«سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٨٦

الحديث رقم ٣٨٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة في النعال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في…

«سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ».

بَابُ الصَّلَاةِ فِي

⦗٨٧⦘

الْخِفَافِ

سند حديث: ٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ…

٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في…

من المقاصد الشرعية مخالفة أهل الكتاب، وإزالة كل شيء فيه مشقة وحرج على المسلم، وقد سأل سعيد بن يزيد وهو من ثقات التابعين أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أكان يصلى في نعليه؛ ليكون له قدوة فيه؟ أو كأنه استبعد ذلك لما يكون فيها من القذر والأذى غالبًا، فأجابه أنس: نعم، كان يصلى في نعليه، وأن ذلك من سنته المطهرة، وهذا ليس خاصًّا بأرض أو زمن معين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص السلف في البحث في العلم.
  • استحباب الصلاة في النعلين، حيث كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • جواز دخول المسجد بهما، بعد تنظيفهما من الأقذار والأنجاس.
  • أن غلبة الظن في نجاستهما لا تخرجهما عن أصل الطهارة فيهما.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلْ وَمُعْظَمُ الْمُصَنِّفِينَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ وَقَدْ كَانَ يَرَى فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ فِيهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ.

٢٤ - بَاب الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ

٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الحديث ٣٨٦ - طرفه في: ٥٨٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ، ثُمَّ هِيَ مِنَ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَلَابِسِ الزِّينَةِ إِلَّا أَنَّ مُلَامَسَتَهُ الْأَرْضَ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا النَّجَاسَاتُ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ التَّحْسِينِ وَمُرَاعَاةُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ قُدِّمَتِ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَالْأُخْرَى مِنْ بَابِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ بِإِلْحَاقِهِ بِمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَتْرُكُ هَذَا النَّظَرَ. قُلْتُ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ. فَيَكُونُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنَ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْعُقَيْلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

٢٥ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ

٣٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَةَ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الْمَذْكُورِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ النَّخَعِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ إِبْرَاهِيمُ وَشَيْخُهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى فِي خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَعَهُمَا بَعْدَ الْمَسْحِ لَوَجَبَ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ غَسَلَهُمَا لَنُقِلَ.

قَوْلُهُ: (فَسُئِلَ)، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ هَمَّامٌ الْمَذْكُورُ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَمِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْهُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ.

قَوْلُهُ: (مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) وَلِمُسْلِمٍ: لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على متحرِّكٍ بحركته عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته لأنَّه كالجزء منه، أو جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل صلاته ويجب إعادة السُّجود، قاله (١) في «شرح المُهذَّب». نعم، استثنى في «المهمَّات»: ما لو كان بيده عودٌ أو نحوه، فسجد عليه فإنَّه يجوز كما في «شرح المُهذَّب» في نواقض الوضوء.

ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦١٢٠٨] أيضًا (٢)، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٢٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) أي: على النِّعال أو بها لأنَّ الظَّرفيَّة غير صحيحةٍ.

٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) وليس عند الأَصيليِّ: «ابن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو مَسْلَمَةَ) بفتح الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بكسر العين (الأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) أي: عليهما أو بهما؟ (قَالَ: نَعَمْ) أي: إذا لم يكن فيهما نجاسةٌ، والاستفهام على سبيل الاستفسار، واختُلِف فيما إذا كان فيهما نجاسةٌ: فعند الشَّافعيَّة لا يطهِّرها إِلَّا الماء، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: إن كانت يابسةً أجزأ حكُّها (٣)، وإن كانت رطبةً (٤) تعيَّن الماء.

ورواة هذا الحديث الأربعة مابين عسقلانيٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٠]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا التَّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عمر ذَات يَوْم بِالنَّاسِ الْجُمُعَة فِي يَوْم شَدِيد الْحر، فَطرح طرف ثَوْبه بِالْأَرْضِ فَجعل يسْجد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِذا وجد أحدكُم الْحر فليسجد على طرف ثَوْبه) . وَرَوَاهُ زيد بن وهب عَن عمر بِنَحْوِهِ، وَأمر بِهِ إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَطَاء، وَفعله مُجَاهِد. وَقَالَ الْحسن: لَا بَأْس بِهِ، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الشّعبِيّ وَطَاوُس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول ومسروق وَشُرَيْح. وَقَالَ صَاحب (التَّهْذِيب) من الشَّافِعِيَّة: وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء، والْحَدِيث حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يجوز ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: حمله الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل، قُلْنَا: لفظ: ثَوْبه، دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَهُوَ تعقيب السُّجُود بالبسط، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد، وَكَذَا دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من خَارج اللَّفْظ، وَهُوَ قلَّة الثِّيَاب عِنْدهم. فَإِن قلت: أيد الْبَيْهَقِيّ حمل الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: (فَيَأْخُذ أَحَدنَا الْحَصَى فِي يَده فَإِذا برد وَضعه وَسجد عَلَيْهِ) . قَالَ: فَلَو جَازَ السُّجُود على شَيْء مُتَّصِل بِهِ لما احتاجوا إِلَى تبريد الْحَصَى مَعَ طول الْأَمر فِيهِ.

