحْلُ، وَقِيلَ: يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَلِدَ وَبَعْدَمَا تَضَعُ، وَهِيَ مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ.

قَوْلُهُ: (يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) كَذَا وَقَعَ يُبَارَكُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ. وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بَارَكَ اللَّهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي وَإِبْرَازِ الْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ.

قَوْلُهُ: (شَاةً وَالِدًا) أَيْ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَالُ حَامِلٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْتَجَ هَذَانِ) أَيْ صَاحِبُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (وَوَلَّدَ هَذَا) أَيْ صَاحِبُ الشَّاةِ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَأَنْتَجَ فِي مِثْلِ هَذَا شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ نُتِجَتِ النَّاقَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَنَتَجَ الرَّجُلُ النَّاقَةَ أَيْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ، وَقَدْ سُمِعَ أَنْتَجَتِ الْفَرَسُ إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَصُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) زَادَ شَيْبَانُ وَابْنُ سَبِيلٍ (تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَالُ فِي سَفَرِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي وَالْحِبَالُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ جَمْعُ حَبْلٍ، أَيِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَقِيلَ الْعَقَبَاتُ، وَقِيلَ الْحَبْلُ هُوَ الْمُسْتَطِيلُ مِنَ الرَّمْلِ. وَلِبَعْضِ روَاه مُسْلِمٍ الْحِيَالُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ حِيلَةٍ، أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ، وَلِبَعْضِ روَاه الْبُخَارِيِّ الْجِبَالُ وبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ رَجُلٌ مِسْكِينٌ إِلَخْ أَرَادَ أَنَّكَ كُنْتَ هَكَذَا، وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَتَيَقَّظَ الْمُخَاطَبُ.

قَوْلُهُ: (أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَتَبَلَّغُ بِهِ وَأَتَبَلَّغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُلْغَةِ، وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَالْمَعْنَى: أَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِي.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، أَيْ كَبِيرٍ عَنْ كَبِيرٍ فِي الْعِزِّ وَالشَّرَفِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ

كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ) أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَخُذْ مَا شِئْتَ) زَادَ شَيْبَانُ وَدَعْ مَا شِئْتَ.

قَوْلُهُ: (لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ) كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ إِنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَالْمَعْنَى لَا أَحْمَدُكَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ تَنَدُّمٌ

أَيْ فَوْتُ طُولِ الْحَيَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَكْثَرِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لَا أُجْهِدُكَ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ، أَيْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَتَّضِحْ هَذَا الْمَعْنَى لِبَعْضِ النَّاسِ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا أَحُدُّكَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ بِغَيْرِ مِيمٍ، أَيْ لَا أَمْنَعُكَ، قَالَ: وَهَذَا تَكَلُّفٌ. انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أُحَمِّدُكَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ لَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْحَمْدَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَتَحَمَّدُ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ يَمْتَنُّ عَلَيْهِ، أَيْ لَا أَمْتَنُّ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أَيِ امْتُحِنْتُمْ.

قَوْلُهُ: (فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي رَضِيَ وَسَخِطَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: كَانَ مِزَاجُ الْأَعْمَى أَصَحُّ مِنْ مِزَاجِ رَفِيقَيْهِ، لِأَنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ فَسَادِ الْمِزَاجِ وَخَلَلِ الطَّبِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْقَرَعُ، بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ، فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاعُ الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاعُ الْآخَرَيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ ذِكْرِ مَا اتَّفَقَ لِمَنْ مَضَى لِيَتَّعِظَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غِيبَةً فِيهِمْ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ تَسْمِيَتِهِمْ، وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَكُ. وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُكْرِهَا وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ، وَإِكْرَامُهُمْ وَتَبْلِيغُهُمْ مَآرِبَهُمْ، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْبُخْلِ، لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى الْكَذِبِ، وَعَلَى جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

٥٢ - بَاب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الْكَهْفُ: الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، ﴿مَرْقُومٌ﴾ مَكْتُوبٌ مِنْ الرَّقْمِ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا، ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ: الْفِنَاءُ وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ، ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ رَيْعًا، فَضَرَبَ اللَّهُ ﴿عَلَى آذَانِهِمْ﴾ فَنَامُوا، ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُمَا إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَّلِهِ بَابُ وَلَمْ يُورِدْ فِي ذَلِكَ إِلَّا تَفَاسِيرَ مِمَّا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَسَقَطَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ) هُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَاخْتُلِفَ فِي مَكَانِ الْكَهْفِ فَالَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بِالْقُرْبِ مِنْ أَيْلَةَ، وَقِيلَ: بِالْقُرْبِ مِنْ طَرْسُوسَ، وَقِيلَ: بَيْنَ أَيْلَةَ وَفِلِسْطِينَ، وَقِيلَ: بِقُرْبِ زَيْزَاءَ، وَقِيلَ: بِغِرْنَاطَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَعْوَانُ الْمَهْدِيِّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ هُمْ فِي الْمَنَامِ

إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِإِعَانَةِ الْمَهْدِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِسَنَدٍ وَاهٍ أَنَّهُمْ يَحُجُّونَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: (وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّقِيمُ الْكِتَابُ، وَقَوْلُهُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَهُ تَفْسِير قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ وَوَرَاءُ ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقِيمُ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: هُوَ اسْمُ الْقَرْيَةِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الرَّقِيمَ اسْمُ الْكَلْبِ، وَقِيلَ: الرَّقِيمُ هُوَ الْغَارُ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي حَدِيثِ الْغَارِ، وَقِيلَ: الرَّقِيمُ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَطْبَقَتْ عَلَى الْوَادِي، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّقِيمَ لَوْحٌ مِنْ رَصَاصٍ كُتِبَتْ فِيهِ أَسْمَاءُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ لَمَّا تَوَجَّهُوا عَنْ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ تَوَجَّهُوا، وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ هُنَا مُخْتَصَرًا. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِي الرَّقِيمِ شَرْعُهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الرَّقِيمُ الدَّوَاةُ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الرَّقِيمِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ هُمْ أَصْحَابُ الرَّقِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ: أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (شَطَطًا: إِفْرَاطًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أَيْ جَوْرًا وَغُلُوًّا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَا يَا لَقَوْمِي قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي … وَيَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي بَاطِلِي

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿شَطَطًا﴾ قَالَ: كَذِبًا.

قَوْلُهُ: (الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ آصَدُ الْبَابَ وَأُوصِدُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أَيْ عَلَى الْبَابِ وَبِفِنَاءِ الْبَابِ ; لِأَنَّ الْبَابَ يُؤْصَدُ، أَيْ يُغْلَقُ، وَالْجَمْعُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَقَالُوا الْوَصِيدُ عَتَبَةُ الْبَابِ أَيْضًا تَقُولُ: أَوْصِدْ بَابَكَ وَآصِدْهُ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ وَتِهَامَةَ يَقُولُونَ الْوَصِيدُ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ الْأَصِيدُ.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: نَارٌ مُؤْصَدَةٌ أَيْ مُطْبَقَةٌ تَقُولُ: أَوْصَدْتُ وَآصَدْتُ أَيْ أَطْبَقْتُ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اسْتِطْرَادًا.

قَوْلُهُ: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ رِيعًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أَيْ أَكْثَرُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ … وَلَلسَّبْعُ أَزْكَى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَطْيَبُ

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ قَالَ: خَيْرٌ طَعَامًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَحَلَّ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ، أَيْ سَدَّدْنَا عَنْ نُفُوذِ الْأَصْوَاتِ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: رَجْمًا بِالْغَيْبِ قَالَ: قَذْفًا بِالظَّنِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: رَجْمًا بِالْغَيْبِ قَالَ: الرَّجْمُ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْهُ مِنَ الظَّنِّ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ … وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَيْرِ إِبَانَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا وَهُوَ بِالنُّونِ وَالْهَمْزِ، أَيْ: نَخَسَ مَوْضِعَ الْجُرْحِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ فَجَّرَ الْجُرْحَ بِذُبَابَةِ السَّهْمِ فَلَمْ يَنْفَعْهُ فَحَزَّ مَوْضِعَهُ بِالسِّكِّينِ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّ الْجُرْحَ كَانَ فِي يَدِهِ.

قَوْلُهُ: (فَمَا رَقَأَ الدَّمُ) بِالْقَافِ وَالْهَمْزِ، أَيْ: لَمْ يَنْقَطِعْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ ﷿: بَادَرَنِي عَبْدِي نفسه) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِعْجَالِ الْمَذْكُورِ الْمَوْتَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ جَارٍ مَجْرَى التَّعْلِيلِ لِلْعُقُوبَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ بِتَعَاطِي سَبَبِهِ مِنْ إِنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ فَجَعَلَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارًا عَصَى اللَّهَ بِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعَاقِبَهُ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَزَّهَا لِإِرَادَةِ الْمَوْتِ لَا لِقَصْدِ الْمُدَاوَاةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الِانْتِفَاعُ بِهَا. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ: بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ: حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَنْ قُتِلَ فَقَدْ مَاتَ قَبْلَ أَجَلِهِ لِمَا يُوهِمُهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ كَانَ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَاشَ، لَكِنَّهُ بَادَرَ فَتَقَدَّمَ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي تَخْلِيدَ الْمُوَحِّدِ فِي النَّارِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ مِنْ حَيْثُ التَّسَبُّبِ فِي ذَلِكَ وَالْقَصْدِ لَهُ وَالِاخْتِيَارِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةَ لِوُجُودِ صُورَتِهَا، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَةَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَى انْقِضَاءِ أَجَلِهِ فَاخْتَارَ هُوَ قَتْلَ نَفْسِهِ فَاسْتَحَقَّ الْمُعَاقَبَةَ لِعِصْيَانِهِ.

