«أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ أَوْ قَالَ شَيْء�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٥٢٣

الحديث رقم ٣٥٢٣ من كتاب «كتاب المناقب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قصة زمزم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٥٢٣ في صحيح البخاري

«أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ أَوْ قَالَ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ أَوْ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ.»

بَابُ ذِكْرِ قَحْطَانَ

٣٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ.»

بَابُ مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ

٣٥١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ «غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ

⦗١٨٤⦘

فَقَالَ عُمَرُ أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.»

٣٥١٩ - حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ .

٣٥١٩ (م) - وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»

بَابُ قِصَّةُِ خُزَاعَةَ

٣٥٢٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ «عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبُو خُزَاعَةَ.»

٣٥٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ.»

بَابُ قِصَّةِ زَمْزَمَ وَجَهْلِ الْعَرَبِ

إسناد حديث رقم ٣٥٢٣ من صحيح البخاري

٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٥٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةَ ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ شَكَّ قال النبي : "أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ خَابُوا وَخَسِرُوا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ".

٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ أَوْ قَالَ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ أَسْلَمَ وَغِفَارٍ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ) هَذِهِ خَمْسُ قَبَائِلَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْقُوَّةِ وَالْمَكَانَةِ دُونَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقَبَائِلِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَانُوا أَسْرَعَ دُخُولًا فِيهِ مِنْ أُولَئِكَ فَانْقَلَبَ الشَّرَفُ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَسْلَمَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِهِمْ فِي الْبَابِ الْمَاضِي، وَأَمَّا غِفَارٌ فَبِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَهُمْ بَنُو غِفَارِ بْنِ مُلَيْلٍ بِمِيمٍ وَلَامَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَسَبَقَ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَأَخُوهُ أَنِيسٌ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَرَجَعَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا مُزَيْنَةُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهُوَ اسْمُ امْرَأَةِ عَمْرِو بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ ابْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَهِيَ مُزَيْنَةُ بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ، وَهِيَ أُمُّ أَوْسٍ وَعُثْمَانَ ابْنَيْ عَمْرٍو، فَوَلَدُ هَذَيْنِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو مُزَيْنَةَ وَالْمُزَنِيُّونَ، وَمِنْ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ عَبْدِ نُهْمٍ الْمُزَنِيُّ، وَعَمُّهُ خُزَاعِيُّ بْنُ عَبْدِ نُهْمٍ، وَإِيَاسُ بْنُ هِلَالٍ وَابْنُهُ قُرَّةُ بْنُ إِيَاسٍ وَهَذَا جَدُّ الْقَاضِي إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَآخَرُونَ، وَأَمَّا جُهَيْنَةُ فَهُمْ بَنُو جُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ إِلْحَافٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَزْنُ إِلْيَاسَ بْنِ قُضَاعَةَ، مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي قُضَاعَةَ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ فَيَرْجِعُ نَسَبُهُمْ إِلَى قَحْطَانَ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. وَأَمَّا أَشْجَعُ فَبِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ وَزْنُ أَحْمَرَ وَهُمْ بَنُو أَشْجَعَ بْنِ رَيْثٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ابْنِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ، مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفٍ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْقَبَائِلَ الْخَمْسَ مِنْ مُضَرَ، أَمَّا مُزَيْنَةُ وِغِفَارُ وَأَشْجَعُ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا أَسْلَمُ وَجُهَيْنَةُ فَعَلَى قَوْلٍ وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي مقايلهم وَهُمْ تَمِيمٌ وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَهَوَازِنُ، جَمِيعُهُمْ مِنْ مُضَرَ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ظَاهِرَ مَكَّةَ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُزَاعَةَ فَقَتَلَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ مَرَارَةَ الْأَسَدِيُّ، هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ فَقَتَلَتْ خُزَاعَةُ فَضَالَةَ بِصَاحِبِهَا فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فَبَرِحَتْ بَنُو أَسَدٍ عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَحَالَفُوا غَطَفَانَ فَصَارَ يُقَالُ لِلطَّائِفَتَيْنِ الْحَلِيفَانِ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَتَأَخَّرَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ آلُ جَحْشِ بْنِ رَيَّابٍ فَحَالَفُوا بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ آلُ جَحْشٍ وَهَاجَرُوا احْتَوَى أَبُو سُفْيَانَ عَلَى دُورِهِمْ بِذَلِكَ الْحَلِفِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ قُرَيْشٍ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْأَنْصَارِ فِي

أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ: (مَوَالِيَّ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ إِضَافَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ، أَيْ أَنْصَارِي، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا وَإِنْ كَانَ لِلْمَوَالِي عِدَّةُ مَعَانٍ، وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَوَالِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالْمُرَادُ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَالشَّرَفُ يَحْصُلُ لِلشَّيْءِ إِذَا حَصَلَ لِبَعْضِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا خُصُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُسْبَوْا كَمَا سُبِيَ غَيْرُهُمْ، وَهَذَا إِذَا سُلِّمَ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْخَبَرِ النَّهْيُ عَنِ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الرِّقِّ، وَهَذَا بَعِيدٌ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ: غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا) هُوَ لَفْظُ خَبَرٍ يُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَلَى بَابِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعُصَيَّةُ هُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى عُصَيَّةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ خُفَافٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ مُخَفَّفٌ ابْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بُهْثَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ابْنِ سُلَيْمٍ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَاهَدُوهُ فَغَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طُرُقٌ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ بَنِي غِفَارٍ كَانُوا يَسْرِقُونَ الْحَاجَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَدَعَا لَهُمُ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا لِيُمْحَى عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَارُ، وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ اسْتِعْمَالِ جِنَاسِ الِاشْتِقَاقِ مَا يَلَذُّ عَلَى السَّمْعِ لِسُهُولَتِهِ وَانْسِجَامِهِ، وَهُوَ مِنْ الِاتِّفَاقَاتِ اللَّطِيفَةِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا بَابُ ابْنِ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ أبي ذَرٍّ قَبْلَ بَابِ قِصَّةِ الْحَبَشِ وَسَيَأْتِي. وَوَقَعَ بَعْدَهُ أَيْضًا عِنْدَهُمْ بَابُ قِصَّةِ زَمْزَمَ وَفِيهِ حَدِيثُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ بَابِ قِصَّةِ خُزَاعَةَ وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فِي مَكَانِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقِيلَ: ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَهَذَا الثَّانِي وَهْمٌ فَإِنَّ الذُّهْلِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَوْشَبٍ فَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ وَفِي الْإِكْرَاهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَيُّوبَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ: قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى (أَرَأَيْتُمْ) الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) أَيِ ابْنِ مُرٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ابْنِ أُدِّ بِضَمِّ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ابْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَفِيهِمْ بُطُونٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَوْلُهُ: (وَبَنِي أَسَدٍ) أَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ عَقِبَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ فَارْتَدَّ هَؤُلَاءِ مَعَ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَارْتَدَّ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ وَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ مَعَ سَجَاحٍ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْفَاءِ وَالتَّخْفِيفِ أَيِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ غَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى فَصَيَّرَهُ النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ، وَبَنُوهُ يُعْرَفُونَ بِبَنِي الْمُحَوَّلَةِ، (وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ) أَيِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَسَيَأْتِي نَسَبُ

هَوَازِنَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ (١)) هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْمُثَنَّاةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ شَكَّ) هُوَ مَقُولُ شُعْبَةَ وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ لَا أَثَرَ لِشَكِّهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (لَأَخْيَرَ مِنْهُمْ) كَذَا فِيهِ بِوَزْنِ أَفْعَلَ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالْمَشْهُورَةُ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَإِنَّمَا كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَسْلَمُ وَغِفَارٌ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ فَاعِلِ قَالَ الثَّانِي، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ إِذَا قَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلًا وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِيبُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَقَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ: (وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ) فِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرُّ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (وَهَوَازِنُ وَغَطَفَانُ) أَمَّا غَطَفَانُ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا هَوَازِنُ فَذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مِنْ بَنِي هَوَازِنَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَذِكْرُ هَوَازِنَ أَشْمَلُ مِنْ ذِكْرِ بَنِي عَامِرٍ، وَمِنْ قَبَائِلِ هَوَازِنَ غَيْرُ بَنِي عَامِرٍ: بَنُو نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَثَقِيفٌ وَهُوَ قَيْسُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَالْجَمِيعُ يَجْمَعُهُمْ هَوَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْفَاءِ وَالتَّخْفِيفِ - ابْنِ قَيْسٍ.

٧ - باب ذِكْرِ قَحْطَانَ

٣٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ.

[الحديث ٣٥١٧ - طرفه في: ٧١١٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ قَحْطَانَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ أَمْ لَا؟ وَإِلَى قَحْطَانَ تَنْتَهِي أَنْسَابُ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ حِمْيَرَ وَكِنْدَةَ وَهَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) هُوَ الدَّيْلِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو الْغَيْثِ شَيْخُهُ اسْمُهُ سَالِمٌ.

قَوْلُهُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَكِنْ جَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ أَنْ يَكُونَ جَهْجَاهُ الَّذِي وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ،

أَخْرَجَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الْقَحْطَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلْكِ، شَبَّهَهُ بِالرَّاعِي وَشَبَّهَ النَّاسَ بِالْغَنَمِ، وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ التَّصَرُّفُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الرَّاعِي فِي الْغَنَمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَلَمْ يَقَعْ بَعْدُ، وَقَدْ رَوَى نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ أَرَطْأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ - أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - أَنَّ الْقَحْطَانِيَّ يَخْرُجُ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ وَيَسِيرُ عَلَى سِيرَةِ الْمَهْدِيِّ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ جَابِرٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: يَكُونُ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ، الْقَحْطَانِيُّ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دُونَهُ، وَهَذَا الثَّانِي مَعَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَالْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا أَصْلَحُ إِسْنَادًا مِنْهُ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي زَمَنِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِيسَى إِذَا نَزَلَ يَجِدُ الْمَهْدِيَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّ الْقَحْطَانِيَّ يَعِيشُ فِي الْمُلْكِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ فِي زَمَنِ عِيسَى يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ وَالْأَمْرُ إِنَّمَا هُوَ لِعِيسَى؟! وَيُجَابُ بِجَوَازِ أَنْ يُقِيمَهُ عِيسَى نَائِبًا عَنْهُ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ عَامَّةٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ

٣٥١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ، فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا نبي اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

[الحديث ٣٥١٨ - طرفاه في: ٤٩٠٥، ٤٩٠٧]

٣٥١٩ - حَدَّثَنا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ح وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) يُنْهَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ الِاسْتِغَاثَةُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَرْبِ. كَانُوا يَقُولُونَ: يَا آلَ فُلَانٍ، فَيَجْتَمِعُونَ فَيَنْصُرُونَ الْقَائِلَ وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْفَوَائِدِ الْأَصْبَهَانِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَكَّرَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ لَيْسَتْ حَرَامًا وَإِنَّمَا الْحَرَامُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الْوَصَايَا بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، فَعِنْدَ الْأَكْثَرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (غَزَوْنَا) هَذِهِ الْغَزْوَةُ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ.

قَوْلُهُ: (ثَابَ مَعَهُ) بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ أَيِ اجْتَمَعَ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ لَعَّابٌ) أَيْ بَطَّالٌ، وَقِيلَ: كَانَ يَلْعَبُ بِالْحِرَابِ كَمَا تَصْنَعُ الْحَبَشَةُ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ قَيْسٍ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ أَجِيرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْأَنْصَارِيُّ هُوَ سِنَانُ بْنُ وَبْرَةَ حَلِيفُ بَنِي سَالِمٍ الْخَزْرَجِيُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَعَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى دُبُرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَدَاعَوْا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الْوَاوِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ تَدَاعَوَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي هَذَا تَدَاعَيَا بِالْيَاءِ عِوَضُ الْوَاوِ، وَكَأَنَّهُ بَقَّاهَا عَلَى أَصْلِهَا بِالْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ) أَيْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ: الْكَسْعَةُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (أَلَا نَقْتُلُ) بِالنُّونِ وَبِالْمُثَنَّاةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ عُمَرُ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُ هَذَا الْخَبِيثَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَهُوَ مَوْصُولٌ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ شَيْخِهِ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ مُفَرَّقًا فَحَدَّثَ بِهِ ; فَنُقِلَ عَنْهُ كَذَلِكَ.

٩ - بَاب قِصَّةِ خُزَاعَةَ

٣٥٢٠ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، أَبُو خُزَاعَةَ.

٣٥٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قال النبي : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ".

[الحديث ٣٥٢١ - طرفه في: ٤٦٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ خُزَاعَةَ) اخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِمْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِاللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، وَهُوَ ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي أَسْلَمَ، وَأَسْلَمُ هُوَ عَمُّ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ لُحَيٍّ، رَبِيعَةُ، وَقَدْ صَحَّفَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ وَالصَّوَابُ

بِاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرَهُ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ لَكِنْ أَفَادَ أَنَّ كُنْيَة عَمْرٍو أَبا ثُمَامَةَ، وَيُقَالُ لِخُزَاعَةَ بَنُو كَعْبٍ، نُسِبُوا إِلَى جَدِّهِمْ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: لَمَّا تَفَرَّقَ أَهْلُ سَبَأ بِسَبَبِ سَيْلِ الْعَرِمِ نَزَلَ بَنُو مَازِنٍ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ غَسَّانَ، فَمَنْ أَقَامَ بِهِ مِنْهُمْ فَهُوَ غَسَّانِيٌّ، وَانْخَزَعَتْ مِنْهُمْ بنو عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عَنْ قَوْمِهِمْ فَنَزَلُوا مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَسُمُّوا خُزَاعَةَ، وَتَفَرَّقَتْ سَائِرُ الْأَزْدِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

وَلَمَّا نَزَلْنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزَّعَتْ … خُزَاعَةُ مِنَّا فِي جُمُوعٍ كَرَاكِرِ

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ مِنْ مُضَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ خِنْدَفَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا فَاءٌ اسْمُ امْرَأَةِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَاسْمُهَا لَيْلَى بِنْتُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، لُقِّبَتْ بِخِنْدَفَ لِمِشْيَتِهَا، وَالْخَنْدَفَةُ الْهَرْوَلَةُ، وَاشْتُهِرَ بَنُوهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا دُونَ أَبِيهِمْ لِأَنَّ إِلْيَاسَ لَمَّا مَاتَ حَزِنَتْ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا بِحَيْثُ هَجَرَتْ أَهْلَهَا وَدَارَهَا وَسَاحَتْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ، فَكَانَ مَنْ رَأَى أَوْلَادَهَا الصِّغَارَ يَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَيُقَالُ: بَنُو خِنْدَفَ. إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا ضَيَّعَتْهُمْ، وَقَمَعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ خَفِيفَةٌ، وَيُقَالُ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي نِسْبَةَ خُزَاعَةَ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى مُضَرَ فَزَعَمَ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا مَاتَ قَمَعَةُ بْنُ خِنْدَفَ كَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا بِلُحَيٍّ فَوَلَدَتْهُ وَهِيَ عِنْدَ حَارِثَةَ فَتَبَنَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُضَرَ بِالْوِلَادَةِ وَمِنَ الْيَمَنِ بِالتَّبَنِّي.

وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ قِيَامِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ أَنَّ أُمَّهُ فُهَيْرَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَ أَبُوهَا آخِرَ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكَّةَ مِنْ جُرْهُمٍ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْبَيْتِ سِبْطُهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَصَارَ ذَلِكَ فِي خُزَاعَةَ بَعْدَ جُرْهُمٍ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ حُرُوبٌ إِلَى أَنِ انْجَلَتْ جُرْهُمٌ عَنْ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوَلَّتْ خُزَاعَةُ أَمْرَ الْبَيْتِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُمْ يُدْعَى أَبَا غُبْشَانَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْضًا وَاسْمُهُ الْمُحَرِّشُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ابْنُ حُلَيْلٍ بِمُهْمَلَةٍ وَلَامَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنُ حَبْشِيَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ نَسَبُ ابْنِ سَلُولٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ابْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَهُوَ خَالُ قُصَيِّ ابْنِ كِلَابٍ أَخُو أُمِّهِ حُبِّي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ الْإِمَالَةِ، وَكَانَ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ فَخَدَعَهُ قُصَيٌّ فَاشْتَرَى مِنْهُ أَمْرَ الْبَيْتِ بِأَذْوَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَيُقَالُ بِزِقِّ خَمْرٍ، فَغَلَبَ قُصَيٌّ حِينَئِذٍ عَلَى أَمْرِ الْبَيْتِ، وَجَمَعَ بُطُونَ بَنِي فِهْرٍ وَحَارَبَ خُزَاعَةَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَكَّةَ ; وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ

وَشَرَعَ قُصَيٌّ لِقُرَيْشٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، فَكَانَ يَصْنَعُ الطَّعَامَ أَيَّامَ مِنًى وَالْحِيَاضَ لِلْمَاءِ، فَيُطْعِمُ الْحَجِيجَ وَيَسْقِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَمَّرَ دَارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ، فَإِذَا وَقَعَ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ اجْتَمَعُوا فِيهَا وَعَقَدُوهُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ أَبُو خُزَاعَةَ) أَيْ هُوَ أَبُو خُزَاعَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ خُزَاعَةُ بْنُ قَمَعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ خِنْدَفَ وَفِيهِ تَغْيِيرٌ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَمْرٌو أَبُو خُزَاعَةَ بْنُ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ وَهَذَا يُوَافِقُ الْأَوَّلَ لَكِنْ بِحَذْفِ لُحَيٍّ، وَبِأَنْ يُعْرَبَ ابْنُ قَمَعَةَ إعْرَابَ عَمْرٍو لَا إِعْرَابَ أَبُو خُزَاعَةَ، وَأَصْوَبُهَا الْأَوَّلُ، وَهَكَذَا رَوَى أَبُو حُصَيْنٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ يَجُرُّ

قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ.

وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ قَمَعَةَ فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ أَبُو خُزَاعَةَ وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ مُرْسَلًا، وَفِيهِ: فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؟ قَالَ: أَبُو هَؤُلَاءِ الْحَيِّ مِنْ خُزَاعَةَ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سَبَبَ عِبَادَةِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الْأَصْنَامَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَاسْتَوْهَبَهُمْ وَاحِدًا مِنْهَا وَجَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَنَصَبَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ هُبَلُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ جُرْهُمٍ قَدْ فَجَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَسَافُ بِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا نَائِلَةُ فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا حَجَرَيْنِ، فَأَخَذَهُمَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَنَصَبَهُمَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَصَارَ مَنْ يَطُوفُ يَتَمَسَّحُ بِهِمَا، يَبْدَأُ بِأَسَافَ وَيَخْتِمُ بِنَائِلَةَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ كَانَ لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهُ أَبُو ثُمَامَةَ فَأَتَاهُ لَيْلَةً، فَقَالَ: أَجِبْ أَبَا ثُمَامَةَ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ مِنْ تِهَامَةَ، فَقَالَ: ادْخُلْ بِلَا مَلَامَةَ، فَقَالَ: ايْتِ سَيْفَ جُدَّةَ، تَجِدْ آلِهَةً مُعَدَّةً، فَخُذْهَا وَلَا تَهَبْ، وَادْعُ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ.

قَالَ: فَتَوَجَّهَ إِلَى جُدَّةَ فَوَجَدَ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي زَمَنِ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَهِيَ وَدٌّ، وَسُوَاعٌ، وَيَغُوثُ، وَيَعُوقُ، وَنَسْرٌ، فَحَمَلَهَا إِلَى مَكَّةَ وَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا فَانْتَشَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فِي الْعَرَبِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ شَرْحِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ إِنْ شَاءَ تَعَالَى.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ الْخُزَاعِيُّ) كَذَا وَقَعَ نَسَبُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ: أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ أَبُو خُزَاعَةَ، وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نِسْبَةِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ إِلَى مُضَرَ، فَإِنَّ عَامِرًا هُوَ ابْنُ مَاءِ السَّمَاءِ بْنِ سَبَأ وَهُوَ جَدُّ جَدِّ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ عِنْدَ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُسِبَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَنِّي كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْوَصِيلَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِهِمَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري ]

١١ - بَاب قِصَّةِ زَمْزَمَ

٣٥٢٢ - حَدَّثَنَا زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَخْزَمَ، قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ:، حَدَّثَنِي مُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ الْقَصِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقُلْتُ لِأَخِي: انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، كَلِّمْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ. فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرِّ. فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ، فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا. ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ

عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي. قَالَ: فَقَالَ: مَا أَمْرُكَ، وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ.

فَقَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ، فَاتَّبِعْنِي، ادْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْضِ أَنْتَ. فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، فَعَرَضَهُ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ. فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ؟! فَأَقْلَعُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ. قَالَ: فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ .

[الحديث ٣٥٢٢ - طرفه في: ٣٨٦١]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَكَأَنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ سَتَأْتِي بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا.

وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هُنَا قِصَّةُ زَمْزَمَ وَوَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِقِصَّةِ أَبِي ذَرٍّ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا بِمَكَّةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٢ - بَاب قصة زمزم وجَهْلِ الْعَرَبِ

٣٥٢٣ - حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ، قال: قال: أسلم وغفار وشيء من مزينة وجهينة - أو قال: شيء من جهينة أو مزينة - خير عند الله، أو قال: يوم القيامة، من أسد وتميم وهوازن وغطفان.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةَ ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ شَكَّ قال النبي : "أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَأَحْسِبُهُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ خَابُوا وَخَسِرُوا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ".

٣٥٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ أَوْ قَالَ شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ قَالَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ أَسْلَمَ وَغِفَارٍ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ) هَذِهِ خَمْسُ قَبَائِلَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْقُوَّةِ وَالْمَكَانَةِ دُونَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقَبَائِلِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَانُوا أَسْرَعَ دُخُولًا فِيهِ مِنْ أُولَئِكَ فَانْقَلَبَ الشَّرَفُ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَسْلَمَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نَسَبِهِمْ فِي الْبَابِ الْمَاضِي، وَأَمَّا غِفَارٌ فَبِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَهُمْ بَنُو غِفَارِ بْنِ مُلَيْلٍ بِمِيمٍ وَلَامَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَسَبَقَ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَأَخُوهُ أَنِيسٌ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَرَجَعَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا مُزَيْنَةُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهُوَ اسْمُ امْرَأَةِ عَمْرِو بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ ابْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَهِيَ مُزَيْنَةُ بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ، وَهِيَ أُمُّ أَوْسٍ وَعُثْمَانَ ابْنَيْ عَمْرٍو، فَوَلَدُ هَذَيْنِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو مُزَيْنَةَ وَالْمُزَنِيُّونَ، وَمِنْ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ عَبْدِ نُهْمٍ الْمُزَنِيُّ، وَعَمُّهُ خُزَاعِيُّ بْنُ عَبْدِ نُهْمٍ، وَإِيَاسُ بْنُ هِلَالٍ وَابْنُهُ قُرَّةُ بْنُ إِيَاسٍ وَهَذَا جَدُّ الْقَاضِي إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَآخَرُونَ، وَأَمَّا جُهَيْنَةُ فَهُمْ بَنُو جُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلُمَ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ إِلْحَافٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَزْنُ إِلْيَاسَ بْنِ قُضَاعَةَ، مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي قُضَاعَةَ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ فَيَرْجِعُ نَسَبُهُمْ إِلَى قَحْطَانَ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. وَأَمَّا أَشْجَعُ فَبِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ وَزْنُ أَحْمَرَ وَهُمْ بَنُو أَشْجَعَ بْنِ رَيْثٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ابْنِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ، مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفٍ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْقَبَائِلَ الْخَمْسَ مِنْ مُضَرَ، أَمَّا مُزَيْنَةُ وِغِفَارُ وَأَشْجَعُ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا أَسْلَمُ وَجُهَيْنَةُ فَعَلَى قَوْلٍ وَيُرَجِّحُهُ أَنَّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي مقايلهم وَهُمْ تَمِيمٌ وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَهَوَازِنُ، جَمِيعُهُمْ مِنْ مُضَرَ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ظَاهِرَ مَكَّةَ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُزَاعَةَ فَقَتَلَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ مَرَارَةَ الْأَسَدِيُّ، هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ فَقَتَلَتْ خُزَاعَةُ فَضَالَةَ بِصَاحِبِهَا فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فَبَرِحَتْ بَنُو أَسَدٍ عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَحَالَفُوا غَطَفَانَ فَصَارَ يُقَالُ لِلطَّائِفَتَيْنِ الْحَلِيفَانِ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَتَأَخَّرَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ آلُ جَحْشِ بْنِ رَيَّابٍ فَحَالَفُوا بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ آلُ جَحْشٍ وَهَاجَرُوا احْتَوَى أَبُو سُفْيَانَ عَلَى دُورِهِمْ بِذَلِكَ الْحَلِفِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ قُرَيْشٍ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْأَنْصَارِ فِي

أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ: (مَوَالِيَّ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ إِضَافَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ، أَيْ أَنْصَارِي، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا وَإِنْ كَانَ لِلْمَوَالِي عِدَّةُ مَعَانٍ، وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَوَالِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالْمُرَادُ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَالشَّرَفُ يَحْصُلُ لِلشَّيْءِ إِذَا حَصَلَ لِبَعْضِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا خُصُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُسْبَوْا كَمَا سُبِيَ غَيْرُهُمْ، وَهَذَا إِذَا سُلِّمَ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْخَبَرِ النَّهْيُ عَنِ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الرِّقِّ، وَهَذَا بَعِيدٌ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ: غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا) هُوَ لَفْظُ خَبَرٍ يُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَلَى بَابِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعُصَيَّةُ هُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُنْسَبُونَ إِلَى عُصَيَّةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ خُفَافٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ مُخَفَّفٌ ابْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بُهْثَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ابْنِ سُلَيْمٍ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَاهَدُوهُ فَغَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طُرُقٌ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ بَنِي غِفَارٍ كَانُوا يَسْرِقُونَ الْحَاجَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَدَعَا لَهُمُ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا لِيُمْحَى عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَارُ، وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ اسْتِعْمَالِ جِنَاسِ الِاشْتِقَاقِ مَا يَلَذُّ عَلَى السَّمْعِ لِسُهُولَتِهِ وَانْسِجَامِهِ، وَهُوَ مِنْ الِاتِّفَاقَاتِ اللَّطِيفَةِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا بَابُ ابْنِ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ أبي ذَرٍّ قَبْلَ بَابِ قِصَّةِ الْحَبَشِ وَسَيَأْتِي. وَوَقَعَ بَعْدَهُ أَيْضًا عِنْدَهُمْ بَابُ قِصَّةِ زَمْزَمَ وَفِيهِ حَدِيثُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ بَابِ قِصَّةِ خُزَاعَةَ وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فِي مَكَانِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ: قِيلَ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَقِيلَ: ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَهَذَا الثَّانِي وَهْمٌ فَإِنَّ الذُّهْلِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَوْشَبٍ فَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ وَفِي الْإِكْرَاهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَيُّوبَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ: قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى (أَرَأَيْتُمْ) الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) أَيِ ابْنِ مُرٍّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ابْنِ أُدِّ بِضَمِّ الْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ابْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَفِيهِمْ بُطُونٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قَوْلُهُ: (وَبَنِي أَسَدٍ) أَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ عَقِبَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ فَارْتَدَّ هَؤُلَاءِ مَعَ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَارْتَدَّ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ وَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ مَعَ سَجَاحٍ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْفَاءِ وَالتَّخْفِيفِ أَيِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ غَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْعُزَّى فَصَيَّرَهُ النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ، وَبَنُوهُ يُعْرَفُونَ بِبَنِي الْمُحَوَّلَةِ، (وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ) أَيِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَسَيَأْتِي نَسَبُ

هَوَازِنَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ (١)) هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْمُثَنَّاةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ شَكَّ) هُوَ مَقُولُ شُعْبَةَ وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنْ لَا أَثَرَ لِشَكِّهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (لَأَخْيَرَ مِنْهُمْ) كَذَا فِيهِ بِوَزْنِ أَفْعَلَ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالْمَشْهُورَةُ لَخَيْرٌ مِنْهُمْ وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَإِنَّمَا كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَسْلَمُ وَغِفَارٌ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ فَاعِلِ قَالَ الثَّانِي، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ إِذَا قَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ وَلَمْ يُسَمِّ قَائِلًا وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِيبُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَقَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ.

قَوْلُهُ: (وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ) فِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرُّ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (وَهَوَازِنُ وَغَطَفَانُ) أَمَّا غَطَفَانُ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا هَوَازِنُ فَذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مِنْ بَنِي هَوَازِنَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَذِكْرُ هَوَازِنَ أَشْمَلُ مِنْ ذِكْرِ بَنِي عَامِرٍ، وَمِنْ قَبَائِلِ هَوَازِنَ غَيْرُ بَنِي عَامِرٍ: بَنُو نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَثَقِيفٌ وَهُوَ قَيْسُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَالْجَمِيعُ يَجْمَعُهُمْ هَوَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْفَاءِ وَالتَّخْفِيفِ - ابْنِ قَيْسٍ.

٧ - باب ذِكْرِ قَحْطَانَ

٣٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ.

[الحديث ٣٥١٧ - طرفه في: ٧١١٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ قَحْطَانَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَهَلْ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ أَمْ لَا؟ وَإِلَى قَحْطَانَ تَنْتَهِي أَنْسَابُ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ حِمْيَرَ وَكِنْدَةَ وَهَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) هُوَ الدَّيْلِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو الْغَيْثِ شَيْخُهُ اسْمُهُ سَالِمٌ.

قَوْلُهُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَكِنْ جَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ أَنْ يَكُونَ جَهْجَاهُ الَّذِي وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ،

أَخْرَجَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الْقَحْطَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ) هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلْكِ، شَبَّهَهُ بِالرَّاعِي وَشَبَّهَ النَّاسَ بِالْغَنَمِ، وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ التَّصَرُّفُ الَّذِي يَمْلِكُهُ الرَّاعِي فِي الْغَنَمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَلَمْ يَقَعْ بَعْدُ، وَقَدْ رَوَى نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ أَرَطْأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ - أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - أَنَّ الْقَحْطَانِيَّ يَخْرُجُ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ وَيَسِيرُ عَلَى سِيرَةِ الْمَهْدِيِّ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ جَابِرٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: يَكُونُ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ، الْقَحْطَانِيُّ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دُونَهُ، وَهَذَا الثَّانِي مَعَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَالْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا أَصْلَحُ إِسْنَادًا مِنْهُ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي زَمَنِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِيسَى إِذَا نَزَلَ يَجِدُ الْمَهْدِيَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّ الْقَحْطَانِيَّ يَعِيشُ فِي الْمُلْكِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ فِي زَمَنِ عِيسَى يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ وَالْأَمْرُ إِنَّمَا هُوَ لِعِيسَى؟! وَيُجَابُ بِجَوَازِ أَنْ يُقِيمَهُ عِيسَى نَائِبًا عَنْهُ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ عَامَّةٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ

٣٥١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ، فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا نبي اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

[الحديث ٣٥١٨ - طرفاه في: ٤٩٠٥، ٤٩٠٧]

٣٥١٩ - حَدَّثَنا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ح وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) يُنْهَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ الِاسْتِغَاثَةُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْحَرْبِ. كَانُوا يَقُولُونَ: يَا آلَ فُلَانٍ، فَيَجْتَمِعُونَ فَيَنْصُرُونَ الْقَائِلَ وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْفَوَائِدِ الْأَصْبَهَانِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَكَّرَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ لَيْسَتْ حَرَامًا وَإِنَّمَا الْحَرَامُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الْوَصَايَا بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، فَعِنْدَ الْأَكْثَرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (غَزَوْنَا) هَذِهِ الْغَزْوَةُ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ.

قَوْلُهُ: (ثَابَ مَعَهُ) بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ أَيِ اجْتَمَعَ.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ لَعَّابٌ) أَيْ بَطَّالٌ، وَقِيلَ: كَانَ يَلْعَبُ بِالْحِرَابِ كَمَا تَصْنَعُ الْحَبَشَةُ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ جَهْجَاهُ بْنُ قَيْسٍ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ أَجِيرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْأَنْصَارِيُّ هُوَ سِنَانُ بْنُ وَبْرَةَ حَلِيفُ بَنِي سَالِمٍ الْخَزْرَجِيُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ.

قَوْلُهُ: (فَكَسَعَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى دُبُرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَدَاعَوْا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِسُكُونِ الْوَاوِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ تَدَاعَوَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي هَذَا تَدَاعَيَا بِالْيَاءِ عِوَضُ الْوَاوِ، وَكَأَنَّهُ بَقَّاهَا عَلَى أَصْلِهَا بِالْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ) أَيْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ: الْكَسْعَةُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَوْلُهُ: (أَلَا نَقْتُلُ) بِالنُّونِ وَبِالْمُثَنَّاةِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ عُمَرُ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُ هَذَا الْخَبِيثَ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَهُوَ مَوْصُولٌ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ شَيْخِهِ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ مُفَرَّقًا فَحَدَّثَ بِهِ ; فَنُقِلَ عَنْهُ كَذَلِكَ.

٩ - بَاب قِصَّةِ خُزَاعَةَ

٣٥٢٠ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، أَبُو خُزَاعَةَ.

٣٥٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قال النبي : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ".

[الحديث ٣٥٢١ - طرفه في: ٤٦٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ خُزَاعَةَ) اخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِمْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِاللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، وَهُوَ ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي أَسْلَمَ، وَأَسْلَمُ هُوَ عَمُّ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ لُحَيٍّ، رَبِيعَةُ، وَقَدْ صَحَّفَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ وَالصَّوَابُ

بِاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرَهُ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، وَفِيهِ تَغْيِيرٌ لَكِنْ أَفَادَ أَنَّ كُنْيَة عَمْرٍو أَبا ثُمَامَةَ، وَيُقَالُ لِخُزَاعَةَ بَنُو كَعْبٍ، نُسِبُوا إِلَى جَدِّهِمْ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: لَمَّا تَفَرَّقَ أَهْلُ سَبَأ بِسَبَبِ سَيْلِ الْعَرِمِ نَزَلَ بَنُو مَازِنٍ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ غَسَّانَ، فَمَنْ أَقَامَ بِهِ مِنْهُمْ فَهُوَ غَسَّانِيٌّ، وَانْخَزَعَتْ مِنْهُمْ بنو عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عَنْ قَوْمِهِمْ فَنَزَلُوا مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَسُمُّوا خُزَاعَةَ، وَتَفَرَّقَتْ سَائِرُ الْأَزْدِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

وَلَمَّا نَزَلْنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزَّعَتْ … خُزَاعَةُ مِنَّا فِي جُمُوعٍ كَرَاكِرِ

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ مِنْ مُضَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ خِنْدَفَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا فَاءٌ اسْمُ امْرَأَةِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَاسْمُهَا لَيْلَى بِنْتُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، لُقِّبَتْ بِخِنْدَفَ لِمِشْيَتِهَا، وَالْخَنْدَفَةُ الْهَرْوَلَةُ، وَاشْتُهِرَ بَنُوهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا دُونَ أَبِيهِمْ لِأَنَّ إِلْيَاسَ لَمَّا مَاتَ حَزِنَتْ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا بِحَيْثُ هَجَرَتْ أَهْلَهَا وَدَارَهَا وَسَاحَتْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ، فَكَانَ مَنْ رَأَى أَوْلَادَهَا الصِّغَارَ يَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَيُقَالُ: بَنُو خِنْدَفَ. إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا ضَيَّعَتْهُمْ، وَقَمَعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ خَفِيفَةٌ، وَيُقَالُ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي نِسْبَةَ خُزَاعَةَ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى مُضَرَ فَزَعَمَ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا مَاتَ قَمَعَةُ بْنُ خِنْدَفَ كَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا بِلُحَيٍّ فَوَلَدَتْهُ وَهِيَ عِنْدَ حَارِثَةَ فَتَبَنَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُضَرَ بِالْوِلَادَةِ وَمِنَ الْيَمَنِ بِالتَّبَنِّي.

وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ قِيَامِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ أَنَّ أُمَّهُ فُهَيْرَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَ أَبُوهَا آخِرَ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكَّةَ مِنْ جُرْهُمٍ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْبَيْتِ سِبْطُهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَصَارَ ذَلِكَ فِي خُزَاعَةَ بَعْدَ جُرْهُمٍ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ حُرُوبٌ إِلَى أَنِ انْجَلَتْ جُرْهُمٌ عَنْ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوَلَّتْ خُزَاعَةُ أَمْرَ الْبَيْتِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُمْ يُدْعَى أَبَا غُبْشَانَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْضًا وَاسْمُهُ الْمُحَرِّشُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ابْنُ حُلَيْلٍ بِمُهْمَلَةٍ وَلَامَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنُ حَبْشِيَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ نَسَبُ ابْنِ سَلُولٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ابْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وَهُوَ خَالُ قُصَيِّ ابْنِ كِلَابٍ أَخُو أُمِّهِ حُبِّي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ الْإِمَالَةِ، وَكَانَ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ فَخَدَعَهُ قُصَيٌّ فَاشْتَرَى مِنْهُ أَمْرَ الْبَيْتِ بِأَذْوَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَيُقَالُ بِزِقِّ خَمْرٍ، فَغَلَبَ قُصَيٌّ حِينَئِذٍ عَلَى أَمْرِ الْبَيْتِ، وَجَمَعَ بُطُونَ بَنِي فِهْرٍ وَحَارَبَ خُزَاعَةَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَكَّةَ ; وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ

وَشَرَعَ قُصَيٌّ لِقُرَيْشٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، فَكَانَ يَصْنَعُ الطَّعَامَ أَيَّامَ مِنًى وَالْحِيَاضَ لِلْمَاءِ، فَيُطْعِمُ الْحَجِيجَ وَيَسْقِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَمَّرَ دَارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ، فَإِذَا وَقَعَ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ اجْتَمَعُوا فِيهَا وَعَقَدُوهُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ أَبُو خُزَاعَةَ) أَيْ هُوَ أَبُو خُزَاعَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ خُزَاعَةُ بْنُ قَمَعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ خِنْدَفَ وَفِيهِ تَغْيِيرٌ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَمْرٌو أَبُو خُزَاعَةَ بْنُ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ وَهَذَا يُوَافِقُ الْأَوَّلَ لَكِنْ بِحَذْفِ لُحَيٍّ، وَبِأَنْ يُعْرَبَ ابْنُ قَمَعَةَ إعْرَابَ عَمْرٍو لَا إِعْرَابَ أَبُو خُزَاعَةَ، وَأَصْوَبُهَا الْأَوَّلُ، وَهَكَذَا رَوَى أَبُو حُصَيْنٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ يَجُرُّ

قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ.

وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ قَمَعَةَ فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدَفَ أَبُو خُزَاعَةَ وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ مُرْسَلًا، وَفِيهِ: فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؟ قَالَ: أَبُو هَؤُلَاءِ الْحَيِّ مِنْ خُزَاعَةَ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سَبَبَ عِبَادَةِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الْأَصْنَامَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَاسْتَوْهَبَهُمْ وَاحِدًا مِنْهَا وَجَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَنَصَبَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ هُبَلُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ جُرْهُمٍ قَدْ فَجَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَسَافُ بِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا نَائِلَةُ فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا حَجَرَيْنِ، فَأَخَذَهُمَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ فَنَصَبَهُمَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَصَارَ مَنْ يَطُوفُ يَتَمَسَّحُ بِهِمَا، يَبْدَأُ بِأَسَافَ وَيَخْتِمُ بِنَائِلَةَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ كَانَ لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهُ أَبُو ثُمَامَةَ فَأَتَاهُ لَيْلَةً، فَقَالَ: أَجِبْ أَبَا ثُمَامَةَ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ مِنْ تِهَامَةَ، فَقَالَ: ادْخُلْ بِلَا مَلَامَةَ، فَقَالَ: ايْتِ سَيْفَ جُدَّةَ، تَجِدْ آلِهَةً مُعَدَّةً، فَخُذْهَا وَلَا تَهَبْ، وَادْعُ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ.

قَالَ: فَتَوَجَّهَ إِلَى جُدَّةَ فَوَجَدَ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي زَمَنِ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَهِيَ وَدٌّ، وَسُوَاعٌ، وَيَغُوثُ، وَيَعُوقُ، وَنَسْرٌ، فَحَمَلَهَا إِلَى مَكَّةَ وَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا فَانْتَشَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فِي الْعَرَبِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ شَرْحِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ إِنْ شَاءَ تَعَالَى.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ الْخُزَاعِيُّ) كَذَا وَقَعَ نَسَبُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَفْظُهُ: أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ أَبُو خُزَاعَةَ، وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نِسْبَةِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ إِلَى مُضَرَ، فَإِنَّ عَامِرًا هُوَ ابْنُ مَاءِ السَّمَاءِ بْنِ سَبَأ وَهُوَ جَدُّ جَدِّ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ عِنْدَ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُسِبَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَنِّي كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْوَصِيلَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِهِمَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري ]

١١ - بَاب قِصَّةِ زَمْزَمَ

٣٥٢٢ - حَدَّثَنَا زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَخْزَمَ، قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ:، حَدَّثَنِي مُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ الْقَصِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقُلْتُ لِأَخِي: انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، كَلِّمْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ. فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنْ الشَّرِّ. فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ، فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا. ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ

عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي. قَالَ: فَقَالَ: مَا أَمْرُكَ، وَمَا أَقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْفِنِي مِنْ الْخَبَرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ.

فَقَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ، فَاتَّبِعْنِي، ادْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْضِ أَنْتَ. فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، فَعَرَضَهُ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ. فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ؟! فَأَقْلَعُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ. قَالَ: فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ .

[الحديث ٣٥٢٢ - طرفه في: ٣٨٦١]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِصَّةِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ، وَكَأَنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ سَتَأْتِي بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا.

وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هُنَا قِصَّةُ زَمْزَمَ وَوَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِقِصَّةِ أَبِي ذَرٍّ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا بِمَكَّةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٢ - بَاب قصة زمزم وجَهْلِ الْعَرَبِ

٣٥٢٣ - حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ، قال: قال: أسلم وغفار وشيء من مزينة وجهينة - أو قال: شيء من جهينة أو مزينة - خير عند الله، أو قال: يوم القيامة، من أسد وتميم وهوازن وغطفان.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله