الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٩
الحديث رقم ٣٤٩ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الصلاة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٧٩⦘
وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ.» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثُمَّ عَُرَِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ.
٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ بَرَاعَةِ الْخِتَامِ الْوَاقِعَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ خَتْمُهُ كِتَابَ التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكِفَايَةِ بِمَا أَوْرَدَهُ تَحْصُلُ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَتَفَهَّمَ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
﷽
٨ - كِتَاب الصَّلَاةِ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الصَّلَاةِ)
تَقَدَّمَ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ذِكْرُ مُنَاسَبَةِ كَتْبِ هَذَا الصَّحِيحِ فِي التَّرْتِيبِ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَفِي أَوَائِلهَا مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَالْوَسِيلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَقَدْ تَأَمَّلْت. كِتَابَ الصَّلَاةِ مِنْهُ فَوَجَدْتُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَنْوَاعٍ تَزِيدُ عَلَى الْعِشْرِينَ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَ مُنَاسَبَتَهَا فِي تَرْتِيبِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي شَرْحِهَا، فَأَقُولُ: بَدَأَ أَوَّلًا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَلَمَّا كَانَتِ الطَّهَارَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ أَفْرَدَهَا بِكِتَابٍ، وَاسْتَفْتَحَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِذِكْرِ فَرْضِيَّتِهَا لِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ فَبَدَأَ بِهِ لِعُمُومِهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالِاسْتِقْبَالِ لِلُزُومِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى كَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَنَافِلَةِ السَّفَرِ، وَكَانَ الِاسْتِقْبَالُ يَسْتَدْعِي مَكَانًا فَذَكَرَ الْمَسَاجِدَ، وَمِنْ تَوَابِعِ الِاسْتِقْبَالِ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَذَكَرَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّرْطَ الْبَاقِيَ وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْفَرِيضَةِ، وَكَانَ الْوَقْتُ يُشْرَعُ الْإِعْلَامُ بِهِ فَذَكَرَ الْأَذَانَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَقُّ الْوَقْتِ، وَكَانَ الْأَذَانُ إِعْلَامًا بِالِاجْتِمَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ فَذَكَرَ الْجَمَاعَةَ، وَكَانَ أَقَلُّهَا إِمَامًا وَمَأْمُومًا فَذَكَرَ الْإِمَامَةَ.
وَلَمَّا انْقَضَتِ الشُّرُوطُ وَتَوَابِعُهَا ذَكَرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ وَلَمَّا كَانَتِ الْفَرَائِضُ فِي الْجَمَاعَةِ قَدْ تَخْتَصُّ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرَ الْجُمُعَةَ وَالْخَوْفَ، وَقَدَّمَ الْجُمُعَةَ لِأَكْثَرِيَّتِهَا. ثُمَّ تَلَا ذَلِكَ بِمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّوَافِلِ فَذَكَرَ الْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرَ وَالِاسْتِسْقَاءَ وَالْكُسُوفَ وَأَخَّرَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ، ثُمَّ تَلَاهُ بِمَا فِيهِ زِيَادَةُ سُجُودٍ فَذَكَرَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ إِذَا وَقَعَ اشْتَمَلَتِ الصَّلَاةُ عَلَى زِيَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَلَاهُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ عَدَدِهَا وَهُوَ قَصْرُ الصَّلَاةِ، وَلَمَّا انْقَضَى مَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ذَكَرَ مَا لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ وَهُوَ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ.
ثُمَّ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ تَرْكُ الْكَلَامِ وَتَرْكُ الْأَفْعَالِ الزَّائِدَةِ وَتَرْكُ الْمُفْطِرِ فَتَرْجَمَ لِذَلِكَ، ثُمَّ بُطْلَانُهَا يَخْتَصُّ بِمَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ ذِكْرَ أَحْكَامِ السَّهْوِ، ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِصَلَاةٍ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ وَهِيَ الْجِنَازَةُ.
هَذَا آخِرُ مَا ظَهَرَ مِنْ مُنَاسَبَةِ تَرْتِيبِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ لِذَلِكَ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ.
١ - بَاب كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَوات فِي الْإِسْرَاءِ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ
٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي،
ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ.
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعني فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ.
[الحديث ٣٤٩ - طرفاه في ٣٣٤٢، ١٦٣٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ)، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِيِّ الصَّلَوَاتُ. (فِي الْإِسْرَاءِ) أَيْ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ: كَانَا فِي لَيْلَةٍ
وَاحِدَةٍ فِي يَقَظَتِهِ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: كَانَا جَمِيعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَنَامِهِ، وَقِيلَ: وَقَعَا جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ فِي لَيْلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقَظَةً وَالْأُخْرَى مَنَامًا، وَقِيلَ كَانَ الْإِسْرَاءُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً فِي الْيَقَظَةِ وَكَانَ الْمِعْرَاجُ مَنَامًا إِمَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَلِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَذَّبَتْهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ تُكَذِّبْهُ فِيهِ وَلَا فِي أَبْعَدَ مِنْهُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ طُرُقَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ تَدُورُ عَلَى أَنَسٍ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَرَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَفِي سِيَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا ذِكْرُ فَرْضِ الصَّلَاةِ فَلْيَقَعِ الِاقْتِصَارُ هُنَا عَلَى شَرْحِهِ، وَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ وَتَغَايُرِ أَلْفَاظِهَا وَكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهِ وَهُوَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قُبَيْلَ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْحِكْمَةُ فِي وُقُوعِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَمَّا قُدِّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِينَ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ بِالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، وَمِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الطَّهُورُ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلِيَظْهَرَ شَرَفُهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُصَلِّي بِمَنْ سَكَنَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبِالْمَلَائِكَةِ، وَلِيُنَاجِيَ رَبَّهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الْمُتَقَدِّمِ مَوْصُولًا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَالْقَائِلُ يَأْمُرنَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ بِهِرَقْلَ لِقَاءً يَتَهَيَّأُ لَهُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا لَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَبَيَانُ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُقَدِّمَاتِهَا كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ وَسَاقَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ.
قَوْلُهُ: (فُرِجَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْ فُتِحَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ انْصَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ انْصِبَابَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ مُبَالَغَةً فِي الْمُنَاجَاةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ التَّمْهِيدَ لِمَا وَقَعَ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ، فَكَأَنَّ الْمَلَكَ أَرَاهُ بِانْفِرَاجِ السَّقْفِ وَالْتِئَامِهِ فِي الْحَالِ كَيْفِيَّةَ مَا سَيَصْنَعُ بِهِ لُطْفًا بِهِ وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَجَ صَدْرِي) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْضًا أَيْ شَقَّهُ، وَرَجَّحَ عِيَاضٌ أَنَّ شَقَّ الصَّدْرِ كَانَ وَهُوَ صَغِيرٌ عِنْدَ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ شَرِيكٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الشَّقَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِنَزْعِ الْعَلَقَةِ الَّتِي قِيلَ لَهُ عِنْدَهَا هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. وَالشَّقُّ الثَّانِي كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِلتَّلَقِّي الْحَاصِلِ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَدْ رَوَى الطَّيَالِسِيُّ، وَالْحَارِثُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الشَّقَّ وَقَعَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ. وَرُوِيَ الشَّقُّ أَيْضًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ. وَرُوِيَ مَرَّةً أُخْرَى خَامِسَةً وَلَا تَثْبُتُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا إِنَاءٌ مَعْرُوفٌ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَخُصَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ آلَةُ الْغَسْلِ عُرْفًا وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ ; لِأَنَّهُ أَعْلَى أَوَانِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ بِالذَّهَبِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ الْمَلَكُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الذَّهْبِ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي اللِّبَاسِ.
قَوْلُهُ: (مُمْتَلِئٌ) كَذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى مَعْنَى الْإِنَاءِ
لَا عَلَى لَفْظِ الطَّسْتِ ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، وَ (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الطَّسْتَ جُعِلَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ فَسُمِّيَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا مَجَازًا، أَوْ مَثَلًا لَهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَمْثِيلِ الْمَعَانِي كَمَا يُمَثَّلُ الْمَوْتُ كَبْشًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْعِلْمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ مَعَ نَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْحَكِيمُ مَنْ حَازَ ذَلِكَ. اهـ مُلَخَّصًا.
وَقَدْ تُطْلَقُ الْحِكْمَةُ عَلَى الْقُرْآنِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَى النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ فَقَطْ، وَعَلَى الْمَعْرِفَةِ فَقَطْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ وَقَعَ غَيْرَ مَرَّةٍ لِكَوْنِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي، وَالْإِتْيَانُ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي لَا يُنَافِي وُقُوعَ أَمْرِ الْإِسْرَاءِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا الْإطْبَاقُ وَالْعُرُوجُ بَلْ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَعَرَجَ) بِالْفَتْحِ أَيِ الْمَلَكُ (بِي) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهِ عَلَى الِالْتِفَاتِ أَوِ التَّجْرِيدِ.
قَوْلُهُ: (افْتَحْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَابَ كَانَ مُغْلَقًا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ حِكْمَتُهُ التَّحَقُّقُ أَنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُفْتَحْ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَفْتُوحًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ جِبْرِيلُ) فِيهِ مِنْ أَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ يُسَمِّي نَفْسَهُ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَأُرْسِلَ إِلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ أَصْلُ إِرْسَالِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ عَنِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ لِلْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ الرَّجُلِ يَقُومُ مَقَامَ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ الْخَازِنَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ الْفَتْحِ لَهُ عَلَى الْوَحْيِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ عَمِلَ بِلَازِمِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ أَوَقَدْ بُعِثَ لَكِنَّهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُعُقِّبَتْ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَسْوِدَةٌ) وَزْنُ أَزْمِنَةٍ وَهِيَ الْأَشْخَاصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَذَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ آدَمُ مَرْحَبًا، وَرِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ بِعَكْسِ ذَلِكَ وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ أَدَاةُ تَرْتِيبٍ.
قَوْلُهُ: (نَسَمُ بَنِيهِ) النَّسَمُ بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَهِيَ الرُّوحُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا مِيمٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَعْنِي فَكَيْفَ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَمَ أَوْقَاتًا فَصَادَفَ وَقْتَ عَرْضِهَا مُرُورُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدُلُّ - عَلَى أَنَّ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوْقَاتٍ دُونَ أَوْقَاتٍ - قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ لَا تُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا أَبْدَاهُ هُوَ احْتِمَالًا أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ وَالنَّارَ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ، وَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا، اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّسَمَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلِ الْأَجْسَادَ بَعْدُ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَجْسَادِ وَمُسْتَقَرُّهَا عَنْ يَمِينِ آدَمَ وَشِمَالِهِ. وَقَدْ أُعْلِمَ بِمَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَبْشِرُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَحْزَنُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَسَارِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي فِي الْأَجْسَادِ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً قَطْعًا، وَبِخِلَافِ الَّتِي انْتَقَلَتْ مِنَ الْأَجْسَادِ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ وَيُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ نَسَمُ بَنِيهِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَإِذَا بِآدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ
ذُرِّيَّتِهُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَزَّارِ فَإِذَا عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، إِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ حَزِنَ فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ (أَنَّهُ وَجَدَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُثْبِتْ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَإِبْرَاهِيمُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ هَاتَيْنِ أَنَّهُ فِي السَّابِعَةِ. فَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِلَّا فَالْأَرْجَحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِنَّهُ رَآهُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ فِي السَّادِسَةِ عِنْدَ شَجَرَةِ طُوبَى فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي فِي السَّادِسَةِ بِجَانِبِ شَجَرَةِ طُوبَى ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يُحَاذِي الْكَعْبَةَ وَكُلٌّ مِنْهَا مَعْمُورٌ بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا جَاءَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ بَيْتٍ يُحَاذِي الْكَعْبَةَ مِنْ بُيُوتِ السَّمَاوَاتِ وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الضُّرَاحُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ قَالَ هُنَا: إِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ فَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَهَا أَرْجَحُ، وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا مَرَّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا أَنَسٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ) الْبَاءُ الْأُولَى لِلْمُصَاحَبَةِ وَالثَّانِيَةُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) لَيْسَتْ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي التَّرْتِيبِ، إِلَّا إِنْ قِيلَ بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ، إِذِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ بِهِ كَانَ قَبْلَ الْمُرُورِ بِمُوسَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَأَمَّا أَبُوهُ مُحَمَّدٌ فَلَمْ يَسْمَعِ الزُّهْرِيُّ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَبَّةَ مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ قَبْلَ مَوْلِدِ أَبِي بَكْرٍ بِدَهْرٍ وَقَبْلَ مَوْلِدِ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا، وَأَبُو حَبَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ظَهَرْتُ) أَيِ ارْتَفَعْتُ، وَ (الْمُسْتَوَى) الْمِصْعَدُ وَ (صَرِيفُ الْأَقْلَامِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَصْوِيتُهَا حَالَةَ الْكِتَابَةِ، وَالْمُرَادُ مَا تَكْتُبُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَقْضِيَةِ اللَّهِ ﷾.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ عَنْ شَيْخِهِ (وَأَنَسٌ) أَيْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ ابْنِ حَزْمٍ وَمِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ بِلَا وَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلٍّ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اخْتِصَارٌ، أَوْ يُقَالُ: ذِكْرُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْفَرْضَ عَلَى الْأُمَّةِ وَبِالْعَكْسِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ خَصَائِصِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَاجَعَنِي) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَرَاجَعْتُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ شَطْرَهَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا وَمِثْلُهُ لِشَرِيكٍ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذِكْرُ الشَّطْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ: وَكَذَا الْعَشْرُ فَكَأَنَّهُ وَضَعَ الْعَشْرَ فِي دُفْعَتَيْنِ وَالشَّطْرَ فِي خَمْسِ دُفُعَاتٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْبَعْضُ وَقَدْ حَقَقْتُ رِوَايَةَ ثَابِتٍ أَنَّ التَّخْفِيفَ كَانَ خَمْسًا خَمْسًا وَهِيَ زِيَادَةٌ مُعْتَمَدَةٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ الشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ فَفِي الْمُرَاجَعَةِ الْأُولَى وَضَعَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَعْنِي نِصْفَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ بِجَبْرِ الْكَسْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ سَبْعًا، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْمُرَاجَعَةِ الثَّالِثَةِ ذِكْرُ وَضْعِ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ حُذِفَ ذَلِكَ اخْتِصَارًا فَيُتَّجَهُ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ
يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ. وَأَبْدَى ابْنُ الْمُنِيرِ هُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً فِي قَوْلِهِ ﷺ لِمُوسَى ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا فَقَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ تَفَرَّسَ مِنْ كَوْنِ التَّخْفِيفِ وَقَعَ خَمْسًا خَمْسًا أَنَّهُ لَوْ سَأَلَ التَّخْفِيفَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا لَكَانَ سَائِلًا فِي رَفْعِهَا فَلِذَلِكَ اسْتَحْيَى اهـ.
وَدَلَّتْ مُرَاجَعَتُهُ ﷺ لِرَبِّهِ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ تِلْكَ الْمَرَّاتِ كُلَّهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، بِخِلَافِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ فَفِيهَا مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وقَوْلِهِ ﷾: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْيَاءِ أَنَّ الْعَشَرَةَ آخِرُ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَأَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، فَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِلْحَاحِ فِي السُّؤَالِ لَكِنَّ الْإِلْحَاحَ فِي الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ مَطْلُوبٌ، فَكَأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ زِيَادَةٌ فِي هَذَا وَمُخَالَفَةٌ. وَأَبْدَى بَعْضُ الشُّيُوخِ حِكْمَةً لِاخْتِيَارِ مُوسَى تَكْرِيرَ تَرْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَمَّا كَانَ مُوسَى قَدْ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَمُنِعَ وَعَرَفَ أَنَّهَا حَصَلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ رُجُوعِهِ تَكْرِيرَ رُؤْيَتِهِ لِيَرَى مَنْ رَأَى، كَمَا قِيلَ: لَعَلِّي أَرَاهُمْ أَوْ أَرَى مَنْ رَآهُمْ (١). قُلْتُ: وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ تَجَدُّدِ الرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هِيَ بَدَلُ هُنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَّ خَمْسٌ عَدَدًا بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ وَخَمْسُونَ اعْتِدَادًا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَالْوِتْرِ، وَعَلَى دُخُولِ النَّسْخِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً، خِلَافًا لِقَوْمٍ فِيمَا أُكِّدَ، وَعَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷿ نَسَخَ الْخَمْسِينَ بِالْخَمْسِ قَبْلَ أَنْ تُصَلَّى، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَكْمَلَ لَهُمُ الثَّوَابَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرُ فَقَالَ: هَذَا ذَكَرَهُ طَوَائِفُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالشُّرَّاحِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ كَالْأَشَاعِرَةِ أَوْ مَنَعَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ، لِكَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، وَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ وَقَعَ فِيهِ النَّسْخُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. قَالَ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مُبْتَكَرَةٌ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ إِلَى الْأُمَّةِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَيْسَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ نَسْخًا، لَكِنْ هُوَ نَسْخٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ كُلِّفَ بِذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ أَنْ بُلِّغَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، فَالْمَسْأَلَةُ صَحِيحَةُ التَّصْوِيرِ فِي حَقِّهِ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ لَامٌ، وَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ جَنَابِذُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَوَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَنَابِذُ عَلَى الصَّوَابِ وَأَظُنُّهُ مِنْ إِصْلَاحِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَجْوِبَتِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: فَتَّشْتُ عَلَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ فَلَمْ أَجِدْهُمَا وَلَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا وَقَفْتُ عَلَى مَعْنَاهُمَا. انْتَهَى. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْجَنَابِذَ شَبَهُ الْقِبَابِ وَاحِدُهَا جُنْبُذَةٌ بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ بِلِسَانِهِمْ كُنْبُذَةٌ بِوَزْنِهِ لَكِنَّ الْمُوَحَّدَةَ مَفْتُوحَةٌ وَالْكَافُ لَيْسَتْ خَالِصَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ «ابن مالكٍ» لابن عساكر (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) ﵁ (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء، أي: فُتِح (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) أضافه لنفسه؛ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى مُلابَسةٍ، وإِلَّا فهو بيت أُمِّ هانئٍ، كما ثبت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ من الموضع المفروج في السَّقف، مبالغةً في المفاجأة (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: شقَّ (صَدْرِي) ولأبي ذَرٍّ: «عن صدري» (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) (١) لفضله على غيره من المياه، أو لأنَّه يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملة، وهي مؤنَّثةٌ، وتُذَكَّر على معنى الإناء (مِنْ ذَهَبٍ) لا يُقال: فيه استعمال آنية الذَّهب لنا (٢)؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك كان قبل التَّحريم؛ لأنَّه إنَّما وقع بالمدينة (مُمْتَلِئٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «طستٍ»، وذُكِّرَ على معنى: الإناء (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنَّصب فيهما على التَّمييز، أي: شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأُطْلِقا عليه تسميةً للشَّيء باسم مُسبَّبه، أو هو تمثيلٌ لينكشفَ بالمحسوس ما هو معقولٌ، كمجيءِ الموت في هيئة كبشٍ أملحَ، والحكمة -كما قاله النَّوويُّ-: عبارةٌ عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوبةِ بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، وقِيلَ: هي النُّبوَّة، وقِيلَ: هي (٣) الفهم عن الله تعالى. (فَأَفْرَغَهُ) أي: ما في الطَّست (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: الصَّدرَ الشَّريفَ، فختم عليه كما يُختَم على الوعاء (٤) المملوء،
فجمع الله تعالى له أجزاءَ النُّبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيِّين، وختم عليه فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم عليه (١) محروسٌ، وإنَّما فُعِل به ذلك ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثُّبوت في المقام الأسنى، كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق، وعند المبعث ليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ.
قال ﵇: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ) أي: صعِد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «به» على الالتفات أو التَّجريد، جرَّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وبينها وبين الأرض خمس مئة عامٍ، كما بين كلِّ سماءين إلى السَّابعة، وسقط لفظ «الدُّنيا» عند الأربعة (٢) (قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ) أي: بابها، وفي رواية شريك عند المؤلِّف: «فضرب بابًا من أبوابها» (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) ولغير أبي ذَرٍّ: «قال: هذا جبريل» لم يقل: أنا؛ للنَّهي عنه (قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ (٣)، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ وليس السُّؤال عن أصل (٤) رسالته؛ لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذَرٍّ: «أَأُرسل إليه؟» بهمزتين، الأولى للاستفهام وهي مفتوحةٌ، والأخرى للتَّعدية وهي مضمومةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كما في «الفتح»: «أَوَأُرْسِلَ إليه؟ (٥)» بواوٍ مفتوحةٍ بين الهمزتين، وفي رواية شريكٍ: «قال: وقد (٦) بُعِثَ إليه؟»
(قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرْسِل إليه (فَلَمَّا فَتَحَ) الخازن (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ضمير الجمع فيه يدلُّ على أنَّه كان معهما ملائكةٌ آخرون، ولعلَّه كان كلَّما عَدَيَا سماءً تُشيُّعهما الملائكة حتَّى يصلا إلى سماءٍ أخرى، و «الدُّنيا» صفة «السَّماء» في موضع نصبٍ (فَإِذَا) بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا» (رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ، جمع سوادٍ، كأزمنةٍ جمع زمانٍ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوَحَّدة، أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ) أي: جهة (يَسَارِهِ بَكَى) وللأربعة: «شماله» (فَقَالَ) أي: الرَّجل القاعِد: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) أي: أصبت رَحْبًا (١) لا ضيقًا، وهي كلمةٌ تُقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحدٌ (٢): مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّادق؛ لأنَّ الصَّلاح شاملٌ لسائر الخصال المحمودة الممدوحة (٣) من الصِّدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنَّه قال: مرحبًا بالنَّبيِّ التَّامِّ في نبوَّتِه، والابنِ البارِّ في بنوَّتِه (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) ﵇: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ) ﵇ (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النُّون والسِّين المهملة،
جمع نَسَمةٍ؛ وهي نفس الرُّوح، أي: أرواح بنيه (فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ) يُحتمَل أنَّ النَّار كانت في جهة شماله، ويُكشَفُ له عنها حتَّى ينظرَ إليهم، لا أنَّها في السَّماء؛ لأنَّ أرواحَهم في سِجِّين الأرض السَّابعة، كما أنَّ الجنَّة فوق السَّماء السَّابعة في جهة يمينه كذلك (فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ (١) بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي) جبريل، ولابن عساكر: «به» (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ (٢)، فَفَتَحَ).
(قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» (أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أبو ذَرٍّ (أَنَّهُ) أي: النَّبيُّ ﷺ (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَلَمْ يُثْبِتْ) من الإثبات (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: لم يعيِّن أبو ذَرٍّ لكلِّ نبيٍّ سماءً (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) نعم في حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند الشَّيخين: «أنَّه وجد آدم في السَّماء الدُّنيا -كما مرَّ-، وفي الثَّانية: يحيى وعيسى، وفي الثَّالثة: يوسف، وفي الرَّابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السَّادسة: موسى، وفي السَّابعة: إبراهيم» وفيه بحثٌ يأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦٣٢٠٧].
(قَالَ أَنَسٌ) ظاهره: أنَّ أنسًا لم يسمع من أبي ذَرٍّ هذه القطعة الآتية (٣)، وهي: (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ) أي: مصاحبًا بالنَّبيِّ ﷺ (بِإِدْرِيسَ) ﵇، يتعلَّق الجارُّ والمجرور في
الموضعين بـ «مرَّ»، إلَّا أنَّ الباء الأولى للمصاحبة -كما مرَّ-، والثَّانية للإلصاق، أو بمعنى: «على» (قَالَ) إدريس (١): (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) لم يقل: والابن كآدم (٢)؛ لأنَّه لم يكن من (٣) آبائه ﷺ (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال»: (هَذَا إِدْرِيسُ) ﵇، قال ﵇ (٤): (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) سقط قوله «وَالأَخِ الصَّالِحِ» في رواية الأربعة كما في الفرع، قال ﵇: (قُلْتُ) وفي رواية (٥): «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قال ﵇: (قُلْتُ) وفي روايةٍ: «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا عِيسَى) وسقطت لفظة «هذا» عند أبي ذرٍّ، وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، إِلَّا إنْ قيل بتعدُّدِ المعراج لأنَّ الرِّوايات قد اتَّفقت على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسى، قال ﵇: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ عن أربعٍ وثمانين سنةً (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة على المشهور، البدريَّ (الأَنْصَارِيَّ) وعند القابسيِّ: «وأبا حَيَّة» بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وغلط، ورواية أبي بكر بن حزمٍ عن أبي حبَّة منقطعةٌ لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد أبي بكرٍ بدهرٍ، بل قبل مولد أبيه محمَّدٍ أيضًا، ففي هذه الرِّواية وهمٌ لأنَّه إمَّا أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو
أبوه (١) محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا (٢) أنْ يُقال: إنَّ أبا بكرٍ رواه (٣) عنه مُرسَلًا إذ قال: «أنَّ»، ولم يقل: «سمعت» ولا: «أخبرني» وحينئذٍ فلا وَهَمَ، واختُلِف في اسم أبي حبَّة بالموحَّدة (٤)، فقيل: عامر بن عبد عمرو (٥) بن عُمَير بن ثابتٍ، وقيل: مالكٌ، وأنكر الواحديُّ أن يكون في البدريِّين مَن يُكنَّى أبا حبَّة بالموحَّدة، قال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمَّار (٦) بن أبي عمَّار، وحديثه عنه في «مسند ابن أبي شيبة وأحمد» وصحَّحه الحاكم وصرَّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الَّذي ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشْهِدَ بأُحدٍ، وله في «الطَّبراني» آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قويٌّ، إِلَّا أنَّ عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزمٍ: (كَانَا) أي: ابن عبَّاسٍ وأبو حبَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثُمَّ عَُرَِجَ بِي) بفتحاتٍ، أو بضمِّ الأوَّل وكسر الثَّاني (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يُستوَى عليه، وهو المصعد، واللَّام فيه للعلَّة أي: علوت لاستعلاء مستوًى، وفي بعض الأصول: «بمستوًى» بموحَّدةٍ بدل اللَّام (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى ممَّا تنسخه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيٌّ عن الاستذكار بتدوين الكتب؛ إذ علمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه: (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا جزم به (١) أصحاب «الأطراف»، ويُحتَمل أن يكون مُرْسَلًا من جهة ابن حزمٍ، ومن رواية أنسٍ بلا واسطةٍ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَفَرَضَ اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) أي: في كلِّ يومٍ وليلةٍ كما عند مسلمٍ من حديث ثابتٍ عن أنس، لكن بلفظ: «ففرض الله عليَّ» وذِكْرُ الفرض عليه يستلزم الفرض على أمَّته وبالعكس، إِلَّا ما يُستثنَى من خصائصه (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) ﵊ (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ) موسى: (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى الموضع الَّذي ناجيتَه فيه (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) سقطت لفظة «ذلك» في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (فَرَاجَعَنِي) و «للأربعة» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فراجعت» والمعنى واحدٌ (فَوَضَعَ) أي: ربِّي (شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابتٍ: «فحطَّ عنِّي خمسًا»، وزاد فيها: أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي زيادةٌ معتمدةٌ يتعيَّن حملُ ما في الرِّوايات عليها (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «فقلت»: (وَضَعَ (٢) شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال»: (رَاجِعْ رَبَّكَ) وفي روايةٍ: «ارجع إلى ربِّك» (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك (فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر «فرجعت» (فَوَضَعَ) عنِّي (شَطْرَهَا) فيه شيءٌ على تفسير الشَّطر بالنِّصف؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشْرة صلاةً ونصف صلاةٍ، وهو باطلٌ، فتفسيره بجزءٍ منها أولى، وأحسنُ منه الحمل على ما زاده ثابتٌ: «خمسًا خمسًا» كما مرَّ (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ (٣)، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهْيَ خَمْسُونَ)
بحسب الثَّواب، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (١)، ونسبها في «الفتح» لغير أبي ذَرٍّ: «هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون» واستدلَّ به على عدم فرضيَّة ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه: جواز النَّسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة، قال ابن المُنَيِّر: لكنَّ الكلَّ متَّفقون على أنَّ النَّسخ لا يُتصوَّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء، فأشكل على الطَّائفتين، وتُعقِّب بأنَّ الخلاف مأثورٌ، نصَّ عليه ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» وغيره. نعم هو نسخٌ بالنِّسبة إلى النَّبيِّ ﷺ لأنَّه كُلِّفَ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسِخَ بعد أن بلَّغَه وقبل أن يفعل، فالنَّسخ في حقِّه صحيح التَّصوير. (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لَدَيَّ) أو لا يُبدَّل القضاء المُبرَم، لا المعلَّق الَّذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأمَّا مراجعته ﵊ ربَّه في ذلك فللعلم بأنَّ الأمر الأَوَّل ليس على وجه القطع والإبرام، قال ﵊: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) وللأَصيليِّ: «ارجع إلى ربِّك» (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قلت:» (اسْتَحْيَيْتُ) وللأَصيليِّ: «قد استحييت» (مِنْ رَبِّي) وجه استحيائه: أنَّه لو سأل الرَّفع بعد الخمس لكان كأنَّه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولاسيَّما وقد سمع قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) بفتح الطَّاء واللَّام، وفي بعض النُّسخ: إسقاط «بي» والاقتصار على: «ثمَّ انطلق» (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى) و «للأربعة»: «إلى السِّدرة المنتهى» (٢) وهي في أعلى السَّموات، وفي «مسلمٍ»: «أنَّها في السَّماء (٣) السَّادسة». فيحتمل أنَّ أصلها فيها ومعظمها في السَّابعة، وسمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ (٤) إِلَّا رسول الله ﷺ، أو لأنَّه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشُّهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلِّي عليهم الملائكة المقرَّبون
(وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ، وبعد الألف مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ثمَّ لامٌ، كذا هنا في جميع الرِّوايات، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة» ثمَّ ضُرِب على التَّضبيب، وصُحِّح على لفظ «حبايل» ثلاث مرَّاتٍ، قِيلَ: معناه: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ، ورُدَّ بأنَّ الحبائل إنَّما تكون جمع حبالةٍ أو حبيلةٍ، وذكر غير واحدٍ من الأئمَّة: أنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هي (١): «جنابذ» كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ مُعجَمةٌ، جمع: جنبذةٍ، وهي: القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ) أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك (٢).
ورواة هذا الحديث الستَّة ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» مُختصَرًا [خ¦١٦٣٦] وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] وفي «الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] وفي (٣) «باب ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]»، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ بَرَاعَةِ الْخِتَامِ الْوَاقِعَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ خَتْمُهُ كِتَابَ التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكِفَايَةِ بِمَا أَوْرَدَهُ تَحْصُلُ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَتَفَهَّمَ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
﷽
٨ - كِتَاب الصَّلَاةِ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الصَّلَاةِ)
تَقَدَّمَ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ذِكْرُ مُنَاسَبَةِ كَتْبِ هَذَا الصَّحِيحِ فِي التَّرْتِيبِ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَفِي أَوَائِلهَا مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَالْوَسِيلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَقَدْ تَأَمَّلْت. كِتَابَ الصَّلَاةِ مِنْهُ فَوَجَدْتُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَنْوَاعٍ تَزِيدُ عَلَى الْعِشْرِينَ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَ مُنَاسَبَتَهَا فِي تَرْتِيبِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي شَرْحِهَا، فَأَقُولُ: بَدَأَ أَوَّلًا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَلَمَّا كَانَتِ الطَّهَارَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ أَفْرَدَهَا بِكِتَابٍ، وَاسْتَفْتَحَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِذِكْرِ فَرْضِيَّتِهَا لِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ فَبَدَأَ بِهِ لِعُمُومِهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالِاسْتِقْبَالِ لِلُزُومِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى كَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَنَافِلَةِ السَّفَرِ، وَكَانَ الِاسْتِقْبَالُ يَسْتَدْعِي مَكَانًا فَذَكَرَ الْمَسَاجِدَ، وَمِنْ تَوَابِعِ الِاسْتِقْبَالِ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَذَكَرَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّرْطَ الْبَاقِيَ وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْفَرِيضَةِ، وَكَانَ الْوَقْتُ يُشْرَعُ الْإِعْلَامُ بِهِ فَذَكَرَ الْأَذَانَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَقُّ الْوَقْتِ، وَكَانَ الْأَذَانُ إِعْلَامًا بِالِاجْتِمَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ فَذَكَرَ الْجَمَاعَةَ، وَكَانَ أَقَلُّهَا إِمَامًا وَمَأْمُومًا فَذَكَرَ الْإِمَامَةَ.
وَلَمَّا انْقَضَتِ الشُّرُوطُ وَتَوَابِعُهَا ذَكَرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ وَلَمَّا كَانَتِ الْفَرَائِضُ فِي الْجَمَاعَةِ قَدْ تَخْتَصُّ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرَ الْجُمُعَةَ وَالْخَوْفَ، وَقَدَّمَ الْجُمُعَةَ لِأَكْثَرِيَّتِهَا. ثُمَّ تَلَا ذَلِكَ بِمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّوَافِلِ فَذَكَرَ الْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرَ وَالِاسْتِسْقَاءَ وَالْكُسُوفَ وَأَخَّرَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ، ثُمَّ تَلَاهُ بِمَا فِيهِ زِيَادَةُ سُجُودٍ فَذَكَرَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ إِذَا وَقَعَ اشْتَمَلَتِ الصَّلَاةُ عَلَى زِيَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَلَاهُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ عَدَدِهَا وَهُوَ قَصْرُ الصَّلَاةِ، وَلَمَّا انْقَضَى مَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ذَكَرَ مَا لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ وَهُوَ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ.
ثُمَّ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ تَرْكُ الْكَلَامِ وَتَرْكُ الْأَفْعَالِ الزَّائِدَةِ وَتَرْكُ الْمُفْطِرِ فَتَرْجَمَ لِذَلِكَ، ثُمَّ بُطْلَانُهَا يَخْتَصُّ بِمَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ ذِكْرَ أَحْكَامِ السَّهْوِ، ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِصَلَاةٍ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ وَهِيَ الْجِنَازَةُ.
هَذَا آخِرُ مَا ظَهَرَ مِنْ مُنَاسَبَةِ تَرْتِيبِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ لِذَلِكَ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ.
١ - بَاب كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَوات فِي الْإِسْرَاءِ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ
٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي،
ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ.
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعني فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ.
[الحديث ٣٤٩ - طرفاه في ٣٣٤٢، ١٦٣٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ)، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِيِّ الصَّلَوَاتُ. (فِي الْإِسْرَاءِ) أَيْ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ: كَانَا فِي لَيْلَةٍ
وَاحِدَةٍ فِي يَقَظَتِهِ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: كَانَا جَمِيعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَنَامِهِ، وَقِيلَ: وَقَعَا جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ فِي لَيْلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقَظَةً وَالْأُخْرَى مَنَامًا، وَقِيلَ كَانَ الْإِسْرَاءُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً فِي الْيَقَظَةِ وَكَانَ الْمِعْرَاجُ مَنَامًا إِمَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَلِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَذَّبَتْهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ تُكَذِّبْهُ فِيهِ وَلَا فِي أَبْعَدَ مِنْهُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ طُرُقَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ تَدُورُ عَلَى أَنَسٍ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَرَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَفِي سِيَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا ذِكْرُ فَرْضِ الصَّلَاةِ فَلْيَقَعِ الِاقْتِصَارُ هُنَا عَلَى شَرْحِهِ، وَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ وَتَغَايُرِ أَلْفَاظِهَا وَكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهِ وَهُوَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قُبَيْلَ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْحِكْمَةُ فِي وُقُوعِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَمَّا قُدِّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِينَ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ بِالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، وَمِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الطَّهُورُ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلِيَظْهَرَ شَرَفُهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُصَلِّي بِمَنْ سَكَنَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبِالْمَلَائِكَةِ، وَلِيُنَاجِيَ رَبَّهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الْمُتَقَدِّمِ مَوْصُولًا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَالْقَائِلُ يَأْمُرنَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ بِهِرَقْلَ لِقَاءً يَتَهَيَّأُ لَهُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا لَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَبَيَانُ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُقَدِّمَاتِهَا كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ وَسَاقَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ.
قَوْلُهُ: (فُرِجَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْ فُتِحَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ انْصَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ انْصِبَابَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ مُبَالَغَةً فِي الْمُنَاجَاةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ التَّمْهِيدَ لِمَا وَقَعَ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ، فَكَأَنَّ الْمَلَكَ أَرَاهُ بِانْفِرَاجِ السَّقْفِ وَالْتِئَامِهِ فِي الْحَالِ كَيْفِيَّةَ مَا سَيَصْنَعُ بِهِ لُطْفًا بِهِ وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَجَ صَدْرِي) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْضًا أَيْ شَقَّهُ، وَرَجَّحَ عِيَاضٌ أَنَّ شَقَّ الصَّدْرِ كَانَ وَهُوَ صَغِيرٌ عِنْدَ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ شَرِيكٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الشَّقَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِنَزْعِ الْعَلَقَةِ الَّتِي قِيلَ لَهُ عِنْدَهَا هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. وَالشَّقُّ الثَّانِي كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِلتَّلَقِّي الْحَاصِلِ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَدْ رَوَى الطَّيَالِسِيُّ، وَالْحَارِثُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الشَّقَّ وَقَعَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ. وَرُوِيَ الشَّقُّ أَيْضًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ. وَرُوِيَ مَرَّةً أُخْرَى خَامِسَةً وَلَا تَثْبُتُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا إِنَاءٌ مَعْرُوفٌ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَخُصَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ آلَةُ الْغَسْلِ عُرْفًا وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ ; لِأَنَّهُ أَعْلَى أَوَانِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ بِالذَّهَبِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ الْمَلَكُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الذَّهْبِ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي اللِّبَاسِ.
قَوْلُهُ: (مُمْتَلِئٌ) كَذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى مَعْنَى الْإِنَاءِ
لَا عَلَى لَفْظِ الطَّسْتِ ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، وَ (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الطَّسْتَ جُعِلَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ فَسُمِّيَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا مَجَازًا، أَوْ مَثَلًا لَهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَمْثِيلِ الْمَعَانِي كَمَا يُمَثَّلُ الْمَوْتُ كَبْشًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْعِلْمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ مَعَ نَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْحَكِيمُ مَنْ حَازَ ذَلِكَ. اهـ مُلَخَّصًا.
وَقَدْ تُطْلَقُ الْحِكْمَةُ عَلَى الْقُرْآنِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَى النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ فَقَطْ، وَعَلَى الْمَعْرِفَةِ فَقَطْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ وَقَعَ غَيْرَ مَرَّةٍ لِكَوْنِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي، وَالْإِتْيَانُ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي لَا يُنَافِي وُقُوعَ أَمْرِ الْإِسْرَاءِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا الْإطْبَاقُ وَالْعُرُوجُ بَلْ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَعَرَجَ) بِالْفَتْحِ أَيِ الْمَلَكُ (بِي) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهِ عَلَى الِالْتِفَاتِ أَوِ التَّجْرِيدِ.
قَوْلُهُ: (افْتَحْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَابَ كَانَ مُغْلَقًا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ حِكْمَتُهُ التَّحَقُّقُ أَنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُفْتَحْ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَفْتُوحًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ جِبْرِيلُ) فِيهِ مِنْ أَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ يُسَمِّي نَفْسَهُ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَأُرْسِلَ إِلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ أَصْلُ إِرْسَالِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ عَنِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ لِلْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ الرَّجُلِ يَقُومُ مَقَامَ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ الْخَازِنَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ الْفَتْحِ لَهُ عَلَى الْوَحْيِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ عَمِلَ بِلَازِمِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ أَوَقَدْ بُعِثَ لَكِنَّهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُعُقِّبَتْ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَسْوِدَةٌ) وَزْنُ أَزْمِنَةٍ وَهِيَ الْأَشْخَاصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَذَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ آدَمُ مَرْحَبًا، وَرِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ بِعَكْسِ ذَلِكَ وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ أَدَاةُ تَرْتِيبٍ.
قَوْلُهُ: (نَسَمُ بَنِيهِ) النَّسَمُ بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَهِيَ الرُّوحُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا مِيمٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَعْنِي فَكَيْفَ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَمَ أَوْقَاتًا فَصَادَفَ وَقْتَ عَرْضِهَا مُرُورُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدُلُّ - عَلَى أَنَّ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوْقَاتٍ دُونَ أَوْقَاتٍ - قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ لَا تُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا أَبْدَاهُ هُوَ احْتِمَالًا أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ وَالنَّارَ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ، وَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا، اهـ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّسَمَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلِ الْأَجْسَادَ بَعْدُ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَجْسَادِ وَمُسْتَقَرُّهَا عَنْ يَمِينِ آدَمَ وَشِمَالِهِ. وَقَدْ أُعْلِمَ بِمَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَبْشِرُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَحْزَنُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَسَارِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي فِي الْأَجْسَادِ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً قَطْعًا، وَبِخِلَافِ الَّتِي انْتَقَلَتْ مِنَ الْأَجْسَادِ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ وَيُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ نَسَمُ بَنِيهِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَإِذَا بِآدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ
ذُرِّيَّتِهُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَزَّارِ فَإِذَا عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، إِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ حَزِنَ فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ (أَنَّهُ وَجَدَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُثْبِتْ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَإِبْرَاهِيمُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ هَاتَيْنِ أَنَّهُ فِي السَّابِعَةِ. فَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِلَّا فَالْأَرْجَحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِنَّهُ رَآهُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ فِي السَّادِسَةِ عِنْدَ شَجَرَةِ طُوبَى فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي فِي السَّادِسَةِ بِجَانِبِ شَجَرَةِ طُوبَى ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يُحَاذِي الْكَعْبَةَ وَكُلٌّ مِنْهَا مَعْمُورٌ بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا جَاءَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ بَيْتٍ يُحَاذِي الْكَعْبَةَ مِنْ بُيُوتِ السَّمَاوَاتِ وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الضُّرَاحُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ قَالَ هُنَا: إِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ فَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَهَا أَرْجَحُ، وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا مَرَّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا أَنَسٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ) الْبَاءُ الْأُولَى لِلْمُصَاحَبَةِ وَالثَّانِيَةُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) لَيْسَتْ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي التَّرْتِيبِ، إِلَّا إِنْ قِيلَ بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ، إِذِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ بِهِ كَانَ قَبْلَ الْمُرُورِ بِمُوسَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَأَمَّا أَبُوهُ مُحَمَّدٌ فَلَمْ يَسْمَعِ الزُّهْرِيُّ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَبَّةَ مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ قَبْلَ مَوْلِدِ أَبِي بَكْرٍ بِدَهْرٍ وَقَبْلَ مَوْلِدِ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا، وَأَبُو حَبَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ظَهَرْتُ) أَيِ ارْتَفَعْتُ، وَ (الْمُسْتَوَى) الْمِصْعَدُ وَ (صَرِيفُ الْأَقْلَامِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَصْوِيتُهَا حَالَةَ الْكِتَابَةِ، وَالْمُرَادُ مَا تَكْتُبُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَقْضِيَةِ اللَّهِ ﷾.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ عَنْ شَيْخِهِ (وَأَنَسٌ) أَيْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ ابْنِ حَزْمٍ وَمِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ بِلَا وَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلٍّ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اخْتِصَارٌ، أَوْ يُقَالُ: ذِكْرُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْفَرْضَ عَلَى الْأُمَّةِ وَبِالْعَكْسِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ خَصَائِصِهِ.
قَوْلُهُ: (فَرَاجَعَنِي) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَرَاجَعْتُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ شَطْرَهَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا وَمِثْلُهُ لِشَرِيكٍ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذِكْرُ الشَّطْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ: وَكَذَا الْعَشْرُ فَكَأَنَّهُ وَضَعَ الْعَشْرَ فِي دُفْعَتَيْنِ وَالشَّطْرَ فِي خَمْسِ دُفُعَاتٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْبَعْضُ وَقَدْ حَقَقْتُ رِوَايَةَ ثَابِتٍ أَنَّ التَّخْفِيفَ كَانَ خَمْسًا خَمْسًا وَهِيَ زِيَادَةٌ مُعْتَمَدَةٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ الشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ فَفِي الْمُرَاجَعَةِ الْأُولَى وَضَعَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَعْنِي نِصْفَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ بِجَبْرِ الْكَسْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ سَبْعًا، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْمُرَاجَعَةِ الثَّالِثَةِ ذِكْرُ وَضْعِ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ حُذِفَ ذَلِكَ اخْتِصَارًا فَيُتَّجَهُ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ
يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ. وَأَبْدَى ابْنُ الْمُنِيرِ هُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً فِي قَوْلِهِ ﷺ لِمُوسَى ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا فَقَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ تَفَرَّسَ مِنْ كَوْنِ التَّخْفِيفِ وَقَعَ خَمْسًا خَمْسًا أَنَّهُ لَوْ سَأَلَ التَّخْفِيفَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا لَكَانَ سَائِلًا فِي رَفْعِهَا فَلِذَلِكَ اسْتَحْيَى اهـ.
وَدَلَّتْ مُرَاجَعَتُهُ ﷺ لِرَبِّهِ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ تِلْكَ الْمَرَّاتِ كُلَّهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، بِخِلَافِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ فَفِيهَا مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وقَوْلِهِ ﷾: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْيَاءِ أَنَّ الْعَشَرَةَ آخِرُ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَأَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، فَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِلْحَاحِ فِي السُّؤَالِ لَكِنَّ الْإِلْحَاحَ فِي الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ مَطْلُوبٌ، فَكَأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ زِيَادَةٌ فِي هَذَا وَمُخَالَفَةٌ. وَأَبْدَى بَعْضُ الشُّيُوخِ حِكْمَةً لِاخْتِيَارِ مُوسَى تَكْرِيرَ تَرْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَمَّا كَانَ مُوسَى قَدْ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَمُنِعَ وَعَرَفَ أَنَّهَا حَصَلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ رُجُوعِهِ تَكْرِيرَ رُؤْيَتِهِ لِيَرَى مَنْ رَأَى، كَمَا قِيلَ: لَعَلِّي أَرَاهُمْ أَوْ أَرَى مَنْ رَآهُمْ (١). قُلْتُ: وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ تَجَدُّدِ الرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هِيَ بَدَلُ هُنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَّ خَمْسٌ عَدَدًا بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ وَخَمْسُونَ اعْتِدَادًا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَالْوِتْرِ، وَعَلَى دُخُولِ النَّسْخِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً، خِلَافًا لِقَوْمٍ فِيمَا أُكِّدَ، وَعَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷿ نَسَخَ الْخَمْسِينَ بِالْخَمْسِ قَبْلَ أَنْ تُصَلَّى، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَكْمَلَ لَهُمُ الثَّوَابَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرُ فَقَالَ: هَذَا ذَكَرَهُ طَوَائِفُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالشُّرَّاحِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ كَالْأَشَاعِرَةِ أَوْ مَنَعَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ، لِكَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، وَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ وَقَعَ فِيهِ النَّسْخُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. قَالَ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مُبْتَكَرَةٌ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ إِلَى الْأُمَّةِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَيْسَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ نَسْخًا، لَكِنْ هُوَ نَسْخٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ كُلِّفَ بِذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ أَنْ بُلِّغَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، فَالْمَسْأَلَةُ صَحِيحَةُ التَّصْوِيرِ فِي حَقِّهِ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ لَامٌ، وَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ جَنَابِذُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَوَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَنَابِذُ عَلَى الصَّوَابِ وَأَظُنُّهُ مِنْ إِصْلَاحِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَجْوِبَتِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: فَتَّشْتُ عَلَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ فَلَمْ أَجِدْهُمَا وَلَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا وَقَفْتُ عَلَى مَعْنَاهُمَا. انْتَهَى. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْجَنَابِذَ شَبَهُ الْقِبَابِ وَاحِدُهَا جُنْبُذَةٌ بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ بِلِسَانِهِمْ كُنْبُذَةٌ بِوَزْنِهِ لَكِنَّ الْمُوَحَّدَةَ مَفْتُوحَةٌ وَالْكَافُ لَيْسَتْ خَالِصَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ «ابن مالكٍ» لابن عساكر (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) ﵁ (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء، أي: فُتِح (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) أضافه لنفسه؛ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى مُلابَسةٍ، وإِلَّا فهو بيت أُمِّ هانئٍ، كما ثبت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ من الموضع المفروج في السَّقف، مبالغةً في المفاجأة (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: شقَّ (صَدْرِي) ولأبي ذَرٍّ: «عن صدري» (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) (١) لفضله على غيره من المياه، أو لأنَّه يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملة، وهي مؤنَّثةٌ، وتُذَكَّر على معنى الإناء (مِنْ ذَهَبٍ) لا يُقال: فيه استعمال آنية الذَّهب لنا (٢)؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك كان قبل التَّحريم؛ لأنَّه إنَّما وقع بالمدينة (مُمْتَلِئٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «طستٍ»، وذُكِّرَ على معنى: الإناء (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنَّصب فيهما على التَّمييز، أي: شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأُطْلِقا عليه تسميةً للشَّيء باسم مُسبَّبه، أو هو تمثيلٌ لينكشفَ بالمحسوس ما هو معقولٌ، كمجيءِ الموت في هيئة كبشٍ أملحَ، والحكمة -كما قاله النَّوويُّ-: عبارةٌ عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوبةِ بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، وقِيلَ: هي النُّبوَّة، وقِيلَ: هي (٣) الفهم عن الله تعالى. (فَأَفْرَغَهُ) أي: ما في الطَّست (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: الصَّدرَ الشَّريفَ، فختم عليه كما يُختَم على الوعاء (٤) المملوء،
فجمع الله تعالى له أجزاءَ النُّبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيِّين، وختم عليه فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم عليه (١) محروسٌ، وإنَّما فُعِل به ذلك ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثُّبوت في المقام الأسنى، كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق، وعند المبعث ليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ.
قال ﵇: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ) أي: صعِد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «به» على الالتفات أو التَّجريد، جرَّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وبينها وبين الأرض خمس مئة عامٍ، كما بين كلِّ سماءين إلى السَّابعة، وسقط لفظ «الدُّنيا» عند الأربعة (٢) (قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ) أي: بابها، وفي رواية شريك عند المؤلِّف: «فضرب بابًا من أبوابها» (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) ولغير أبي ذَرٍّ: «قال: هذا جبريل» لم يقل: أنا؛ للنَّهي عنه (قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ (٣)، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ وليس السُّؤال عن أصل (٤) رسالته؛ لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذَرٍّ: «أَأُرسل إليه؟» بهمزتين، الأولى للاستفهام وهي مفتوحةٌ، والأخرى للتَّعدية وهي مضمومةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كما في «الفتح»: «أَوَأُرْسِلَ إليه؟ (٥)» بواوٍ مفتوحةٍ بين الهمزتين، وفي رواية شريكٍ: «قال: وقد (٦) بُعِثَ إليه؟»
(قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرْسِل إليه (فَلَمَّا فَتَحَ) الخازن (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ضمير الجمع فيه يدلُّ على أنَّه كان معهما ملائكةٌ آخرون، ولعلَّه كان كلَّما عَدَيَا سماءً تُشيُّعهما الملائكة حتَّى يصلا إلى سماءٍ أخرى، و «الدُّنيا» صفة «السَّماء» في موضع نصبٍ (فَإِذَا) بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا» (رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ، جمع سوادٍ، كأزمنةٍ جمع زمانٍ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوَحَّدة، أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ) أي: جهة (يَسَارِهِ بَكَى) وللأربعة: «شماله» (فَقَالَ) أي: الرَّجل القاعِد: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) أي: أصبت رَحْبًا (١) لا ضيقًا، وهي كلمةٌ تُقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحدٌ (٢): مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّادق؛ لأنَّ الصَّلاح شاملٌ لسائر الخصال المحمودة الممدوحة (٣) من الصِّدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنَّه قال: مرحبًا بالنَّبيِّ التَّامِّ في نبوَّتِه، والابنِ البارِّ في بنوَّتِه (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) ﵇: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ) ﵇ (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النُّون والسِّين المهملة،
جمع نَسَمةٍ؛ وهي نفس الرُّوح، أي: أرواح بنيه (فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ) يُحتمَل أنَّ النَّار كانت في جهة شماله، ويُكشَفُ له عنها حتَّى ينظرَ إليهم، لا أنَّها في السَّماء؛ لأنَّ أرواحَهم في سِجِّين الأرض السَّابعة، كما أنَّ الجنَّة فوق السَّماء السَّابعة في جهة يمينه كذلك (فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ (١) بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي) جبريل، ولابن عساكر: «به» (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ (٢)، فَفَتَحَ).
(قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» (أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أبو ذَرٍّ (أَنَّهُ) أي: النَّبيُّ ﷺ (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَلَمْ يُثْبِتْ) من الإثبات (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: لم يعيِّن أبو ذَرٍّ لكلِّ نبيٍّ سماءً (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) نعم في حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند الشَّيخين: «أنَّه وجد آدم في السَّماء الدُّنيا -كما مرَّ-، وفي الثَّانية: يحيى وعيسى، وفي الثَّالثة: يوسف، وفي الرَّابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السَّادسة: موسى، وفي السَّابعة: إبراهيم» وفيه بحثٌ يأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦٣٢٠٧].
(قَالَ أَنَسٌ) ظاهره: أنَّ أنسًا لم يسمع من أبي ذَرٍّ هذه القطعة الآتية (٣)، وهي: (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ) أي: مصاحبًا بالنَّبيِّ ﷺ (بِإِدْرِيسَ) ﵇، يتعلَّق الجارُّ والمجرور في
الموضعين بـ «مرَّ»، إلَّا أنَّ الباء الأولى للمصاحبة -كما مرَّ-، والثَّانية للإلصاق، أو بمعنى: «على» (قَالَ) إدريس (١): (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) لم يقل: والابن كآدم (٢)؛ لأنَّه لم يكن من (٣) آبائه ﷺ (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال»: (هَذَا إِدْرِيسُ) ﵇، قال ﵇ (٤): (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) سقط قوله «وَالأَخِ الصَّالِحِ» في رواية الأربعة كما في الفرع، قال ﵇: (قُلْتُ) وفي رواية (٥): «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قال ﵇: (قُلْتُ) وفي روايةٍ: «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا عِيسَى) وسقطت لفظة «هذا» عند أبي ذرٍّ، وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، إِلَّا إنْ قيل بتعدُّدِ المعراج لأنَّ الرِّوايات قد اتَّفقت على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسى، قال ﵇: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ عن أربعٍ وثمانين سنةً (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة على المشهور، البدريَّ (الأَنْصَارِيَّ) وعند القابسيِّ: «وأبا حَيَّة» بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وغلط، ورواية أبي بكر بن حزمٍ عن أبي حبَّة منقطعةٌ لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد أبي بكرٍ بدهرٍ، بل قبل مولد أبيه محمَّدٍ أيضًا، ففي هذه الرِّواية وهمٌ لأنَّه إمَّا أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو
أبوه (١) محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا (٢) أنْ يُقال: إنَّ أبا بكرٍ رواه (٣) عنه مُرسَلًا إذ قال: «أنَّ»، ولم يقل: «سمعت» ولا: «أخبرني» وحينئذٍ فلا وَهَمَ، واختُلِف في اسم أبي حبَّة بالموحَّدة (٤)، فقيل: عامر بن عبد عمرو (٥) بن عُمَير بن ثابتٍ، وقيل: مالكٌ، وأنكر الواحديُّ أن يكون في البدريِّين مَن يُكنَّى أبا حبَّة بالموحَّدة، قال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمَّار (٦) بن أبي عمَّار، وحديثه عنه في «مسند ابن أبي شيبة وأحمد» وصحَّحه الحاكم وصرَّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الَّذي ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشْهِدَ بأُحدٍ، وله في «الطَّبراني» آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قويٌّ، إِلَّا أنَّ عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزمٍ: (كَانَا) أي: ابن عبَّاسٍ وأبو حبَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثُمَّ عَُرَِجَ بِي) بفتحاتٍ، أو بضمِّ الأوَّل وكسر الثَّاني (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يُستوَى عليه، وهو المصعد، واللَّام فيه للعلَّة أي: علوت لاستعلاء مستوًى، وفي بعض الأصول: «بمستوًى» بموحَّدةٍ بدل اللَّام (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى ممَّا تنسخه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيٌّ عن الاستذكار بتدوين الكتب؛ إذ علمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه: (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا جزم به (١) أصحاب «الأطراف»، ويُحتَمل أن يكون مُرْسَلًا من جهة ابن حزمٍ، ومن رواية أنسٍ بلا واسطةٍ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَفَرَضَ اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) أي: في كلِّ يومٍ وليلةٍ كما عند مسلمٍ من حديث ثابتٍ عن أنس، لكن بلفظ: «ففرض الله عليَّ» وذِكْرُ الفرض عليه يستلزم الفرض على أمَّته وبالعكس، إِلَّا ما يُستثنَى من خصائصه (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) ﵊ (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ) موسى: (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى الموضع الَّذي ناجيتَه فيه (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) سقطت لفظة «ذلك» في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (فَرَاجَعَنِي) و «للأربعة» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فراجعت» والمعنى واحدٌ (فَوَضَعَ) أي: ربِّي (شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابتٍ: «فحطَّ عنِّي خمسًا»، وزاد فيها: أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي زيادةٌ معتمدةٌ يتعيَّن حملُ ما في الرِّوايات عليها (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «فقلت»: (وَضَعَ (٢) شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال»: (رَاجِعْ رَبَّكَ) وفي روايةٍ: «ارجع إلى ربِّك» (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك (فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر «فرجعت» (فَوَضَعَ) عنِّي (شَطْرَهَا) فيه شيءٌ على تفسير الشَّطر بالنِّصف؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشْرة صلاةً ونصف صلاةٍ، وهو باطلٌ، فتفسيره بجزءٍ منها أولى، وأحسنُ منه الحمل على ما زاده ثابتٌ: «خمسًا خمسًا» كما مرَّ (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ (٣)، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهْيَ خَمْسُونَ)
بحسب الثَّواب، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (١)، ونسبها في «الفتح» لغير أبي ذَرٍّ: «هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون» واستدلَّ به على عدم فرضيَّة ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه: جواز النَّسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة، قال ابن المُنَيِّر: لكنَّ الكلَّ متَّفقون على أنَّ النَّسخ لا يُتصوَّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء، فأشكل على الطَّائفتين، وتُعقِّب بأنَّ الخلاف مأثورٌ، نصَّ عليه ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» وغيره. نعم هو نسخٌ بالنِّسبة إلى النَّبيِّ ﷺ لأنَّه كُلِّفَ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسِخَ بعد أن بلَّغَه وقبل أن يفعل، فالنَّسخ في حقِّه صحيح التَّصوير. (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لَدَيَّ) أو لا يُبدَّل القضاء المُبرَم، لا المعلَّق الَّذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأمَّا مراجعته ﵊ ربَّه في ذلك فللعلم بأنَّ الأمر الأَوَّل ليس على وجه القطع والإبرام، قال ﵊: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) وللأَصيليِّ: «ارجع إلى ربِّك» (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قلت:» (اسْتَحْيَيْتُ) وللأَصيليِّ: «قد استحييت» (مِنْ رَبِّي) وجه استحيائه: أنَّه لو سأل الرَّفع بعد الخمس لكان كأنَّه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولاسيَّما وقد سمع قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) بفتح الطَّاء واللَّام، وفي بعض النُّسخ: إسقاط «بي» والاقتصار على: «ثمَّ انطلق» (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى) و «للأربعة»: «إلى السِّدرة المنتهى» (٢) وهي في أعلى السَّموات، وفي «مسلمٍ»: «أنَّها في السَّماء (٣) السَّادسة». فيحتمل أنَّ أصلها فيها ومعظمها في السَّابعة، وسمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ (٤) إِلَّا رسول الله ﷺ، أو لأنَّه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشُّهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلِّي عليهم الملائكة المقرَّبون
(وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ، وبعد الألف مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ثمَّ لامٌ، كذا هنا في جميع الرِّوايات، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة» ثمَّ ضُرِب على التَّضبيب، وصُحِّح على لفظ «حبايل» ثلاث مرَّاتٍ، قِيلَ: معناه: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ، ورُدَّ بأنَّ الحبائل إنَّما تكون جمع حبالةٍ أو حبيلةٍ، وذكر غير واحدٍ من الأئمَّة: أنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هي (١): «جنابذ» كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ مُعجَمةٌ، جمع: جنبذةٍ، وهي: القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ) أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك (٢).
ورواة هذا الحديث الستَّة ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» مُختصَرًا [خ¦١٦٣٦] وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] وفي «الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] وفي (٣) «باب ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]»، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».