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: قَضَاءُ اللَّهِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ، فَالْمُطْلَقُ يَمْضِي عَلَى الْوَجْهِ بِلَا صَارِفٍ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، مِثَالُهُ أَنْ يُقَدَّرَ لِوَاحِدٍ أَنَّ يَعِيشَ عِشْرِينَ سَنَةً إِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ وَثَلَاثِينَ سَنَةً إِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَعْلَمُ بِهِ الْمَخْلُوقُ كَمَلَكِ الْمَوْتِ مَثَلًا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا عَلِمَهُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فَالْوَاقِعُ مِنْهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ وَالْعَبْدُ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْخِصَالِ يَفْعَلُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَصَارَ كَافِرًا.

ثَانِيهَا: كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْلِ وَعُوقِبَ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَةِ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِ.

ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ مَا كَالْوَقْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ السَّابِقُونَ أَوِ الْوَقْتِ الَّذِي يُعَذَّبُ فِيهِ الْمُوَحِّدُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ.

رَابِعُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ جَنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ كَالْفِرْدَوْسِ مَثَلًا.

خَامِسُهَا: أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ في سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْوِيفِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ.

سَادِسُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ إِنْ شِئْتَ اسْتِمْرَارَ ذَلِكَ.

سَابِعُهَا: قَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْعُ مَنْ مَضَى أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَكْفُرُونَ بِفِعْلِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ سَوَاءٌ كَانَتْ نَفْسَ الْقَاتِلِ أَمْ غَيْرِهِ، وَقَتْلُ الْغَيْرِ يُؤْخَذُ تَحْرِيمُهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَفِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ حُقُوقِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ حَيْثُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلَ نُفُوسِهِمْ وَأَنَّ الْأَنْفُسَ مِلْكُ اللَّهِ. وَفِيهِ التَّحْدِيثُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَفَضِيلَةُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَتَرْكُ التَّضَجُّرِ مِنَ الْآلَامِ لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى أَشَدَّ مِنْهَا. وَفِيهِ تَحْرِيمُ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ. وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ السِّرَايَةِ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْقَتْلِ. وَفِيهِ الِاحْتِيَاطُ فِي التَّحْدِيثِ وَكَيْفِيَّةُ الضَّبْطِ لَهُ وَالتَّحَفُّظُ فِيهِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالْإِشَارَةُ إِلَى ضَبْطِ الْمُحَدِّثِ وَتَوْثِيقِهِ لِمَنْ حَدَّثَهُ لِيَرْكَنَ السَّامِعُ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - باب حَدِيث أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ

٣٤٦٤ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ . ح.

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ،

أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ ﷿ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ، إِنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ هَذَا عني قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ.

فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الإبل، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الغَنَم، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِه الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ به فِي سَفَرِي. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ به الْحِبَالُ فِي سَفَرِه فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي. وقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ.

[الحديث ٣٤٦٤ - طرفه في: ٦٦٥٣]

قَوْلُهُ: (حَدِيثُ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى) هَكَذَا تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) هُوَ السَّرْمَارِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَبَعْدَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ نِسْبَةٌ إِلَى سَرْمَارَةَ مِنْ قُرَى بُخَارَى، الزَّاهِدُ الْمُجَاهِدُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.

قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) يُقَالُ: إِنْ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ فِي اللُّقَطَةِ وَعِدَّةِ مَوَاضِعَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، لَكِنْ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ بِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرُ مَنْسُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، وَجَوَّزَ أَنَّهُ الذُّهْلِيُّ، وَسَاقَهُ عَنِ الْجَوْزَقِيِّ،

عَنْ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدَانَ، عَنِ الذُّهْلِيِّ بِطُولِهِ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ سَوَاءٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ، لِإِسْحَاقَ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ صَرَّحَ بِهِ شَيْبَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (بَدَا لِلَّهِ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أَيْ: سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَأَرَادَ إِظْهَارَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَافِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ هَمَّامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَلَعَلَّ التَّغْيِيرَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ، مَعَ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا نَظَرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا، وَالْمَعْنَى أَظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى أَرَادَ قَضَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَبَطْنَاهُ عَلَى مُتْقِنِي شُيُوخِنَا بِالْهَمْزِ، أَيِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، قَالَ: رَوَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ خَطَأٌ، انْتَهَى. وَسَبَقَ إِلَى التَّخْطِئَةِ أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مُوَجَّهٌ كَمَا تَرَى، وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، وَأَمَّا الْبَدْءُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ تَغَيُّرُ الْأَمْرِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا.

قَوْلُهُ: (قَذِرَنِي النَّاسُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ اشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ قَذِرُونِي النَّاسُ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ.

قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَأَيُّ الْمَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (الْإِبِلُ، أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، هُوَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ هَمَّامٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي شَكَّ فِي ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ) أَيِ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِلَ، وَالْعُشَرَاءُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ هِيَ الْحَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَرَقَهَا الْفَحْلُ، وَقِيلَ: يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَلِدَ وَبَعْدَمَا تَضَعُ، وَهِيَ مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ.

قَوْلُهُ: (يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) كَذَا وَقَعَ يُبَارَكُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ. وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بَارَكَ اللَّهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي وَإِبْرَازِ الْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ.

قَوْلُهُ: (شَاةً وَالِدًا) أَيْ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَالُ حَامِلٌ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْتَجَ هَذَانِ) أَيْ صَاحِبُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (وَوَلَّدَ هَذَا) أَيْ صَاحِبُ الشَّاةِ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَأَنْتَجَ فِي مِثْلِ هَذَا شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ نُتِجَتِ النَّاقَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَنَتَجَ الرَّجُلُ النَّاقَةَ أَيْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ، وَقَدْ سُمِعَ أَنْتَجَتِ الْفَرَسُ إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَصُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِسْكِينٌ) زَادَ شَيْبَانُ وَابْنُ سَبِيلٍ (تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَالُ فِي سَفَرِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي وَالْحِبَالُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ جَمْعُ حَبْلٍ، أَيِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَقِيلَ الْعَقَبَاتُ، وَقِيلَ الْحَبْلُ هُوَ الْمُسْتَطِيلُ مِنَ الرَّمْلِ. وَلِبَعْضِ روَاه مُسْلِمٍ الْحِيَالُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ حِيلَةٍ، أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ، وَلِبَعْضِ روَاه الْبُخَارِيِّ الْجِبَالُ وبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ رَجُلٌ مِسْكِينٌ إِلَخْ أَرَادَ أَنَّكَ كُنْتَ هَكَذَا، وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَتَيَقَّظَ الْمُخَاطَبُ.

قَوْلُهُ: (أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَتَبَلَّغُ بِهِ وَأَتَبَلَّغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْبُلْغَةِ، وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَالْمَعْنَى: أَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِي.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، أَيْ كَبِيرٍ عَنْ كَبِيرٍ فِي الْعِزِّ وَالشَّرَفِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ

كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ) أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَخُذْ مَا شِئْتَ) زَادَ شَيْبَانُ وَدَعْ مَا شِئْتَ.

قَوْلُهُ: (لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ) كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ إِنَّ رُوَاةَ الْبُخَارِيِّ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَالْمَعْنَى لَا أَحْمَدُكَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ تَنَدُّمٌ

أَيْ فَوْتُ طُولِ الْحَيَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَكْثَرِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لَا أُجْهِدُكَ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ، أَيْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَتَّضِحْ هَذَا الْمَعْنَى لِبَعْضِ النَّاسِ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا أَحُدُّكَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ بِغَيْرِ مِيمٍ، أَيْ لَا أَمْنَعُكَ، قَالَ: وَهَذَا تَكَلُّفٌ. انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أُحَمِّدُكَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ لَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْحَمْدَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَتَحَمَّدُ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ يَمْتَنُّ عَلَيْهِ، أَيْ لَا أَمْتَنُّ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أَيِ امْتُحِنْتُمْ.