قلت: ورد هَذَا بِاحْتِمَال أَن يكون الَّذِي كَانَ يبرد الْحَصَى لم يكن فِي ثَوْبه فضلَة يسْجد عَلَيْهَا مَعَ بَقَاء ستْرَة لَهُ. فَإِن قلت: احْتج الشَّافِعِي بِحَدِيث خباب قَالَ: (شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حر الرمضاء فِي جباهنا فَلم يشكنا) . أَي: فَلم يزل شكوانا، وَبِمَا روى عَنهُ أَنه قَالَ: (ترب جبينك يَا رَبَاح) . قلت: حَدِيث خباب لَيْسَ فِيهِ ذكر الجباه والأكف فِي المسانيد الْمَشْهُورَة، ثَبت فَهُوَ مَحْمُول على التَّأْخِير الْكثير حَتَّى تبرد الرمضاء، وَذَلِكَ يكون فِي أَرض الْحجاز بعد الْعَصْر. وَيُقَال: إِنَّه مَنْسُوخ بقوله: (أبردوا بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم) . وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عبد ابْن عبد الرَّحْمَن قَالَ: (جَاءَنَا رَسُول اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، فصلى بِنَا فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل، فرأيته وَاضِعا يَدَيْهِ فِي ثَوْبه إِذا سجد) . رَوَاهُ أَحْمد وَابْن ماجة. فَإِن قلت: هَذَا مَحْمُول على الثَّوْب الْمُنْفَصِل الَّذِي لَا يَتَحَرَّك بحركته.

قلت: هَذَا بعيد لقَوْله: (بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ) . إِذْ: الْفَاء، فِيهِ للتعقيب. وكل حَدِيث احْتج بِهِ الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب فَهُوَ مُحْتَمل، وَمَا احْتج بِهِ غَيره من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين فَهُوَ مُحكم، فَيحمل الْمُحْتَمل على الْمُحكم على أَنه قد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم رووا سُجُوده، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على كور عمَامَته. مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة، أخرج حَدِيثه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) . وَابْن عَبَّاس، أخرج حَدِيثه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) . وَعبد ابْن أبي أوفي، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) ، وَجَابِر أخرج حَدِيثه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) . وَأنس أخرج حَدِيثه ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه (الْعِلَل) . وَابْن عمر أخرج حَدِيثه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم تَمام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي (فَوَائده) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : أما مَا روى أَن النَّبِي كَانَ يسْجد على كور عمَامَته فَلَا يثبت مِنْهُ شَيْء. قلت: حَدِيث ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن أبي أوفى جِيَاد، وَمَا كَانَ مِنْهُ من الضَّعِيف يشْتَد بِالْقَوِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي هَذَا الْبَاب. وَبِمَا ذكرنَا هَهُنَا يحصل الْجَواب عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْبَاب من فرقه بَين الْمَحْمُول المتحرك وَغَيره، وَالِاسْتِدْلَال بقوله: (ترب وَجهك) ، وَحَدِيث الْبَاب أَيْضا يرد مَا ذكره من قَوْله: وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء قِيَاس بالفارق، وَقِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص.

قُلْنَا: لَا نسلم ذَلِك لأَنا عَملنَا أَولا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ورد فِي هَذَا الْبَاب، وبالقياس أَيْضا، فَهَذَا أقوى. وَقَوله: ثَبت أَنه كَانَ يُبَاشر الأَرْض بِوَجْهِهِ فِي سُجُوده، فَنَقُول: بَاشر أَيْضا ثَوْبه فِي سُجُوده، كَمَا مر، وبدليل مَا لَو سجد على الْبسَاط يجوز بِالْإِجْمَاع، فَإِن احْتج بقوله: (مكن جبهتك وأنفك من الأَرْض) ، فَنَقُول بِمُوجبِه، وَهُوَ وجدان حجم الأَرْض حَتَّى إِذا امْتنع حجمها لَا يجوز. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ أَي فِي حَدِيث الْبَاب تَقْدِيم الظّهْر فِي أول الْوَقْت قُلْنَا: ظَاهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَمر بالإيراد بِالظّهْرِ يُعَارضهُ، وَدفعهَا إِمَّا بِأَن نقُول: إِن التَّقْدِيم رخصَة والإيراد سنة، فَإِذا قُلْنَا: أَحَادِيث الْأَمر بالإيراد ناسخة لَا يبْقى تعَارض. فَافْهَم.

وَمِمَّا يستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة عَفْو، لِأَن وضع طرف الثَّوْب فِي مَوضِع السُّجُود، عمل. وَا أعلم.

٤٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي النعالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي النِّعَال، أَي: على النِّعَال أَو؛ بالنعال، لِأَن الظَّرْفِيَّة غير صَحِيحَة.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق تَغْطِيَة الْوَجْه بِالثَّوْبِ الَّذِي يسْجد عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْبَاب تَغْطِيَة بعض الْقَدَمَيْنِ.

٦٨٣٢٥ - ح دّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا أبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بنُ يَزِيدَ الأَزْرِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ أكانَ النَّبيُّ يُصلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نعَمْ. (الحَدِيث ٦٨٣ طرفه فِي ٠٥٨٥) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة مر ذكرهم، وَأَبُو مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَسَعِيد بِالْيَاءِ، وَيزِيد من الزِّيَادَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين عسقلاني وكوفي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن بشر بن الْمفضل وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع وغسان بن مُضر.

ذكر مَعْنَاهُ واستنباط الحكم مِنْهُ: قَوْله: (أَكَانَ النَّبِي) اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستفسار. قَوْله: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه؟) أَي: على نَعْلَيْه، أَو بنعليه، كَمَا ذكرنَا. والنعل: الْحذاء مُؤَنّثَة وتصغيرها: نعيلة، وَقَالَ ابْن بطال: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْعلمَاء إِذا لم يكن فِي النَّعْلَيْنِ نَجَاسَة فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فيهمَا، وَإِن كَانَ فيهمَا نَجَاسَة فليمسحهما وَيصلى فيهمَا. وَاخْتلفُوا فِي تَطْهِير النِّعَال من النَّجَاسَات، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا وطىء القذر الرطب يجْزِيه أَن يمسحهما بِالتُّرَابِ وَيُصلي فِيهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا يجْزِيه أَن يطهر الرطب إِلَّا بِالْمَاءِ، وَإِن كَانَ يَابسا أَجزَأَهُ حكه. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يطهر النَّجَاسَات إِلَّا المَاء فِي الْخُف والنعل وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الصَّلَاة فِي النِّعَال من الرُّخص لَا من المستحبات، لِأَن ذَلِك لَا يدْخل فِي الْمَعْنى الْمَطْلُوب من الصَّلَاة.

قلت: كَيفَ لَا تكون من المستحبات بل يَنْبَغِي أَن تكون من السّنَن، لِأَن أَبَا دَاوُد روى فِي (سنَنه) : حدّثنا قُتَيْبَة بن سعيد حدّثنا مَرْوَان ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن هِلَال بن مَيْمُون الرَّمْلِيّ عَن يعلى بن شَدَّاد بن أَوْس عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وَلَا فِي خفافهم) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا، فَيكون مُسْتَحبا من جِهَة قصد مُخَالفَة الْيَهُود، وَلَيْسَت بِسنة لِأَن الصَّلَاة فِي النِّعَال لَيست بمقصوده بِالذَّاتِ، وَقد روى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله حافياً ومتنعلاً) ، وَهَذَا يدل على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة، وَحكى الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) عَن بَعضهم أَن الصَّلَاة فِيهِ أفضل.

وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: جَوَاز الْمَشْي فِي الْمَسْجِد بالنعل.

٥٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي الخِفَافِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْخفاف أَي: بالخفاف. وَهُوَ جمع خف.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

٧٨٣٣٥ - ح دّثنا آدَمُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنه الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عنْ هَمّامِ بنُ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلى خفَّيْهِ ثُمَّ قامَ فَصَلى فَسُئِلَ فَقالَ رَأَيْتُ النبيَّ صَنَعَ مِثْلَ هذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ فَكانَ يُعْجِبُهُمْ لأَنَّ جَرِيراً كانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أسْلَمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمسح على خفيه ثمَّ قَامَ فصلى) لِأَنَّهُ صلى وَهُوَ لابس خفيه، إِذْ لَو نزعهما بعد الْغسْل لوَجَبَ غسل رجلَيْهِ، وَلَو غسلهمَا لنقل فِي الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَسليمَان الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ، وَهَمَّام: على وزن فعال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، كَانَ من الْعباد مَاتَ فِي زمن الْحجَّاج، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد االبجلي الصَّحَابِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمُضَارع. وَفِيه: السماع

فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل وَالرِّوَايَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم، وَعلي بن خشرم وَعَن يحيى بن يحيى وَإِسْحَاق وَأبي كريب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن منْجَاب بن الْحَارِث. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن مُحَمَّد، الْكل عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عبد ابْن دَاوُد عَن بكير بن عَامر عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير: (أَن جَرِيرًا بَال ثمَّ تَوَضَّأ فَمسح على خفيه، قَالَ: مَا يَمْنعنِي أَن أَمسَح وَقد رَأَيْت رَسُول الله يمسح؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك قبل نزُول الْمَائِدَة. قَالَ: مَا أسلمت إِلَّا بعد نزُول الْمَائِدَة) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ربعي بن حِرَاش عَنهُ، قَالَ: (وضأت رَسُول الله فَمسح على خفيه بعد مَا نزلت سُورَة الْمَائِدَة) . ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن ربعي إلَاّ ياسين الزيات، تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق، وَيَاسِين مُتَكَلم فِيهِ، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَنهُ أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله فِي حجَّة الْوَدَاع فَذهب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يتبرز فَرجع فَتَوَضَّأ وَمسح على خفيه، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إلَاّ خَالِد الْحذاء، وَلَا عَن خَالِد إلَاّ حَارِث بن شُرَيْح، تفرد بِهِ سِنَان بن فروخ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ قَامَ فصلى) ، ظَاهره أَنه صلى فِي خفيه كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَسئلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: سُئِلَ جرير عَن الْمسْح عل الْخُفَّيْنِ وَالصَّلَاة فيهمَا، وَقد بَين الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه من طَرِيق جَعْفَر بن الْحَارِث عَن الْأَعْمَش أَن السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك هُوَ همام بن الْحَارِث الْمَذْكُور، وَله من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش، فعاب عَلَيْهِ ذَلِك رجل من الْقَوْم. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: من الْمسْح على خفيه وَالصَّلَاة فيهمَا. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) أَي: الْمَذْكُور، وَهُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (فَكَانَ) أَي: فَكَانَ حَدِيث جرير يعجبهم، أَي: يعجب الْقَوْم لِأَنَّهُ من جملَة الَّذين أَسْلمُوا فِي آخر حَيَاة رَسُول ا، وَقد أسلم فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا رَسُول ا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: كَانَ يعجبهم هَذَا الحَدِيث، وَمن طَرِيق عِيسَى بن يُونُس، فَكَانَ أَصْحَاب عبد ابْن مَسْعُود يعجبهم. قَوْله: (من آخر من أسلم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لِأَن إِسْلَام جرير كَانَ بعد نزُول الْمَائِدَة) .

وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك) أَي: مسح النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الْخُفَّيْنِ بعد نزُول الْمَائِدَة. فَقَالَ جرير: مَا أسلمت إلَاّ بعد نزُول الْمَائِدَة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: (قَالَ: رَأَيْت جرير بن عبد ا) فَذكر نَحْو حَدِيث الْبَاب، قَالَ: (فَقلت لَهُ: أقبل الْمَائِدَة أم بعْدهَا؟ قَالَ: مَا أسلمت إلَاّ بعد الْمَائِدَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث مُفَسّر، لِأَن بعض من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ تَأَول أَن مسح النَّبِي على الْخُفَّيْنِ كَانَ قبل نزُول آيَة الْوضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة، فَيكون مَنْسُوخا: فَذكر جرير فِي حَدِيثه أَنه رَآهُ يمسح بعد نزُول الْمَائِدَة، فَكَانَ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود يعجبهم حَدِيث جرير لِأَن فِيهِ ردا على أَصْحَاب التَّأْوِيل الْمَذْكُور. قلت: قَالَ اتعالى فِي سُورَة الْمَائِدَة: {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الْآيَة، فَلَو كَانَ إِسْلَام جرير مُتَقَدما على نزُول الْمَائِدَة لاحتمل كَون حَدِيثه فِي مسح الْخُف مَنْسُوخا بِآيَة الْمَائِدَة، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامه مُتَأَخِّرًا علمنَا أَن حَدِيثه يعْمل بِهِ، وَهُوَ مُبين أَن المُرَاد بِآيَة الْمَائِدَة غير صَاحب الْخُف، فَتكون السّنة مخصصة لِلْآيَةِ. وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) : عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم رَضِي اعنه، قَالَ: مَا سَمِعت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أحسن من حَدِيث جرير رَضِي اعنه، وَقد ورد مؤرخاً بِحجَّة الْوَدَاع فِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ.

وَاعْلَم أَنه وَردت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ عدَّة أَحَادِيث تبلغ التَّوَاتُر على رَأْي كثير من الْعلمَاء. قَالَ الْمَيْمُونِيّ: عَن أَحْمد: فِيهَا سَبْعَة وَثَلَاثُونَ صحابياً. وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُحَمَّد عَنهُ: أَرْبَعُونَ، كَذَا قَالَه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: أحد وَأَرْبَعُونَ صحابياً. وَفِي (الْأَشْرَاف) عَن الْحسن: حَدثنِي بِهِ سَبْعُونَ صحابياً. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مسح على الْخُفَّيْنِ سَائِر أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة، وَغَيرهم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَسَائِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار وَعَامة أهل الْعلم والأثر، وَلَا يُنكره إلَاّ مخذول مُبْتَدع خَارج عَن جمَاعَة الْمُسلمين. وَفِي (الْبَدَائِع) : الْمسْح على الْخُفَّيْنِ جَائِز عِنْد عَامَّة الْفُقَهَاء وَعَامة الصَّحَابَة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه لَا يجوز، وَهُوَ قَول الرافضة. ثمَّ قَالَ: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلْ وَمُعْظَمُ الْمُصَنِّفِينَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ وَقَدْ كَانَ يَرَى فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ فِيهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ.

٢٤ - بَاب الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ

٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[الحديث ٣٨٦ - طرفه في: ٥٨٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ، ثُمَّ هِيَ مِنَ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَلَابِسِ الزِّينَةِ إِلَّا أَنَّ مُلَامَسَتَهُ الْأَرْضَ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا النَّجَاسَاتُ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ التَّحْسِينِ وَمُرَاعَاةُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ قُدِّمَتِ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَالْأُخْرَى مِنْ بَابِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ بِإِلْحَاقِهِ بِمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَتْرُكُ هَذَا النَّظَرَ. قُلْتُ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ. فَيَكُونُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنَ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْعُقَيْلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

٢٥ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ

٣٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَةَ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الْمَذْكُورِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ النَّخَعِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ إِبْرَاهِيمُ وَشَيْخُهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى فِي خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَعَهُمَا بَعْدَ الْمَسْحِ لَوَجَبَ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ غَسَلَهُمَا لَنُقِلَ.

قَوْلُهُ: (فَسُئِلَ)، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ هَمَّامٌ الْمَذْكُورُ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَمِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْهُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ.

قَوْلُهُ: (مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) وَلِمُسْلِمٍ: لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على متحرِّكٍ بحركته عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته لأنَّه كالجزء منه، أو جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل صلاته ويجب إعادة السُّجود، قاله (١) في «شرح المُهذَّب». نعم، استثنى في «المهمَّات»: ما لو كان بيده عودٌ أو نحوه، فسجد عليه فإنَّه يجوز كما في «شرح المُهذَّب» في نواقض الوضوء.

ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦١٢٠٨] أيضًا (٢)، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٢٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) أي: على النِّعال أو بها لأنَّ الظَّرفيَّة غير صحيحةٍ.

٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) وليس عند الأَصيليِّ: «ابن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو مَسْلَمَةَ) بفتح الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بكسر العين (الأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (أَكَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) أي: عليهما أو بهما؟ (قَالَ: نَعَمْ) أي: إذا لم يكن فيهما نجاسةٌ، والاستفهام على سبيل الاستفسار، واختُلِف فيما إذا كان فيهما نجاسةٌ: فعند الشَّافعيَّة لا يطهِّرها إِلَّا الماء، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: إن كانت يابسةً أجزأ حكُّها (٣)، وإن كانت رطبةً (٤) تعيَّن الماء.

ورواة هذا الحديث الأربعة مابين عسقلانيٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٠]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا التَّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عمر ذَات يَوْم بِالنَّاسِ الْجُمُعَة فِي يَوْم شَدِيد الْحر، فَطرح طرف ثَوْبه بِالْأَرْضِ فَجعل يسْجد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِذا وجد أحدكُم الْحر فليسجد على طرف ثَوْبه) . وَرَوَاهُ زيد بن وهب عَن عمر بِنَحْوِهِ، وَأمر بِهِ إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَطَاء، وَفعله مُجَاهِد. وَقَالَ الْحسن: لَا بَأْس بِهِ، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا عَن الشّعبِيّ وَطَاوُس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول ومسروق وَشُرَيْح. وَقَالَ صَاحب (التَّهْذِيب) من الشَّافِعِيَّة: وَبِه قَالَ أَكثر الْعلمَاء، والْحَدِيث حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يجوز ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: حمله الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل، قُلْنَا: لفظ: ثَوْبه، دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَهُوَ تعقيب السُّجُود بالبسط، كَمَا فِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد، وَكَذَا دلّ على الْمُتَّصِل بِهِ من خَارج اللَّفْظ، وَهُوَ قلَّة الثِّيَاب عِنْدهم. فَإِن قلت: أيد الْبَيْهَقِيّ حمل الشَّافِعِي على الثَّوْب الْمُنْفَصِل بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: (فَيَأْخُذ أَحَدنَا الْحَصَى فِي يَده فَإِذا برد وَضعه وَسجد عَلَيْهِ) . قَالَ: فَلَو جَازَ السُّجُود على شَيْء مُتَّصِل بِهِ لما احتاجوا إِلَى تبريد الْحَصَى مَعَ طول الْأَمر فِيهِ.

قلت: ورد هَذَا بِاحْتِمَال أَن يكون الَّذِي كَانَ يبرد الْحَصَى لم يكن فِي ثَوْبه فضلَة يسْجد عَلَيْهَا مَعَ بَقَاء ستْرَة لَهُ. فَإِن قلت: احْتج الشَّافِعِي بِحَدِيث خباب قَالَ: (شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حر الرمضاء فِي جباهنا فَلم يشكنا) . أَي: فَلم يزل شكوانا، وَبِمَا روى عَنهُ أَنه قَالَ: (ترب جبينك يَا رَبَاح) . قلت: حَدِيث خباب لَيْسَ فِيهِ ذكر الجباه والأكف فِي المسانيد الْمَشْهُورَة، ثَبت فَهُوَ مَحْمُول على التَّأْخِير الْكثير حَتَّى تبرد الرمضاء، وَذَلِكَ يكون فِي أَرض الْحجاز بعد الْعَصْر. وَيُقَال: إِنَّه مَنْسُوخ بقوله: (أبردوا بِالظّهْرِ فَإِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم) . وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عبد ابْن عبد الرَّحْمَن قَالَ: (جَاءَنَا رَسُول اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، فصلى بِنَا فِي مَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل، فرأيته وَاضِعا يَدَيْهِ فِي ثَوْبه إِذا سجد) . رَوَاهُ أَحْمد وَابْن ماجة. فَإِن قلت: هَذَا مَحْمُول على الثَّوْب الْمُنْفَصِل الَّذِي لَا يَتَحَرَّك بحركته.

قلت: هَذَا بعيد لقَوْله: (بسط ثَوْبه فَسجدَ عَلَيْهِ) . إِذْ: الْفَاء، فِيهِ للتعقيب. وكل حَدِيث احْتج بِهِ الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب فَهُوَ مُحْتَمل، وَمَا احْتج بِهِ غَيره من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين فَهُوَ مُحكم، فَيحمل الْمُحْتَمل على الْمُحكم على أَنه قد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنهم رووا سُجُوده، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على كور عمَامَته. مِنْهُم: أَبُو هُرَيْرَة، أخرج حَدِيثه عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) . وَابْن عَبَّاس، أخرج حَدِيثه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) . وَعبد ابْن أبي أوفي، أخرج حَدِيثه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) ، وَجَابِر أخرج حَدِيثه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) . وَأنس أخرج حَدِيثه ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه (الْعِلَل) . وَابْن عمر أخرج حَدِيثه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم تَمام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ فِي (فَوَائده) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) : أما مَا روى أَن النَّبِي كَانَ يسْجد على كور عمَامَته فَلَا يثبت مِنْهُ شَيْء. قلت: حَدِيث ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن أبي أوفى جِيَاد، وَمَا كَانَ مِنْهُ من الضَّعِيف يشْتَد بِالْقَوِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي هَذَا الْبَاب. وَبِمَا ذكرنَا هَهُنَا يحصل الْجَواب عَمَّا قَالَه الْكرْمَانِي فِي هَذَا الْبَاب من فرقه بَين الْمَحْمُول المتحرك وَغَيره، وَالِاسْتِدْلَال بقوله: (ترب وَجهك) ، وَحَدِيث الْبَاب أَيْضا يرد مَا ذكره من قَوْله: وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء قِيَاس بالفارق، وَقِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص.

قُلْنَا: لَا نسلم ذَلِك لأَنا عَملنَا أَولا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ورد فِي هَذَا الْبَاب، وبالقياس أَيْضا، فَهَذَا أقوى. وَقَوله: ثَبت أَنه كَانَ يُبَاشر الأَرْض بِوَجْهِهِ فِي سُجُوده، فَنَقُول: بَاشر أَيْضا ثَوْبه فِي سُجُوده، كَمَا مر، وبدليل مَا لَو سجد على الْبسَاط يجوز بِالْإِجْمَاع، فَإِن احْتج بقوله: (مكن جبهتك وأنفك من الأَرْض) ، فَنَقُول بِمُوجبِه، وَهُوَ وجدان حجم الأَرْض حَتَّى إِذا امْتنع حجمها لَا يجوز. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ أَي فِي حَدِيث الْبَاب تَقْدِيم الظّهْر فِي أول الْوَقْت قُلْنَا: ظَاهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَمر بالإيراد بِالظّهْرِ يُعَارضهُ، وَدفعهَا إِمَّا بِأَن نقُول: إِن التَّقْدِيم رخصَة والإيراد سنة، فَإِذا قُلْنَا: أَحَادِيث الْأَمر بالإيراد ناسخة لَا يبْقى تعَارض. فَافْهَم.

وَمِمَّا يستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور أَن الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة عَفْو، لِأَن وضع طرف الثَّوْب فِي مَوضِع السُّجُود، عمل. وَا أعلم.

٤٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي النعالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي النِّعَال، أَي: على النِّعَال أَو؛ بالنعال، لِأَن الظَّرْفِيَّة غير صَحِيحَة.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق تَغْطِيَة الْوَجْه بِالثَّوْبِ الَّذِي يسْجد عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْبَاب تَغْطِيَة بعض الْقَدَمَيْنِ.

٦٨٣٢٥ - ح دّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا أبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بنُ يَزِيدَ الأَزْرِيُّ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ أكانَ النَّبيُّ يُصلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نعَمْ. (الحَدِيث ٦٨٣ طرفه فِي ٠٥٨٥) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة مر ذكرهم، وَأَبُو مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَسَعِيد بِالْيَاءِ، وَيزِيد من الزِّيَادَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده. فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين عسقلاني وكوفي وبصري.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن بشر بن الْمفضل وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن عباد بن الْعَوام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع وغسان بن مُضر.

ذكر مَعْنَاهُ واستنباط الحكم مِنْهُ: قَوْله: (أَكَانَ النَّبِي) اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستفسار. قَوْله: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه؟) أَي: على نَعْلَيْه، أَو بنعليه، كَمَا ذكرنَا. والنعل: الْحذاء مُؤَنّثَة وتصغيرها: نعيلة، وَقَالَ ابْن بطال: معنى هَذَا الحَدِيث عِنْد الْعلمَاء إِذا لم يكن فِي النَّعْلَيْنِ نَجَاسَة فَلَا بَأْس بِالصَّلَاةِ فيهمَا، وَإِن كَانَ فيهمَا نَجَاسَة فليمسحهما وَيصلى فيهمَا. وَاخْتلفُوا فِي تَطْهِير النِّعَال من النَّجَاسَات، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا وطىء القذر الرطب يجْزِيه أَن يمسحهما بِالتُّرَابِ وَيُصلي فِيهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا يجْزِيه أَن يطهر الرطب إِلَّا بِالْمَاءِ، وَإِن كَانَ يَابسا أَجزَأَهُ حكه. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يطهر النَّجَاسَات إِلَّا المَاء فِي الْخُف والنعل وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الصَّلَاة فِي النِّعَال من الرُّخص لَا من المستحبات، لِأَن ذَلِك لَا يدْخل فِي الْمَعْنى الْمَطْلُوب من الصَّلَاة.

قلت: كَيفَ لَا تكون من المستحبات بل يَنْبَغِي أَن تكون من السّنَن، لِأَن أَبَا دَاوُد روى فِي (سنَنه) : حدّثنا قُتَيْبَة بن سعيد حدّثنا مَرْوَان ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ عَن هِلَال بن مَيْمُون الرَّمْلِيّ عَن يعلى بن شَدَّاد بن أَوْس عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وَلَا فِي خفافهم) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا، فَيكون مُسْتَحبا من جِهَة قصد مُخَالفَة الْيَهُود، وَلَيْسَت بِسنة لِأَن الصَّلَاة فِي النِّعَال لَيست بمقصوده بِالذَّاتِ، وَقد روى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله حافياً ومتنعلاً) ، وَهَذَا يدل على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة، وَحكى الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) عَن بَعضهم أَن الصَّلَاة فِيهِ أفضل.

وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ: جَوَاز الْمَشْي فِي الْمَسْجِد بالنعل.

٥٢ - (بابُ الصَّلَاةِ فِي الخِفَافِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْخفاف أَي: بالخفاف. وَهُوَ جمع خف.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

٧٨٣٣٥ - ح دّثنا آدَمُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنه الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عنْ هَمّامِ بنُ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلى خفَّيْهِ ثُمَّ قامَ فَصَلى فَسُئِلَ فَقالَ رَأَيْتُ النبيَّ صَنَعَ مِثْلَ هذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ فَكانَ يُعْجِبُهُمْ لأَنَّ جَرِيراً كانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أسْلَمَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمسح على خفيه ثمَّ قَامَ فصلى) لِأَنَّهُ صلى وَهُوَ لابس خفيه، إِذْ لَو نزعهما بعد الْغسْل لوَجَبَ غسل رجلَيْهِ، وَلَو غسلهمَا لنقل فِي الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: آدم بن أبي إِيَاس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، وَسليمَان الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ، وَهَمَّام: على وزن فعال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، كَانَ من الْعباد مَاتَ فِي زمن الْحجَّاج، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد االبجلي الصَّحَابِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد من الْمُضَارع. وَفِيه: السماع

فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل وَالرِّوَايَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين: الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم، وَعلي بن خشرم وَعَن يحيى بن يحيى وَإِسْحَاق وَأبي كريب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن منْجَاب بن الْحَارِث. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن مُحَمَّد، الْكل عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عبد ابْن دَاوُد عَن بكير بن عَامر عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير: (أَن جَرِيرًا بَال ثمَّ تَوَضَّأ فَمسح على خفيه، قَالَ: مَا يَمْنعنِي أَن أَمسَح وَقد رَأَيْت رَسُول الله يمسح؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك قبل نزُول الْمَائِدَة. قَالَ: مَا أسلمت إِلَّا بعد نزُول الْمَائِدَة) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ربعي بن حِرَاش عَنهُ، قَالَ: (وضأت رَسُول الله فَمسح على خفيه بعد مَا نزلت سُورَة الْمَائِدَة) . ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن ربعي إلَاّ ياسين الزيات، تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق، وَيَاسِين مُتَكَلم فِيهِ، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَنهُ أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله فِي حجَّة الْوَدَاع فَذهب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يتبرز فَرجع فَتَوَضَّأ وَمسح على خفيه، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إلَاّ خَالِد الْحذاء، وَلَا عَن خَالِد إلَاّ حَارِث بن شُرَيْح، تفرد بِهِ سِنَان بن فروخ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ قَامَ فصلى) ، ظَاهره أَنه صلى فِي خفيه كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَسئلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: سُئِلَ جرير عَن الْمسْح عل الْخُفَّيْنِ وَالصَّلَاة فيهمَا، وَقد بَين الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه من طَرِيق جَعْفَر بن الْحَارِث عَن الْأَعْمَش أَن السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك هُوَ همام بن الْحَارِث الْمَذْكُور، وَله من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش، فعاب عَلَيْهِ ذَلِك رجل من الْقَوْم. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: من الْمسْح على خفيه وَالصَّلَاة فيهمَا. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) أَي: الْمَذْكُور، وَهُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (فَكَانَ) أَي: فَكَانَ حَدِيث جرير يعجبهم، أَي: يعجب الْقَوْم لِأَنَّهُ من جملَة الَّذين أَسْلمُوا فِي آخر حَيَاة رَسُول ا، وَقد أسلم فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا رَسُول ا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: كَانَ يعجبهم هَذَا الحَدِيث، وَمن طَرِيق عِيسَى بن يُونُس، فَكَانَ أَصْحَاب عبد ابْن مَسْعُود يعجبهم. قَوْله: (من آخر من أسلم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (لِأَن إِسْلَام جرير كَانَ بعد نزُول الْمَائِدَة) .

وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِك) أَي: مسح النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الْخُفَّيْنِ بعد نزُول الْمَائِدَة. فَقَالَ جرير: مَا أسلمت إلَاّ بعد نزُول الْمَائِدَة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، من طَرِيق شهر بن حَوْشَب: (قَالَ: رَأَيْت جرير بن عبد ا) فَذكر نَحْو حَدِيث الْبَاب، قَالَ: (فَقلت لَهُ: أقبل الْمَائِدَة أم بعْدهَا؟ قَالَ: مَا أسلمت إلَاّ بعد الْمَائِدَة) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث مُفَسّر، لِأَن بعض من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ تَأَول أَن مسح النَّبِي على الْخُفَّيْنِ كَانَ قبل نزُول آيَة الْوضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة، فَيكون مَنْسُوخا: فَذكر جرير فِي حَدِيثه أَنه رَآهُ يمسح بعد نزُول الْمَائِدَة، فَكَانَ أَصْحَاب ابْن مَسْعُود يعجبهم حَدِيث جرير لِأَن فِيهِ ردا على أَصْحَاب التَّأْوِيل الْمَذْكُور. قلت: قَالَ اتعالى فِي سُورَة الْمَائِدَة: {فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الْآيَة، فَلَو كَانَ إِسْلَام جرير مُتَقَدما على نزُول الْمَائِدَة لاحتمل كَون حَدِيثه فِي مسح الْخُف مَنْسُوخا بِآيَة الْمَائِدَة، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامه مُتَأَخِّرًا علمنَا أَن حَدِيثه يعْمل بِهِ، وَهُوَ مُبين أَن المُرَاد بِآيَة الْمَائِدَة غير صَاحب الْخُف، فَتكون السّنة مخصصة لِلْآيَةِ. وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) : عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم رَضِي اعنه، قَالَ: مَا سَمِعت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أحسن من حَدِيث جرير رَضِي اعنه، وَقد ورد مؤرخاً بِحجَّة الْوَدَاع فِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ.

وَاعْلَم أَنه وَردت فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ عدَّة أَحَادِيث تبلغ التَّوَاتُر على رَأْي كثير من الْعلمَاء. قَالَ الْمَيْمُونِيّ: عَن أَحْمد: فِيهَا سَبْعَة وَثَلَاثُونَ صحابياً. وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُحَمَّد عَنهُ: أَرْبَعُونَ، كَذَا قَالَه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: أحد وَأَرْبَعُونَ صحابياً. وَفِي (الْأَشْرَاف) عَن الْحسن: حَدثنِي بِهِ سَبْعُونَ صحابياً. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مسح على الْخُفَّيْنِ سَائِر أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة، وَغَيرهم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَسَائِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار وَعَامة أهل الْعلم والأثر، وَلَا يُنكره إلَاّ مخذول مُبْتَدع خَارج عَن جمَاعَة الْمُسلمين. وَفِي (الْبَدَائِع) : الْمسْح على الْخُفَّيْنِ جَائِز عِنْد عَامَّة الْفُقَهَاء وَعَامة الصَّحَابَة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: إِنَّه لَا يجوز، وَهُوَ قَول الرافضة. ثمَّ قَالَ: رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد