الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٥٨٧
الحديث رقم ٣٥٨٧ من كتاب «كتاب المناقب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب علامات النبوة في الإسلام.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٣٥٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ. قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ. قُلْنَا: عَلِمَ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
٣٥٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٨٨ - "وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ وَالنَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ".
٣٥٨٩ - "وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَانْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ".
٣٥٩٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنْ الأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الأُنُوفِ صِغَارَ الأَعْيُنِ وُجُوهُهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ". تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
٣٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي قَيْسٌ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ".
٣٥٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٩٣ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِ الْفِتْنَةِ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ غُنْدَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - وَهُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ - جَامِعُ بْنِ شَدَّادٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّوْمِ، وَوَافَقَ شَقِيقًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ؟) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الصَّلَاةِ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ، فَفِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ: سَأَلَ عُمَرُ أَمْسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاةِ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) فِي الزَّكَاةِ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ (١).
قَوْلُهُ: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَوَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمِ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْبَشَرِ ; أَوْ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ، وَالْجَوَابُ الْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ. وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفَّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنَ الْبَحْثِ فِي هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاقُدِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا لَا نَفْيَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَةُ التَّكْفِيرِ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الرَّجُلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ صَاحِبُ الْحُكْمِ فِي دَارِهِ وَأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْحُكْمِ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ، بَلْ نَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ صَاحِبَهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُكَفِّرَاتُ لَا تَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهَا، فَذَكَرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَفْعَالِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْمَالِ
الصَّدَقَةَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَقْوَالِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ) أَيِ الْفِتْنَةَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَالْفِتْنَةَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُرِيدُ الْفِتْنَةَ، وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ أَيْ مُرَادِيَ الْفِتْنَةُ.
قَوْلُهُ: (تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أَيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ.
قَوْلُهُ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَاةِ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَسْوَدَ كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بَابًا مُغْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ يُقْتَلُ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْقَتْلِ انْتَهَى.
وَفِي لَفْظِ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ مَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ، وَمَثَّلَ حَيَاةَ عُمَرَ بِبَابٍ لَهَا مُغْلَقٌ، وَمَثَّلَ مَوْتَهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ، فَمَا دَامَتْ حَيَاةُ عُمَرَ مَوْجُودَةً فَهِيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ لَا يَخْرُجُ مِمَّا هُوَ دَاخِلُ تِلْكَ الدَّارِ شَيْءٌ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ) زَادَ فِي الصِّيَامِ ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْغَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحِ، فَأَمَّا إِذَا انْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَلْقُهُ حَتَّى يُجْبَرَ انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ بِالْفَتْحِ وَعَنِ الْقَتْلِ بِالْكَسْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ كَسْرًا لَا أَبَا لَكَ لَكِنْ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ، فَإِنَّ فِيهِ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَوُقُوعِ الْبَأْسِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ وَافَقَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَعْنَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ أَبُو ذَرٍّ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ لَقِيَ عُمَرَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: أَرْسِلْ يَدِي يَا قُفْلَ الْفِتْنَةِ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَا يُصِيبُكُمْ فِتْنَةٌ مَا دَامَ فِيكُمْ وَأَشَارَ إِلَى عُمَرَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: يَا غَلْقَ الْفِتْنَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَرَرْتُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَذَا غَلْقُ الْفِتْنَةِ، لَا يَزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ.
قَوْلُهُ: (قُلْنَا عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ) فِي رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ مَسْرُوقٌ، لِحُذَيْفَةَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أَيْ أَنَّ لَيْلَةَ غَدٍ أَقْرَبُ إِلَى الْيَوْمِ مِنْ غَدٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ حُذَيْفَةَ، وَالْأَغَالِيطُ جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ وَهُوَ مَا يُغَالَطُ بِهِ، أَيْ حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لَا عَنِ اجْتِهَادٍ وَلَا رَأْيٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ الْبَابُ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِرَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، فَقَالَ: اثْبُتْ ; فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بَلْ يُكْسَرُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ عَلِمَ الْبَابَ بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَلَعَلَّ حُذَيْفَةَ حَضَرَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ.
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ
قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مَاتُوا قَبْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ عُمَرُ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ؟ فَالْجَوَابُ أَن ذَلِكَ يَقَعُ مِثْلُهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يُذَكِّرُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَهِبْنَا) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ خِفْنَا، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ تَأَدُّبِهِمْ مَعَ كِبَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَقَدَّمَ قَوْلُهُ إِنَّ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ عُمَرَ بَابًا فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَرُ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَجَوُّزًا، وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ حَيَاةِ عُمَرَ، أَوْ بَيْنَ نَفْسِ عُمَرَ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَدَنُهُ ; لِأَنَّ الْبَدَنَ غَيْرُ النَّفْسِ.
(تَنْبِيهٌ):
غَالِبُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَهَلُمَّ جَرَّا يَتَعَلَّقُ بِإِخْبَارِهِ ﷺ عَنِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ فَوَقَعَتْ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْيَسِيرُ مِنْهَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي نُزُولِ السَّكِينَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ سُرَاقَةَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الَّذِي ارْتَدَّ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا قِتَالُ التُّرْكِ، وَقَدْ أَتَى رَدُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثَانِيهَا حَدِيثُ: تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَتَجِدُونَ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا إِلَّا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي فَأَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمَعْنَى.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ النَّاسُ مَعَادِنُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ أَيْضًا. رَابِعُهَا حَدِيثُ: يَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ وَقَعَ لِلْجَمِيعِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ لَكِنْ وَقَعَ لِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي عَرْضَةِ بَغْدَادَ أَحَدِهِمْ بِالْهَاءِ، وَالصَّوَابُ بِالْكَافِ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى.
وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ تَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ فِيهَا عَمَّا لَا يَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، لَا سِيَّمَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ كَانَ يَوَدُّ لَوْ كَانَ رَآهُ وَفَقَدَ مِثْلَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا يَتَمَنَّى مِثْلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِهِمْ مَعَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ فِيهِ
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ: قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَهِمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَالَهُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَكِرْمَانَ) هُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِ اشْتُهِرَ بِالْكَسْرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِبَلَدِنَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِالْفَتْحِ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ وَقَبِلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَجَزَمَ بِالْكَسْرِ الْأَصِيلِيُّ، وَعَبْدُوسٌ، وَتَبِعَ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ، يَاقُوتٌ، وَالصَّغَانِيُّ، لَكِنْ نَسَبَ الْكَسْرَ لِلْعَامَّةِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْوَجْهَيْنِ وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تُقَاتِلُونَ التُّرْكَ وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّ خُوزًا وَكِرْمَانَ لَيْسَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، أَمَّا خُوزٌ فَمِنْ بِلَادِ الْأَهْوَازِ وَهِيَ مِنْ عِرَاقِ الْعَجَمِ.
وَقِيلَ: الْخُوزُ صِنْفٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَّا كِرْمَانُ فَبَلْدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ أَيْضًا بَيْنَ خُرَاسَانَ وَبَحْرِ الْهِنْدِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَوْرَ كِرْمَانَ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْإِضَافَةِ وَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ حَدِيثِ قِتَالِ التُّرْكِ، وَيَجْتَمِعُ مِنْهُمَا الْإِنْذَارُ بِخُرُوجِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ
وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ.
قَوْلُهُ: (حُمْرُ الْوُجُوهِ فُطْسُ الْأُنُوفِ) الْفَطَسُ الِانْفِرَاشُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا دُلْفُ الْأُنُوفِ جَمْعُ أَدْلَفَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّغَرُ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ الِاسْتِوَاءُ فِي طَرَفِ الْأَنْفِ لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظٍ، وَقِيلَ: تَشْمِيرُ الْأَنْفِ عَنِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَدُلْفُ بِسُكُونِ اللَّامِ جَمْعُ أَدْلَفَ مِثْلُ حُمْرٍ وَأَحْمَرَ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ غِلَظٌ فِي الْأَرْنَبَةِ وَقِيلَ: تَطَامُنٌ فِيهَا، وَقِيلَ: ارْتِفَاعُ طَرَفِهِ مَعَ صِغَرِ أَرْنَبَتِهِ، وَقِيلَ: قِصَرُهُ مَعَ انْبِطَاحِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: إِنَّ بِلَادَهُمْ مَا بَيْنَ مَشَارِقِ خُرَاسَانَ إِلَى مَغَارِبِ الصِّينِ وَشِمَالِ الْهِنْدِ إِلَى أَقْصَى الْمَعْمُورِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ بِالتِّرَسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرِهَا وَبِالْمُطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا.
قَوْلُهُ: (نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ طُولُ شُعُورِهِمْ حَتَّى تَصِيرَ أَطْرَافُهَا فِي أَرْجُلِهِمْ مَوْضِعَ النِّعَالِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ نِعَالَهُمْ مِنَ الشَّعْرِ بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالَهُمْ مِنْ شَعْرٍ مَضْفُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنْدُسُ الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيشِ، قَالَ: وَهُوَ جِلْدُ كَلْبِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَابَعَهُ عَبْدَةُ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَجَعَلَهُ أَحْمَدُ حَدِيثَيْنِ فَصَلَ آخِرَهُ فَقَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا أَقْوَامًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَانَا قَرَابَةٌ قَالَ سُفْيَانُ: وَهُمْ - أَيْ آلُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - مَوَالِي لِأَحْمُسَ، فَاجْتَمَعَتْ أَحْمُسُ، قَالَ قَيْسٌ: فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَؤُلَاءِ أَنْسَابُكَ أَتَوْكَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْكَ وَتُحَدِّثَهُمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلًا صَحِبْتُ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ سِنِينَ) كَذَا وَقَعَ وَفِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي صَفَرٍ، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ فَتَكُونُ الْمُدَّةُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَزِيَادَةٌ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ صَحِبْتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اعْتَبَرَ الْمُدَّةَ الَّتِي لَزِمَ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ الْمُلَازَمَةَ الشَّدِيدَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ خَيْبَرَ، أَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْأَوْقَاتَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا سَفَرُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ وَحَجِّهِ وَعُمَرِهِ، لِأَنَّ مُلَازَمَتَهُ لَهُ فِيهَا لَمْ تَكُنْ كَمُلَازَمَتِهِ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ، أَوِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِقَيْدِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْحِرْصِ، وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا الْحِرْصُ الْمَذْكُورُ، أَوْ وَقَعَ لَهُ لَكِنْ كَانَ حِرْصُهُ فِيهَا أَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَيْ فِي سِنِي عُمْرِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي شَيْءٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَاحِدُ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلُهُ (أَحْرَصَ مِنِّي) هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَالْأَفْضَلُ الْمُدَّةُ الَّتِي هِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَالْمَفْضُولُ بَقِيَّةُ عُمْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ مَا كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي فِيهِنَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ، وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ) وَقَعَ ضَبْطُ الْأُولَى بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ وَفِي الثَّانِيَةِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ
عَلَى الرَّاءِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ، وَعَبْدُوسٍ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّاءِ، وَبِهِ جَزَمَ الْأَصِيلِيُّ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: مَعْنَاهُ الْبَارِزِينَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيِ الظَّاهِرِينَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِ عَلِيٍّ أَنَّهُ بَارِزٌ وَظَاهِرٌ، وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ، تَقُولُ الْعَرَبُ هَذَا الْبَارِزُ إِذَا أَشَارَتْ إِلَى شَيْءٍ ضَارٍّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُ سُفْيَانَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ تَقْدِيمُ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَعَكْسُهُ تَصْحِيفٌ كَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي مِنَ الْبَارِزِ وَهُوَ السُّوقُ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَهُمْ أَهْلُ الْبَارِزِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ سُفْيَانَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُمْ هَذَا الْبَارِزُ؛ يَعْنِي الْأَكْرَادَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبَارِزُ الدَّيْلَمُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْكُنُونَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوِ الْجِبَالِ وَهِيَ بَارِزَةٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْضُ فَارِسَ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْفَاءَ مُوَحَّدَةً وَالزَّايَ سِينًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي الْبَاءِ وَالزَّايِ، وَقِيلَ: الْبَارِزُ نَاحِيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ كِرْمَانَ بِهَا جِبَالٌ فِيهَا أَكْرَادٌ، فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِاسْمِ بِلَادِهِمْ، أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ أَهْلٍ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، فَكَأَنَّهُ أَبْدَلَ السِّينَ زَايًا؛ أَيْ وَالْفَاءَ بَاءً. وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ حَدِيثُ: اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَامِلِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِالتُّرْكِ وَهَزَمَهُمْ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْرِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ التُّرْكَ تُجْلِي الْعَرَبَ حَتَّى تُلْحِقَهَا بِمَنَابِتِ الشِّيخ، قَالَ: فَأَنَا أَكْرَهُ قِتَالَهُمْ لِذَلِكَ. وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَسْدُودًا إِلَى أَنْ فُتِحَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَثُرَ السَّبْيُ مِنْهُمْ وَتَنَافَسَ الْمُلُوكُ فِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِ الْمُعْتَصِمِ مِنْهُمْ.
ثُمَّ غَلَبَ الْأَتْرَاكُ عَلَى الْمُلْكِ فَقَتَلُوا ابْنَهُ الْمُتَوَكِّلَ، ثُمَّ أَوْلَادَهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ خَالَطَ الْمَمْلَكَةَ الدَّيْلَمُ، ثُمَّ كَانَ الْمُلُوكُ السَّامَانِيَّةُ مِنَ التُّرْكِ أَيْضًا، فَمَلَكُوا بِلَادَ الْعَجَمِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْمَمَالِكِ آلُ سَبَكْتَكِينَ ثُمَّ آلُ سُلْجُوقَ وَامْتَدَّتْ مَمْلَكَتُهُمْ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالرُّومِ، ثُمَّ كَانَ بَقَايَا أَتْبَاعِهِمْ بِالشَّامِ وَهُمْ آلُ زَنْكِي وَأَتْبَاعُ هَؤُلَاءِ وَهُمْ بَيْتُ أَيُّوبَ، وَاسْتَكْثَرَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا مِنَ التُّرْكِ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَمْلَكَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحِجَازِيَّةِ، وَخَرَجَ عَلَى آلِ سُلْجُوقَ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ الْغُزُّ فَخَرَّبُوا الْبِلَادَ وَفَتَكُوا فِي الْعِبَادِ، ثُمَّ جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى بِالطَّطَرِ فَكَانَ خُرُوجُ جِنْكِيزْخَانْ بَعْدَ السِّتّمِائَةِ فَأُسْعِرَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا نَارًا خُصُوصًا الْمَشْرِقَ بِأَسْرِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَلَدٌ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَهُ شَرُّهُمْ، ثُمَّ كَانَ خَرَابُ بَغْدَادَ وَقَتْلُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ آخِرِ خُلَفَائِهِمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بَقَايَاهُمْ يُخَرِّبُونَ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُمُ اللَّنْكَ - وَمَعْنَاهُ الْأَعْرَجُ، وَاسمهُ تَمُرُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَرُبَّمَا أُشْبِعَتْ - فَطَرَقَ الدِّيَارَ الشَّامِيَّةَ وَعَاثَ فِيهَا، وَحَرَقَ دِمَشْقَ حَتَّى صَارَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، وَدَخَلَ الرُّومَ وَالْهِنْدَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَطَالَتْ مُدَّتُهُ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ اللَّهُ وَتَفَرَّقَ بَنُوهُ الْبِلَادَ، وَظَهَرَ بِجَمِيعِ مَا أَوْرَدْتُهُ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ بَنِي قَنْطُورَا أَوَّلُ مَنْ سَلَبَ أُمَّتِي مُلْكَهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِبَنِي قَنْطُورَا التُّرْكُ، وَقَنْطُورَا قَيَّدَهُ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي الْمُعَرَّبِ بِالْمَدِّ وَفِي كِتَابِ الْبَارِعِ بِالْقَصْرِ، قِيلَ: كَانَتْ جَارِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَانْتَشَرَ مِنْهُمُ التُّرْكُ؛ حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَأَمَّا شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ فَجَزَمَ بِهِ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ السُّودَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنَ الْجِهَادِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ. قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ. قُلْنَا: عَلِمَ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ، وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.
٣٥٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٨٨ - "وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ وَالنَّاسُ مَعَادِنُ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ".
٣٥٨٩ - "وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَانْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ".
٣٥٩٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنْ الأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الأُنُوفِ صِغَارَ الأَعْيُنِ وُجُوهُهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ". تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
٣٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي قَيْسٌ قَالَ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ".
٣٥٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ وَتُقَاتِلُونَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
٣٥٩٣ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي ذِكْرِ الْفِتْنَةِ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ غُنْدَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ - وَهُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ - جَامِعُ بْنِ شَدَّادٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّوْمِ، وَوَافَقَ شَقِيقًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ؟) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي الصَّلَاةِ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ، فَفِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ: سَأَلَ عُمَرُ أَمْسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الزَّكَاةِ أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ هَاتِ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ) فِي الزَّكَاةِ إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ (١).
قَوْلُهُ: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَوَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَمَا مَعَهَا مُكَفِّرَةً لِلْمَذْكُورَاتِ كُلِّهَا لَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا مُكَفِّرَةٌ لِلْفِتْنَةِ فِي الْأَهْلِ وَالصَّوْمِ فِي الْوَلَدِ إِلَخْ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْبَشَرِ ; أَوْ الِالْتِهَاءُ بِهِمْ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ لِأَجْلِهِمْ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَوْ يُخِلَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوعَ التَّكْفِيرِ بِالْمَذْكُورَاتِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ ; لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسْقِطُ ذَلِكَ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُسْتَحَبِّ لَمْ يُنَاسِبْ إِطْلَاقَ التَّكْفِيرِ، وَالْجَوَابُ الْتِزَامُ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ تَكْفِيرِ الْحَرَامِ. وَالْوَاجِبِ مَا كَانَ كَبِيرَةً فَهِيَ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا تُكَفَّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنَ الْبَحْثِ فِي هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْفِتْنَةُ بِالْأَهْلِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِنَّ أَوْ عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ وَالْإِيثَارِ حَتَّى فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَمِنْ جِهَةِ التَّفْرِيطِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُنَّ، وَبِالْمَالِ يَقَعُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِحَبْسِهِ عَنْ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ، وَالْفِتْنَةُ بِالْأَوْلَادِ تَقَعُ بِالْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَلَدِ وَإِيثَارِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَالْفِتْنَةُ بِالْجَارِ تَقَعُ بِالْحَسَدِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ فِي الْحُقُوقِ وَإِهْمَالِ التَّعَاقُدِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِمَنْ ذُكِرَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا بِالتَّكْفِيرِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ قَدْرِهَا لَا نَفْيَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ لَيْسَ فِيهَا صَلَاحِيَةُ التَّكْفِيرِ، ثُمَّ إِنَّ التَّكْفِيرَ الْمَذْكُورَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِالْمُوَازَنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الرَّجُلُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ صَاحِبُ الْحُكْمِ فِي دَارِهِ وَأَهْلِهِ، وَإِلَّا فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْحُكْمِ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ، بَلْ نَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ صَاحِبَهُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُكَفِّرَاتُ لَا تَخْتَصُّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهَا، فَذَكَرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَفْعَالِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْمَالِ
الصَّدَقَةَ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَقْوَالِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ) أَيِ الْفِتْنَةَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَالْفِتْنَةَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أُرِيدُ الْفِتْنَةَ، وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ أَيْ مُرَادِيَ الْفِتْنَةُ.
قَوْلُهُ: (تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أَيْ تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ.
قَوْلُهُ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَاةِ لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَصِيرَ أَسْوَدَ كَالْكُوزِ مَنْكُوسًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، وَحَدَّثَتْهُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بَابًا مُغْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ يُقْتَلُ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَأَتَى بِعِبَارَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْقَتْلِ انْتَهَى.
وَفِي لَفْظِ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ مَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ، وَمَثَّلَ حَيَاةَ عُمَرَ بِبَابٍ لَهَا مُغْلَقٌ، وَمَثَّلَ مَوْتَهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ، فَمَا دَامَتْ حَيَاةُ عُمَرَ مَوْجُودَةً فَهِيَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ لَا يَخْرُجُ مِمَّا هُوَ دَاخِلُ تِلْكَ الدَّارِ شَيْءٌ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ فَخَرَجَ مَا فِي تِلْكَ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ) زَادَ فِي الصِّيَامِ ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْغَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحِ، فَأَمَّا إِذَا انْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ غَلْقُهُ حَتَّى يُجْبَرَ انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ بِالْفَتْحِ وَعَنِ الْقَتْلِ بِالْكَسْرِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ كَسْرًا لَا أَبَا لَكَ لَكِنْ بَقِيَّةُ رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ تَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ، فَإِنَّ فِيهِ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي وُقُوعِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَوُقُوعِ الْبَأْسِ بَيْنَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ وَافَقَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَعْنَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ أَبُو ذَرٍّ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ لَقِيَ عُمَرَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَغَمَزَهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: أَرْسِلْ يَدِي يَا قُفْلَ الْفِتْنَةِ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَا يُصِيبُكُمْ فِتْنَةٌ مَا دَامَ فِيكُمْ وَأَشَارَ إِلَى عُمَرَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: يَا غَلْقَ الْفِتْنَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَرَرْتُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَذَا غَلْقُ الْفِتْنَةِ، لَا يَزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ.
قَوْلُهُ: (قُلْنَا عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ) فِي رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ مَسْرُوقٌ، لِحُذَيْفَةَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أَيْ أَنَّ لَيْلَةَ غَدٍ أَقْرَبُ إِلَى الْيَوْمِ مِنْ غَدٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ حُذَيْفَةَ، وَالْأَغَالِيطُ جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ وَهُوَ مَا يُغَالَطُ بِهِ، أَيْ حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لَا عَنِ اجْتِهَادٍ وَلَا رَأْيٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ الْبَابُ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِرَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، فَقَالَ: اثْبُتْ ; فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ أَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بَلْ يُكْسَرُ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ عَلِمَ الْبَابَ بِالنَّصِّ كَمَا قَدَّمْتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَلَعَلَّ حُذَيْفَةَ حَضَرَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ.
وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ
قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مَاتُوا قَبْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ عُمَرُ عَارِفًا بِذَلِكَ فَلِمَ شَكَّ فِيهِ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ؟ فَالْجَوَابُ أَن ذَلِكَ يَقَعُ مِثْلُهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، أَوْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ فَسَأَلَ مَنْ يُذَكِّرُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فَهِبْنَا) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ خِفْنَا، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ تَأَدُّبِهِمْ مَعَ كِبَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) هُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَقَدَّمَ قَوْلُهُ إِنَّ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ عُمَرَ بَابًا فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عُمَرُ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَجَوُّزًا، وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْفِتْنَةِ وَبَيْنَ حَيَاةِ عُمَرَ، أَوْ بَيْنَ نَفْسِ عُمَرَ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَدَنُهُ ; لِأَنَّ الْبَدَنَ غَيْرُ النَّفْسِ.
(تَنْبِيهٌ):
غَالِبُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَهَلُمَّ جَرَّا يَتَعَلَّقُ بِإِخْبَارِهِ ﷺ عَنِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ بَعْدَهُ فَوَقَعَتْ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْيَسِيرُ مِنْهَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا مَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي نُزُولِ السَّكِينَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ سُرَاقَةَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الَّذِي ارْتَدَّ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا قِتَالُ التُّرْكِ، وَقَدْ أَتَى رَدُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثَانِيهَا حَدِيثُ: تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَتَجِدُونَ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا إِلَّا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي فَأَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ وَبِهِ يَتِمُّ الْمَعْنَى.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ النَّاسُ مَعَادِنُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ أَيْضًا. رَابِعُهَا حَدِيثُ: يَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ وَقَعَ لِلْجَمِيعِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ لَكِنْ وَقَعَ لِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي عَرْضَةِ بَغْدَادَ أَحَدِهِمْ بِالْهَاءِ، وَالصَّوَابُ بِالْكَافِ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى.
وَالْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ تَدْخُلُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ فِيهَا عَمَّا لَا يَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ، لَا سِيَّمَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ كَانَ يَوَدُّ لَوْ كَانَ رَآهُ وَفَقَدَ مِثْلَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا يَتَمَنَّى مِثْلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِهِمْ مَعَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ فِيهِ
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ.
قَوْلُهُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا) هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ: قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَهِمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَالَهُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَكِرْمَانَ) هُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنِ اشْتُهِرَ بِالْكَسْرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِبَلَدِنَا. قُلْتُ: جَزَمَ بِالْفَتْحِ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ وَقَبِلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَجَزَمَ بِالْكَسْرِ الْأَصِيلِيُّ، وَعَبْدُوسٌ، وَتَبِعَ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ، يَاقُوتٌ، وَالصَّغَانِيُّ، لَكِنْ نَسَبَ الْكَسْرَ لِلْعَامَّةِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْوَجْهَيْنِ وَالرَّاءُ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تُقَاتِلُونَ التُّرْكَ وَاسْتُشْكِلَ لِأَنَّ خُوزًا وَكِرْمَانَ لَيْسَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، أَمَّا خُوزٌ فَمِنْ بِلَادِ الْأَهْوَازِ وَهِيَ مِنْ عِرَاقِ الْعَجَمِ.
وَقِيلَ: الْخُوزُ صِنْفٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَّا كِرْمَانُ فَبَلْدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ أَيْضًا بَيْنَ خُرَاسَانَ وَبَحْرِ الْهِنْدِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَوْرَ كِرْمَانَ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْإِضَافَةِ وَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ حَدِيثِ قِتَالِ التُّرْكِ، وَيَجْتَمِعُ مِنْهُمَا الْإِنْذَارُ بِخُرُوجِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ
وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ.
قَوْلُهُ: (حُمْرُ الْوُجُوهِ فُطْسُ الْأُنُوفِ) الْفَطَسُ الِانْفِرَاشُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا دُلْفُ الْأُنُوفِ جَمْعُ أَدْلَفَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّغَرُ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ الِاسْتِوَاءُ فِي طَرَفِ الْأَنْفِ لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظٍ، وَقِيلَ: تَشْمِيرُ الْأَنْفِ عَنِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَدُلْفُ بِسُكُونِ اللَّامِ جَمْعُ أَدْلَفَ مِثْلُ حُمْرٍ وَأَحْمَرَ، وَقِيلَ: الدَّلَفُ غِلَظٌ فِي الْأَرْنَبَةِ وَقِيلَ: تَطَامُنٌ فِيهَا، وَقِيلَ: ارْتِفَاعُ طَرَفِهِ مَعَ صِغَرِ أَرْنَبَتِهِ، وَقِيلَ: قِصَرُهُ مَعَ انْبِطَاحِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ) فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمِجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: إِنَّ بِلَادَهُمْ مَا بَيْنَ مَشَارِقِ خُرَاسَانَ إِلَى مَغَارِبِ الصِّينِ وَشِمَالِ الْهِنْدِ إِلَى أَقْصَى الْمَعْمُورِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: شَبَّهَ وُجُوهَهُمْ بِالتِّرَسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرِهَا وَبِالْمُطْرَقَةِ لِغِلَظِهَا وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا.
قَوْلُهُ: (نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْجِهَادِ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ طُولُ شُعُورِهِمْ حَتَّى تَصِيرَ أَطْرَافُهَا فِي أَرْجُلِهِمْ مَوْضِعَ النِّعَالِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ نِعَالَهُمْ مِنَ الشَّعْرِ بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالَهُمْ مِنْ شَعْرٍ مَضْفُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ، وَزَعَمَ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُنْدُسُ الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيشِ، قَالَ: وَهُوَ جِلْدُ كَلْبِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَابَعَهُ عَبْدَةُ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامَانِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَجَعَلَهُ أَحْمَدُ حَدِيثَيْنِ فَصَلَ آخِرَهُ فَقَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا أَقْوَامًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَانَا قَرَابَةٌ قَالَ سُفْيَانُ: وَهُمْ - أَيْ آلُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - مَوَالِي لِأَحْمُسَ، فَاجْتَمَعَتْ أَحْمُسُ، قَالَ قَيْسٌ: فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَؤُلَاءِ أَنْسَابُكَ أَتَوْكَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْكَ وَتُحَدِّثَهُمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلًا صَحِبْتُ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ سِنِينَ) كَذَا وَقَعَ وَفِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَكَانَتْ خَيْبَرُ فِي صَفَرٍ، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ فَتَكُونُ الْمُدَّةُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَزِيَادَةٌ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ صَحِبْتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اعْتَبَرَ الْمُدَّةَ الَّتِي لَزِمَ فِيهَا النَّبِيَّ ﷺ الْمُلَازَمَةَ الشَّدِيدَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ مِنْ خَيْبَرَ، أَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْأَوْقَاتَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا سَفَرُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ وَحَجِّهِ وَعُمَرِهِ، لِأَنَّ مُلَازَمَتَهُ لَهُ فِيهَا لَمْ تَكُنْ كَمُلَازَمَتِهِ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ، أَوِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِقَيْدِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْحِرْصِ، وَمَا عَدَاهَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا الْحِرْصُ الْمَذْكُورُ، أَوْ وَقَعَ لَهُ لَكِنْ كَانَ حِرْصُهُ فِيهَا أَقْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَيْ فِي سِنِي عُمْرِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي شَيْءٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَاحِدُ الْأَشْيَاءِ، وَقَوْلُهُ (أَحْرَصَ مِنِّي) هُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَالْأَفْضَلُ الْمُدَّةُ الَّتِي هِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَالْمَفْضُولُ بَقِيَّةُ عُمْرِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ مَا كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي فِيهِنَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ هَذَا الْبَارِزُ، وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَهُمْ أَهْلُ الْبَازِرِ) وَقَعَ ضَبْطُ الْأُولَى بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ وَفِي الثَّانِيَةِ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ
عَلَى الرَّاءِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ، وَعَبْدُوسٍ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّاءِ، وَبِهِ جَزَمَ الْأَصِيلِيُّ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: مَعْنَاهُ الْبَارِزِينَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَيِ الظَّاهِرِينَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِ عَلِيٍّ أَنَّهُ بَارِزٌ وَظَاهِرٌ، وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ، تَقُولُ الْعَرَبُ هَذَا الْبَارِزُ إِذَا أَشَارَتْ إِلَى شَيْءٍ ضَارٍّ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُ سُفْيَانَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ تَقْدِيمُ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَعَكْسُهُ تَصْحِيفٌ كَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي مِنَ الْبَارِزِ وَهُوَ السُّوقُ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَهُمْ أَهْلُ الْبَارِزِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ سُفْيَانَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُمْ هَذَا الْبَارِزُ؛ يَعْنِي الْأَكْرَادَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبَارِزُ الدَّيْلَمُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْكُنُونَ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوِ الْجِبَالِ وَهِيَ بَارِزَةٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْضُ فَارِسَ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْفَاءَ مُوَحَّدَةً وَالزَّايَ سِينًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي الْبَاءِ وَالزَّايِ، وَقِيلَ: الْبَارِزُ نَاحِيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ كِرْمَانَ بِهَا جِبَالٌ فِيهَا أَكْرَادٌ، فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِاسْمِ بِلَادِهِمْ، أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ أَهْلٍ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ وَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، فَكَأَنَّهُ أَبْدَلَ السِّينَ زَايًا؛ أَيْ وَالْفَاءَ بَاءً. وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ حَدِيثُ: اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَامِلِهِ أَنَّهُ وَقَعَ بِالتُّرْكِ وَهَزَمَهُمْ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَأْتِيكَ أَمْرِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ التُّرْكَ تُجْلِي الْعَرَبَ حَتَّى تُلْحِقَهَا بِمَنَابِتِ الشِّيخ، قَالَ: فَأَنَا أَكْرَهُ قِتَالَهُمْ لِذَلِكَ. وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَسْدُودًا إِلَى أَنْ فُتِحَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَثُرَ السَّبْيُ مِنْهُمْ وَتَنَافَسَ الْمُلُوكُ فِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِ الْمُعْتَصِمِ مِنْهُمْ.
ثُمَّ غَلَبَ الْأَتْرَاكُ عَلَى الْمُلْكِ فَقَتَلُوا ابْنَهُ الْمُتَوَكِّلَ، ثُمَّ أَوْلَادَهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ خَالَطَ الْمَمْلَكَةَ الدَّيْلَمُ، ثُمَّ كَانَ الْمُلُوكُ السَّامَانِيَّةُ مِنَ التُّرْكِ أَيْضًا، فَمَلَكُوا بِلَادَ الْعَجَمِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْمَمَالِكِ آلُ سَبَكْتَكِينَ ثُمَّ آلُ سُلْجُوقَ وَامْتَدَّتْ مَمْلَكَتُهُمْ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالرُّومِ، ثُمَّ كَانَ بَقَايَا أَتْبَاعِهِمْ بِالشَّامِ وَهُمْ آلُ زَنْكِي وَأَتْبَاعُ هَؤُلَاءِ وَهُمْ بَيْتُ أَيُّوبَ، وَاسْتَكْثَرَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا مِنَ التُّرْكِ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْمَمْلَكَةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحِجَازِيَّةِ، وَخَرَجَ عَلَى آلِ سُلْجُوقَ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ الْغُزُّ فَخَرَّبُوا الْبِلَادَ وَفَتَكُوا فِي الْعِبَادِ، ثُمَّ جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى بِالطَّطَرِ فَكَانَ خُرُوجُ جِنْكِيزْخَانْ بَعْدَ السِّتّمِائَةِ فَأُسْعِرَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا نَارًا خُصُوصًا الْمَشْرِقَ بِأَسْرِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَلَدٌ مِنْهُ حَتَّى دَخَلَهُ شَرُّهُمْ، ثُمَّ كَانَ خَرَابُ بَغْدَادَ وَقَتْلُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ آخِرِ خُلَفَائِهِمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بَقَايَاهُمْ يُخَرِّبُونَ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرُهُمُ اللَّنْكَ - وَمَعْنَاهُ الْأَعْرَجُ، وَاسمهُ تَمُرُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَرُبَّمَا أُشْبِعَتْ - فَطَرَقَ الدِّيَارَ الشَّامِيَّةَ وَعَاثَ فِيهَا، وَحَرَقَ دِمَشْقَ حَتَّى صَارَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، وَدَخَلَ الرُّومَ وَالْهِنْدَ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَطَالَتْ مُدَّتُهُ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ اللَّهُ وَتَفَرَّقَ بَنُوهُ الْبِلَادَ، وَظَهَرَ بِجَمِيعِ مَا أَوْرَدْتُهُ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ بَنِي قَنْطُورَا أَوَّلُ مَنْ سَلَبَ أُمَّتِي مُلْكَهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ
مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِبَنِي قَنْطُورَا التُّرْكُ، وَقَنْطُورَا قَيَّدَهُ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي الْمُعَرَّبِ بِالْمَدِّ وَفِي كِتَابِ الْبَارِعِ بِالْقَصْرِ، قِيلَ: كَانَتْ جَارِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَانْتَشَرَ مِنْهُمُ التُّرْكُ؛ حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَأَمَّا شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ فَجَزَمَ بِهِ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ السُّودَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قِتَالِ التُّرْكِ مِنَ الْجِهَادِ