قَوْلُهُ: (فَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي رَضِيَ وَسَخِطَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: كَانَ مِزَاجُ الْأَعْمَى أَصَحُّ مِنْ مِزَاجِ رَفِيقَيْهِ، لِأَنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ فَسَادِ الْمِزَاجِ وَخَلَلِ الطَّبِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْقَرَعُ، بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ، فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاعُ الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاعُ الْآخَرَيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ ذِكْرِ مَا اتَّفَقَ لِمَنْ مَضَى لِيَتَّعِظَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غِيبَةً فِيهِمْ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ تَسْمِيَتِهِمْ، وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَكُ. وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُكْرِهَا وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ، وَإِكْرَامُهُمْ وَتَبْلِيغُهُمْ مَآرِبَهُمْ، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْبُخْلِ، لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى الْكَذِبِ، وَعَلَى جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

٥٢ - بَاب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الْكَهْفُ: الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ: الْكِتَابُ، ﴿مَرْقُومٌ﴾ مَكْتُوبٌ مِنْ الرَّقْمِ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا، ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا، الْوَصِيدُ: الْفِنَاءُ وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ وَأَوْصَدَ، ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ رَيْعًا، فَضَرَبَ اللَّهُ ﴿عَلَى آذَانِهِمْ﴾ فَنَامُوا، ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُمَا إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَّلِهِ بَابُ وَلَمْ يُورِدْ فِي ذَلِكَ إِلَّا تَفَاسِيرَ مِمَّا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَسَقَطَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.

قَوْلُهُ: (الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ) هُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَاخْتُلِفَ فِي مَكَانِ الْكَهْفِ فَالَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بِالْقُرْبِ مِنْ أَيْلَةَ، وَقِيلَ: بِالْقُرْبِ مِنْ طَرْسُوسَ، وَقِيلَ: بَيْنَ أَيْلَةَ وَفِلِسْطِينَ، وَقِيلَ: بِقُرْبِ زَيْزَاءَ، وَقِيلَ: بِغِرْنَاطَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَعْوَانُ الْمَهْدِيِّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ هُمْ فِي الْمَنَامِ

إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِإِعَانَةِ الْمَهْدِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِسَنَدٍ وَاهٍ أَنَّهُمْ يَحُجُّونَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: (وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّقِيمُ الْكِتَابُ، وَقَوْلُهُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَهُ تَفْسِير قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ وَوَرَاءُ ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرَّقِيمُ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: هُوَ اسْمُ الْقَرْيَةِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الرَّقِيمَ اسْمُ الْكَلْبِ، وَقِيلَ: الرَّقِيمُ هُوَ الْغَارُ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي حَدِيثِ الْغَارِ، وَقِيلَ: الرَّقِيمُ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَطْبَقَتْ عَلَى الْوَادِي، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الرَّقِيمَ لَوْحٌ مِنْ رَصَاصٍ كُتِبَتْ فِيهِ أَسْمَاءُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ لَمَّا تَوَجَّهُوا عَنْ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ تَوَجَّهُوا، وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ هُنَا مُخْتَصَرًا. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِي الرَّقِيمِ شَرْعُهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الرَّقِيمُ الدَّوَاةُ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الرَّقِيمِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ هُمْ أَصْحَابُ الرَّقِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ: أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (شَطَطًا: إِفْرَاطًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أَيْ جَوْرًا وَغُلُوًّا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلَا يَا لَقَوْمِي قَدْ أَشَطَّتْ عَوَاذِلِي … وَيَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّي بَاطِلِي

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿شَطَطًا﴾ قَالَ: كَذِبًا.

قَوْلُهُ: (الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ آصَدُ الْبَابَ وَأُوصِدُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أَيْ عَلَى الْبَابِ وَبِفِنَاءِ الْبَابِ ; لِأَنَّ الْبَابَ يُؤْصَدُ، أَيْ يُغْلَقُ، وَالْجَمْعُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَقَالُوا الْوَصِيدُ عَتَبَةُ الْبَابِ أَيْضًا تَقُولُ: أَوْصِدْ بَابَكَ وَآصِدْهُ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ وَتِهَامَةَ يَقُولُونَ الْوَصِيدُ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ الْأَصِيدُ.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: نَارٌ مُؤْصَدَةٌ أَيْ مُطْبَقَةٌ تَقُولُ: أَوْصَدْتُ وَآصَدْتُ أَيْ أَطْبَقْتُ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ اسْتِطْرَادًا.

قَوْلُهُ: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ رِيعًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أَيْ أَكْثَرُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ … وَلَلسَّبْعُ أَزْكَى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَطْيَبُ

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ قَالَ: خَيْرٌ طَعَامًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَحَلَّ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ، أَيْ سَدَّدْنَا عَنْ نُفُوذِ الْأَصْوَاتِ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: رَجْمًا بِالْغَيْبِ قَالَ: قَذْفًا بِالظَّنِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: رَجْمًا بِالْغَيْبِ قَالَ: الرَّجْمُ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْهُ مِنَ الظَّنِّ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ … وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله